حافظ ابراهيم

 

هو محمد حافظ بن إبراهيم فهمي المهندس، الشهير بحافظ إبراهيم

من شعراء العصر الحديث

ولد سنة 1288 هـ / 1871 م ـ توفي سنة 1351 هـ / 1932 م

 

أيُّهـا القـائِمُـونَ

أيُّهـا القـائِمُـونَ بالأَمْـرِ فِينـا

هَـلْ نَسِيتُـمْ وَلاءَنـا والـوِدادا

خَفِّضُوا جَيْشَكُـمْ ونَامُـوا هَنيئـاً

وابتَغُوا صَيْدَكُمْ وجُوبُـوا البِـلادا

وإذا أَعْـوَزَتْـكُـمُ ذاتُ طَـوقٍ

بين تلك الرُّبـا فصِيـدُوا العِبـادا

إنّمـا نـحـن والحَمـامُ سَـواءٌ

لـم تُغـادِرْ أطْواقُنـا الأَجْيـادا

لا تَظُنُّـوا بنـا العُقـوقَ ولكـنْ

أَرْشِـدُونـا إذا ضَللْنـا الرَّشـادا

لا تُقِـيـدُوا مـن أمّـةٍ بقَتيـلٍ

صادَت الشمسُ نَفْسَه حينَ صـادا

جـاءَ جُهّـالُنـا بأمْـرٍ وجِئْتُـمْ

ضِعْفَ ضِعْفَيْـهِ قَسْـوَةً واشتِـدادا

أَحْسِنُوا القَتْـلَ إن ضَنِنْتُـم بعَفْـوٍ

أَقِصـاصـاً أَرَدْتُـمُ أمْ كِـيـادا

أَحْسِنُوا القَتْـلَ إن ضَنِنْتُـمْ بعَفْـوٍ

أَنُفُـوسـاً أَصَبْتُـمُ أمْ جَـمـادا

لَيْتَ شِعْري أتلكَ مَحْكَمَةُ التَّفْتيـشِ

عـادَتْ أم عَهْـدُ نِيُـرونَ عـادا

كيْفَ يَحْلُو مِنَ القَـوِيِّ التَّشَفِّـي

مِنْ ضَعِـفٍ ألْقَـى إِليْـهَ القِيـادا

إنّها مُثْلَـةٌ تشُـفُّ عـن الغَيْـظِ

ولَسْنـا لغَـيْـظُـكـمْ أَنْـدادا

أَكْرِمُونا بأرضِنـا حيـثُ كُنْتُـمْ

إنّمـا يُـكْـرِمُ الجَـوادُ الجَـوادا

إنّ عِشرينَ حِجَّـةً بعـد خَمْـسْ

علَّمَتْنا السُّكـونَ مَهْمـا تَمَـادَى

أمَّةُ النِّيـلِ أَكْبَـرَتْ أنْ تُعـادي

مَنْ رَماها وأَشْفَقَـتْ أنْ تُعـادَى

ليـس فيهــا إلاّ كَــلامٌ وإلاّ

حَسْـرَةٌ بعـدَ حَسْـرَةٍ تَتهـادَى

أَيُّهـا المُدَّعـي العُمُومـيُّ مَهْـلاً

بعضَ هـذا فقـد بَلَغـتَ المُـرادا

قد ضَمِنَّـا لك القَضـاءَ بِمِصـرٍ

وضَمِنَّـا لنَـجْـلِكَ الإسْـعـادا

فإذا ما جَلَسْتَ للحُكْـم فاذكُـرْ

عَهْدُ مِصرٍ فقـد شَفَيْـتَ الفُـؤادا

لا جَرَى النِّيلُ فِي نَواحِيكِ يا مِصْرُ

ولا جادَكِ الحَيـا حيـثُ جـادا

أنتِ أنْبَتِّ ذلِكَ النَّبْـتَ يا مِصْـرُ

فأَضْحَـى عليـكِ شَوكـاً قَتـادا

أنتِ أنْبَتِّ ناعِقـاً قـامَ بالأَمْـسِ

فـأَدْمَـى القُلُـوبَ والأَكْـبـادا

إيهِ يا مِـدْرَةَ القَضـاءِ ويـا مَـنْ

سـادَ فِي غَفْلَـةِ الزّمـانِ وشـادا

أنـتَ جَلاّدُنـا فـلا تَنْـسَ أنّـا

قد لَبِسْنـا علـى يَدَيْـكَ الحِـدادا

 


