رشيد أيوب

من شعراء العصر الحديث

ولد سنة 1288 هـ / 1871 م – توفي سنة 1360 هـ / 1941 م

 

هُوَ الدهر

هُوَ الدهرُ لا يَخشَى القَنا والقواضِبَـا

ولكن يهابُ الدهـرُ منكَ المَوَاهِبَـا

فَلا تَكُ مَغـرُوراً بنفسـكَ غافِـلاً

حَقِيقَتَها فَاعلَـم وَحـدّ العَوَاقِبَـا

ولا تَـكُ مِمَّـن طَيّشتَـه مَطامِـع

فَيَأبَى بأن يَقضي لدى الحَقّ واجِبَـا

عَلى أثَـري يا مَـن أرَاهُ مُجَاهِـداً

لِيَبلُـغَ فِي هـذا الزّمـانِ الرّغائِبَـا

فَما أنا بالشّانِي ولكـن أنا الّـذي

عَلى منبرِ الإخلاصِ ما زالَ خاطِبَـا

فَمِن دَرَكاتِ الذلّ تصبـحُ صَاعِـداً

عَلى دَرَجاتِ العِـزِّ تَعلـو مَراتِبَـا

فَقَد جَمَعَتنِـي وَاللَّيالِـي حَـوَادِثٌ

فكانَت مَوَاثِيـقُ اللَيَالِـي كَوَاذِبَـا

فَنَكّبتُ عن صِدقِ الزّمـانِ لأنَّنِـي

رأيتُ زَمانِي عَن هَوَى الصّدقِ ناكِبَا

وقَد صَحِبَتنِي هشمّـةٌ لا تَخُونَنِـي

وَلَو أنشَبَت فِيَّ الخُطـوبُ مَخَالِبَـا

إِذا لَم يَكُن لِي غَيـرُ نَفـسٍ أبِيّـةٍ

أَبَـى اللهُ إِلاَّ أَن تُلَبِّـي المَطـالِبَـا

فَحَسبِي افتخاراً أَن أَجـوُدَ بِبَذلِهـا

لِخدمَةِ خَلـقِ اللهِ والعَـدلِ راغِبَـا

فَمَا قَصَبَاتُ السَّبقِ إِلاّ لِمَـن غَـدا

بِميـدَان هَذا الدَّهرِ للدَّهرِ حَاسِبَـا

وما المَـرءُ ِإلاّ مَـن تَـرَاهُ مُدافِعـاً

عَنِ الوَطَنِ المَحبوبش قَلبـاً وقالِبَـا

فَقُل للّذي يَبغِي اهتِضَـامَ حُقوقِنَـا

ستُصبِحُ مَغلُوباً وَإِن كُنـتَ غَالِبَـا

فَما هِيَ إِلاَّ النَّفس نسمَـة خَالِـق

فَحاشـا لَها أن تَستَلِـذّ المَصَائِبَـا

وَكُن فَطِناً يا مَن مَلَكَـتَ عنانـها

إِذا جَمَحَت مادَت بِهَا الأرضُ جانِبَا

فَلَيسوا بقَومـي مَن ترَاهـم أذِلّـةً

ولكِن قَومـي مَن أذَلّـوا المَصاعِبَـا

لَنـا كلّ قَلـبٍ فِيـهِ كلّ عزيـمَة

تَجَـرّدُ مِنـهَا للدّفـاعِ كَتـائِبَـا

فَنحنُ بَنو الأعرَابِ كُنَّـا ولَم نَـزَل

بِما خَصَّنا المَولَى نَفُـوقُ الأجَانِبَـا

فَمَن يا ترَى أَعلَى الوَرَى كمحَمّـدٍ

وأرفَعهُم مَجـداً وَأَسْمَـى مَنَاقِبَـا

وَمَن مِثل مَن قادوا الخلافـةَ بعـده

وكانوا لِصرحِ العَـدلِ مِنهُ جَوَانِبَـا

ألَسنَا الألَى سادوا العِبـادَ ودَوَّخُـوا

البِلادَ وأبدَوا فِي الحُـرُوبِ عَجَائِبَـا

وقَصّرَ عن إِدرَاكِهم كـلُّ لاحِـقِ

