ابن حمديس

 

هو عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس الأزدي الصقلي، أبو محمد

من شعراء العصر الأندلسي

ولد سنة 447 هـ / 1053 م - توفي سنة 527 هـ / 1133 م

 

خِطابُ الرَّزَايَا

خِطابُ الرَّزَايَا إنّـهُ جـلل الخَطْـبِ

وسَلْمُ المَنايا كالخَديعَةِ فِـي الحـربِ

تُريدُ مـنَ الأَيَّـام كَـفَّ صُروفِهـا

أَمُنتَقِلٌ طَبْعُ الأفَاعِـي عَـنِ اللّسـبِ

وتَلقَى المنَايَا وهيَ فِي عَـرَض المُنَـى

وكم أجَلٍ للطَّير فِـي مَلْقَـطِ الحَـبِّ

تَناوَمَ كـلّ النَّـاس عمَّـا يُصيبُهُـم

وهمْ من رَزَايا دهرهم سَلَمُ العَصْـبِ

بكـأسِ أبِينـا آدمٍ شُـرْبُنـا الّـذي

تضَمّنَ سُكرَ الموْت يا لك من شـرْبِ

إذا ورث الـمـولـودُ عِلّـةَ والـدٍ

فعدِّ بهِ عـنْ حيلـةِ البـرءِ والطـبِّ

حُتوفٌ على سَـرْحِ النُّفـوسِ مغيـرةٌ

فقلْ كيف تغدو وهيَ آمنـةُ السّـرْبِ

يَسُـنّ عليـه الذِّمْـرُ عـذراءَ نثـرةً

تَخال بِهَا التَّأنِيثُ فِي الذكر العَضـبِ

على الجِسمِ مِنها الذَوب إن فاضَ سرْدها

كفيضِ أتِيٍّ والجمود علـى الكَعـبِ

ويُصميهِ سَهمٌ مُصْـرَدٌ ليـس يُتّقَـى

لَه فِي الحشـا رامٍ تَسَتّـرَ بالخلـبِ

ولَيسَ بِمعصومٍ مِنَ الـموْتِ مُخْـدَرٌ

لَه غَضَبٌ يبدو بِحملاقَـةِ الغَضْـبِ

كأَنَّ سَكاكينـاً حِـداداً رُؤوسـها

معـرّزة فِيـهِ فِـي جانِبَـيْ وقْـبِ

فكيفَ نَردّ الـموْت عَـنْ مُهجاتنـا

إذا غَلبـت مِنـه ضراغمـةُ الغلـبِ

وقاطعةٌ طـولَ السُّكـاكِ وَعَرضـه

تُحلّق من بُعْدِ السَّمـاءِ علـى قـربِ

إِذا بَرقَ الإِصبـاح هـزّ انتفاضَـها

من الظلّ أشباهُ العوامـلِ والقضـبِ

مباكرة صيـدَ الطيـور فمـا تَـرَى

طريدتَهـا إلا مُخضخضَـةَ القعـبِ

وعَصمٌ إذا استَعصَمن فِي شاهِقٍ رَقَتْ

إِلَيهَا بَنات الدَّهْرِ فِي المرْتَقَى الصّعـبِ

عَلى أَنَّها تنقـضّ مـن رأس نيقـها

على كلّ رَوْقٍ عند قرْعِ الصَفا صَلبِ

سَينسـفُ أمْـرُ اللهِ شـمَّ جبالـها

كما تَنْسِف الأرواحُ مُنْهالةَ الكثـبِ

لكـلٍّ حيـاةٌ ثـمَّ مـوتٌ ومبعـثٌ

إِذا ما التقى الخَصمانِ بين يَدَيْ ربِّـي

وتُستوقَف الأفلاك عَـن حَركاتِهـا

ويسقُط دريّ النجوم عـن القطـبِ

أَلَم تأتِ أهلَ الشَّرقِ صرخـةُ نائـحٍ

يُفيِض غُروبَ الدَّمع من بَلدِ الغـربِ

سَقَـى الله قَبـراً ثائـراً بسفاقـسٍ

سواجمَ يَرْضى الترب فيها عنِ السحبِ

فقد عَمّهُ الإعْظامُ مـنْ قَبْـرِ عَمّـةٍ

أنوحُ عليها بالنحيب إِلَـى النّحْـبِ

بِدمع يَمدّ البحرُ فِي السَّيْـفِ نَحـوهُ

إذا الحزن منه واصل السَّكبَ بالسَّكبِ

ولو آمنُ الإغـراقَ أضْعَفْـتُ سَحّـهُ