حَطَمـتُ اليـراعَ

حَطَمـتُ اليـراعَ فـلا تَعجَبـي

وعِفـتُ الـبَيـانَ فـلا تَعتُبـي

فما أنـتِ يا مصـرُ دارَ الأديـبِ

ولا أنـتِ بـالـبَـلَـدِ الطَّيِّـبِ

وكم فيكِ يا مصـرُ مـن كاتِـبٍ

أقـالَ اليَـراعَ ولـم يَكـتُـبِ

فـلا تُعذُلينـي لـهذا السكـوت

فقد ضاقَ بـي منكِ ما ضاقَ بـي

أيُعجِبُنـي منـكِ يـومَ الوِفـاق

سُكوتُ الجَمـادِ ولِعْـبُ الصَّبـي

وكم غَضب النـاسُ مـن قبلِنـا

لسَلـبِ الحُقـوقِ ولـم نَغضَـبِ

أنابـتـةَ العَصـرِ إنّ الغَـريـب

مُـجِـدٌّ بمِصـرَ فـلا تَلعَبــي

يقولون : فِي النَّـشْءِ خيـرٌ لنـا

وللـنَّـشءُ شَـرٌّ مـن الأجنَبـي

أَفِـي الأزبكيّـةِ مَثْـوَى البَنِيـن

وبيـن المسـاجِـدِ مَثْـوَى الأبِ

وكم ذا بـمصرَ من المُضحِكـات

كما قـال فيهـا أبـو الطَّيِّـبِ

أمُـورٌ تَـمُـرُّ وعَيـشٌ يُـمِـرّ

ونـحن مـن اللَّهْـوِ فِـي مَلعَبِ

وشعـبٌ يَفِـرُّ مـن الصالحـاتِ

فِـرارَ السَّليـمِ مـن الأجـرَبِ

وصُحفٌ تَطِـنُّ طَنيـنَ الذُّبـاب

وأُخـرى تَشُـنُّ علـى الأقـرَبِ

وهـذا يَـلُـوذُ بقصـرِ الأميـر

ويدعـو إلـى ظلِّـه الأرحَـبِ

وهـذا يـلـوذُ بقصـر السَّفيـر

ويُطنِـبُ فِـي وِردِهِ الأعــذَبِ

وهـذا يَصيـحُ مـع الصائحيـن

علـى غيـر قَصـدٍ ولا مَـأرَب

وقالـوا : دَخيـلٌ عليـه العَفـاء

ونِعـمَ الدَّخيـلُ علـى مَذهبـي

رآنـا نِيـامـاً ولـمّـا نُـفِـقْ

فشَمَّـرَ للسَّعـي والـمَكسَـبِ

ومـاذا عـلـيـه إذا فـاتَـنـا

ونـحن على العيشِ لـم نَـدْأَبِ

ألِفنـا الخُمـولَ ويا لَـيـتَـنـا

ألِفنـا الخُمـولَ ولـم نَكـذِبِ

وقالـوا : الـمؤيَّـدُ فِي غَمـرَةٍ

رَمـاهُ بـها الطَّمَـعُ الأشعـبـي

دَعـاهُ الغَـرامُ بسِـنِّ الكُهـول

فجُـنَّ جُنـونـاً ببنـتِ النَّبـي

فضَـجَّ لـها العـرشُ والحامِلُـوه

وضَـجَّ لـها القَبـرُ فِي يَثـرِبِ

ونـادى رِجـالٌ بـإسقـاطِـهِ

وقالـوا : تَلَـوَّنَ فِـي المَشـربِ

وعَـدُّوا عليـه مـن السَّـيِّئـات

ألـوفـاً تَـدُورُ مـع الأحقُـبِ

وقالـوا لَصِيـقٌ ببيـتِ الرَّسـول

أغـارَ علـى النَّسَـبِ الأنجَـبِ

وزَكّـى أبـو خَطـوَةٍ قَـولَهُـم

بـحُكـمٍ أحَـدَّ مـن المَضـرَبِ

فـمـا للتّهـانـي عـلـى دارِه

تَساقَـطُ كالـمَطَـرِ الصَّـيِّـبِ

ومـا للـوُفُـودِ علـى بـابِـه

تَـزُفُّ البشائـرَ فِـي مَوكِـبِ

ومـا للخَليفـةِ أسـدَى إلـيـه

وِسـامـاً يَليـقُ بصَـدرِ الأبـي

فيا أمّـةً ضـاقَ عـن وَصفِـها

جَنـانٌ الـمُفَـوَّهِ والأخـطَـبِ

تَضـيـعُ الـحقيقـةُ مـا بَينَنـا

ويَصلـى البَـريءُ مـع المذنِـبِ

ويُهضَـمُ فينـا الإمـامُ الحَكيـم

ويُكـرَمُ فينـا الجَهُـولُ الغبـي

على الشَّرقِ منِّي سـلامُ الـوَدُود

وإنْ طَـأطَـأ الشَّـرقُ للمَغـرِبِ

لقد كان خِصباً بجَـدبِ الزَّمـان

فأجـدَبَ فِي الزَّمَـنِ المُخصِـبِ

 


