ابن خفاجة

 

هو إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله بن خفاجة الجعواري الأندلسي

من شعراء العصر الأندلسي

ولد سنة 450 هـ / 1058 م – توفي سنة 533 هـ / 1138 م

 

بِمِثلِ عُلاكَ

بِمِثلِ عُلاكَ مِـن مَـلِكٍ حَسيـبِ

عَدَلتُ إِلى المَديحِ عَـنِ النَسيـبِ

وَساعَدَنِـي ثَنـاءٌ فيـكَ رَطـبٌ

كَما سَرَتِ التَحِيَّـةُ مِـن حَبيـبِ

وَهَزَّت مِـن مَعاطِفِـيَ القَوافِـي

كَما هَفَـتِ النُّعامَـى بِالقَضيـبِ

أَمـا وَرُواءِ دَولَـتِـهِ يَمـيـنـاً

تَأَلاَّهـا نَجيـبٌ فِـي نَجيـبِ

لَقَد ضَحِـكَ الصَّبَـاحُ بِمُجتَـلاهُ

وَراءَ اللَّيـلِ عَـن ثَغـرٍ شَنيـبِ

وَظاهَرَنِـي بِمُغتَـرَبِـي حُسـامٌ

أَنِستُ بِهِ وَنِعـمَ أَخـو الغَريـبِ

أَشيـمُ بِـهِ سَنـا بَـرقٍ يَمـانٍ

يُخَفِّرُنِـي إِلَى المَرعَـى الخَصيـبِ

إِلَى جَـذلانَ وَضَّـاحِ الـمُحَيَّـا

سَليمِ القَلـبِ وَالصَّـدرِ الرَّحِيـبِ

إِلَى يَقـظَـانَ وَقَّـادَ العَـوالِـي

مُريشِ السَّعـيِ بِالـرَّأيِ المُصيـبِ

يُساوِرُ مِنهُ طَـوراً لَيـثَ غَـابٍ

وَيَمسَـحُ تـارَةً عَطفَـي أَديـبِ

إِذا اِستَمطَرتَ مِنهُ غَمـامَ رُحمَـى

أَوِ اِستَنصَرتَ فِي يَـومٍ عَصيـبِ

مَـلأتَ يَدَيـكَ يُسراهـا بِيُسـرٍ

وَيُمنـاهـا بِمُختَـرَطٍ خَشيـبِ

فَإِن تَنـزِل فَـلا بِسِـوى تَميـمٍ

وَإِن تَحمِل فَلا بِسِـوى قَضيـبِ

فَإِنَّ الغَيثَ فِـي بيـضِ الأَيـادي

وَإِنَّ الغَوثَ فِي النَصـلِ الخَضيـبِ

إِمامٌ فِـي الذُؤابَـةِ مِـن قُرَيـشٍ

وَحَسبُ المَجدِ مِن عـودٍ صَليـبِ

تَشيـمُ بِصَفحَتَيـهِ بُـروقَ بِشـرٍ

تُعيدُ بَشاشَـةَ الـرَّوضِ الجَديـبِ

تَمُـجُّ الـرَّيَّ أَنفـاسُ المَجانِـي

بِـهِ وَمغـارِسُ العـودِ السَليـبِ

وَيُجمَلُ فِي حُبـاهُ طَـودُ حِلـمٍ

تُعَـدُّ خِـلالَـهُ رَمـلَ الكَثيـبِ

تَطَلَّـعَ لِلعُـيـونِ وَكُـلِّ قَلـبٍ

شُعاعٌ يُستَطـارُ مِـنَ الوَجيـبِ

بِمُعضِلَةٍ تَشيـبُ لَهـا النَّواصـي

فَما تَلقى هُنـالِكَ غَيـرَ شيـبِ

فَقُلتُ وَقَد زَجَرتُ الطَيـرَ مَهـلاً

فَغِـربـانُ الـعَـدُوِّ إِلَى نَعيـبِ