غَداةَ امتَطوا ظِهرَ العُلـى والمَناكِبَـا

فَكَم دولَةٍ شدنـا وسُدنـا بِهمّـةٍ

أحَدّ مِنَ البِيـضِ الرّقـاقِ مضارِبَـا

وَكُنَّا قَديمـاً مثلـما اليـوم قومُنَـا

إِذا صُفّتِ الأقـوامُ نَعلـو المَناصِبَـا

فمـا رَوَتِ الأيـامُ من عَهـدِ آدمٍ

إِلَى اليَومِ عن شَعبٍ يفوق الأعارِبَـا

كَـذاكَ بَنَينَـا للعُلُـومِ مَعـاهِـداً

وَشدنا لأهلِ الأرضِ فِيـهَا مكاتِبَـا

وقد أخذَت عَنّا الشُّعـوبُ مَعارِفـاً

كَما أخَذت عَنَّـا قديـماً مَذاهِبَـا

وَنَحنُ الألَى فِي النّثرِ فاقـوا بَلاغَـةً

وأبدوا لَدى نَظمِ القَريـضِ غَرَائِبَـا

وسارَت بِنَا الأمثَالُ من فرطِ جودنا

فَكُنّا بُحُـوراً بِالنَّـدى وَسحائِبَـا

كذا قَد وَرَدنَا فِي الأصُولِ وعِندنـا

نُفُـوسٌ أبِيّـاتٌ تَنَـالُ المـآرِبَـا

بِموطِنِنَـا لَولا الَّذِي جَـلَّ عَرشُـهُ

لَفَاخَرَتِ الأرضُ السَّما والكواكِبَـا

جَنَى شَرفاً من فضلِ عيسى واحمـد

يَجُرّ عَلَـى هَـامِ الثّرَيّـا ذوَائِبَـا

مَطَالِـعُ أنـوَارٍ وَمَهبـطُ حِكمَـةٍ

وَآيـاتُ إِلـهَامٍ تَظَـلّ نَجَـائِبَـا

فَيَـا وَطَنِـي لا زلـتَ أوّلَ بُقعَـةٍ

من الأرضِ أبدَت للبَرَايـا عَجَائِبَـا

طَوَيـتَ من الآثـارِ ما لو نشرتَـهُ

لضاقت بِهِ الدُّنيَا حِجـىً ومَوَاهِبَـا

فَلا تَحسَبَنَّ القومَ شَـطّ مَزَارُهُـم

وَلا تَحسَبَنَّ البَحرَ أصبـحَ حاجِبَـا

جَذبَتَ قُلوبَ النَّـاس حَتَّى رَأيتهُـم

يَحُجّونَ أفوَاجاً فَحَسبـكَ جَاذِبَـا

وَحُرمَةِ عَهدٍ بَينَنَـا قَـد عهدتـها

وَعِزّةِ نَفـسٍ لا تَهَـابُ التّجارِبَـا

لأنتَ مَنيعٌ وَسـطَ مَن قد عرَفتهـم

يَصُـدّونَ بالأروَاحِ منـكَ النّوَائِبَـا

كماة لَقَد صاغـوا النفـوس أسِنّـةً

ومن عَزمِهم سَلّـوا قنـاً وقَوَاضِبَـا

وَحقِّـك يا حرّيـة قَـد عَشِقتُـها

وأنفَقتُ عمري فِي هَوَاها مُحارِبَـا

وسرِّ جَمـالٍ فِيـك هـامَ بِحبّـه

بنو الشرقِ إِجلالاً فَحَلّـوا المَغارِبَـا

وحسن انعِطافٍ منك يعذُبُ دونـهُ

عَذابٌ لَقَد أَمسَى عَلَى النَّاس واصِبَا

وَوَصف سَنَاءٍ لاحَ مِنـك حَسِبتـهُ

شِهاباً عَلى وَجـهِ البسيطَـةِ ثاقِبَـا

لأنتِ مُنَى الدَّنيَـا وغايـة سُؤلـها

وأفضَـلُ شيء قد رَأتـهُ مُنَاسِبَـا

فلا يُختَشى ظلـمٌ وأنـت عدالـةٌ

ولا ظُلَمٌ فالنّـورُ يَمحُـو الغَيَاهِبَـا

 