أليـفِ الصِّبـا

مَن لَمْ يَذُقْ فَقْـدَ أليـفِ الصِّبـا

لَمْ يَـدْرِ ما أبـدي وما أُضْمِـرُ

أَفْقَدَنـي الـمَـوتُ بـه وافِيـاً

لا يَعْـرِفُ الـخَتْـلَ ولا يَغـدِرُ

تَقْـرَأ فِـي عَيْنَيْـه كـلَّ الـذي

فِـي نَفْسِـه عن نَفْسِـه يَسْتُـرُ

ثَـلاثـةٌ لـم تَعْـرُ عـن عِفّـةٍ

لِسـانُـه والـذَّيْـلُ والـمِئْـزَرُ

قـد كـان مِتْـلافـاً لأَمْـوالِـه

وكـان نَهّاضـاً بـمَـنْ يَعْثُـرُ

أَوْشَـكَ أن يُـفْـقِـرَه جُـودُهُ

ومن صُنُـوفِ الجـودِ ما يُفْقِـرُ

أُصِيبَ فيه المَجْـدُ يـومَ انَطَـوَى

والعُـرْفُ والسـائـلُ والمُعْسِـرُ

كُنّا علـى عَهْـدِ الصِّبـا سَبْعَـةً

بـمُسْتَطـابِ اللَّـهْـوِ نَسْتَأْثِـرُ

البابِلِـي صَفْـوَةُ فِـتْـيـانِـنـا

وابن المُوِلْحـي الكاتـبُ الأَشْهَـرُ

وصـادِقٌ خــيـرُ بَنـي سَيِّـدٍ

وبَـيْـرَمٌ إذْ عُــودُهُ أَخـضَـرُ

وكـانَ عَـبْـدُ اللهِ أُنْسـاً لنـا

وأُنْـسُ عَـبْـدِ اللهِ لا يُنْـكَـرُ

لَهْوٌ كريـمٌ لـم يَشُـبْ صَفْـوَه

رِجْسٌ ولـم يَشْهَـدْه مُسْتَهتْـرُ

فكـم لنا مِـن مَجلِـسٍ طَيِّـبٍ

يَشْتـاقُـه هـارُون أو جَعْـفَـرُ

نَلْعَـبُ باللَّفْـظِ كمـا نَشْتَهـي

ونُضمِـر الـمَعنـى فما يَظْهَـرُ

ونُـرْسِـلُ النَّكتَـةَ مَحبُـوكَـةً

عَنْ غَيْرِنا فِي الحُسْـنِ لا تَصْـدُرُ

ثم انطَـوَى هـذا وهـذا ومـا

يُطْـوَى مِـن الأيَّـام لا يُنْشَـرُ

كم دَوْحَةٍ أَوْدَى بـها عاصِـفٌ

والنَّجْـمُ مِـنْ مَـأَمَنـهِ يُنْظُـرُ

 