كَأَنَّكَ بِالظُهـورِ يُشَـدُّ رَكضـاً

وَبِالبُشرى تَخُـبُّ عَلـى نَجيـبِ

وَقَد غَنّى الحُسـامُ يَصِـلُّ قَرعـاً

وَأَفضَـى بِالعَـدُوِّ إِلَى النَحيـبِ

فَأَضحَكَ مِن نَجـاةِ الثَغـرِ ثَغـراً

وَنَفَّسَ مِن حِمـاهُ عَـن كَئيـبِ

فَقَرَّ وَكانَ أَخفَـقَ مِـن جَنـاحٍ

وَنامَ وَكانَ أَرعـى مِـن رَقيـبِ

وَهَلَ جَمَـعَ العِـدى إِلاَّ هَشيـمٌ

وَهَل بيضُ السُيوفِ سِوَى لَهيـبِ

فَقُل لِلخَيـلِ وَالأَبطـالُ شـوسٌ

أَلا كُرّي وَقُـل لِلشَّمـسِ غيبِـي

وَبَـرِّد حَـرَّ أَحشـاءِ المَـوالِـي

وَخَضخِض لُجَةَ العَلَـقِ الصَبيـبِ

وَبَـدِّد شَمـلَ آمـالِ الأَعـادي

وَطَأ تيجـانَ أَربـابِ الصَليـبِ

وَسُمهُـم إِن يَغُضّـوا أَو يَعَضّـوا

بِعَقبِ الحَـربِ أُنْمُلَـةَ الحَريـبِ

فَـإِنَّـكَ وَالرِبـاطُ إِلَى اغتِبـاطٍ

كَفيلُ السَعـدِ بِالفَتـحِ القَريـبِ

وَإِنِّـي وَالنَّسيـمُ بِهـا لَـذيـذٌ

لَمُشتَمِـلٌ عَلـى نَفـسٍ مُذيـبِ

لِحادِثَـةٍ تُصَـدِّعُ مِـن صِفاتِـي

مُـكَـدِّرَةٍ صَفـاءً مِـن قَليـبِ

فَهـا أَنـا أَلحَـظُ الأَيَّـامَ شَـزراً

وَأَرميـها بِطَـرفِ المُستَـريـبِ

وَأَشكو لَو شَكَـوتُ إِلَى مُصيـخٍ

لَيالِـيَ لا تُوَقِّـرُ مِـن مَشيـبِ

تَمَشَّـى تـارَةً مَشِـيَ السَبَنتِـى

وَآوِنَـةً تَـدِبُّ دَبـيـبَ ذيـبِ

وَكُنتُ مَتَى اِستَرَبتُ مِـنَ اللَّيالِـي

فَـزِعـتُ إِلَى ثَبيـرٍ أَو عَسيـبِ

إِلَى جَبَـلٍ أَصُـدُّ بِـهِ العَـوادي

وَأَقتـادُ الـمُنَـى قَـودَ الجَنيـبِ

أَظَـلُّ بِـهِ أُنـادي مِـن بَعيـدٍ

وَأَلتَمِسُ المَطالِـبَ مِـن قَريـبِ

فَيا مَـلِكَ المُلـوكِ وَلِـيَ لِسـانٌ

يُشيـرُ بِـهِ البَنـانُ إِلَى خَطيـبِ

يَفُـضُّ بِكُـلِّ قافِيَـةٍ خِتـامـاً

وَيُفعِمُ كُـلَّ نـادٍ ريـحَ طيـبِ

دُعاءٌ لَـو دَعَـوتُ بِـهِ جَمـاداً

لَهَزَّ مَعاطِـفَ الغُصـنِ الرَّطيـبِ

وَمِثلي هَـزَّ مِثـلَكَ ثُـمَّ أَصغَـى

عَلى ثِقَـةٍ يُصيـخُ إِلَى مُجيـبِ

وَرَدَّدَ فيـكَ نَـظـرَتَـهُ رَجـاءً

كَما اِلتَفَتَ العَليـلُ إِلَى الطَبيـبِ

 