ولكنّ قلبِي الرّطبَ رَقّ علـى قلبِـي

برغمي نَعَتْها ألْسُنُ الرَّكـب للعلـى

فكيف أرُدّ النّعْيَ فِي ألسُنِ الرَّكـبِ

غريبـةُ قبـرٍ عـن قبـور بأَرضـها

مُجاورةٌ فِي خطّة الطعْـنِ والضّـربِ

كريمةُ تقـوى فِـي صـلاة تقيمـها

وصومٍ يَحُطّ الجسمُ منه عَلى الجَـدبِ

زَكَتْ فِي فروعِ المَكرمـاتِ فروعُهـا

وأَنجبـتِ الدُّنْيـا بآبائهـا النُّجـبِ

ولَما عَدمنـا مـن بَهاليـلِ قَومهـا

مَآتِم تَبكيـها بَكَينـا مـع الشُهـبِ

حَمَدنا بُكـاءَ الزُّهْـرِ بنـتَ محمّـد

وهَل نَدبت إلاَّ ابنةَ السيـد النـدبِ

مضَتْ ولَها ذِكْرٌ منَ الدينِ والتّقَـى

تفسّـرُهُ للعُجـم ألسِنـةُ العُـربِ

أَيُصبحُ قلبِي بالأَسـى غيـرَ ذائـبٍ

وقلبُ الثَّرى قاسٍ على قلبها الرَّطـبِ

وكنتُ إذا ما ضاق صدري بِحـادثٍ

فزعتُ بنجواه إِلَى صَدرِهـا الرَّحـبِ

وتُذْهِبُ عنّي هـمّ نفسـي كأنّهـا

شَفَتْ غُلّةَ الظَمآنِ بالبـارِدِ العـذبِ

أهـاتفَـةً باسْمـي علـيّ تَعَطّفـاً

حنينَ عطوفٍ شقّ سامِعَتـيْ سَقْـبِ

أبوكِ الذي من غرسه طالـتِ العُلـى

وأُسْنِدَ عامُ المحْل فيِه إِلَـى الخِصـبِ

تَنَسّـكَ فِـي بِـرٍّ ثَمانيـنَ حِجّـةً

فَيَا طُولَ عُمْرٍ فِيـه فـرَّ إِلَى الـرَّبِ

ضَمَمْتُ إلى صَدري بكفّيّ جسمَـهُ

وأسندتُ مُخضرّ الجَنابِ إِلَى الجَنـبِ

تبرّكَـتِ الأيـدي بتَسوِيَـةِ الثَّـرَى

عَلى جَبَلٍ رَاسِي الأناةِ على هَضْـبِ

أغـارَ لَهـم مـاءُ الجَمـوم بعبـرة

أمِ انبَتّ فِي أيديهمُ كَـرَبُ الغَـرْبِ

فَيا لَيتَنِي شاهدتُ نَعشَـكِ إذ مَشـى

حواليه لا أهلي حفـاةً ولا صَحبِـي

ودَفْنَكِ بالأيـدي الغريبـةِ والْتَقَـتْ

مع المَوتِ فِي إِخفاءِ شَخصِكَ فِي حدبِ

فأَبسطَ خَدّي فَوق لَحـدِكَ رحـمةً

وتُسْفي عليه التّربَ عينايَ بالهـدبِ

أَرَى جسمك المرموسَ من روحه عفا

وأصبحَ معموراً بِـهِ جَـدَثُ التّـربِ

فَلو أَنَّ رُوحِي كَان كَسبِـي وهبتُـهُ

لِجسمك لكن ليس روحِيَ من كسبِي

ولَوْ تُنظم الأحسـاب يومـاً قَلائِـداً

لقلد منها جَوْهَـرُ الحسـبِ اللّـبِ

أبا الحسن الأيـامُ تَصْـرَعُ بالغِنَـى

وتُعْقِبُ بالبَلوَى وتَخـدَع بالحـبِّ

مَصابُكَ فِيها من مُصَابِـي وجدتُـه

وحزنُك من حُزنِي وكَربك من كَربِي

فَصَبْراً فَلَيْسَ الأجرُ إلاَّ لِصَابـرٍ عَلـى

الدَّهر إِنَّ الدَّهر لَم يَخلُ من خطـبِ

أَلَم تَـرَ أنّـا فِـي نَـوىً مُستمـرَّةٍ

نَروحُ ونَغدو كالمُصرّ عَلـى الذَّنْـبِ

فَلا وَصلَ إلاَّ بَيـنَ أسْمائنـا الّتِـي

تسافرُ منّـا فِـي مُعَنْوَنَـةِ الكتـبِ

فَدائِمَـة السقيـا سَمـاءُ مَدَامِعِـي

لِخدي وأرضُ الخَدِّ دَائِمـةُ الشـربِ

 


