ابن الفارض

 

هو عمرو بن علي بن مرشد بن علي الحموي ، ولد وعاش وتوفى بمصر، الملقب شرف الدين بن الفارض

من شعراء العصر الأندلسي

ولد سنة 576 هـ / 1181 م ـ توفي سنة 632 هـ / 1235 م

 

ذِكْرِ الحبيـب

شَرِبْنَا عَلى ذِكْرِ الحبيـبِ مُدامَـةً

سَكِرْنَا بِها مِن قَبل أَن يُخلق الكَرْمُ

لَها البَدرُ كأسٌ وهيَ شَمسٌ يُدِيرُهَا

هِلالٌ وَكَم يَبدو إذا مُزِجَتْ نَجْـمُ

وَلَولا شذَاها ما اهتدَيـتُ لِحانِهـا

وَلَولا سَناهَا مَا تَصَوَّرهـا الوَهْـمُ

وَلَم يُبْقِ مِنهَا الدَّهْرُ غَيـرَ حُشاشَـةٍ

كَأَنَّ خَفاها فِي صُدور النُّهَى كتْـمُ

فَإِن ذُكِرَتْ فِي الحَيِّ أَصبَحَ أَهلُـهُ

نَشاوَى وَلا عَارٌ عَلَيهِـمْ وَلا إِثْـمُ

وَمِنْ بَينِ أَحشاءِ الدَّنانِ تَصاعَـدتْ

وَلَم يَبْقَ مِنهَا فِي الحقِيقَة إلاَّ اسْـمُ

وَإِن خَطَرَتْ يَوماً عَلى خاطرِ امرىءٍ

أَقَامَتْ بِهِ الأَفراحُ وَارتَحـلَ الهَـمُّ

وَلَو نَظَرَ النُّدْمَـانُ خَتـمَ إنائِهـا

لأَسكَرَهُمْ مِن دُونِهـا ذَلكَ الخَتْـمُ

وَلَو نَضحوا مِنهَا ثَرَى قَبـرِ مَيِّـتٍ

لَعادَتْ إِلَيهِ الرُّوحُ وانتَعَشَ الجِسْـمُ

وَلَو طَرَحُوا فِي فَيءِ حائِطِ كَرْمِهـا

عَليلاً وَقَد أَشفَى لَفَارَقَـهُ السّقْـمُ

وَلَو قَرَّبُوا مِن حانِها مُقْعَـداً مَشَـى

وَتنطِقُ مِن ذِكْرَى مَذاقَتِها البُكْـمُ

وَلَو عَبِقَتْ فِي الشَّرقِ أَنفاسُ طِيبِها

وَفِي الغَربِ مَزكومٌ لَعادَ لَهُ الشَّـمُّ

وَلَو خُضِبت مِن كَأسِها كَفُّ لامسٍ

لَمَا ضَلَّ فِي لَيْلٍ وَفِي يَـدِهِ النَّجْـمُ

وَلَو جُليتْ سِرّاً عَلى أَكمَـهٍ غَـدا

بَصيراً وَمن رَاووقِها تَسْمَعُ الصُّـمُ

وَلَو أَنَّ رَكْباً يَمَّمُوا تُـرْبَ أَرْضِـهَا

وَفِي الرَّكبِ مَلسوعٌ لَمَا ضَرَّهُ السُّمُّ

وَلَو رَسَمَ الرَّاقِي حُرُوفَ اسمِها عَلى

جَبينِ مُصَابٍ جُنَّ أبْـرَأهُ الرّسْـمُ

وَفَوْقَ لِواءَ الجيشِ لَو رُقِـمَ اسـمُها

لأَسكَرَ مَنْ تَحتَ اللِّوا ذَلك الرّقْـمُ

تُهَذّبُ أخلاقَ النَّدامَـى فَيَهْتَـدي

بِها لِطَريقِ العَزمِ مَن لا لَـهُ عَـزْمُ

وَيكرُمُ مَن لَم يَعْرِف الجُـودَ كَفُّـه

