جميل بثينة

 

هو جميل بن عبد الله بن معمر العذري القضاعي، أبو عمرو

من شعراء العصر الأموي

توفي سنة 82 هـ / 701 م

 

أَلَمْ تَسـأَل

أَلَمْ تَسـأَل الربـعَ الخَـلاءَ فيَنطِـقُ

وهَلْ تُخبرنْك اليَومَ بَيداءَ سَمْلَـقُ ؟

وَقَفتُ بِهَا حَتَّـى تَجلّـتْ عَمَايَتِـي

ومَلَّ الوُقُـوفَ الأَرحَبِـيُّ المنـوَّقُ

بِمختَلفِ الأَروَاحِ ، بَيـنَ سُوَيْقَـةٍ

وأَحدَبَ ، كَادَت بَعدَ عَهدِكَ تَخلُقُ

أَضَرَّتْ بِهَا النَّكبَـاءُ كُـلَّ عَشِيَّـةٍ

ونَفْخُ الصَّـبَا ، والوَابِـلُ المُتَبَعِّـقُ

وَقَـال خَلِيلِـي: إِنَّ ذَا لَصَبَـابَـةٌ

أَلاَ تَزجُرَ القَلبَ اللَّجُوجَ فيُلحَـقُ ؟

تعَزّ ، وإِنْ كَانَتْ عَلَيـكَ كَرِيـمةً

لَعـلَّكَ مِـنْ رِقّ ، لِبَثْنَـةَ ، تَعتِـقُ

فَقُلـتُ لَـهُ: إِنَّ البِعَـادَ لَشَائِقِـي

وبَعضُ بِعَادِ البَينِ والنَّـأَي أَشْـوَقُ

لَعلّكَ مَحـزُونٌ ، وَمُبـدٍ صَبَابَـةً

ومُظهِرُ شَكوَى مِنْ أُنَـاسٍ تَفَرَّقُـوا

وَمَا يَبتَغِـي مِنِّـي عُـدَاةٌ تَعَاقَـدوا

وَمِنْ جِلدِ جَامُوسٍ سَميـنٍ مُطَـرَّقُ

وأَبيضَ مِـنْ مَـاءِ الحَدِيـدِ مُهنَّـدٍ

لَهُ بَعدَ إِخـلاصِ الضَّرِيبـةِ رَونَـقُ

إِذَا مَا عَلتْ نَشْـزاً تَمُـدّ زِمَامَهَـا

كَمَا امتَدَّ جِلدُ الأَصلَـفِ المُتَرَقـرِقُ

وبِيضٍ غَرِيـرَاتٍ تُثَنِّـي خُصُورَهَـا

إِذَا قُمنَ ، أَعجَازٌ ثِقَـالٌ وأسْـوُقُ

غَرائِرَ ، لَمْ يَعرِفـنَ بُـؤسَ مَعِيشَـةٍ

يُجَـنّ بِهـنَّ النَـاظِـرُ المُتَنَـوِّقُ

وغَلغَلتُ مِنْ وَجدٍ إِلَيهـنّ ، بَعدَمَـا

سَرَيتُ ، وَأَحشَائِي مِنَ الخَوفِ تَخفِقُ

مَعِي صَارِمٌ قَدْ أَخلَصَ القَينُ صِقلَـهُ

لَهُ ، حِينَ أُغشِيهِ الضّرِيبـةَ، رَونَـقُ

فَلَولاَ احتِيَالِي، ضِقْن ذَرعـاً بِزَائِـرٍ

بِـهِ مِنْ صَبَابَـاتٍ إِلَيهـنّ أولَـقُ

تَسُـوكُ بقُضبـانِ الأَرَاكِ مُفَلَّجـاً

يُشَعْشَـعُ فِيـهِ الفَارِسِـيُّ المُـرَوَّقُ

أَبَثنَةُ ، لَلوَصلُ ، الذي كَـانَ بَينَنَـا

نَضَا مِثلَمَا يَنضُو الخِضَابُ ، فَيَخلُـقُ

أَبَثنَـةُ ، مَـا تَنـأَيـنَ إِلاَّ كَأَنَّنِـي

بِنَجمِ الثُّرَيَّـا ، مَا نَأَيـتِ ، مُعَلَّـقُ

 