بِعَيشِكَ هَل تَدري

بِعَيشِكَ هَل تَدري أَهـوجُ الجَنائِـبِ

تَخُبُّ بِرَحلي أَم ظُهـورُ النَجائِـبِ

فَما لُحتُ فِي أولَى المَشارِقِ كَوكَبـاً

فَأَشرَقتُ حَتَّى جِئتُ أُخرَى المَغـارِبِ

وَحيداً تَهادانِـي الفَيافِـي فَأَجتَلـي

وَجوهَ المَنايا فِـي قِنـاعِ الغَياهِـبِ

وَلا جارَ إِلاَّ مِـن حُسـامٍ مُصَمَّـمٍ

وَلا دارَ إِلاَّ فِـي قُتـودِ الرَّكائِـبِ

وَلا أُنـسَ إِلاَّ أَن أُضاحِـكَ ساعَـةً

ثُغورَ الأَمَانِي فِـي وُجـوهِ المَطالِـبِ

وَلَيلٍ إِذا ماقُلتُ قَـد بـادَ فَانقَضـى

تَكَشَّفَ عَن وَعدٍ مِنَ الظَـنِّ كـاذِبِ

سَحَبتُ الدَّياجي فِيهِ سـودَ ذَوائِـبٍ

لأَعتَنِـقَ الآمـالَ بيـضَ تَـرائِـبِ

فَمَزَّقتُ جَيبَ اللَّيلِ عَن شَخصِ أَطلَسٍ

تَطَلَّعَ وَضَّـاحَ المَضاحِـكِ قاطِـبِ

رَأَيتُ بِهِ قِطعاً مِـنَ الفَجـرِ أَغبَشـاً

تَأَمَّـلَ عَـن نَجـمٍ تَوَقَّـدَ ثاقِـبِ

وَأَرعَـنَ طَمّـاحِ الذَّؤابَـةِ بـاذِخٍ

يُطـاوِلُ أَعنـانَ السَّـماءِ بِغـارِبِ

يَسُدُّ مَهَبَّ الرِّيحِ عَن كُـلِّ وُجهَـةٍ

وَيَزحَـمُ لَيـلاً شُهبَـهُ بِالمَناكِـبِ

وَقورٍ عَلـى ظَهـرِ الفَـلاةِ كَأَنّـهُ

طِوالَ اللَّيالِي مُفَكِّـرٌ فِـي العَواقِـبِ

يَلوثُ عَلَيـهِ الغَيـمُ سـودَ عَمائِـمٍ

لَها مِن وَميضِ البَرقِ حُمـرُ ذَوائِـبِ

أَصَختُ إِلَيهِ وَهوَ أَخـرَسُ صامِـتٌ

فَحَدَّثَنِي لَيـلُ السُّـرَى بِالعَجائِـبِ

وَقالَ أَلا كَم كُنـتُ مَلجَـأَ قاتِـلٍ

وَمَـوطِـنَ أَوَّاهٍ تَـبَـتَّـلَ تائِـبِ

وَكَم مَرَّ بِي مِـن مُدلِـجٍ وَمُـؤَوِّبٍ

وَقالَ بِظِلِّـي مِـن مَطِـيٍّ وَراكِـبِ

وَلاطَمَ مِن نُكبِ الرِيـاحِ مَعاطِفـي

وَزاحَمَ مِن خُضرِ البِحـارِ غَوارِبِـي

فَما كانَ إِلاَّ أَن طَوَتهُم يَـدُ الـرَّدى

وَطارَت بِهِم ريحُ النَـوى وَالنَوائِـبِ

فَما خَفقُ أَيكي غَيرَ رَجفَـةِ أَضلُـعٍ

وَلا نَوحُ وُرقي غَيرَ صَرخَـةِ نـادِبِ

وَما غَيَّضَ السُلـوانَ دَمعـي وَإِنَّمـا

نَزَفتُ دُموعِي فِي فِراقِ الصَّواحِـبِ

فَحَتّى مَتَى أَبقَى وَيَظعَـنُ صاحِـبٌ

أُوَدِّعُ مِنـهُ رَاحِـلاً غَـيـرَ آيِـبِ

وَحَتّى مَتَى أَرعَى الكَواكِبَ ساهِـراً

فَمِن طالِعٍ أُخرَى اللَّيالِـي وَغـارِبِ

فَرُحمَاكَ يا مَـولايَ دِعـوَةَ ضـارِعٍ

يَمُدُّ إِلَـى نُعمـاكَ راحَـةَ راغِـبِ

فَأَسْمَعَنِي مِن وَعظِـهِ كُـلَّ عِبـرَةٍ

يُتَرجِمُها عَنـهُ لِسـانُ التَّجـارِبِ

فَسَلَّى بِما أَبكَى وَسَرَّى بِمـا شَجَـا

وَكانَ عَلى عَهدِ السُّرَى خَيرَ صاحِبِ

وَقُلتُ وَقَـد نَكَّبـتُ عَنـهُ لِطِيَّـةٍ

سَلامٌ فَإِنّـا مِـن مُقيـمٍ وَذاهِـبِ

 