بَكَى فَقْدَكَ العِـز

بَكَى فَقْدَكَ العِـزُّ المُؤيَّـدُ والمَجـدُ

ونَاحَتْ عَلَيكَ الحَرْفُ والضُّمَّرُ الجُردُ

وَقَد نَدَبَتكَ البيضُ والسمرُ فِي الوَغَى

وعدّدَكَ التأييـدُ والحَسَـبُ العِـدُّ

وما فَقـدت إلاَّ عَظيـماً وفَقـدُهُ

بِهِ بَين أَحشاءِ العُلَى يُوجَدُ الوَجـدُ

وكنتَ أمينَ المَلْـكِ حقّـاً وسيفَـهُ

ومن حَسَناتِ البرِّ كانَ لَكَ الغِمـدُ

وأَنتَ ابن حَمدونَ الَّذي كانَ حَمدُهُ

يُعَبّرُ عَن نَادِيـه فِـي عَرفِـهِ النـدُّ

هُمامٌ إِلَيهِ كَـانَ تَقريـبُ غُربَتِـي

بِبُزْلٍ خفيفٍ بَين أخفافِهـا الوَخْـدُ

بِأرْضٍ فلاةٍ تُنْكِرُ الأُسْـدُ وَحْشَـها

وَيَرتَدُ فِي اللَّحظِ العيونُ بِها الرُّمـدُ

وناجِيـةٍ تَنجـو بِهَـمِّ هُمومِهِـم

تَولَّى بِها عن جِسمِها اللَّحمُ وَالجِلـدُ

قَتَلتُ الأَمانِي من عَلِـيٍّ وَلَـم أزَلْ

مُفَدّى لَدَيه حَيثُ يَعذُبُ لِيَ الـوِردُ

بَكَيتُ علَيهِ والدُّمـوعُ سَواكِـبٌ

تَخَدّدَ من طولِ البُكاءِ بِهـا الخـدُّ

وذاكَ قليـلٌ قَـدْرُهُ فِـي مُعَظَّـمٍ

لَه حَسَبٌ مَـا إن يُعَـدَّ لَـه عَـدُّ

فَلَو صَحَّ فِي الدُّنيَا الخُلودُ لِماجِـدٍ

لأُبْقِيَ فِيـهَا ثمَّ صَـحَّ لَـه الخُلـدُ

ومُختَلِف الطَّعمَينِ من طَبعِ عـادِلٍ

فطعمٌ لَه سَمٌّ وطَعْـمٌ لَـه شَهْـدُ

وَقَد كَـانَ فِـي عَليائِـهِ مُتَرفِّعـاً

يَلينُ بِهِ الدَّهرُ الَّذي كَـانَ يَشتَـدُّ

وكَـانَ أبِيّـاً ذا أيـادٍ غمـامُهـا

نَدَى مَاجدٍ فِي قَبـره قُبِـرَ المَجـدُ

وحَلَّ الرَّدَى من كَفِّهِ عَقْـدَ رايَـةٍ

وَمِن كَفِّ مَيمونٍ لَها جُدّدَ العَقـدُ

وَمـا هُـوَ إلاَّ حـازِمٌ ذو كِفايَـةٍ

يُناقِضُ هَزْلَ الرَّوْعِ من بَأسِهِ الجِـدُّ

تقدّمَ من صِنْهاجـةٍ كـلَّ مُقْـدِمٍ

فَريستُـهُ مـن قِرْنِـهِ أَسَـدٌ وردُ