فَـإنْ يَحجِبُوهَـا

فَـإنْ يَحجِبُوهَـا ، أَوْ يَحُـل دُونَ

وَصلِهَا مَقَالةُ وَاشٍ ، أَوْ وَعِيدُ أَمِيـرِ

فَلَم يَحجُبوا عَيْنَيَّ عَنْ دَائـمِ البُكَـا

وَلَنْ يَملِكُوا مَا قَدْ يَجُـنّ ضَمِيـرِي

إلى الله أَشْكُو مَا أُلاَقِي مِنَ الـهَوَى

وَمِـنْ حُـرَقٍ تَعتَادُنِـي ، وَزَفِيـرِ

وَمِنْ كُرَبٍ للحُبِّ فِي بَاطِنِ الحَشَـا

وَلَيلٍ طَوِيلِ الحُـزنِ ، غَيـرِ قَصِيـرِ

سَأَبْكِي عَلَى نَفسِي بِعَيـنٍ غَزِيـرَةٍ

بُكَاءَ حَزِينٍ ، فِي الوِثَـاقِ ، أَسِيـرِ

وَكُنّا جَمِيعاً قَبلَ أَنْ يَظـهَرَ النَّـوَى

بِأَنعَـمِ حَالَـي غِبطَـةٍ وَسُـرُورِ

فَمَا بَرِحَ الوَاشُونَ ، حَتَّى بَدَتْ لَنَـا

بُطُـونُ الهَـوَى مَقْلُوبَـةً بِظُهُـورِ

لَقَدْ كُنتُ حَسْبُ النَّفـسِ لَـوْ دَامَ

وَصْلُنَا وَلَكِنّمَا الدُّنْيَا مَتَـاعُ غُـرُورِ

لَوْ أَنّ امرأً أَخْفَى الهَوَى عَنْ ضَمِيـرِه

لَمِتّ وَلَمْ يَعلَـم بِـذَاكَ ضَمِيـرِي

 


وَقُلتُ لَها اعتَـلَلت

وَقُلتُ لَها اعتَـلَلتِ بِغَيـرِ ذَنـبٍ

وَشَرّ النَّـاسِ ذُو العِـلَلِ البَخيـلُ

فَفاتينِـي إِلَى حَكَـمٍ مِنَ اهلـي

وَأَهـلِكِ لا يَحيـفُ وَلا يَميـلُ

فَقالَت أَبتَغِي حَكَماً مِـنَ اهلـي

وَلا يَـدري بِنا الوَاشِـي المَحـولُ

فَـوَلَّينـا الحُكومَـةَ ذَا سُجـوفٍ

أَخـاً دِنيـا لَـهُ طَـرفٌ كَليـلُ

فَقُلنـا ما قَضَيـتَ بِـهِ رَضينـا

وَأَنتَ بِمـا قَضَيـتَ بِـهِ كَفيـلُ

قَضـاؤُكَ نافِـذٌ فَاحكُـم عَلَينـا

بِمـا تَهـوَى وَرَأيُـكَ لا يَفيـلُ

وَقُلـتُ لَهُ قُتِلـتُ بِغَيـرِ جُـرمٍ

وَغِـبُّ الظُّلـمِ مَـرتَعُـهُ وَبيـلُ

فَسَل هَذي مَتَى تَقضِـي دُيونِـي

وَهَل يَقضيكَ ذُو العِـلَلِ المَطـولُ

فَقالَـت إِنَّ ذَا كَــذِبٌ وَبُطـلٌ

وَشَـرٌّ مِـن خُصومَتِـهِ طَويـلُ

أَأَقتُلَـهُ وَمـا لِـي مِـن سِـلاحٍ

وَمـا بِـي لَـو أُقاتِلَـهُ حَويـلُ

وَلَـم آخُـذ لَـهُ مـالاً فَيُلفَـى

لَـهُ دَيـنٌ عَلَـيَّ كَمـا يَقـولُ

وَعِنـدَ أَميـرِنا حُكـمٌ وَعَـدلٌ

وَرَأيٌ بَعـدَ ذَلِـكُـمُ أَصـيـلُ

فَقـالَ أَميـرُنا هَـاتُـوا شُهـوداً

فَقُلـتُ شَهيدُنـا المَـلِكُ الجَليـلُ

فَقـالَ يَمينَهـا وَبِـذاكَ أَقضِـي

وَكُـلُّ قَضائِـهِ حَسَـنٌ جَميـلُ

فَبَتَّـت حَلفَـةً مَـا لِـي لَدَيهـا

نَقـيـرٌ أَدَّعيـهِ وَلا فَـتـيـلُ

فَقُلـتُ لَها وَقَد غُلِـبَ التَّعَـزِّي

أَما يُقضَـى لَنـا يا بَثـنَ سـولُ

فَقالَـت ثُـمَّ زَجَّـت حاجِبَيهـا

أَطَلتَ وَلَستَ فِي شَـيءٍ تُطيـلُ

فَلا يَجِدَنَّـكَ الأَعـداءُ عِنـدي

فَتَثكَلَنِــي وَإِيَّـاكَ الثَّكــولُ

 