تَرَى يوسُفا

تَرَى يوسُفاً فِي ثَوبِهِ حُسـنَ صُـورَةٍ

وَتَسـمَـعُ داوُداً بِـهِ مُـتَـرَنِّمـا

تَقَلَّدَ مِنـهُ عاتِـقُ المُـلكِ مُرهَفـاً

إِذا ما نَبا العَضـبُ المُهَنَّـدُ صَمَّمـا

مَضى حَيثُ لَم يَعلَق نَجيـعٌ بِنَصلِـهِ

فَيَدمى وَلَم يَكهَـم ظُبـاهُ فَيَكهَمـا

فَها هُوَ فِي السِـنِّ السَّـلامُ تَأَخُّـراً

وَفِي المَجدِ عُنوانُ الكِتـابِ تَقَدُّمـا

تَواضَعَ عَـن عِـزٍّ وَأَشـرَفَ هِمَّـةً

فَأَنجَدَ فِي طُـرُقِ المَعالِـي وَأَتـهَما

لَهُ عَزمَةٌ لَو نَهنَهَـت صارِمـاً نَبـا

فَلَم يَمضِ أَو مَـرَّت بِطَـودٍ تَهَدَّمـا

وَرَأيٌ جَلا بيضَ السُّيـوفِ طَريـرَةً

وَثَقَّـفَ مَيَّـادَ الرِّمـاحِ وَلَهذَمـا

وَها أَنا إِن تَمرَض بِأَرضِـكَ حاجَـةٌ

فَقَد جِئتُ أَبغي مِنكَ عيسى بنَ مَريَما

وَغَيرُ بَعيدٍ أَن أَنـالَ بِـكَ السُّهَـى

سُمُـوّاً إِذا كـانَ اعتِنـاؤُكَ سُلَّمـا

فَعِش تَخلَعِ الأَمـداحُ ثَوبـاً مُطَـرَّزاً

عَلَيكَ وَحُرُّ الشُّكـرِ عِقـداً مُنَظَّمـا

فَما السَّيـفُ يَـومَ الـرَّوعِ نَبَّهـتَ

حَدَّهُ فَأَضرَمتُهُ ناراً وَضَرَّجتُـهُ دَمـا

بِأَليَـنَ أَعطافـاً وَأَخشَـنَ مَضرِبـاً

وَأَرهَبَ إِقدامـاً وَأَجـدَى تَخَذُّمـا

وَلا الرَّوضُ غِـبَّ القَطـرِ فَضَّضَـهُ

النَّدَى وَرَجَّعَ فيـهِ طائِـرٌ فَتَكَلَّمـا

بِأَطيَـبَ أَفيـاءً وَأَنضَـرَ صَفحَـةً

وَأَعطَـرَ أَخلاقـاً وَأَحلَـى تَرَنُّمـا

 