النّجُومَ الدّرَارِيَا

إِلَى أيِّ حينٍ أُرسِلُ الشّعرَ شاكِيَـا

وَحتَّى مَتَى أَرعَى النّجُومَ الدّرَارِيَـا

وَتطلُبُ نَفسِي مِن زَمانِي صَداقـةً

وَهَيـهاتِ أَن تَلقَـاهُ إِلاَّ مُعَادِيـا

تَحُطّ الرَّزايا رَحلَهَا عِنـدَ خَافِـقٍ

بِسَفحِ ضُلوعٍ ساكِنَـاتٍ شـمالِيَا

وتَمشي عَلى إِثرِ اللَّيالِي التِي غَدَت

بصَدري دَلِيلات الرّزَايـا هَوَادِيَـا

أُزَحزِحُ قُطبَ النّفسِ عن مُستَقَـرّهِ

وأُدمِي فُؤادي إن بَعَثـتُ القَوَافِيَـا

أذلـك ذَنبِـي يَا زَمَـانٌ بِأنَّنِـي

قَضَيتُ مَشيبِي فِي الوَفـا وَشَبابِيَـا

وَلِي حَسَنَـاتٌ يا زَمَـانُ كَثيـرَةٌ

فَما لَكَ تَرويهَـا عَلَـيَّ مَساوِيَـا

خُلِقتُ وَلِي نَفسٌ تَجُولُ لَدَى العُلَى

وَلَو كانَ فَوقَ الأرضِ جِسميَ ماشِيَا

فَمَهما تَرَامَت بِـي يـداكَ فإنَّنِـي

عَلَى الرَّغمِ لَم أبرَح أشِيدُ الأمانِيَـا

عَلَى أنَّهـا دنيَـا لكُـلِّ زَمَانُـهُ

ولا بُدَّ فِي دُنيَـايَ أَلقَـى زَمانِيَـا

فَلا تَحسَبُوا أَنِّـي أُصِبـتُ بِجنَّـةٍ

إِذا جَنَّنِـي لَيلـي وَبِـتُّ مُنَاجِيَـا

فَذَلك دَأبِي مُـذ دبَبـتُ وشِيمَـةٌ

شَبَبتُ عَلَيها إن ذكـرتُ بِلاديـا

مغانٍ شَدَوتُ الأمس حُبّاً بذكرِهـا

فأصبَحتُ أَبكِي اليَومَ تلكَ المَغانِيَـا

أناخَت عَوَادي الدَّهرِ فِيها رِحالـها

غَداةَ تعَـدّت طَودَهَـا والرّوَابِيَـا

أُعَلّـلُ نَفسِـي بِالقَوافِـيَ تـارَةً

وَطَوراً تَرَانِي شَاخِصَ الطَّرف ساهِيَا

أحُثّ مَطَايا الفِكرِ نَحـوَ ديارِهـم

غَداةَ سَطَا دَهري فَقَـصّ جَنَاحِيَـا

وَأذكُر أوطَانِـي وللعيـنِ أدمُـعٌ

وفِي القَلبِ نَارٌ إن تذكَّـرتُ آلِيَـا

ألا لَيتَ شِعري هَل غَديـرٌ أُحِبّـهُ

تعلَّمتُ منهُ النّوحَ مـا زالَ جارِيَـا

وهل ذلكَ الوَادِي الَّـذِي بِشمالِـهِ

ترَعرَعتُ حُرّاً يذكُرُ اليَـوم نائِيَـا

وَهل نَسَماتٌ عِند صِنّينَ لَم تَـزَل

مهينمَةً تَدرِي بِحالِـي وَمَـا بِيَـا

وَيا نبعَـهُ هَـلاّ لقَلبِـي جَرعَـةٌ

من المَاءِ أَحسُوها فَتُحيِـي فُؤاديَـا

فَللهِ عَيشي فِيهِ كَم كَانَ مُخصبـاً

وللهِ عَيشي فِيهِ كَم كَـانَ حالِيَـا

أُقَلّبُ طَرفِي فِي مُحِيطي فَـلا أرَى

منَ القَومِ إِلاَّ خالِيَ البـالِ لاهِيَـا

رُوَيدكُمُ يا قَومُ فالجوعُ قَد سَطَـا

وعَمَّ فَأعمَى النَّائِحـاتِ البَوَاكِيَـا

رُوَيدكُمُ يا قَـومُ فالوَطَـنُ الَّـذِى

تدَفّقَ مِنهُ الخَيـرُ قَد صَـارَ خالِيَـا

كَأنِّي بِسُوريا وَقَد طَـالَ عَهدُهـا

عَلى مَضَضِ الأَيّامِ تَخشَى التَّلاشِيَـا

كَأنِّي بِلُبنَان وَقَد نَطَـحَ السُّهَـى

وَعَينَاهُ تَجتـازُ البُحُـورَ الطّوَامِيـا

يَشقّ عَلَيهِ أن يَـرَى كُـلّ نـازِحٍ

سَقاهُ زُلالاً يُنكـرُ اليَـوم سَاقِيَـا

هنالكَ خَلفَ البَحـرِ أَرضٌ بعيـدةٌ

أُديرُ إِلَيـها كُـلّ حيـنٍ لحاظِيَـا

أفَكّرُ فِي ما قد غَشاها مِنَ الأسَـى

فَأثنِي عنانَ الفِكرِ جَـذلانَ باكِيَـا

لِعِلميَ أن لا بُـدّ للقَمَـرِ الَّـذِي

عَرَاهُ خسوفٌ أن يُنيـرَ الدّياجِيَـا

فَكَم نَكبَةٍ كانت سَبِيلاً إِلَى العُلَـى

وَكَم يستطيبُ الماء مَن كَانَ صَادِيا

نَذُمّ الدَّواهِـي إن دَهتنَـا ورُبَّمَـا

إذا رَحَلَت عَنَّا مَدَحنـا الدَّواهِيـا

فما هِيَ إِلاّ كالغيـومِ إذا انْجَلَـت

تُخَلّفُ جَوّاً مشرِقَ الوَجهِ صَافِيَـا

 