بِأيديهمُ نَوْرُ البَنَفسَـجِ فِـي ظُبـىً

ينوّرُ من نَارٍ لَهـا حَطَـبَ الهنـدُ

وَقَد لَبِسوا من نَسـجِ داود أعيُنـاً

مُداخَلَةً خُوصاً هِي الحَلَـقُ السـرْدُ

يَسُدُّونَ خلاَّتِ الحروبِ إذا طَمَـتْ

بِشَوكِ الرَّدَى حتَّى كأنَّهُـمُ السَّـدُّ

ويقتادهـم منـهُ شهامَـةُ قائـدٍ

بِهِ جُمْلَة الجيـشِ العَرَمـرَمِ تَعْتَـدُّ

جوادٌ عميمُ الجود بيـتُ عطائِـهِ

لِقاصِـدِهِ بالنَيـلِ طَيَّبَـهُ القَصـدُ

لَـه هِمَّـةٌ فِـي أُفقِـها فَرقَدِيَّـةٌ

كَواكبُها زُهْرٌ أحـاطَ بِـهِ السَّعـدُ

وَأَثبَـتَ لِلعَليـاءِ مِنهُـم قَواعِـداً

لأعـدائِـهِ منـها قواعـدُ تَنْهَـدُّ

أَرَى يُمْنَ مَيمونٍ تَعاظَمَ فِي العُـلا

بِنَيلِ مَعَـالٍ لا يُحَـدّ لَهـا حَـدُّ

وهِمَّـةُ يَحيَـى شَـرَّفَتـهُ بِخُلَّـةٍ

بِها يُسْعَفُ المَولَى ويَبتَهِـجُ العَبـدُ

كَأَنَّ نُضَاراً ذائِبـاً عَـمَّ جِسمَـها

وإنْ رامَ حُسناً فِي العُيونِ لَه حَمـدُ

ومَـا مُطْـرَفٌ إلاَّ أبِـيٌّ بِحُرْمَـةٍ

عُبابٌ خِضَمٌّ حُلَّ عَن حَسرِهِ المَـدُّ

إذا أَعملَ الآراءَ عَـنَّ لَـهُ الهُـدَى

سَدَادٌ هوَ الفَتحُ الَّذي مَا لَـهُ سَـدُّ

يَروحُ وَيَغدو فِي المُنَـى وَحَسـودُهُ

بعيدُ رَشَـادٍ لا يَـروحُ ولا يَغـدو

ومِن حَيثُ مَا سَاورتَهُ خِفتَ بأسَـهُ

وَلِلنَّارِ مِن حَيثُ انثَنَيتَ لَهـا وَقـدُ

وإن جَادَ كَانَ الجـودُ منـه مهـنأً

كغَيثٍ هَمَى مَا فِيهِ بَرقٌ ولا رَعـدُ

ولله فِي الإِجـلالِ ذِكـرُ مُحَمَّـدٍ

بِكُلِّ لِسانٍ فِي الثَّنـاءِ لَـه حَمـدُ

هُمُ السَّادَةُ الأمجادُ والقـادَةُ الأُلَـى

تُعَدُّ المَعالِي منهُـمُ كُلَّـما عُـدّوا

وَيَأمُرُهمْ بالصَّبـرِ والحـزمِ خـاذِلٌ

لَهُـم صبـرٌ ووجـدانُـهُ فَقـدُ

وَأَيَّ اصطِبارٍ فيه للنّفـسِ رَحـمَةٌ

عَنِ القائِدِ الأَعلى الَّذي ضَمَّهُ اللَّحدُ

 