 

 


أَبُثيـنَ إِنّك

أَبُثيـنَ ، إِنّكِ قَدْ مَلكتِ فَأَسجِحِـي

وَخُذِي بِحَظّكِ مِنْ كَريـمٍ وَاصِـلِ

فَلَـرُبَّ عَارضـةٍ عَلَينَـا وَصلَـهَا

بالجِـدّ تَخْلِطُـه بِقَـولِ الـهَازِلِ

فَأَجَبتُـهَا بالرِّفـقِ ، بَعـدَ تَسَتّـرٍ

حُبّـي بُثينـةَ عَنْ وِصَالكِ شَاغِلِـي

لَوْ أَنّ فِي قَلبِـي ، كقَـدْرِ قُلامَـةٍ

فَضْلاً ، وصَلتُكِ ، أَوْ أَتَتكِ رَسَائِلِـي

وَيقلنَ : إِنّكَ قَـدْ رَضِيـتَ بِبَاطِـلٍ

مِنهَار ، فَهَل لَكَ فِي اعتِزَالِ البَاطِلِ ؟

ولَبَاطِـلٌ ، مِمَّـن أُحِـبّ حَدِيثَـهُ

أَشهَـى إِلَيّ مِنْ البَغِيـضِ البَـاذِلِ

لِيُزِلنَ عَنكِ هَـوَايَ ، ثُـمّ يَصِلنَنِـي

وَإِذَا هَوِيـتُ ، فَمَا هَـوَايَ بِزَائِـلِ

صَادَت فُؤَادِي ، يَا بُثينَ ، حِبَالُكُـم

يَومَ الحَجونِ ، وَأَخطَأتـكِ حبَائِلِـي

مَنّيتِنِـي ، فَلـوَيـتِ مَـا مَنّيتِنِـي

وَجَعَلتِ عَاجِلَ مَا وَعَـدتِ كَآجِـلِ

وتَثَاقَلَـتْ لَمّـا رَأَتْ كَلَفِـي بِهَـا

أحبِـبْ إِلَيّ بِـذَاكَ مِـنْ مُتَثَاقِـلِ

وأَطَعـتِ فِيَّ عَـوَاذِلاً ، فَهَجَرتِنِـي

وَعَصِيتُ فِيكِ ، وَقَدْ جَهَدنَ ، عَوَاذِلِي

حَاوَلنَنِـي لأبتّ حَبـلَ وِصَالكُـم

مِنِّي ، وَلَستُ ، وِإِنْ جَهَدنَ ، بِفَاعِلِ

فَرَدَدتُهـنّ ، وَقَدْ سَعَيـنَ بِهَجرِكُـم

لَمّا سَعَيـنَ لَـهُ ، بأَفْـوَقَ نَاصِـلِ

يَعْضَضْـنَ ، مِنْ غَيْظٍ عَلَيّ ، أَنَامِـلاً

وَوَدِدتُ لَوْ يَعْضَضْنَ صُـمّ جَنَـادِلِ

وَيَقُلـنَ إِنّـكِ ، يَا بُثَيـنَ ، بَخِيلَـةٌ

نَفسِي فِـدَاؤكِ مِنْ ضَنِيـنٍ بَاخِـلِ

 


زُورا بُثَينَـةَ

زُورا بُثَينَـةَ ، فَالحَبِـيـبُ مَـزُورُ

إِنَّ الزِّيَـارَةَ ، للمُحِـبِّ ، يَسِيـرُ

إِنَّ التَّـرَحُّـلَ أَنْ تَلَبَّـسَ أَمرُنَـا

وَأَعتَـاقنـا قَـدَرٌ أُحِـمَّ بَكُـورُ

إِنِّي ، عَشِيّةَ رُحتُ ، وَهِي حَزِينـةٌ

تَشكُـو إِلَـيَّ صَبابَـةً ، لَصَبُـورُ

وَتَقُولُ : بِتْ عِندِي ، فَدَيتُكَ ! لَيلَةً

أَشكُو إِلَيـكَ ، فَـإِنَّ ذَاكَ يَسِيـرُ

غَـرَّاءُ مِبسَـامٌ كَـأَنَّ حَـدِيثـهَا

دُرٌّ تَـحـدَّرَ نَظمُـهُ ، مَنـثُـورُ

مَحطُوطةُ المَتنَينِ ، مُضمَـرةُ الحَشَـا

رَيَّا الـرَّوادِفِ ، خَلّقُـهَا مَمكُـورُ

لاَ حُسنهَا حُسـنٌ ، وَلاَ كَدَلاَلِهَـا

دَلٌّ ، وَلاَ كَـوقَـارِهَـا تَـوقِيـرُ

إنّ اللّسـانَ بِذِكـرِهَـا لَمُوكَّـلٌ

والقَلبُ صَادٍ ، والخَواطِـرُ صُـورُ

وَلَئِن جَزَيـتِ الـودَّ مِنِّـي مثلَـهُ

إِنِّـي بِـذَلكَ ، يَا بُثيـنَ ، جَدِيـرُ

 