رَجَعتُ لنَفسي

رَجَعتُ لنَفسي فاتَّهَمـتُ حَصاتـي

ونادَيتُ قَومي فاحتَسَبْـتُ حَياتـي

رَمَوْنـي بعُقمٍ فِي الشَّبابِ وليتَنـي

عَقِمتُ فلم أجزَعْ لقَـولِ عِداتـي

وَلَـدْتُ ولمَّـا لم أجِـدْ لعرائسـي

رِجـالاً وأكفـاءً وأَدْتُ بَنـاتـي

وسِعتُ كِتـابَ اللهِ لَفظـاً وغايـةً

وما ضِقتُ عن آيٍ بـه وعِظـاتِ

فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلـةٍ

وتَنسيـقِ أسـماءٍ لـمُخترَعـاتِ

أنا البَحرُ فِي أحشائِه الـدُّرُّ كامِـنٌ

فهل سألوا الغَـوَّاصَ عن صَدَفاتـي

فيا وَيحَكُم أبْلى وتَبلـى مَحاسِنـي

ومنكم وإن عَـزَّ الـدّواءُ أُساتـي

فـلا تَكِلُـونـي للزّمـانِ فإنّنـي

أخافُ عليكـم أن تَحيـنَ وَفاتـي

أَرَى لرِجالِ الغَـربِ عِـزًّا ومَنعَـةً

وَكَـمْ عَـزَّ أقـوامٌ بعِـزِّ لُغـاتِ

أتَـوْا أهلَهُـمْ بالمُعجِـزاتِ تَفَنُّنـاً

فيـا ليتَكُـم تأتـونَ بالكَلِمـاتِ

أيُطرِبُكُم من جانِبِ الغَربِ ناعِـبٌ

يُنادي بِـوَأدي فِي رَبيـعِ حَياتـي

ولو تَزْجُرونَ الطَّيـرَ يومـاً عَلِمتُـمُ

بمـا تحتَـه مـن عَثـرَةٍ وشَتـاتِ

سَقى اللهُ فِي بَطنِ الجَزيـرَةِ أعظُمـاً

يَـعِـزُّ عليـها أن تَليـنَ قَناتـي

حَفِظْنَ وِدادي فِي البِلـى وحَفِظتُـه

لهـنّ بقَـلـبٍ دائـمِ الحَسَـراتِ

وفاخَرتُ أهلَ الغَربِ والشرقُ مُطرِقٌ

حَيـاءً بتـلك الأعظُـمِ النَّخِـراتِ

أَرَى كـلَّ يَـومٍ بالجَرائِـدِ مَزْلَقـاً

مِـنَ القَبـر يُدنينـي بغَيـرِ أنـاةِ

وأسمَعُ للكُتّـابِ فِي مِصـرَ ضَجّـةً

فأعلَـمُ أنّ الصَّـائحِيـن نُعاتـي

أيَهجُرُنـي قومي ، عفا اللهُ عنهُـمُ

إلـى لُـغَـةٍ لَـمْ تَتّصِـلْ بِـرُوَاةِ

سَرَتْ لُوثَةُ الافرَنْجِ فيها كَما سَـرَى

لُعابُ الأفاعـي فِي مَسيـلِ فُـراتِ

فجاءَتْ كثَوبٍ ضَمَّ سَبعيـنَ رُقعَـةً

مُشَكَّلَـةَ الألــوانِ مُختَلِفــاتِ

إلى مَعْشَرِ الكُتّابِ والجَمـعُ حافِـلٌ

بَسَطتُ رَجائي بعدَ بَسـطِ شَكاتـي

فإمّا حَياةٌ تَبعَـثُ المَيـتَ فِي البِلـى

وتُنبِـتُ فِي تلك الرُّمُـوسِ رُفاتـي

وإمّـا مَمـاتٌ لا قيـامَـةَ بَعـدَهُ

مَماتٌ لَعَمري لـم يُقَـسْ بمَمـاتِ

 


حـالَ بيـن الجَفْـنِ

حـالَ بيـن الجَفْـنِ والـوَسَـنِ

حائِـلٌ لـو شئـتَ لَـمْ يَكُـنِ

أنـا والأيّـامُ تَـقْــذِفُ بـي

بيـن مُشـتـاقٍ ومُـفْـتَـتِـنِ

لـي فُـؤادٌ فـيـكَ تُـنْـكِـرُه

أضلُعـي مـن شِـدّةِ الـوَهَـنِ

وزَفـيـرٌ لـو عَـلِـمْـتَ بـه

خِلْـتَ نـارَ الفُـرْسِ فِي بَدَنـي

يـا لَقَـومـي إنـنـي رجـلٌ

حِـرْتُ فِي أمـري وفِي زَمَنـي

أَجَفـاءً أشْـتَـكـي وشَـقـاً

إنَّ هَـذَا مُنْـتَـهَـى الـمِحَـنِ

يا هُمـامـا فِـي الـزّمـان لـه

هِـمّـةٌ دَقَّـتْ عـنِ الفِـطَـنِ

وفَـتـىً لَـوْ حـلَّ خَـاطـرُه

فِـي لَيَالـي الدَّهـر لَـمْ تَخُـنِ

يـا أَميـرَ الـحَـجِّ أنـت لَـهُ

خَـيْـرُ وَاقٍ خَـيْـرُ مُـؤْتَمَـنِ

هَـزَّكَ البـيـتُ الـحـرامُ لَـهُ

هِـزَّةَ الـمُـشْـتـاقِ للوَطَـنِ

فَـرِحَـتْ أَرضُ الحِجـازِ بِكُـمْ

فَـرْحَهـا بالـهَاطِـلِ الـهَتِـنِ

وسَـرَتْ بُشْـرَى القُـدومِ لَهُـمْ

بـكَ مـن مِصْـرٍ إلـى عَـدَنِ

 