عاد ربيعُ الأرض

عـاد ربيـعُ الأرض فاستَيقظـت

وزَحزَحت عن مُقلَتَيها الحجـاب

ظَنّـت بأنّي قلـتُ يا مهجتِـي

قُومي فقد عاد زمـانُ الشَّـبَاب

لَم أدرِ إذ أوصَـدتُ بابَ المُنَـى

أنّ لنفسي ألـف بابٍ بابٍ وباب

فالبُلبـلُ الصّـدّاحُ فِـي روضـهِ

تُسكتُه هوجُ الرّيـاح الغضـاب

والنجمـةُ الغـرّاءُ فِـي أفقـها

يَحجبـها عن العُيـونِ الضّـبَاب

إن لَم يكن صدرُ الفَتَـى عامـراً

بالصّبر ظلّ العيش رهن الخـراب

والـمرء فِي الدنيا بشتَـى المُنَـى

يَحيا ولو كانت كلمعِ السـراب

لـولا بقايـا ذكريـاتٍ رسَـت

فِي القلبِ لَم يقوَ عليها العـذاب

ما اغرَورَقت عَينِـي على فائـتِ

قد مرّ من عمري مُرورَ الشـهاب

يا دمعَةً جالـت لذكـرِ الصِّـبَا

فِي مُقلـةٍ قد جعّدتـها السنـون

خافت عليـها العيـنُ من لائـمٍ

فغَيّبَتـها فِـي زوايـا الجفـون

ويـا فُـؤاداً خـافقـاً بالجـوَى

خفتُ عَلَيـهِ يعتريـهِ السّكـون

ذا علّـةٍ أمـسـى ولـكـنّـهُ

يبدو صَحِيحاً كي يُضلّ الظنـون

هيّا بنَـا نَمشـي إِلَـى رَوضَـةٍ

بعيـدةٍ كـي لا ترانـا العيـون

حيثُ أغانِـي الحـبّ فِي زهـوهِ

قد ردّدتها الطيـرُ فوق الغصـون

حيثُ رواياتُ الصِّـبَا قد بـدَت

فِي مسرح الأحلام تنفي الشجون

حيـثُ معانِـي الله فِـي خلقـهِ

حيثُ جَمالُ الكونِ حيثُ الفنـون

هـذا مَجـالٌ واســعٌ للمُنَـى

وكـلُّ شـيءٍ بالأمانِـي يهـون

دوزَنـتُ قيثـاري علـى نَغمَـةٍ

تُحبّـها نفسـي لبُعـد القـرار

ورحتُ أطوي روضـةً روضـةً

وأنشد الأشعـارَ طـولَ النّهـار

كأنَّنِـي قد سـرتُ فِـي جنّـةٍ

لوِ استطاع القلـبُ فيـها لطـار

تَجـدو بِيَ الأحـلامُ فِي عالَـمٍ

قَاصٍ عـن الدُّنيَـا بعِيـدِ المَـزار

فلا جليـسٌ غيـر زهـر الرّبـى

ولا أنيسٌ غيـر صـوت الهـزار

حَتَّى إذا لاحَت نُجـومُ الدُّجَـى

تذكّرَ الأصحـابُ نائِـي الدِّيـار

وَهَـبَّ مِـن أحـلامِـهِ ناسيـاً

ما مرّ بالذكرى وأرخـى السّتـار

 


لِي ساعَة

لِـي سـاعَـةٌ فِـي غُرفَتِـي

أحلَلتهــا أعلَـى مَـكـان

وتَخـذتُهـا لِـي مُـؤنسـاً

دُون الأنـامِ عَلَـى أمــان

قَد كُنـتُ أَمسـحُ وجههـا

مِمَّـا غَشـاه مـن الدّخـان

فَغَـدَت تُـنَـبّـهـنِـي إذا

للشغــل قـــد آن الأوان

حتّــى إذا ألـفَـيـتـهـا

معشـوقـةً طَـوعَ البَنَــان

أطلعتهــا سّــري ومَــا

عنـدي من البَلـوَى وكـان

ما زلتُ أحسـبُ أن عهـدي

عنـدهـا أبــداً مُصــان

حتــى ابتليــتُ بليلَــةٍ

دهـماء عنـها الصبـح بـان

وشطحـتُ أفكـر بالحيــاة

وكـم بِهـا حـرٌّ يُهــان

لَمَّـا وصَلـتُ لِحَـالتِــي

ورَأيتُ دهري كيـف خـان

أشعَلتُــهَا سيكــــارَةً

وبرَزتُ فِـي حـلل الطعـان

ثُـمَّ استَعَنــتُ بقهـوَتِـي

مُتَسَلّحـاً ثَبـتَ الـجَنــان

أفـري بِهـا جيـش الهمـوم

فيـا لَهَـا مـن مُستعــان

حتّــى إذا أطلَقــتُ فِـي

جَـوِّ الـخيـالات العِنــان

وسبحت فِي بَحـر القوافِـي

أنتقــي منـهُ الـجُمــان

أصطــاد كـلّ خـريـدةٍ

فاقَت علـى الغِيـد الحسـان

تَختـال فِـي بُـرد البديـع

علـى بسـاط مـن بيــان

طرَقـوا علـيّ البـابَ قالـوا

لاحَ فجــرك يـا فــلان

لَمَّـا نظـرتُ بِسـاعتِــي

متلعثــمٌ منـها اللّســان

نـادَيتُـها أيــن العُهُــود

فلـم تجـب شـأن الجبـان

لا غـرو إن خـانـت فمـا

كانت سـوى بنـت الزمـان

أو ليـس من هـذي اللَّيالِـي

السُّـود أُرضعـت اللبــان

 