إلى الله أَشْكُو

أَهَاجَكَ ، أَمْ لاَ ، بالمَدَاخِـلِ مَربَـعُ

وَدَارٌ ، بأَجرَاعِ الغَديرَيـنِ ، بَلقَـعُ ؟

دِيَارٌ لِسَلمَى ، إِذْ نَحِـلّ بِهَـا مَعـاً

وإِذْ نَحـنُ مِنـهَا بالمـوَدّةِ نَطمَـعُ

وَإِن تَكُ قَدْ شَطّتْ نَوَاهَـا وَدَارُهَـا

فِإنَّ النَّوَى مِمَّـا تُشِـتّ وتَجْمَـعُ

إلى الله أَشْكُو ، لاَ إلى النَّاسِ ، حُبَّـهَا

وَلاَ بُدّ مِنْ شَكوَى حَبِيـبٍ يُـروَّعُ

أَلاَ تَـتّـقِـيـنَ اللهَ فِيمَـنْ قَتَلتِـهِ

فَأَمسَى إِلَيكُـم خَاشِعـاً يَتَضَـرّعُ ؟

فَإِنْ يَكُ جُثْمَانِـي بِأَرضِ سِوَاكُـمُ

فَإِنّ فُـؤادِي عِندَكِ الدَّهـرَ أَجْمَـعُ

إِذَا قُلتُ هَذَا ، حِينَ أَسلُو وَأَجْتَـري

عَلَى هَجرِهَا ، ظَلَّتْ لَهَا النَّفسُ تَشفَعُ

أَلاَ تَتّقِيـنَ اللهَ فِـي قَتْـلِ عَاشِـقٍ

لَـهُ كَبِـدٌ حَـرّى عَلَيـكِ تَقَطّـعُ

غَرِيبٌ ، مَشوقٌ ، مُولَعٌ بادّكَارِكُـمْ

وَكُلُّ غَرِيبِ الدَّارِ بِالشّـوقِ مُولَـعُ

فَأَصبَحتُ، مِمَّا أَحدَثَ الدَّهرُ، مُوجعَاً

وَكُنتُ لِريـبِ الدَّهـرِ لاَ أَتَخَشَّـعُ

فَيَا رَبِّ حَبِّبنِـي إِلَيـهَا ، وَأَعطِنِـي

المَوَدَّة مِنـهَا، أَنتَ تُعطِـي وَتَمنَـعُ

وَإِلاّ فَصَبِّرنِي ، وَإِنْ كُنـتُ كَارِهـاً

فَإِنِّي بِهَـا، يَا ذَا المَعَـارِجِ ، مُولَـعُ

وَإِنْ رُمتُ نَفسِي كَيفَ آتِي لِصَرمِهَـا

وَرُمتُ صُدُوداً ، ظَلَّتِ العَينُ تَدْمَـعُ

جَزِعتُ حِذارَ البَيـن يَومَ تَحمَّلـوا

وَمَنْ كَانْ مِثلِي ، يَا بُثَينَةُ ، يَجـزَعُ

تَمَتَّعْتُ مِنهَا ، يَومَ بَانـوا ، بِنَظـرَةٍ

وَهَلْ عَاشِقٌ ، مِنْ نَظـرَةٍ ، يَتَمَتَّـعُ ؟

كَفَى حَزَناً للمَـرء مَا عَـاشَ أَنَّـهُ

بِبَيـنِ حَبِيـبٍ ، لاَ يَـزَالُ يُـروَّعُ

فَوَاحزنا ! لَوْ يَنفَـعُ الحُـزنُ أَهلَـهُ

وَوَاجَزَعَا ! لَوْ كَانَ للنَّفسِ مَجـزَعُ

فَأَيُّ فُـؤادٍ لاَ يَـذُوبُ لِمَـا أَرَى

وَأَيُّ عُيـونٍ لاَ تَجُـودُ فَتَـدمَـعُ ؟

 