شموسٌ دَعَاهـن

شموسٌ دَعَاهـنَّ وَشْـكُ الفِـرَاقِ

فَلَبَّيْـنَ فِي القُضُـبِ الـمُيّـسِ

تُرِيـقُ الـمَدَامِـعَ كَالسَّاقِيـاتِ

من السّكْـرِ يَعْثُـرْنَ بالأكـؤسِ

طوالـعُ نَحـوَ غُـروبٍ تُريـكَ

جُسُـومَ الـدِّيـارِ بِـلا أنْفُـسِ

تُـزَوِّرُ صونـاً عَليـهَا الخـدور

فَتَبكِـي عُيـونَ المَهَـا الكُنّـسِ

وقَد زَارَ عَذبَ اللَّمَـى فِي الأقَـاحِ

أُجَاجُ الدّمُـوع مـنَ النَّرجِـسِ

وقَـامَـتْ عَلـى قَـدَمٍ فِرْقَـةٌ

إِذَا وقَـفَ العَـزْمُ لَـم تَجْلِـسِ

ولَم يَبـقَ إلاَّ انصِـرافُ الدُّجَـى

بِـزُهـرِ كَـواكبـه الـخنَّـسِ

وَمَـحْـوُ الـنَّهـار بكـافـورةٍ

مـن الـنُّـور عنبـرةَ الحنـدسِ

ألا غَفلَـةٌ مـن رَقِيـبٍ عَتِيـدٍ

يُـلاحِظنـا نَـظْـرَةَ الأشـوَسِ

فَنُـهْـدي عَلـى عَجَـلٍ قُبْلَـةً

إِلَـى شَفَـةِ الـرَّشـأِ الألْعَـسِ

غَـداً يَتَـقَـطّـعُ أقْـرَانُـهُـم

ويَتَّصِـلُ السَّيـرُ فِـي البسبـسِ

ويكـلأ ذِمْـرٌ عَلـى ضَـامـرٍ

خبِيئَـةَ خِـدرٍ عَلـى عِـرْمِـسِ

ويُصبِحُ من وَصْلِ سَلمَـى الغَنِـيّ

يُقَلّـبُ مِنـه يَـدَيْ مُفْـلِـسِ

 


يَا دَارَ سَلْمَى

يَا دَارَ سَلْمَى لَـو رَدَدتِ السَّـلامْ

مَا هَمَّ فِيـك الحـزْنُ بالمستـهامْ

همودُ رسمٍ منـكِ تَحـتَ البلـى

مُحَـرِّكٌ مِنِّـي سكـونَ الغَـرَامْ

لُمتُ عَلَيكِ الدَّهـرَ فِـي صَرْفِـهِ

وقلتُ للأحداث صَمِّـي صَمَـامْ

وقَـامَ فِـي الخُبْـرِ لِمُسْتَخْـبِـرٍ

سكوتُ مغنـاكِ مقـامَ الكـلامْ

يَا بـارِقَ الـجَـوِّ تَبَسَّـمْ بِهـا

وابْـكِ عَلَيـها بِدُمـوعِ الغَمـامْ

وَحَلّهَـا بالـنَّـوْرِ مـن روضـةٍ

تَفُضّ عَن فـأرَةِ مِسْـكٍ خِتـامْ

حَتّـى أَرَى عَنـها ظِبـاءَ الفَـلا

مُـرَحَّـلاتٍ بِظـبـاءِ الخـيـامْ

مِـن كُـلِّ هَيفـاءَ غُـلامـيّـةٍ

مُلْتَبِـسٌ بالغُصْـنِ مِنـها القَـوَامْ

تُـديـرُ عَيـنَـي رَشَـإٍ فِيهِـما

من فَتْرَةِ الطَّـرفِ شَبيـهُ السّقـامْ

تَـروحُ والعنبـرُ والـعـودُ فِـي

لَيلٍ من الفـرعَ صقيـلِ الظـلامْ

تَمنعُ أُخْتَ الشَّمـسِ مِنـها فَمـاً

فِيهِ أَخو الـدّرِّ وَأُخـتُ الـمُدامْ

لَو أنَّ لِي حكمـاً بِربـعِ الحِمَـى

أَعطيتُهُ من كـلّ خَطـبٍ ذِمَـامْ

حَتّى أَرَى بِالوَصْلِ حَبْـلَ الهَـوَى

لاَ يتُقّـى بِالبَيـنِ مِنـهُ انصِـرامْ

 


أشارَتْ وسُحبُ الدَّمع

أشارَتْ وسُحبُ الدَّمع دَائمةُ السّفْحِ

بأنّ غرابَ البَينِ يَنْعَبُ فِي الصّبـحِ

فَقُلتُ أَقِيمي من عِقاصِـكِ صبغَـةً

عَلى اللَّيْلِ تَهْدي مِنه جنحاً إلى جنحِ

عَسَى طوله يَثنِي عَن البَيـنِ عَزْمَـهُ

وتُفضي بِهِ حَرْبُ الفراقِ إلى الصّلحِ

وبَينَ خَلالِ الدُّرّ من ظبيـةِ اللّـوَى

رضابٌ قراحٌ لا يُدَاوى بِهِ قَرْحـي

مُنَعَّمَةٌ فِي الحَيّ نيطَـتْ لصونِهـا

جهاراً بِحدّ السَّيْفِ عاليـةُ الرّمـحِ

فَقِفْ بِحياةِ النَّفسِ عَن مَصرع الرَّدَى

فَمَن لا يدانِ النَّارَ يَنجُ مـنَ اللّفـحِ

فَكمْ مُهجَةٍ قَد غَرّها الحبّ بالمُنَـى

فَأسلفها الخسرانَ فِي طَلَبِ الرّبـحِ

 