وَلَيـلٍ تَعاطَينـا

وَلَيـلٍ تَعاطَينـا الـمُـدامَ وَبَينَنـا

حَديثٌ كَما هَبَّ النَسيمُ عَلى الـوَردِ

نُعـاوِدُهُ وَالكـاسُ يَعبَـقُ نَفحَـةً

وَأَطيَبُ مِنـهُ مانُعيـدُ وَمـا نُبـدي

وَنقلي أَقاحُ الثَّغرِ أَو سَوسَنَ الطُّلَـى

وَنَرجِسَـةُ الأَجفـانِ أَو وَردَةُ الخَـدِّ

إِلَى أَن سَرَت فِي جِسمِهِ الكاسُ وَالكَرى

وَمالا بِعَطفَيهِ فَمالَ عَلـى عَضُـدي

فَأَقبَلتُ أَستَهدي لِما بَيـنَ أَضلُعـي

مِنَ الحَرِّ ما بَينَ الضُّلوعِ مِـنَ البَـردِ

وَعايَنتُهُ قَد سُلَّ مِـن وَشـيِ بُـردِهِ

فَعايَنتُ مِنهُ السَّيفَ سُلَّ مِـنَ الغِمـدِ

لَيـانُ مَجَـسٍّ وَاِستِقـامَـةُ قامَـةٍ

وَهَـزَّةُ أَعطـافٍ وَرَونَـقُ إِفرِنـدِ

أُغازِلُ مِنهُ الغُصنَ فِي مَغـرَسِ النَقـا

وَأَلثُمُ وَجهَ الشَّمسِ فِي مَطلَعِ السَعـدِ

فَـإِن لَـم يَكُنهـا أَو تَكُنـهُ فَإِنَّـهُ

أَخوها كَما قُدَّ الشِّراكُ مِـن الجِلـدِ

تُسافِـرُ كِلتـا راحَتَـيَّ بِجِسمِـهِ

فَطَوراً إِلَى خَصرٍ وَطَـوراً إِلَى نَهـدِ

فَتَهبِطُ مِن كَشحَيـهِ كَفَّـي تَهامَـةً

وَتَصعَدُ مِن نَهدَيهِ أُخـرى إِلَى نَجـدِ

 


أَفصَحَ الطَيـر

أَلا أَفصَحَ الطَيـرُ حَتّـى خَطَـب

وَخَفَّ لَهُ الغُصنُ حَتّـى اضطَـرَب

فَمِـل طَرَبـاً بَيـنَ ظِـلٍّ هَفـا

رَطيـبٍ وَمـاءٍ هُنـاكَ اِنثَعَـب

وَجُل فِي الحَديقَةِ أُخـتِ الـمُنَى

وَدِن بِالـمُـدامَـةِ أُمِّ الـطَـرَب

وَحـامِلَـةٍ مِـن بَنـاتِ القَنـا

أَماليـدَ تَحمِـلُ خُضـرَ العَـذَب

تَنـوبُ مـورِقَـةً عَـن عِـذارٍ

وَتَضحَـكُ زاهِـرَةً عَـن شَنَـب

وَتَندَى بِهَـا فِـي مَهَـبِّ الصَّـبَا

زَبَـرجَـدَةٌ أَثْمَـرَت بِالذَّهَـب

تَـفـاوَحُ أَنفـاسُـهـا تـارَةً

وَطَـوراً تُغازِلُهـا مِـن كَثَـب

فَتَبسِمُ فِـي حالَـةٍ عَـن رِضـاً

وَتَنـظُـرُ آوِنَـةً عَـن غَضَـب

 


حَـدَرَ الصَّـبَاحُ

وَكِمامَةٍ حَـدَرَ الصَّـبَاحُ قِناعَهـا

عَن صَفحَةٍ تَندَى مِـنَ الأَزهـارِ

فِي أَبطَحٍ رَضِعَت ثُغـورُ أَقاحِـهِ

أَخـلافَ كُـلِّ غَمامَـةٍ مِـدرارِ

نَثَرَت بِحِجرِ الأَرضِ فيهِ يَدُ الصِّـبَا

دُرَرَ النَّـدى وَدَراهِـمَ الـنُـوَّارِ

وَقَدِ ارتَدى غُصنَ النَقا وَتَقَلَّـدَت

حَليَ الحَبـابِ سَوالِـفُ الأَنـهارِ

فَحَلَلتُ حَيثُ الماءُ صَفحَةُ ضاحِكٍ

جَذلٍ وَحَيثُ الشَطُّ بَـدءُ عِـذارِ

وَالريحُ تَنفُضُ بُكرَةً لِمَـمَ الرُّبَـى

وَالطَلُّ يَنضَـحُ أَوجُـهَ الأَشجـارِ

مُتَقَسِّمُ الأَلحـاظِ بَيـنَ مَحاسِـنٍ

مِن رِدفِ رابِيَـةٍ وَخَصـرِ قَـرارِ

وَأَراكَةٍ سَجَـعَ الهَديـلُ بِفَرعِهـا

وَالصُبحُ يُسفِرُ عَن جَبيـنِ نَهـارِ

هَـزَّت لَـهُ أَعطافَهـا وَلَرُبَّمـا

خَلَعَـت عَلَيـهِ مَـلاءَةَ الأَنـوارِ

 