رسـمِ دار

رسـمِ دارٍ وقفـتُ فِـي طَلَلِـهْ

كدتُ أقضي ، الغَدَاةَ ، من جَلَلِـهْ

مُوحِشـاً ، مَـا تَرى بِـهِ أحَـداً

تَنتَسِـجُ الريـحُ تُـربَ مُعتدِلـهْ

وصـريعـاً مـن الثُّـمامِ تـرى

عَـارِمَـاتِ المَـدَبِّ فِـي أسَلِـهْ

بَـيـنَ عَليـاءِ وابِـشٍ ، فَبلِـيٍّ

فالغَمِيـمِ الّـذي إلـى جَبَـلِـهْ

واقـفـاً فِـي ديـارِ أُمّ حسيـنٍ

من ضُحَـى يومـه إلـى أُصُلِـهْ

يـا خلـيـلـيّ ، إن أُمّ حسيـنٍ

حِينَ يَدنُو الضّجِيـعُ مِـنْ عَلَلِـهْ

رَوضَـةٌ ذَاتُ حَنـوةٍ وخُـزَامَـى

جَـادَ فِيـهَا الرّبيـعُ مِـنْ سَبَلِـهْ

بَينَمَـا هُــنّ بـالأراكِ مَـعـاً

إِذْ بَـدَا رَاكِـبٌ عَلَـى جَمَلِـهْ

فـتـأطّـرنَ ، ثُـمّ قلـنّ لَهَـا

أكرِمِيـهِ ، حُيّيـتِ ، فِـي نُزُلِـهْ

فَظَلِلْنـا بِنِعـمَـةٍ ، واتّـكـأنـا

وشربنَـا الـحَـلالَ مـن قُلَلِـهْ

قَـدْ أَصـونُ الحـديـثَ دونَ أخٍ

لا أَخَـافُ الأذاةَ مـن قِـبَـلِـهْ

غَيـرَ ما بِغْضَـةٍ ، ولا لاجتنـابٍ

غَيـرَ أنِّي ألَحْـتُ مـن وجَلِـهْ

وخليـلٍ ، صَـافَيـتُ مـرضيـاً

وخليـلٍ ، فـارقـتُ مـن مَلَلِـهْ

 


كِلاَنَا مُرِيـب

بُثَينَةُ قَالتْ : يَا جَـمِيلَ ، أَرَبْتَنِـي

فَقُلتُ : كِلاَنَا ، يَا بُثَيْـنَ مُرِيـبُ

وَأَرِيبُـنَا مَـنْ لا يُـؤَدِّي أَمَانَـةً

وَلاَ يَحفظ الأَسَرارَ حِيـنَ يَغِيـبُ

أَلاَ تِلكَ أَعْـلاَمٌ لِبَثْنَـةَ قَدْ بَـدَتْ

كَـأَنَّ ذَرَاهَـا عَمَّمَتْـهُ سَبِيـبُ

طَوَامِسُ لِي مِـنْ دُونِهِـنَّ عَـدَاوةُ

وَلِي مِنْ وَرَاءِ الطَّامِسَـاتِ حَبِيـبُ

بَعيدٌ عَلَى مَنْ لَيسَ يَطلُبُ حَاجَـةً

وَأَمَّا عَلَـى ذِي حَاجَـةٍ فَقَرِيـبُ

تُسَاهِـم بُـرْدَهَـا فَأَمَّـا إِزَارُهَـا

فَطَـارَ لَهُ عِنـدَ السَّمَـاءِ كَلِيـبُ

وَكَانَ لأَعْلَى البُـرْدِ مِنـهَا مُبَتَّـلٌ

لَطِيفٌ كَخُوطِ الخَيْـزَرَانِ رَطِيـبٌ

 