وَيَحلُمُ عِندَ الغَيظِ مَن لا لَهُ حِلْـمُ

وَلَو نالَ فَدْمُ القـومِ لَثْـمَ فِدَامِهـا

لأكْسبَهُ مَعنَـى شَمائِلـها اللّثْـمُ

يَقُولُونَ لِي صِفْهَا فَأَنـتَ بِوَصفِـها

خَبِيرٌ أَجَلْ عِندِي بِأَوصافِهـا عِلْـمُ

صَفاءٌ وَلا مَاءٌ ولُطْـفٌ ولا هَـواً

وَنُورٌ وَلا نَـارٌ وَرُوحٌ وَلا جِسْـمُ

تَقَدَّمَ كُـلَّ الكَائِنَـاتِ حَدِيثُـها

قَدِيماً وَلا شَكلٌ هُنـاكَ وَلا رَسْـمُ

وَقَامَت بِها الأَشياءُ ثَـمَّ لحكمَـةٍ

بِها احتَجَبَتْ عَن كُلِّ مَن لا لَهُ فَهْمُ

وَهَامَتْ بِها رُوحِي بِحيثُ تَمازَجـا

اتِّحاداً وَلا جِـرْمٌ تَخَلّلَـه جِـرْمُ

فَخَمْـر وَلا كـرْم وآدَمُ لِـي أَب

وكَرْم وَلا خَمْـر ولِـي أُمُّهـا أُمُّ

وَلُطْفُ الأَوَانِي فِي الحَقِيقَـة تابِـع

لِلُطْفِ المَعَانِي والمَعَانِي بِهـا تَنْمُـو

وَقَد وَقَعَ التَّفريقُ والكُـلُّ وَاحِـد

فأَرواحُنَا خَمْـرٌ وَأَشبَاحُنَـا كَـرْمُ

وَلا قَبلَها قَبـلُ وَلا بَعْـدَ بَعْدَهَـا

وَقَبْليُّة الأبْعَـادِ فَهْـيَ لَهَـا حَتْـمُ

وَعَصْرُ المَدَى مِن قَبله كَانَ عَصرَهـا

وَعهْدُ أَبِينـا بَعدَهـا وَلَهَـا اليُتْـمُ

مَحاسِنُ تَهدِي المَادِحِيـنَ لِوَصْفِـهَا

فَيَحْسُنُ فِيهَا مِنهُمُ النَّثـرُ والنَّظْـمُ

وَيَطْرَبُ مَن لَم يَدْرِهَا عِندَ ذِكْرِهَـا

كَمُشْتَاقِ نُعْمٍ كُلَّمَا ذُكِـرَتْ نُعْـمُ

وَقَالُوا شَرِبْتَ الإِثْـمَ كَـلاَّ وَإنَّمـا

شَرِبْتُ التِي فِي تَركِهَا عِندِيَ الإِثْـمُ

هَنِيئاً لأَهلِ الدّيرِ كَمْ سَكِروا بِهـا

وَمَا شَرِبُوا مِنـهَا وَلَكِنَّهُـم هَمُّـوا

وَعِندِيَ مِنهَا نَشْوَةٌ قَبـلَ نَشأَتِـي

مَعِي أَبداً تَبقَى وَإِنْ بَلِـيَ العَظْـمُ

عَلَيكَ بِها صِرْفاً وَإِن شِئتَ مَزْجَـها

فَعَدْلُكَ عَن ظَلْم الحَبِيب هُوَ الظُّلْـمُ

فَدُونَكَهَا فِي الحانِ واستَجْلـها بِـهِ

عَلى نَغَمِ الأَلحَانِ فَهِيَ بِهـا غُنْـمُ

فَمَا سَكَنَتْ وَالهَمَّ يَومـاً بِمَوضِـع

كَذَلِك لَم يَسكُنْ مَعَ النَّغَـم الغَـمُّ

وَفِي سَكرةٍ مِنهَا وَلَوْ عُمْـرُ سَاعَـةٍ

