المقنع الكندي

 

هو محمد بن عميرة بن أبي شمر بن فرعان بن قيس بن الأسود عبد الله الكندي

مـن شعـراء العصـر الأمـوي

توفي سنة 70 هـ / 960 م

 

يُعاتِبُنِي فِي الدَّيـن

يُعاتِبُنِي فِي الدَّيـنِ قَومـي وَإِنَّمـا

دُيونِيَ فِي أَشياءَ تُكسِبُهُـم حَمـدَا

أَلَمْ يَرَ قَومِي كَيـفَ أوسِـرَ مَـرَّة

وَأُعسِرُ حَتَّى تَبلُغَ العُسـرَةُ الجَهـدَا

فَمَا زَادَنِي الإِقتَـارُ مِنهُـم تَقَرُّبـاً

وَلا زَادَنِي فَضلُ الغِنَى مِنهُـم بُعـدَا

أَسُدُّ بِهِ مَا قَـدْ أَخَلّـوا وَضَيَّعـوا

ثُغورَ حُقوقٍ مَا أَطَاقوا لَهَـا سَـدَّا

وَفِي جَفنَةٍ مَا يُغلَق البَـابُ دُونَهـا

مُكلَّلـةٍ لَحمـاً مُـدَفِّقـةٍ ثَـردَا

وَفِي فَـرَسٍ نَهـدٍ عَتِيـقٍ جَعَلتُـهُ

حِجَاباً لِبَيتِي ثُـمَّ أَخدَمتُـه عَبـدَا

وَإِن الَّذِي بَينِي وَبَيـنَ بَنِـي أَبِـي

وَبَينَ بَنِي عَمِّـي لَمُختَلِـفُ جِـدَّا

أَرَاهُم إِلى نَصري بِطـاءً وَإِن هُـمُ

دَعَونِـي إِلى نَصـرٍ أَتيتُهُـم شَـدَّا

فَإِن يَأكُلوا لَحمي وَفَرتُ لُحومَهُـم

وَإِن يَهدِموا مَجدِي بَنَيتُ لَهُمْ مَجدَا

وَإِن ضَيَّعوا غَيبِي حَفَظتُ غيوبَهُـم

وَإِن هُمْ هَوَوا غَييِّ هَوَيتُ لَهُمْ رُشدَا

وَلَيسوا إِلى نَصري سِراعاً وَإِن هُـمُ

دَعونِي إِلى نَصِيـرٍ أَتَيتُهُـم شَـدَّا

وَإِن زَجَروا طَيراً بِنَحسٍ تَمـرُّ بِـي

زَجَرتُ لَهُم طَيراً تَمُرُّ بِهِـم سَعـدَا

وَإِن هَبَطوا غـوراً لأَمـرٍ يَسؤنِـي

طَلَعتُ لَهُـم مَـا يَسُرُّهُـمُ نَجـدَا

فَإِن قَدحوا لِي نَـارَ زنـدٍ يَشينُنِـي

قَدَحتُ لَهُم فِي نَارَ مكرُمـةٍ زَنـدَا

وَإِن بَادَهونِـي بِالعَـداوَةِ لَمْ أَكُـن

أَبادُهُم إِلاَّ بِمَـا يَنعَـت الرُشـدَا

وَإِن قَطَعوا مِنِّـي الأَواصِـر ضَلَّـةً

وَصَلتُ لَهُم مُنّـي المَحَبَّـةِ وَالـوُدَّا

وَلا أَحمِلُ الحِقـدَ القَديـمَ عَلَيهِـم

وَلَيسَ كَريمُ القَومِ مَن يَحمِلُ الحِقـدَا

فَذلِكَ دَأبِي فِـي الحَيـاةِ وَدَأبُهُـم

سَجيسَ اللَيالِي أَو يُزيرونَنِي اللَحـدَا

لَهُم جُلُّ مَالِي إِن تَتابَـعَ لِي غَنَّـى

وَإِن قَلَّ مَالِـي لَمْ أُكَلِّفهُـم رِفـدَا

وَإِنّي لَعَبدُ الضَيفِ مَـا دَامَ نـازِلاً

وَمَا شيمَةٌ لِي غَيرُهَا تُشبـهُ العَبـدَا

عَلَى أَنَّ قَومِي مَا تَرى عَيـن نَاظِـرٍ

كَشَيبِهِم شَيبـاً وَلاَ مُردهـم مُـرداً

بِفَضلٍ وَأَحـلام وجـودِ وَسُـؤدُد

وَقَومِي رَبيع فِي الزَّمـانِ إِذَا شَـدَّا

 