بَلَغتُـكَ لَمْ أَنْسُـبْ

بَلَغتُـكَ لَمْ أَنْسُـبْ ولَمْ أتَغَـزَّلِ

ولَمّا أقِفْ بيـن الـهَوَى والتَّـذَلُّلِ

ولمّا أصِفْ كَأْسـاً ولَمْ أبكِ مَنْـزِلاً

ولَمْ أنْتَحِـلْ فَخـراً ولَمْ أَتَنَـبَّـلِ

فلم يُبْقِ فِي قلبي مَديحُـكَ مَوْضِعـاً

تَجُولُ به ذِكْرَى حَبيـبٍ ومَنْـزِلِ

رأيْتُكَ والأنصارُ حَـوْلَكَ خُشـعٌ

فَقُلتُ أبُو حَفْصٍ بُبْردَيْكَ أم علـي

وخَفَّضْتُ من حُزني على مجدِ أمَّـةٍ

تَدارَكتها والخَطْبُ للخَطْبِ يَعْتَلـي

طَلَعْتَ بـها باليُمْنِ من خَيْرِ مَطْلَعِ

وكنتَ لها فِي الفَوْزِ قِدْحَ ابنِ مُقبِلِ

وجَرَّدْتَ للفُتْيـا حُسـامَ عَزيمَـةٍ

بحَدَّيْـهِ آيـاتُ الكِتـابِ المُنَـزَّلِ

مَحَوْتَ به فِي الدِّينِ كـلَّ ضَلاَلـةٍ

وأثْبَـتَّ ما أثْبَـتَّ غيـرَ مُضَلَّـلِ

لئن ظَفِرَ الإِفْنـاءُ منـكَ بفاضِـلٍ

لقد ظَفِرَ الإِسلامُ منـكَ بأفْضَـلِ

فما حَلَّ عَقْدَ المُشْكِـلاتِ بحِكْمَـةٍ

سِواكَ ولا أَرْبَى علـى كلِّ حُـوَّلِ

 