أرغَى المَشيب

أرغَـى الـمَشيـبُ وأزبَـد

وابيَـضّ مـا كـانَ أسـوَد

فَقُـلـتُ هـذا حِسـابِـي

مـعَ الـزمَـانِ تَـسَــدّد

ورُحـتُ فِي الحُلـمِ قصـري

فَـوقَ النُّجـومِ مُـشَـيَّـد

والـمَـرءُ لَـولا الأمـانِـي

تَـمُـوتُ فِـيـهِ وتُـولَـد

لَمَـا رَأيـتَ عَـلَـيـهَـا

إِلاّ الـحَـزيـنَ الـمُنَكَّـد

قـد فـرّقَ الـدهـرُ بينِـي

وَبـيـنَ عَـزمـي وبَـعّـد

وهـانَ عِــزّي لـديــهِ

والـدّهـرُ إن لنـتَ يَشتـد

وخـانَنِـي الـبـالُ حَتَّـى

كَـأنَّـنِـي اليـومَ جلمَـد

نَسِيـتُ مَـا كَـانَ مِـنِّـي

فِـي مَـا يُـذَمّ ويُحـمـد

ومَـن تَـعَــوّدَ رَغــداً

إن يَمـرُرِ العَيـشُ يـزهـد

وبَـيـنَـمـا أنَـا يَـومـاً

جَـزِيـرَتِـي أتَـفَـقّــد

وَجَـدتُ فِيـهَا كتـابــاً

خـطّ الشَّـبَاب الـمُـبَـدَّد

إمـضَـاءُ دَمـعِـي عَلَـيـهِ

وَأَنْـجُـمُ اللَّـيـلِ شُـهَّـد

كـم نُحـتُ فِـي الحــبّ

نوحـاً صَـداهُ بـاقٍ يُـرَدَّد

وقلتُ فِـي الشَّـوقِ شِعـراً

مـازالَ يُتلـى ويُـنـشَـد

وَفَيـتُ للحُــبِّ دَيـنــاً

ومَـن يـفِ الدَّيـنَ يُسعَـد

أيّــامَ كــانَ فُــؤادي

كَـجَـمـرَةٍ يَـتَـوَقّــد

فـرَاجِعِـي يَـا لَيـالِــي

مَـا فِـي السِّجِـلّ المُخلَّـد

تَــرَي بـأوّل سَـطــرٍ

بِجـانِـبِ اسْمِـي مُقَـيَّـد

مـازالَ فِـي الأرض حيّــاً

وفِـي سَمـا الحـبِّ فرقـد

 


لو كنتُ أبقى

لو كنتُ أبقى لكنت الدهر أبكيكا

أو استطعت لكنت اليـوم أفديكـا

مولاي كيف اصطباري بعدما قلبت

لِيَ المجنَّ اللَّيالِـي مـن تَجافِيكـا

أبِيـتُ والقبّـة الزرقـاء أرقبُـها

علّي أُطالع فيها ما جـرَى فيكـا

حتَّى بكتني بنات النعش وانهتكـت

سجف الدياجي ولَم أبرَح اناجيكا

تَهزّ دوح قريضـي كـلّ مرثيـةٍ

كالوُرقِ ناحَت على أعواد ناديكـا

ربّ المَنابِـر والأبصـار شاخصـة

إنّ المَنابـر ضاقـت عن مراثيكـا

مَا لِي أفتّش فِي الدُّنيَا على خَلَـفٍ

هيهات قد عزّ فيها مَن يُساويكـا

ناشدتك الله فاسـمع نوح طائفـة

يفنَى الزَّمان ولن تنسـى أياديكـا

يا حامل الضيم عنهم كلما نُكبـوا

بأي خطب دهاهم لَـم يؤموكـا

لَمَّا نعيت عظيم القدر وانفجعـت

فِيكَ البلاد بكَينَـا فِـي مغانيكـا

ناهيك يا سيـدي عمّـا نكابـدُه

من التذكّـر والأشـوَاقِ ناهيكـا

فَنَم كما شئتَ حتّى الحَشرِ مُغتبطـاً

لا عاش مَن يرتضي الدنيَا ويسلوكا

واشفع كثيراً بنا يوم الحساب غـداً

فأنت لا شـكّ عنـد الله باريكـا

 


خَليلي تَمطَّى الحزن

خَليلي تَمطَّى الحزنُ فانقبض الصّـدر

غَداةَ تنادَوا قد قضى الرجـل الحـرُّ

عجبتُ لعينِي حين قلتُ لَهَا اذرفِـي

وقد سبقتنِي والدمـوع بِهـا حـمرُ

وَيا وَيل نفسي يومَ قلتُ لَهَا اصبـري

ولَم أدرِ أنّ النّفس فارَقهَـا الصّبـرُ

ويا ويح قلبِي كيـفَ بـاتَ مُقلَّبـاً

على جَمرةٍ ما زال يُضرمهـا الدهـرُ

نثرتُ خليلي فـوق قبـرك أدمُعـاً

يقصِّرُ عن أوصافهـا النظـمُ والنثـرُ

يقُولون بعدَ الموتِ نَمضـي لأنْجُـمٍ

هُنالكَ لا مـوتٌ يكـونُ ولا قَبـرُ

فَبِاللهِ قُـل لِـي أَيّ نَجـمٍ تَـومّـهُ

لأمضي إِلَيهِ بعدَ أن ينقضـي العُمـرُ

فَنَحيَـا جَميـعاً فِي مكـانٍ مُؤبّـدٍ

ولا يُختَشَـى فِيهِ شَقـاءٌ ولا ضـرُّ

فيَا قَبر من أَهوَى علَيـك تَفَجّـرَت

سَحائبُ عَفوٍ كُلَّـما طلَـع الفجـرُ

ويَا حبّة القلـبِ الَّتِي قَـد زَرَعتـها

على تُربِهِ والدَّمعُ مِنِّـي لَهَـا قطـرُ

فَها أَنَا لَم أبـرح على القبـرِ واقفـاً

أُراقبُ كَيفَ الحَبّ يَنمـو ويَخضـرُّ

وأنشـقُ ريّا مَن أُحـبّ وإن يَكُـن

طَوَتهُ سُلَيمَـى سوف يبقى لهُ نَشـرُ

وأذكُرُ منـهُ كُـلّ مـاضٍ عشِقتـهُ

وأرعَى لَهُ عَهـداً يُشاهِـدُه الحَشـرُ

 