تَرَى الدَّهْرَ عَبداً طَائِعاً وَلَكَ الحُكْـمُ

فَلا عَيْشَ فِي الدُّنْيا لِمَن عَاشَ صَاحِياً

وَمَن لَم يَمُتْ سُكْراً بِها فَاتَهُ الحَـزْمُ

عَلى نَفسه فَليَبْكِ مَن ضَاعَ عُمْـرُهُ

وَلَيسَ لَهُ فِيهَا نَصِيـبٌ وَلا سَهْـمُ

 


هَل نَارُ لَيلَى

هَل نَارُ لَيلَى بَدَتْ لَيلاً بِـذي سَلَـمِ

أَمْ بَارِقٌ لاَحَ فِي الـزَّورَاءِ فالعَلَـمِ

أَرْوَاحَ نَعمانَ هَـلاَّ نَسمـةٌ سَحَـراً

وَمَـاءَ وَجـرةَ هَـلاَّ نَهْلـة بفَـمِ

يا سَائِق الظعّنِ يَطوِي البِيدَ مُعتسِفـاً

طَيَّ السّجلّ بِذاتِ الشّيحِ من إضَـمِ

عُجْ بالحِمَى يا رَعـاكَ اللهُ مُعْتَمِـداً

خَميلةَ الضّالِ ذَاتَ الرّنـدِ والخُـزُمِ

وقِفْ بسلعٍ وسل بالجزع هَل مُطِرَت

بالـرَّقْمَتَيْـنِ أُثَيْـلات بِمُنْسَجِـمِ

ناشدتُكَ اللهَ إن جُزْتَ العَقِيقَ ضُحىً

فاقْرَ السَّلاَمَ عليهِمْ غيـرَ مُحْتَشِـمِ

وقُلْ تَركْتُ صريعاً فِـي دِيَارِكُـمُ

حيّاً كمَيْتٍ يُعيـرُ السُّقْـمَ للسّقَـمِ

فَمِنْ فُؤادِي لَهيبٌ نَابَ عَن قَبَـسٍ

ومِن جُفُونِيَ دَمْعٌ فَـاضَ كالدِّيَـمِ

وهذه سُنَّـةُ العُشَّـاقِ مـا علِقـوا

بِشَادِنٍ فخَلاَ عُضْـو مـن الألَـمِ

يا لائِماً لاَمَنِي فِي حُبِّهِـمْ سَفَـهاً

كُفّ المَلامَ فَلوْ أَحبَبْـتَ لَـم تَلُـمِ

وَحُرْمَةِ الوَصْلِ والوِدّ العَتِيق وبالعَهْدِ

الوَثِيق وَمَا قَد كَـانَ فِـي القِـدَمِ

مَا حُلْتُ عَنهمْ بسُلْـوَانٍ ولا بَـدَلٍ

لَيسَ التَّبَدُّلُ والسُّلـوَانُ مِن شِيَمـي

رُدُّوا الرُّقَاد لِجَفنِـي عَلَّ طَيْفَكُـمُ

بِمضجِعِي زَائِر فِي غَفلـةِ الحُلُـمِ

آهاً لاِيَّامِنا بالخَيـف لَـو بَقِيَـتْ

عَشْراً وواهاً عَليها كَيفَ لَـم تَـدُمِ

هَيهَاتِ وَا أَسَفِي لَو كَـانَ يَنفَعُنِـي

أَو كَانَ يُجدِي عَلَى مَا فَاتَ وانَدَمِي

عَنِّي إِلَيكُمْ ظِبَـاءَ المُنْحَنَـى كرَمـاً

عَهِدْتُ طَرْفِيَ لَم يَنْظـرْ لغَيْرِهـمِ

طَوعاً لِقَاضٍ أَتَى فِي حُكْمِهِ عَجَبـاً

أَفْتَى بسَفْكِ دَمِي فِي الحِلِّ والحَـرَمِ

أَصَمَّ لَم يَسمَعِ الشَّكوَى وَأَبكَمَ لَـم

يُحِر جَوَاباً وَعَن حَالِ المَشوقِ عَمِي

 