رُدِّي بَعضَ عَقلِي

أَلاَ لَيتَ رَيَعـانَ الشَّـبَاب جَديـدُ

وَدَهـراً تَوَلَّـى ، يَا بُثيـنَ ، يَعُـودُ

فَنبْقَى كَمَا كُنَّـا نَكُـونُ ، وَأَنتـمُ

قَريـبٌ ، وَإِذ مَـا تَبذُلِيـنَ زَهِيـدُ

وَمَا أَنْسَ، مِنَ الأشياءِ، لاَ أَنسَ قَوْلَهَا

وَقَد قُرّبتْ نُضْوِي : أمصـرَ تريـدُ ؟

وَلاَ قَولَهَا : لَولاَ العيونُ التـي تَـرَى

لَزُرتُكَ ، فَاعذُرْنِي ، فَدَتْكَ جُـدودُ

خَلِيلَيّ ، مَا أَلقَى مِنَ الوَجـدِ بَاطـنٌ

وَدَمْعِي بِمَا أُخفِي ، الغَداةَ ، شَهيـدُ

أَلاَ قَدْ أَرَى ، والله ، أَنْ رُبّ عَبـرةٍ

إِذَا الدَّار شطّـتْ بَينَنَـا ، سَتَزيـدُ

إِذَا قُلـتُ : مِا بِي يَا بُثينـةُ قاتِلـي

مِنَ الحُبِّ ، قَالتْ : ثَابتٌ ، ويَزيـدُ

وَإِنْ قُلتُ : رُدِّي بَعضَ عَقلِي أَعِـشْ

بِهِ ، تَوَلَّتْ وَقَالتْ : ذَاكَ مِنكَ بَعِيـدُ

فَلاَ أَنَا مَـردودٌ بِمَا جِئـتُ طَالِبـاً

وَلاَ حُـبُّـهَا فِيـمَا يَبيـدُ يَبيـدُ

جَزَتْكِ الجَوازِي ، يا بُثينَ ، سلامـةً

إِذَا مَا خليـلٌ بـانَ وهْـو حَميـدُ

وقلتُ لَهَا : بينِي وبينكِ ، فاعلمـي

مِـنَ الله مِيـثـاقٌ لَـهُ وعُـهـودُ

وقَدْ كَانَ حُبِّيكُـمْ طَريفـاً وتالـداً

ومَـا الحُـبّ إلاّ طـارِفٌ وتَلِيـدُ

وإنّ عَرُوضَ الوصـلِ بينِـي وبينـها

وإِنْ سَهّلَتْـهُ بالـمُنَـى ، لَكَـؤُودُ

وأفْنيْتُ عُمري بانتظـاريَ وَعْدَهـا

وأبليتُ فِيـهَا الدَّهـرَ وَهُو جَديـدُ

فليتَ وُشاةَ الناسِ ، بينِـي وبَينـهَا

يدوفُ لَهُم سُـمًّا طَماطـمُ سُـودُ

ولَيتهمُ ، فِي كُلّ مُمسـىً وشَـارِقٍ

تُضـاعَـفُ أَكبـالٌ لَهُـم وقُيـودُ

ويَحسَبُ نِسوانٌ مِنَ الجَهـلِ أَنّنِـي

إِذَا جِئتُ ، إيّاهـنّ كنـتُ أريـدُ

فأقسِـمُ طَرفِـي بَينَهـنّ فَيَستَـوِي

وَفِي الصّـدْرِ بَـوْنٌ بَينَهـنّ بَعيـدُ

أَلاَ لَيتَ شِعري ، هَل أَبِيتَـنّ لَيلـةً

بِوادِي القُرَى ؟ إِنِـي إِذَنْ لَسعيـدُ

وَهَل أَهبِطَنْ أَرضـاً تَظَـلُّ رِيَاحُهَـا

لَهَـا بالثَّنايَـا القَاوِيَـاتِ وئِيـدُ ؟

وَهَل أَلقَيَنْ سُعْدى مِنَ الدَّهْـرِ مَـرّةً

وَمَا رَثَّ مِنْ حَبلِ الصّفَاءِ جَديـدُ ؟

وَقَد تَلتَقي الأَشتَـاتُ بَعـدَ تَفـرّقٍ

وَقَد تُدرَكُ الحَاجَـاتُ وَهِي بعِيـدُ

وَهَل أَزْجُرَنْ حَرْفـاً عَـلاةً شِمِلّـةً

بِخَـرْقٍ ، تُبَارِيهَـا سِوَاهِـمُ قُـودُ

عَلَى ظَهْرِ مرْهـوبٍ ، كَأنّ نُشـوزَهُ

إِذَا جَازَ هُـلاّكُ الطَّريـق ، رُقُـودُ

سَبَتنِي بعَيْنَيْ جُؤذُرٍ وَسْـطَ رَبـربٍ

وصَدرٍ كفاثُـورِ اللُّجَيـنِ ، وجِيـدُ

تزيفُ كما زافـتْ إلـى سَلِفاتِهـا

مُباهِيـةٌ ، طـيَّ الوشـاحِ ، مَيـودُ

إذا جئتُها ، يوماً من الدهرِ ، زائـراً

تعرّضَ منفوضُ اليديـنِ ، صَـدودُ