َظَرتُ وكُلّي عيون

نَظَــرتُ وكُلّـي عيــون

إِلَـى رائِعـاتِ الجَـمــال

وَلَمَّـا دَهتنِـي الشُّجــون

شـدَدتُ إِلَيهـا الـرِّحـال

فَسـادَ بِقلبِـي السُّكــون

وتَـاهَ بِنَفسـي الـخَـيـال

إِلَى حيـثُ أَلقَـى السَّـلام

أَيَا لَيـلُ يـا ابـن الدهـور

بِـرَبّــكَ لا تَـنـجَــلِ

ظـلامُـكَ رشـدٌ ونــور

لـدى الشـاعـرِ المختلـي

أمـــانٍ وراء البـــدور

بِهــا قَلبــهُ مُمتَلـــي

فمـهـلاً ألا يـا ظــلام

غَـرامِـي بِتـلكَ الشُّمـوس

وأنـوارُهــا لا تَغِـيـب

فَكيـفَ أَخـافُ البــؤوس

وَرُوحِي بِمرعـىً خصيـب

ألا شعشعـي يـا كـؤوس

فَمَـا للـرّزايـا نَصِيــب

وزدنِـي شجـىً يـا غـرَام

غِنَــاءٌ يَلِيــهِ نـــواح

ولـحـنٌ قـريـبٌ بعِيـد

فيَـا عَنـدليـبَ الصَّــبَاح

ألا اصـغِ لقلـبٍ شـريـد

كـذا انصتِـي يـا ريـاح

إِلَـى أن يِتــمّ النّشِيــد

وحتّـى الـمُغَنّـي يَنــام

لَقَد مَاتَ شخـصُ الشَّـبَاب

وغَطَّـى الـدُّجَـى مُقلَتَيـه

لِمـاذا أنــادي السّحـاب

لِيَبكـي انتِحـابـاً عَلَيــه

أنـا مـن خـلال الضَّـبَاب

سـريعـاً أسيــرُ إلَيــه

كحُلـمٍ سـرَى فِـي المَنـام

 


ما أنتَ فِي الدُّنيَا

ما أنتَ فِي الدُّنيَا سوى جاهـلٍ

إن لَم تكن كالبرق وسطَ الضّباب

يَمـرّ لَم يَحفـل بـهِ ضاحكـاً

حَتَّى تطلّ الشَّمس فَوق الهضاب

والمـرءُ إن لَم يبـنِ قصـراً لـهُ

فِي عالَمِ الأحلامِ قاسى الصّعاب

يُفنَي قشورَ العَيـش منّا الـرّدى

فِي هذه الدُّنيَا ويُبقـي اللُّبـاب

مَـن يَحفـظ التاريـخُ آثـاره

ما زال حيَاً وهوَ نَحتَ التُّـراب

لِـذا ترانِـي كلـما هَينَمَـت

نَفسي بأسـرارٍ وراءَ الحِجَـاب

هـزّ الـجــوَى قيثــاري

فِـي مـوقـفِ التـذكــارِ

فَـاسْمـع صَـدَى الأوتــارِ

مــن دقّــةِ الـنّـــوَى

ورُبّ لَيـلٍ خضـتُ فِي بَحـرِهِ

وحدي وقد باتَ رفاقـي رقـود

قَطَعـتُ بـالأشـواقِ تَيّــارهُ

فخلتُ أَنِّي قد قطعـتُ الحُـدود

وسرتُ فيـهِ ودليلـي الهـوى

تَحدو بِيَ الذكرى ورعيُ العهود

أسامـرُ الأنْجـمَ فِـي أُفقـها

وأرسلُ الطرفَ بِهـذا الوجـود

تَقول لِي نفسـي وفِيـها المُنَـى

ما قيمةُ الإنسـان لولا الخلـود

حَتَّى إذا غابت نُجـومُ الدجَـى

عنّي وكَلّ الطرفُ مِمّـا يـرُود

هـزّ الـجــوَى قيثــاري

فِـي مـوقـفِ التـذكــارِ

فَـاسْمـع صَـدَى الأوتــارِ

مــن دقّــةِ الـنّـــوَى

 


هَـوَّنَ الله

هَـوَّنَ الله وعـدَنـا فَالتقَينَـا

وتَذَكَّـرنَـا اللَّيـالِـي فَبكينَـا

يَومَ كُنَّـا فِي بَسَاتِيـن الصِّـبَا

من ثِمار الحُبِّ نَجنِي ما اشتَهَينَـا

وَهَنَت مثلي ولكـن لَـم يـزَل

فِي حَواشي العمر ما يَجلو لَدينَـا

قُلتُ هَـذي رَوضَـةٌ هيَّـا بِنَـا

نَتَصـابَـى فَمشينَاهـا الهُوينَـا

وجَلَسنَـا فِي حِمَـى صَفصافـةِ

خَيَّمَت أَغصانَها عَطفـاً عَلينَـا

وعَقـدنَـا مَوثِقـاً أَن لا نـوًى

بَعدَ هَذي هكـذا كُنَّـا نَوينَـا

إِنَّمـا لَمَّـا طوينَـا سَـاعـةً

يَعلمُ اللهُ بِها كَـم قَـد طوينَـا

دَارَت الـدّنيَـا بِنَـا دَورَتـها

فتَفَـرَّقنَـا كَأنَّـا مَـا التَقَينَـا

 