فَيا لِشَجا قَلبٍ

فَيا لِشَجا قَلبٍ مِـنَ الصَبـرِ فـارِغٍ

وَيا لِقَذى طَرفٍ مِنَ الدَّمـعِ مَـلآنِ

وَنَفسٍ إِلَى جَـوِّ الكَنيسَـةِ صَبَّـةٍ

وَقَلبٍ إِلَى أُفـقِ الجَزيـرَةِ حَنّـانِ

تَعَوَّضتُ مِن واهاً بِآهٍ وَمِـن هَـوىً

بِهَونٍ وَمِن إِخوانِ صِـدقٍ بِخَـوّانِ

وَما كُلُّ بَيضـاءٍ بَـروقٍ بِشَحمَـةٍ

وَما كُلُّ مَرعَـىً تَرتَعيـهِ بِسُعـدانِ

فَيا لَيتَ شِعري هَل لِدَهرِيَ عَطفَـةٌ

فَتُجمَعَ أَوطـاري عَلَـيَّ وَأَوطانِـي

مَياديـنُ أَوطَـارِي وَلَـذَّةُ لَذَّتِـي

وَمَنشَأُ تَهيامـي وَمَلعَـبُ غُزلانِـي

كَأَن لَم يَصِلنِي فِيهِ ظَبيٌ يَقـومُ لِـي

لَماهُ وَصِدغاهُ بِراحـي وَرَيْحَانِـي

فَسَقياً لِواديهِـم وَإِن كُنـتُّ إِنَّمـا

أَبيـتُ لِـذِكـرَاهُ بِغُلَّـةِ ظَمـآنِ

فَكَم يَومِ لَهـوٍ قَـد أَدَرنـا بِأُفقِـهِ

نُجومَ كُؤوسٍ بَيـنَ أَقمارِ نَدمـانِ

وَلِلقُضبِ وَالأَطيارِ مَلهـىً بِجَرعَـةٍ

فَما شِئتَ مِن رَقصٍ عَلى رَجعِ أَلحَانِ

وَبِالحَضـرَةِ الغَـرّاءِ غِـرَّ عَلِقتُـهُ

فَأَجَبتُ حُبّاً فِيـهِ قُضبـانَ نَعـمانِ

رَقيقُ الحَواشي فِي مَحاسِنِ وَجهِـهِ

وَمَنطِـقِـهِ مَسلـى قُلـوبٍ وَآذانِ

أَغارُ لِخَدَّيهِ عَلـى الـوَردِ كُلَّـمَا

بَدا وَلِعَطفَيهِ عَلـى أَغصُـنِ البـانِ

وَهَبنِيَ أَجـي وَردَ خَـدٍّ بِناظِـري

فَمِن أَينَ لِـي مِنـهُ بِتُفّـاحِ لُبنـانِ

يُعَلِّلُنِـي مِنـهُ بِمَـوعِـدِ رَشفَـةٍ

خَيالٌ لَـهُ يُغـري بِمَطـلٍ وَلَيّـانِ

حَبيبٌ عَلَيـهِ لُجَّـةٌ مِـن صَـوارِمٍ

عَلاها حَبـابٌ مِـن أَسِنَّـةِ مُـرّانِ

تَرَاءَى لَنا فِي مِثلِ صـورَةِ يوسُـفٍ

تَراءى لَنا فِي مِثلِ مُـلكِ سُلَيمـانِ

طَوَى بُردُهُ مِنـها صَحيفَـةَ فِتنَـةٍ

قَرَأنا لَها مِن وَجهِهِ سَطـرَ عُنـوانِ

مَحَبَّتُـهُ دينِـي وَمَثـواهُ كَعبَتِـي

وَرُؤيَتُـهُ حَجّـي وَذِكـراهُ قُرآنِـي

 