أَبرقٌ بَدا مِن جانِـبِ

أَبرقٌ بَدا مِن جانِـبِ الغَـور لاَمـعُ

أمِ ارتفَعَتْ عَن وَجهِ لَيلَـى البَراقِـعُ

أَنَارُ الغَضا ضاءَتْ وسَلمَى بِذي الغَضَا

أمِ ابتَسَمتْ عمَّـا حكتـهُ المَدامـعُ

أنْشرُ خُزامى فاح أم عَـرْفُ حاجـرٍ

بأُمّ القُرَى أم عِطْـرُ عَـزَّةَ ضائـعُ

أَلا لَيتَ شِعري هل سُلَيْمَى مقيمـة

بِوادِي الحِمَى حَيـثُ المُتَيَّـمُ والـعُ

وَهَل لَعلَعَ الرَّعْـدُ الهَتـونُ بِلَعلَـعٍ

وَهَل جادَها صَوب من المُزنِ هامـعُ

وَهَل أَرِدَنْ مَـاء العُذَيْـب وحاجِـر

جِهَاراً وسِرُّ اللَّيـلِ بالصُّبـحِ شائـعُ

وَهَل قاعةُ الوَعساء مُخْضَـرّةُ الرُّبَـى

وَهَل ما مَضَى فِيهَا مِن العَيشِ راجـعُ

وَهَل برُبَى نَجْـدٍ فتوضـحَ مسنِـدٌ

أُهَيلَ النّقا عمّـا حوَتْـه الأضالـعُ

وَهَل بِلِوى سَلْعٍ يُسَلْ عـن مُتَيَّـمٍ

بِكَاظِمَةٍ ماذا بِـهِ الشَّـوقُ صانـعُ

وَهَل عَذَبَاتُ الرّنِد يُقْطَـفُ نُورهـا

وَهَـل سَلَمـاتٌ بالحِجـاز أيانـعُ

وَهَل أَثَلاتُ الجِـزعِ مُثمِـرةٌ وَهَـل

عُيونُ عوادي الدَّهرِ عَنـهَا هَواجـعُ

وَهَل قاصراتُ الطَّرفِ عِيـنٌ بِعالِـجٍ

عَلى عَهدِيَ المَعهودِ أَمْ هُـوَ ضائـعُ

وَهَـل ظَبَيَـاتُ الرّقْمَتَيِـن بُعَيْدَنَـا

أَقَمَنـا بِهـا أمْ دونَ ذلـكَ مانـعُ

وَهَـل فَتيـاتٌ بالغُوَيْـرِ يُرينَنَـي

مَرابـعَ نُعْـمٍ نِعْـمَ تِـلكَ المَرابـعُ

وَهَل ظِلُّ ذَاكَ الضَّال شَرقِيّ ضـارجٍ

ظَلِيلٌ فَقَـد روَّتْـهُ منِّـي المَدامـعُ

وَهَل عَامرٌ من بَعْدِنا شِعـبُ عَامـرٍ

وَهَل هُوَ يَومـاً لِلمُحبِّيـنَ جامـعُ

وَهَـل أَمَّ بَيـتَ الله يـا أُمَّ مـالِكٍ

عُرَيْبٌ لَهُمْ عِندي جَميـعاً صنائـعُ

وَهَل نَزَلَ الرَّكبُ العِراقـي مُعَرِّفـاً

وَهَل شُرِعَت نَحوَ الخِيـام شرائـعُ

وَهَل رَقَصَـت بالمَأزِمَيـن قَلائِـصٌ

وَهَل لِلقِبابِ البِيـضِ فِيـهَا تَدَافـعُ

وَهَل لِي بِجمعِ الشَّمل فِي جَمع مُسعِدٌ

وَهَل لِلَّيالِي الخَيْـف بالعُمْـر بائـعُ