قمّة الطـود

فها قمّة الطـود العظيـم بلغتـها

وَرُوحِي بِجَـوّ الإنعتِـاق تَمشّـتِ

وصرتُ بعيداً والطلول قد اختَفَـت

وراء ضبابٍ حـالكٍ عن بصيرَتِـي

وسادَ سكونٌ فَوقَ أوديـةٍ غـدَت

لناظِرِهـا تَبـدو كأعظـمِ لُجَّـةِ

كذاكَ أمّحت تلك الممرّاتُ بعدمـا

عليها يدُ النسيـان بالطبـعِ مـرّتِ

مرُوجٌ وغابـات تـرَاءت وكلّـها

توَارَت ورَا أشبـاحِ أمـنٍ جَميلَـةِ

كغيـمِ ربيـعٍ خلتـها ببَياضـها

ومثل ضيا شَمس الأصيـل المنيـرَةِ

وحَمراء كانت مثل نـور كأنَّهـا

وشـاح مسـاء لاحَ عند العشيَّـةِ

أغانِيّ أموَاج البحـور تضَعضعـت

أغانِي السواقي فِي الحقول اضمحلّتِ

هنـالك كلّ الكائنـاتِ صَوامـتٌ

وقد سكتَت أصـوَاتُ كلّ الخليقَـةِ

وغير أغانِي الخلد ما عدتُ سامعـاً

تُـرَافِقُهـا رُوحٌ هُنـاكَ تَغَـنّـتِ

 


غَداً تُشرقُ الشَّمس

غَداً تُشرقُ الشَّمس فَوقَ الرُّبوع

وتَجتازُ أرض البكـا والعويـل

وتُخبـر كيفَ بـلاد الدّمـوع

تُحَيِّي اللَّواتِي صَنَعـنَ الجميـل

هُنَـاكَ بعِيـداً ورَاءَ البُحــور

عُيُـونٌ تَشُـقّ أديـمَ الأثيـر

وترنو إِلَى صاحبَـات الشّعـور

بِحزنٍ مُذيبٍ وقلـبٍ كسيـر

هنالكَ فِي الشَّرق حيثُ النُّـواح

وحيثُ النَّـهار كَلَيـلٍ بَهيـم

سيَظهرُ لطفٌ كشمس الصَّبَـاح

وعطفٌ يُسابقُ جَـريَ النَّسيـم

هناك ستزهـو بُعَيـدَ الذّبـول

نفُوسٌ تَجَنّـى عَلَيـها الزَّمـان

وتنبُتُ ما بيـنَ تلكَ الطلـول

زهورٌ غُرِسنَ بأيـدي الحَنـان

فَيَا ريح إن جِئتِ أرض الشَّـآم

وعجتِ بلبنان وقـت السَّحَـر

فقولِي سَـلامٌ وألـف سَـلام

عَلى مَن تَوَارَوا بتـلكَ الحفـر

 


قَطفت يدُ الدُّنيا

مَن مُرجعٌ هيهاتَ لِي جَهلـي

فالقلبُ قد أمسَى بِـلا شغـلِ

قَطفت يـدُ الدُّنيـا أزاهـرَهُ

فخلَت خلايـاهُ مـن النحـلِ

وعفت مياديـنُ العـراك بـهِ

ما بيـنَ عـزّ الحـبّ والـذلِّ

لَم يبـقَ فيـهِ للهـوَى أثَـرٌ

إِلاّ كظـلّ فراشـةِ الـحَقـلِ

ليست جراحٌ كنـتُ أحـملها

من نبلِ تلكَ الأعيـنِ النُّجـلِ

وبرُوقُ وعـدٍ كنـتُ أرقبهـا

بالوصل غابت فِي دُجَى المطـلِ

ودموعُ ياسٍ كنـتُ أذرفهـا

فِي اللَّيلِ من عَينَـيّ كالوبـلِ

بأمـرّ مـن عيـشٍ أكابـدهُ

مُذ صار كلُّ الشّغـلِ للعقـلِ

 


عَجبتُ لَها

عَجبتُ لَها لا تستقرّ علـى حـالِ

فَيَا شُدَّ ما تَلقاهُ يا جسدي البالِـي

تغرّدُ فِي الظلماء حـولَ قصُورهَـا

وعندَ انبِثاقِ الفَجرِ تَبكي بأطـلالِ

فَيَا لكِ من نفسٍ أبيـتُ لأجلِـها

بشاخصِ طَرفٍ فِي الكواكبِ جَوّالِ

ومَن كانَ مثلي يَجعلُ الشّعرَ سُلّماً

لنَيلِ أمانِي النَّفـسِ يزهـد بالمَـالِ

وربَّ امرىءٍ عالٍ يَرى الناس دونه

وإن كان بينَ الناسِ مُنخفِضَ الحالِ

إذا كان فقري من شعوري ناتِجـاً

فمُت يا غِنَى وليحيَ شِعري وإقلالِي

 


أقاسي الغرام

إِلَـى كَـم أقاسـي الغـرام

وقلبِـي بِجنبِـي جـريــح

أنَفسـي كَـفـاكِ هـيـام

أمـا آنَ أن نـسـتـريــح

ذكـرتُ لنفسـي السّفــر

فغَنّـت بـذكـرِ الـرّبـوع

وخَلّـت بِقَـلـبِـي أثَــر

وفِـي العَيـنِ منّـي دمـوع

إذا مـا دَهـانِـي الأسَــى

وعَـزّ عَـلَـيَّ الـنّـظَــر

ذكـرتُكُـمُ فِـي الـمسـا

وناجَيتُكـم فِـي السّحَــر

بَلَـى بعـد هـذا البعــاد

ألا سـجّـلـي يـا سَـمَـا

أنـا فِـي أقـاصِـي البـلاد

ورُوحِـي بِـوادِي الحـمـى

 