وَرِداءِ لَيـل

وَرِداءِ لَيـلٍ بـاتَ فِيـهِ مُعانِقـي

طَيـفٌ أَلَـمَّ لِظَبيَـةِ الـوَعسَـاءِ

فَجَمَعتُ بَيـنَ رُضابِـهِ وَشَرابِـهِ

وَشَرِبتُ مِن ريقٍ وَمِـن صَهبـاءِ

وَلَثَمتُ فِي ظَلمـاءِ لَيلَـةِ وَفـرَةٍ

شَفَقـاً هُنـاكَ لِوَجنَـةٍ حَمـراءِ

وَاللَّيلُ مُشمَـطُّ الذَّوائِـبِ كَبـرَةً

خَرِفٌ يَدُبُّ عَلى عَصـا الجَـوزاءِ

ثُمَّ انثَنَى وَالسُّكرُ يَسحَـبُ فَرعَـهُ

وَيَجُرُّ مِـن طَـرَبٍ فُضـولَ رِداءِ

تَنـدى بِفيـهِ أُقحُوانَـةُ أَجـرَعٍ

قَد غازَلَتها الشَّمسُ غِـبَّ سَمـاءِ

وَتَميـسُ فِـي أَثوابِـهِ رَيْحـانَـةٌ

كَرَعَت عَلى ظَمَـإٍ بِجَـدوَلِ مـاءِ

نَـفَّـاحَـةُ الأَنـفـاسِ إِلاَّ أَنَّهـا

حَـذَرَ النَـوَى خَفَّـاقَـةُ الأَفِيـاءِ

فَلَوَيتُ مَعطِفَـها اعتِناقـاً حَسبُـها

فِيـهِ بِقَطـرِ الدَّمـعِ مِـن أَنـواءِ

وَالفَجرُ يَنظُـرُ مِـن وَراءِ غَمامَـةٍ

عَن مُقلَـةٍ كُحِلَـت بِهـا زَرقـاءِ

فَرَغِبتُ عَن نـورِ الصَّـبَاحِ لِنَـورَةٍ

أُغـرَى لَهـا بِبَنفسَـجِ الظَّلمـاءِ

 


وَيَـومٍ صَقيـل

وَيَـومٍ صَقيـلٍ لِلشَّـبَابِ ظَلِلتُـهُ

تَجُدُّ بِيَ الصَهبـاءُ فِيـهِ وَأَلعَـبُ

رَطيبٌ بِأَنفاسِ الصِّبَا وَنَدى الصَّـبَا

فَقَد رَقَّ حَتّى كادَ يَجرِي فَيَسكُبُ

تَوَضَّحَ فِي وَجـهِ الصِّـبَا مَبسِـمٌ

وَأَشرَقَ فِي لَيلٍ مِنَ الشَيبِ كَوكَبُ

تَقَلَّبتُ فِيهِ بَيـنَ أَعطـافِ عيشَـةٍ

كَمَا اخضَرَّ يَندى أَبطَحٌ ظَلَّ يُعشِبُ

وَقَد هَزَّ مِن عِطفَي نَـديمٍ وَخوطَـةٍ

أَنيـنُ حَمـامٍ أَو غُـلامٌ يُطَـرِّبُ

وَجِزعٌ بِأَنـداءِ الغَمـامِ مُفَضَّـضٌ

وَذَيـلٌ عَلَيـهِ لِلعَشِـيِّ مُذَهَّـبُ

وَقَد جَالَ مِن كَأسِ السُّلافَةِ أَشقَـرٌ

يُسابِقُهُ مِن جَدوَلِ المَـاءِ أَشهَـبُ

بِرَوضٍ كَأَنَّ الغُصنَ يَزهَـى فَيَنثَنِـي

بِهِ وَكَأَنَّ الطَيـرَ يُسقَـى فَيَطـرَبُ

قَدِ ارتَجَـزَ الرَّعـدُ المُـرِنُّ بِأُفقِـهِ

فَأَملى وَجالَت راحَةُ البَرقِ تَكتُـبُ

كَأَنَّ لِسـانَ البَـرقِ فِيـهِ عَشِيَّـةً

لِـواءٌ خَضيـبٌ أَو رِداءٌ مُذَهَّـبُ