ومسبلـةٍ دَمعـا

ومسبلـةٍ دَمعـاً يَسـوغُ عُذوبـةً

عَلـى أن دَمـع المقلَتيـن أُجـاجُ

مَرَتْها صَباها حين درَّت فأُرضعـت

بسائطُ مـن أخلاقهـا وفجـاجُ

تَخَرّقَ فِيـها لَمـعُ بـرْقٍ كأنّمـا

يَشُبّ ويَخبُو مـن سَنَـاهُ سـراجُ

عَلَت خيلُنا مِنها جليداً فلـم يُتَـحْ

بِنا للعـدَى من عَدوهِـنَّ عجـاجُ

وَكَم حَافرٍ فِي الرَّسغ مِنه زَبَرجَـدٌ

كَسِير بِـه مِمَّـا عَـلاه زجـاجُ

بأُسدِ وغىً كم قيل عوجوا نُصـرْتمُ

عَلى الموت من حرب العداة فعاجوا

فـلا غُنـمَ إلاَّ كـلّ رأسٍ كأنّـهُ

عَلى الرمح من ضَرْبِ المهندِ تـاجُ

وخُمْصانَـةٍ منقـادَةٍ بـذوائـبٍ

لسائِقِـها خَلْـفَ الجَـوادِ لجـاجُ

كأنّ وراءَ الخيـلِ مِنـها جـآذراً

تُـرَوّعُ أخصـارٌ لَـهُـنّ دمـاجُ

فَكانَ لَنا فِي الـرُّومِ قَتـلٌ معجَّـلٌ

وفِينا لَهم مـن الوشيـج شجـاجُ

 


أَسُعادُ إنَّ كَمالَ خَلْقِـك

أَسُعادُ إنَّ كَمالَ خَلْقِـكِ رَاعَنِـي

فَرَأيْتُ بَـدرَ التـمّ عَنْـهُ ناقِصـا

أرُضَابُ فِيـكِ سلافـةٌ نَشَوَاتُهَـا

يَمشينَ مِن طَرَبٍ بِقَـدّكِ رَاقِصـا

بَحرٌ بِعيْنِـي لَـم يَـزَلْ إنْسانُهَـا

فِيـهِ عَلـى دُرِّ المَدَامـعِ غَائِصـا

كَـم أحْـوَرٍ لَمّـا رَآكِ رأيـتُـهُ

يَرْنُو إِلَى تَفْتِيرِ طَرفِـكِ شَاخِصـا

هَلْ ظَنَّ ثَغْـرَكِ أُقحُوانـاً نَاضـراً

تَرعاهُ غـزلانُ الفَـلاةِ خَمائِصـا

حتَّى إذا لاَحَ ابتِسَامـك يَجتلِـي

دُرّاً عَلـى عَينَيـه ولَّـى نَاكِصـا

لاَ تَقنصِيهِ كَمـا قَنَصـتِ مُتَيَّمـاً

فَالرَّئْـمُ لاَ يَغْـدو لِرِئـمٍ قَانِصـا

 


يا لَيْلَ هَجرِ الحَبيب

يا لَيْلَ هَجرِ الحَبيبِ طُلْـتَ عَلـى

صبٍّ من الشَّـوق دائـمِ البَـرحِ

بِحُمْرَةٍ فِـي الجُفُـونِ تَحسبـها

نَدَرْتُهَا فِي الفُـؤادِ عَـن جـرحِ

هل جَمدَ البحرُ من دجـاكَ فمـا

ينتقـلُ الحـوت فِيـه بالسّبْـحِ

أم حـدثَـت حَيْـرَةٌ مواصلـة

فِي الجوّ بَيـنَ البُطَيْـنِ والنّطـحِ

لَو كنت ليل الشَّبَابِ بـتّ إِلَـى

الصّبحِ من الشَّيب طائـرَ الجُنْـحِ

لو كنت ليل الشَّبَابِ فُـتُّ ولَـم

تَـدّرِكِ النّـاظِـرِيـنَ باللّمـحِ

مَتَى أَرَى كَلكـلاً بَركـت بِـهِ

يَطْعَـنُ فِيـه السِّمـاكُ بالرّمـحِ

وللثّـرَيـا جنـاحُ قـاطِـعَـةٍ

بالخفـق مِنـه مسافـةَ الجُنـحِ

وأشهبُ الصّبـح فِـي إغارتـه

يستاقُ ما للنّجـومِ مـن سـرحِ

فاطوِ رواقَ الظّـلامِ عـن أُفُـقٍ

تُنْـشَـرُ فيـه مُـلاءَة الصبـحِ