زَمَــان الصَّـبَا

فِـي ذِمّـةِ الله زَمَــان الصَّـبَا

وَعَيشيَ الذّاهب قَبـل المَشِيـب

أيّـامَ كـانَ الشّعـرُ لِي رَوضَـةً

وَهَبتُها للنّفسِ مَرعـىً خَصِيـب

كَم كنتُ أشدو إن دعانِي الهـوَى

كما شَدا العُصفورُ فوقَ القَضِيـب

أمسَيـتُ وَاشَوقـي إِلَى ذَاهِـبٍ

والعَينُ تَرعَى النّجمَ حَتَّى يَغِيـب

والنّفس من ذكرَى زمانٍ مَضـى

كَم زَفرَة مِنـها تفُـوقُ اللّهِيـب

تـدبّ فِـي اللَّيـل إذا جَنّنِـي

فَتَسمَعُ الأفلاكُ صَـوتَ الدَّبِيـب

 


إِذَا سنَّ وَاش

إِذَا سنَّ وَاشٍ فِي اغتيابِـي لسانـهُ

فحسبِيَ أَنِّي قَد سللـتُ مواضيَـا

فبحر قريضي عنده وقـف الألـى

رأوا موجهُ الطامي يشيب النواصيَـا

رُويدك يا هذا فما أنـتَ شاعـرٌ

مُجيدٌ ولَو سـوّاك ربّـك ثانيَـا

وخلّ القوافِي للذيـن إِذا انتضـوا

يَرَاعاً يسيـل الشعـر منـهُ لآليَـا

تغلغـلُ فيـه كلّ بكـرٍ بديعَـةٍ

إِذا جَنّها لَيـلٌ تنَاجـي الدّرَارِيـا

فيشدو بِها من جَمّع الدّهرُ شَملـه

ويَحدو بِها من هزّه الشّوقُ باكيَـا

 


سَمعتُ هَمسَ القَلب

سَمعتُ هَمسَ القَلبِ فِي ليلـةٍ

لَيلاءَ قَد سادَ عَلَيها السّكـون

ومُهجتِي عند السُّهَى سائحَـه

فقلتُ ماذا قال عهـد الـهوى

الله كَم مـرّت علَيـهِ سنـون

كَأنَّـهُ فِـي اللَّيلَـةِ البارحَـه

ونَـامَ قَلبِـي تاركـاً دمعَـةً

تَجولُ طول اللَّيلِ بينَ الجفـون

كنجمـةٍ فِي أفقـها سابِحَـه

حَتَّى إذا لاحَ الصَّبَاحُ انـزَوَت

فِي مُقلتِي كَي لا تَراها العيـون

لَكن لمّن يدري الهوى واضحَـه

 


جَلسـتُ بقربِ شُبَّاكي

جَلسـتُ بقـربِ شُبَّـاكـي

أرَدّدُ طِيـــبَ ذِكـــرَاكِ

وأطــوي بِيــدَ أحــلامٍ

كَبَــت فِيـها مَطـايــاكِ

وفيـما النَّفـسُ حَـائِمــةٌ

تُـرَفـرِفُ فَــوقَ مَغنــاكِ

تَفجَّـرَ فِـي الدُّجـى بَـرقٌ

تَـلاهُ مَـدمَعِـي البَـاكـي

أتـاركتنِـي أخَــا سهــرٍ

مَتَــى عَهــدي بِلقيــاكِ

إذا خَطـرَت عَلـى بَـالِــي

أُوَيقَــاتِــي وَإِيَّــــاكِ

ورُحـتُ أُعـاتـبُ الـدُّنيَـا

جَلسـتُ بقـربِ شُبَّـاكـي

 


تَأتِي وتَمضِـي

تَأتِي وتَمضِـي الشَّمـسُ لكنّـما

عندي شروقُ الشمسِ مثل الغروب

هذا يُزيـح النـومَ عـن مُقلتِـي

وذاك يُدمي القلبَ حَتَّى يـذوب

عند الضحى أشتـاقُ يا مهجتِـي

وفِي الدُّجَى بينَ الدراري أجـوب

أنـوح بالأشعـار بَعـد النّـوى

وأرقُـبُ الأيّـامَ حتّـى تـؤوب

لو كـان نوحـي عُـدّ الـورى

ذنباً لكنتُ اليومَ كلّـي ذنـوب

لكن عـزاء القلـب أنّ الأسَـى

قد صار شعراً عشقتـهُ القلـوب

 


ألا لَيتَ لِي

ألا لَيتَ لِي ما قد دعاه بنو الـورى

حُطاماً فأعطي البائسيـنَ وأنفـحُ

سـموحٌ هوَ المَـرءُ المُفرِّقُ مَالـه

ولكنّ مَن يُعطي من القلبِ أسـمحُ

ألَم تَرَنِي والدَّهرُ أصمَى حشاشتِـي

أعلّمُ وَرقاء الحمى كيفَ تصـدحُ

إذا صلحت بالمـال نفـسٌ فإنّهـا

بإعطائهـا مِمَّـا لديهـا لأصلـحُ

فما المال إِلاّ بعـد موتـك بـارحٌ

وما الجود إِلاّ صنع ماليـس يبـرحُ