كَالخَطِّ فِي كُتُـبِ

كَالخَطِّ فِي كُتُـبِ الغُـلامِ أَجـادَه

بِمـدادِهِ وَأَسَـدَّ مِـن أَقـلامِـهِ

قَلَـمٌ كَخَرطـومِ الحَمامَـةِ مَائِـلٌ

مُستَحفِـظٌ لِلعِلـمِ مِـن عَلاَّمِـهِ

يَسِمُ الحُـروفَ إِذَا يَشـاءُ بِناءَهَـا

لِبَيـانِهَـا بِالنَقـطِ مِـن أَرسامِـهِ

مِن صوفَةٍ نَفـث المِـدَادِ سُخَامَـه

حَتَّـى تَغَيَّـرَ لَونُهَـا بِسُخـامِـهِ

يَخفَى فَيُقصَمُ مِـن شَعيـرَة أَنفُـهُ

كَقُلامَـةِ الأَظفـورِ مِـن قَلاَّمِـهِ

وَبِأَنفِـهِ شِـقُّ تَـلاءَمَ فَاستَـوَى

سُقي الـمِدَادَ فَـزَادَ فِـي تَلامِـهِ

مُستَعجِمٌ وَهوَ الفَصِيحُ بِكُـلِّ مَـا

نَطَقَ اللِسَانُ بِهِ عَلَـى اِستِعجامِـهِ

وَلَـهُ تَـراجِمَـةٌ بِأَلسِنَـةٍ لَهُـم

تِبيانُ مَـا يَتلُـونَ مِـن تَرجَامِـهِ

مَا خـطَّ مِن شَـيءٍ بِـهِ كتّابـه

مَا إِن يَبوحُ بِـهِ عَلَـى اِستِكتامِـهِ

وَهِجـاؤُهُ قَـاف وَلاَم بَعـدَهَـا

مِيـم مُعَلَّقَـةٌ بِـأَسـفَـلِ لاَمِـهِ

قَالَـت لِجَارَتِهَـا الغَزّيـلُ إِذ رَأَت

وَجهَ الـمُقَنَّـع مِـن وَرَاءِ لِثامِـهِ

قَد كَـانَ أَبيَـضَ فَاعتَـرَاهُ أُدمَـةٌ

فَالعَيـنُ تُنكِـرُهُ مِـن أدهيمَامِـهِ

كَم مِـن بويـزل عَامِهَـا مهرِيَّـةٍ

سُرُحُ اليَدَيـنِ وَمن بويـزل عَامِـهِ

وَهَبَ الوَليـدُ بِرَحلِهَـا وَزِمامِهَـا

وَكَـذَاكَ ذَاكَ بِرَحلِـهِ وَزِمـامِـهِ

وَقُـوريـحٍ عَـتَـدٍ أُعِـدَّ لِنيِّـهِ

لَبنُ اللُقوحِ فَعَـادَ مِـلءَ حِزامِـهِ

وَهبَ الوَليدُ بِسَرجِهَـا وَلِجامِهَـا

وَكَـذَاكَ ذَاكَ بِسَرجِـه وَلِجَامِـهِ

أَهـدَى المُقَنَّـعُ لِلوَليـدِ قَصيـدَةً

كَالسَيفِ أُرهِفُ حَـدُّهُ بِحُسَامِـهِ

وَلَهُ الـمَآثِرُ فِـي قُريـشٍ كُلِّـهَا

وَلهُ الخِلافَةُ بَعـدَ مَـوتَ هِشَامِـهِ

 


جَنيَّةً مِن نِسَاءِ الأنس

وَفِي الظَعائِن وَالأَحداجِ أَحسَنُ مَـن

حَلَّ العِراقَ وَحَـلَّ الشَّـام وَاليَمَنَـا

جَنيَّةً مِن نِسَاءِ الأنسِ أَحسَـنُ مِـن

شَمسِ النَّهارِ وَبَدر اللَيـلِ لَو قُرِنَـا

مَكتومَة الذِكر عِندي ما حييتُ لَهَـا

وَقَد لَعَمري مَلِلتُ الصَـرَمَ وَالحَزنَـا

وَصاحِبِ السُّوء كَالـداءِ العيـاءِ إِذَا

مَا ارفَضَّ فِي الجِلدِ يَجري هَا هُنَا وَهُنَا

يَبدِي وَيُخبرُ عَن عَـوراتِ صَاحِبـه

وَمَا يَرَى عِندَهُ مِـن صالِـحٍ دَفَنَـا

كَمهـر سَـوءٍ إِذَا رَفَّعـتَ سيرَتَـهُ

رَامَ الجِمـاحَ وَإِن أَخفَضتـه حَرَنَـا

إِن يَحِي ذَاكَ فَكُـن مِنـهُ بِمعزلـةٍ

أَو مَاتَ ذَاكَ فَلا تَشهَـدُ لَـهُ جَنَنَـا

 


َهـلَ البُخـل

إِنّي أُحَرِّض أَهـلَ البُخـلِ كُلِّهُـم

لَو كَانَ يَنفَعُ أَهلَ البُخلِ تَحرِيضِـي

مَا قَـلَّ مَالِـيَ إِلاَّ زَادَنِـي كَرَمـاً

حَتَّى يَكُونَ بِـرزقِ اللهِ تَعوِيضِـي

وَالـمَالُ يَرفَعُ مَنْ لَـولاَ دَرَاهِمُـهُ

أَمسَى يُقَلِّب فِينَا طرفَ مَخفـوضِ

لَن تُخرِج البِيضُ عَفواً مِنْ اكُفِّهُـم

إِلاَّ عَلَى وَجَـعٍ مِنهُـم وَتَمرِيـضِ

كَأَنَّهَا مِنْ جُلـودِ البَاخِليـنَ بِهَـا

عِندَ النَّوائِبِ تُحـذَى بِالمَقَارِيـضِ

 