قَصَرْتُ عَلَيْكَ العُمْر

قَصَرْتُ عَلَيْكَ العُمْرَ وهـو قَصِيـرُ

وغالَبْتُ فيكَ الشَّوْقُ وهـو قَديـرُ

وأنْشَأْتُ فِي صَدْري لحُسْنِكَ دَوْلـةً

لها الحُبُّ جُنْـدٌ والـوَلاءُ سَفيـرُ

فؤادي لها عَـرْشٌ وأنـتَ مَليكـهُ

ودُونَكَ من تلكَ الضُّلُـوعِ سُتُـورُ

وما انتَفَضَتْ يوماً عليكَ جَوانِحـي

ولا حَلَّ فِي قَلبـي سِـواكَ أمِيـرُ

كَتَمْتُ فقالوا : شاعِرٌ يُنْكِرُ الهَـوَى

وهل غيرُ صَدْري بالغـرامِ خَبِيـرُ

ولو شئتُ أذْهَلْـتُ النجـومَ عـن

السُّرَى وعَطَّلْتُ أفْلاكاً بهِنّ تَـدُورُ

وأشْعَلْتُ جِلْدَ اللَّيْلِ مِنِّـي بزَفْـرَةٍ

غَـرامِيّـةٍ منـها الشَّـرار يَطيـرُ

ولكننـي أخفَيْـتُ مابـي وإنّمَـا

لكـلِّ غَـرامٍ عـاذِلٌ وعَـذيـرُ

أَرَى الحُـبَّ ذُلاًّ والشِّكايـةَ ذِلَّـةً

وإنِّـي بسَتْـرِ الذَّلَّتَيْـنِ جَديـرُ

ولي فِي الهَوَى شِعْرانِ شِعْرٌ أذِيعـهُ

وآخَـرُ فِي طَـيِّ الفُـؤادِ سَتيـرُ

ولولا لجاجُ الحاسِدِيـنَ لـمَا بَـدا

لِمَكْنُونِ سِرِّي فِي الغَـرامِ ضَميـرُ

ولا شَرَعَتْ هذا اليَـراعَ أنامِلـي

لشَكْوَى ولكـنّ اللَّجـاجَ يُثِيـرُ

على أنّني لا أَرْكَبُ اليَأسَ مَرْكبـاً

ولا أكْبِـرُ البَأْسـاءَ حيـنَ تُغِيـرُ

فكَمْ حاد عَنِّي الحَيْـنُ والسَّيْـفُ

مُصْلَتٌ وَهانَ عَليَّ الأمْرُ وَهوَ عَسِيرُ

وكم لَمْحَةٍ فِي غَفْلَةِ الدَّهْرِ نَفَّسَـتْ

هُموماً لها بيـن الضُّلـوعِ سَعِيـرُ

فقـد يَشْتَفـي الصَّـبُّ السَّقيـمُ

بزَوْرَةٍ ويَنْجُو بلَفْظٍ عاثِـرٌ وأسِيـرُ

عَسَى ذلكَ العامُ الجَديـدُ يَسُرُّنـي

ببُشْـرَى وهل للبائِسيـن بَشِيـرُ

ويَنْظُرُ لـي ربُّ الأريكَـةِ نَظْـرةً

بها يَنْجَلـي لَيْـلُ الأسَـى ويُنِيـرُ

مَلِيكٌ إذا غَنَّى اليَـراعُ بـمَدْحِـهِ

سَـرَتْ بالمَعالـي هِـزَّةٌ وسُـرُورُ

أمَوْلايَ إنّ الشَّرقَ قد لاحَ نَجْمُـه