يصُدّ ويُغضي عن هوايَ ، وَيَجْتَنِـي

ذُنـوبـاً عليـها ، إنّـه لعَـنـودُ

فأصرِمُها خَوفاً ، كَأَنِـي مُجانِـبٌ

ويغفُـلُ عنَّـا مـرةً ، فَـنَـعـودُ

وَمَنْ يُعطَ فِي الدُّنيَا قَرينـاً كمِثلِـها

فَذَلكَ فِـي عَيـشِ الحَيـاةِ رَشيـدُ

يَموتُ الْهَوى منِّـي إِذَا مَا لَقِيتُـهَا

ويَحْيَـا ، إِذَا فَـارقتُهَـا ، فَيَعـودُ

يَقُولُونَ : جَاهِدْ يَا جَميلُ ، بِغَـزوَةٍ

وَأَيَّ جِهـادٍ ، غيْـرَهُـنَّ ، أُرِيـدُ

لَكُـلّ حَديـثٍ بَينَهـنّ بَشَاشَـةٌ

وَكُـلّ قَتِيـلٍ عِنـدَهـنّ شَهيـدُ

وَأحسنُ أَيامِـي ، وأَبْهـجُ عِيشَتِـي

إِذَا هِيجَ بِـي يَومـاً وَهُـنّ قُعـودُ

تذَكَّرْتُ لَيْلَـى ، فَالفُـؤادُ عَميـدُ

وشطّـت نَواهَـا ، فالمَـزارُ بَعِيـدُ

عَلِقْتُ الهَوَى مِنهَا وَلِيداً ، فَلَم يَـزلْ

إلـى اليَومِ يَنمُـو حُبُّـهَا وَيَزِيـدُ

فَمَـا ذُكِـرَ الخُـلاّنُ إلاّ ذَكَرتُهَـا

وَلاَ البُخلُ إِلاّ قُلتُ سَـوفَ تَجُـودُ

إِذَا فَكَّرتْ قَالتْ : قَدْ ادركـتُ وُدّهُ

وَمَا ضَرَّنِي بُخلِي ، فَكَيـفَ أَجُـودُ

فَلَو تُكشَفُ الأَحشَاءُ صودِف تَحتـهَا

لبَثْينـةَ ، حُـبٌّ طَـارِفٌ وَتلِـيـدُ

أَلَمْ تَعلمِي يَا أُمَّ ذِي الـوَدْعِ أَنّنِـي

أُضَاحِكُ ذِكْراكُمْ ، وَأَنتِ صَلُـودُ ؟

فَهَـلْ أَلقَيَـنْ فَـرداً بُثينـةَ لَيلَـةً

تَجودُ لَنَـا مِـنْ وُدِّهَـا وَنَجُـودُ ؟

وَمَنْ كَانَ فِي حُبِّي بُثينـةَ يَمْتَـرِي

فَبَرقَـاءُ ذِي ضَـالٍ عَلَـيّ شَهِيـدُ

 


أَرَى كُلّ مَعشُوقَينِ

أَرَى كُلّ مَعشُوقَينِ ، غَيرِي وَغيرَهَـا

يَلَـذّانِ فِـي الـدّنْيـا ويَغْتَبِطَـانِ

وَأَمشِي ، وَتَمشِي فِي البِلاَدِ ، كَأنّنَـا

أَسِيـرَان ، للأَعـدَاءِ ، مُـرتَهَنَـانِ

أُصَلِّي فَأَبكِي فِي الصَّـلاةِ لذِكرِهَـا

لِيَ الوَّيـلُ مِمَّـا يَكتُـبُ المَلَكَـانِ

ضَمِنْتُ لَهَـا أَنْ لاَ أَهِيـمَ بِغَيرِهَـا

وَقَدْ وَثِقَـتْ مِنِّـي بِغَيـرِ ضَمَـانِ

أَلاَ ، يَا عِبادَ الله ، قُومُـوا لِتَسمَعُـوا

خُصومـةَ مَعشُوقَيـنِ يَختَصِـمَانِ

وَفِي كُلّ عَـامٍ يَستَجِـدّانِ ، مَـرّةً

عِتَاباً وَهَجـراً ، ثُـمّ يَصطلِحَـانِ

يَعِيشانِ فِي الدّنْيَا غَرِيبَيـنِ ، أَينَـمَا

أَقَامَـا ، وَفِـي الأَعـوَامِ يَلتَقِيَـانِ

وَمَا صَادِيَاتٌ حُمْنَ ، يَومـاً وَلَيلَـةً

عَلَى المَاءِ ، يُغشَيْنَ العِصيَّ، حَوَانِـي

لواغِبُ ، لاَ يَصْدُرْنَ عَنـهُ لِوَجْهـة

وَلاَ هنّ مِنْ بَـردِ الحِيَـاضِ دَوَانِـي

يَرَينَ حَبابَ المَاءِ ، وَالمَـوتُ دُونَـهُ

فَهُـنّ لأَصـوَاتِ السُّقَـاةِ رَوَانِـي

بِأَكثَـرَ مِنّـي غُـلّـةً وَصَبَـابَـةً

إِلَيـكِ ، وَلَكـنّ العَـدوّ عَدَانِـي

 