وَإِذَا رُزِقـتَ

وَإِذَا رُزِقـتَ مِن النَّـوَافِـل ثَـروَةً

فَامنَح عَشِيرَتَـكَ الأَدَانِـي فَضلَهَـا

وَاِستَبِقـها لِـدِفَـاع كُـلِّ مُلِمَّـةٍ

وَاِرفُق بِنَاشِئَـهَا وَطَـاوِع كَهلَهَـا

وَاِحلَم إِذَا جَهَلَت عَلَيـكَ غُواتُهـا

حَتَّى تَرُدَّ بِفَضـلِ حِلمِـكَ جَهلَهَـا

وَاِعلَـم بِأَنَّـكَ لاَ تَكُـونُ فَتَاهُـمُ

حَتَّى تُرَى دَمِثَ الخَلائِـقِ سَهلَهَـا

 


أُبـلُ الرِّجَـالَ

أُبـلُ الرِّجَـالَ أَرَدتَ إِخَـاءَهُـم

وَتَـوَسَّمَـنَّ فَغـالَهُـم وَتَفَقَّـدِ

فَإِذَا ظَفَرتَ بِذِي اللَبابَـةِ وَالتُقَـى

فِيهِ اليَدَيـنِ قَرِيـرَ عَـيٍ فَاِشـدُدِ

وَإِذَا رَأَيـتَ وَلا مَحَـالَـةَ زَلَّـةً

فَعَلَى أَخِيكَ بِفَضلِ حِلمِكِ فَـاردُدِ

وَدَع التَـذلُّلَ وَالتَخَشـعَ تَبتَغِـي

قُربَ الَّذِي إِنْ تَـدنُ مِنـهُ يَبعُـدِ

 


وَلا تَجعَل الأَرض

وَلا تَجعَل الأَرضَ العَريضَ مَحلُّهَـا

عَلَيـكَ سَبيـلاً وَعَـثَـةَ المُتَنَقَّـلِ

وَإِن خِفـتَ مِن دارٍ هَوَانـاً فَوَلِّهَـا

سِـواكَ وَعَـن دَارِ الأَذَى فَتَحَـوَّلِ

وَلاَ تَكُ مِمَّنْ يُغلِـقُ البَّـابَ دُونَـه

عَلَيهِ بِمغـلاقٍ مِن العَجـزِ مقفَـلِ

وَمَا المَرءُ إِلاَّ حَيثُ يَجعَـلُ نَفسَـهُ

فَفِي صَالِح الأَعمَالِ نَفسكَ فَاجعَـلِ

 


َزَلَ المَشيبُ

نَزَلَ المَشيبُ فَأَيـنَ تَذهَـبُ بَعـدَهُ

وَقَد ارعَويتَ وَحانَ مِنـكَ رَحِيـلُ

كَـانَ الشَّـبَابُ خَفيفَـةٌ أَيّـامُـهُ

وَالشَّيـبُ مَحمَلُـه عَلَيـكَ ثَقِيـلُ

لَيسَ العَطاءُ مِن الفُضـولِ سَماحَـةً

حَتَّى تَجـودَ وَمَـا لَدَيـكَ قَلِيـلُ

 


وَكُن مَعدِناً

وَكُن مَعدِناً لِلحُلمِ وَاِصفَح عَنِ الأَذَى

فَإِنَّـكَ رَاءٍ مَـا عَلِمـتَ وَسامِـعُ

وَأَحبِب إِذَا أَحبَبـتَ حُبًّـا مُقارِبـاً

فَإِنَّكَ لاَ تَدرِي مَتَـى أَنـتَ نَـازِعُ

وَاِبعض إِذَا اِنعِضـت غَيـرَ مُباعِـدٍ

فَإِنَّكَ لاَ تَدرِي مَتَـى أَنـتَ راجِـعُ

 


وَذَادَت عَن هَواهُ

وَذَادَت عَن هَـواهُ البِيـضِ بِيـضٌ

لَهَا فِـي مَفـرِق الـرَّأس انتِشَـارُ

جَـدِيـدٌ وَاللَبِيـسُ أَعَـزُّ مِنـهُ

وَأَحـرَى أَنْ يُنـافِسَـهُ التّجـارُ

 


وَلِي نَثرَةُ

وَلِي نَثرَةُ مَا أَبصَرَت عَيـنُ نَاظِـرٍ

كَصُنعِ لَهَا صُنعاً وَلا سَردهَا سَـردَا

تَلاحَـمَ مِنـهَا سَردُهَـا فَكَأَنَّمـا

عُيونُ الدَبَا فِي الأَرضِ تَجرُدهَا جَردَا