وآنَ لـه بَعْـدَ الممَـاتِ نُشُـورُ

تَـفـاءَلَ خَيـراً إذْ رآكَ مُمَلَّكـا

وفَوْقَكَ مِنْ نُـور المُهَيْمِـن نُـورُ

مَضَى زَمَنٌ والغَرْبُ يَسْطُو بحَوْلِـه

عَلَيَّ وما لـي فِي الأنـامِ ظَهِيـرُ

إلى إنْ أتـاحَ اللهُ للصَّقْـرِ نَهْضَـةً

فقَلَّتْ غِرَارَ الخَطْبِ وهـو طَرِيـرُ

جَرَتْ أَمَّةُ اليابانِ شَوْطاً إلى العُـلا

ومِصْـرٌ علـى آثارِهـا ستَسيـرُ

ولا يُمْنَعُ المِصْـرِيُّ إدْراكَ شَأوِهـا

وأنـتَ لطُـلاّبِ العَـلاءِ نَصِيـرُ

فقِفْ مَوْقِفَ الفارُوقِ وانظُرْ لأمّـةٍ

إليـكَ بحَبّـاتِ القُلـوبِ تُشيـرُ

ولا تَسْتَشِرْ غيرَ العَزيمَـةِ فِي العُـلا

فليـس سواهـا ناصِـحٌ ومُثيـرُ

فعَرْشُكَ مَحْرُوسٌ ورَبُّـكَ حـارِسٌ

وأنتَ علـى مُلْكِ القُلـوبِ أمِيـرُ

 


يَومـاً لذِكْراكـا

عَجِبْتُ أنْ جَعَلُوا يَومـاً لذِكْراكـا

كأنّنا قـد نَسِينـا يـومَ مَنْعَاكـا

إذا سَلَـتْ يا أبا شـادي مُطَوَّقَـةٌ

ذِكْرَ الـهَديلِ فثِـقْ أنّا سَلَوْناكـا

فِي مُهْجَةِ النِّيلِ والـوادي وساكِنِـه

رَجْعٌ لصَوتِكَ مَوْصُـولٌ بذكْراكَـا

قد عِشْتَ فِينا نَميراً طـابَ مَـوْرِدُه

أَسْمَى سَجايا الفَتَى أدْنَى سَجاياكـا

فما كـأُولاكَ فِي بِـرٍّ وفِي كـرمٍ

أُولى كريمٍ ، ولا عُقْبـى كعُقْباكـا

قَضيةُ الوَطَنِ المَغُبـونِ ، قد مَـلأَتْ

أَنْحاءَ نَفْسِكَ شُغـلاً عن قَضاياكـا

أَبْلَيْتَ فيها بـلاءَ المُخلِصِيـن لـها

وكان سَهْمُكَ أنَّى رِشْـتَ فَتّاكـا

أَجْمَلْتَ ما فَصَّلُـوه فِي قَصائِدِهـمْ

حتى لقد نَضَّرُوا بالحَمْـدِ مَثْواكـا

لم يُبْقِ لي قَيْدَ شِبْرٍ صاحِبـايَ ولـم

يَفْسَحْ ليَ القَولَ لا هـذا ولا ذاكـا

يا مُدمِنَ الذِّكْرِ والتَّسْبيحِ مُحْتَسِبـاً

ها أَنْتَ فِي الخُلدِ قد جاوَرْتَ مَوْلاكا

لو لم يَكُنْ لكَ فِي دُنيـاكَ مَفخَـرةٌ

سِوَى زَكيٍّ لقد جَمَّلْـتَ دُنْياكـا