رَمَى اللهُ

رَمَى اللهُ فِي عَينَي بُثَينَـةَ ، بِالقَـذَى

وَفِي الغُـرِّ مِنْ أَنْيَابِهَـا ، بِالقَـوَادِحِ

رَمَتنِي بِسَهْمٍ رِيشُةُ الكُحلُ ، لَمْ يَضِـرْ

ظَوَاهِرَ جِلْدِي ، فَهْوَ فِي القَلْبِ جَارِحِي

أَلاَ لَيْتَنِي قَبْلَ الذِّي ، قُلْتِ شِيْـبَ لِي

مِنَ المُذْعِفِ القَاضِي سِـمَامُ الذَّرَارِحِ

فَمُـتُّ ، وَلَمْ تُعلَـمْ عَلَـيَّ خِيَانَـةً

أَلاَ رُبَّ بَاغِي الرِّبْـحِ لَيْـسَ بِرَابِـحِ

فَلاَ تَحْمِلِيهَـا ، وَاجْعَلِيهَـا جِنَايَـةً

تَرَوَّحْتُ مِنْـهَا فِي مِيَـاحَـةِ مَائِـحِ

أَبُوءُ بِذَنْبِـي ، إِنَّنِـي قَـدْ ظَلمْتُـهَا

وَإِنِّي بِبَـاقِي سِـرِّهَا غَيْـرُ بَـائِـحِ

 


رَدَّ نَصِيحَتِـي

يَا صَاحِ ، عَنْ بَعضِ المَلاَمَةِ أَقصِـرِ

إِنّ الـمُنَـى لَلِقاءُ أُمّ الـمِسْـوَرِ

وَكَأنّ طَارِقَها ، عَلَى عَلَل الكَـرَى

والنّجمُ ، وَهنـاً ، قَدْ دَنَـا لِتَغـوّرِ

يستـافُ رِيـحَ مدامـةٍ معجونـةٍ

بذكيِّ مِسكٍ ، أو سَحِيـقِ العنبـرِ

إنِي لأَحفـظُ غَيبَكُـم ويَسرّنِـي

لَو تَعلمينَ ، بِصَالـحٍ أَنْ تُذكَـري

وَيَكُون يَومٌ ، لاَ أَرَى لَكِ مُرسَـلاً

أَوْ نَلتَقِـي فِيـهِ ، عَلَـيَّ كَأَشْهُـرِ

يَا لَيتَنِـي أَلقَـى الـمَنِيَّـةَ بَغْتَـةً

إِنْ كَانَ يَـومُ لِقَائكُـم لِمَ يُقْـدَرِ

أَوْ أَستَطِيـعُ تَجلّـداً عَنْ ذِكركُـم

فَيُفِيقَ بَعـضُ صَبَابَتِـي وتَفَكُّـري

لَوْ تَعلَمِينَ بِمَا أُجِـنّ مِـنَ الهَـوَى

لَعَذَرتِ ، أَوْ لَظَلَمتِ إِنْ لَمْ تَعذرِي

واللهِ ، مَا للقَلبِ ، مِنْ عِلـمٍ بِهَـا

غَيرُ الظُّنونِ وغَيـرُ قَـولِ المُخبِـرِ

لاَ تَحسَبِي أَنِّـي هَجَرْتُـكِ طَائِعـاً

حَدَثٌ ، لَعَمْرُكِ ، رَائِعٌ أَنْ تُهجَـرِي

ولَتَبكِيَنِّـي البَاكِيَـاتُ ، وَإِنْ أَبُـحْ

يَوماً ، بِسـرِّكِ مُعلنـاً ، لَمْ أُعـذَرِ

يَهوَاكِ ، مَا عِشتُ ، الفُؤادُ ، فَـإِنْ

أَمُتْ يَتبَعْ صَدَايَ صَدَاكِ بَينَ الأَقْبُـرِ

إِنِّي إِلَيكِ ، بِمَا وَعَـدْتِ ، لَنَاظِـرٌ

نَظَرَ الفَقِيـرِ إلـى الغَنـيِّ المُكثِـرِ

تُقضَى الدُّيونُ ، وَلَيسَ يُنْجِزُ مَوعِداً

هَذا الغَريمُ لَنَـا ، وَلَيـسَ بِمُعسِـرِ

مَا أَنتِ ، وَالوَعدَ الـذي تَعِدِينَنِـي

إِلاَّ كَبـرقِ سَحَابَـةٍ لَـمْ تُمْطِـرِ

قَلبِي نَصَحتُ لَهْ ، فَـرَدَّ نَصِيحَتِـي

فَمَتَى هَجَرتِيـه ، فَمِنـهُ تَكَثَّـرِي