وَهَل سَلَّمتْ سَلمَى عَلى الحَجَرِ الذي

بِهِ العَهدُ والتفَّـت عَليِـه الأصابـعُ

وَهَل رَضَعَت مِن ثَديِ زَمزَم رَضْعَـةً

فَلا حُرّمت يومـاً عَلَيـها المراضـعُ

لَعـلَّ أُصَيْحَابِـي بِمكَّـة يُبْـرِدُوا

بِذِكْرِ سُلَيْمَى مـا تُجِـنّ الأضالـعُ

وَعَلّ اللُّيَيْلاَتِ التِي قَـد تَصرَّمـت

تَعـودُ لَنـا يَومـاً فَيَظْفَـرَ طامـعُ

وَيفْـرَحَ مَحـزُونٌ وَيَحْيَـا مُتَيَّـمٌ

وَيَأنَـسَ مُشْتَـاقٌ ويلتَـذَّ سَامِـعُ

 


أَرَى البُعْد

أَرَى البُعْدَ لَم يُخْطِرْ سِوَاكُم عَلَى بَالِي

وَإِن قَرَّبَ الأَخطارَ مِن جَسَدِي البَالِي

فَيَا حبَّذا الأسقَامُ فِي جَنبِ طَاعتِـي

أَوامِرَ أَشوَاقِـي وَعصيـانِ عُذَّالِـي

ويا ما أَلَذَّ الذُّلَّ فِي عِـزِّ وَصْلِكُـمْ

وَإِن عَزَّ ما أَحلَى تقَطُّـعَ أَوصَالِـي

نأَيْتُمْ فَحَالِي بَعدكُـمْ ظَـلَّ عاطِـلاً

وَما هُوَ مِمَّا سَاءَ بَل سَرَّكُمْ حَالِـي

بَلَيْـتُ بِـهِ لَمَّـا بُلِيـتُ صَبابـةً

أَبَلَّتْ فَلِـي مِنـهَا صُبَابَـةُ إِبـلالِ

نَصَبْتُ عَلَى عَينِي بتَغْميـضِ جَفْنِـها

لِزَورَةِ زُورِ الطَّيـف حِيلـةَ مُحتـالِ

فَمَا أَسعَفَتْ بالغُمضِ لَكِن تَعَسَّفَـت

عَلَيَّ بِدَمْعٍ دَائِـمِ الصَّـوبِ هَطَّـالِ

فَيَا مُهْجَتِي ذُوبِي عَلَى فَقْدِ بَهْجَتِـي

لِتَرْحَالِ آمالِـي ومَقْـدَمِ أَوجَالِـي

وَضِنِّي بِدَمْعٍ قَد غَنَيْتُ بفَيْـضِ مـا

جَرَى مِن دَمِي إِذ طُلَّ ما بينَ أَطـلالِ

ومَنْ لِي بِأَن يَرضَى الحَبِيبُ وَإِن عَـلا

النْنَحِيبُ فإبْلالِـي بَلائِـي وبَلْبَالِـي

فَمَا كَلَفِي فِـي حُبِّـهِ كُلْفَـةً لَـهُ

وَإِن جَلَّ مَا أَلْقَى مِن القِيـلِ وَالقَـالِ

بَقِيـتُ بِـهِ لَمَّـا فَنِيـتُ بِحُـبِّـهِ

بِثَـرْوَةِ إِيثَـارِي وَكَثْـرَةِ إِقلالِـي

رَعَى اللهُ مَغنَىً لَم أَزَلْ فِـي رُبوعِـهِ

مُعنَّىً وقُلْ إِن شِئتَ يَا نَاعِـمَ البَـالِ

وَحَيَّا مُحَيَّا عَـاذِلٍ لِـيَ لَـم يـزَلْ

يُكَرِّرُ مِن ذِكْرَى أَحَادِيث ذِي الخَـالِ

رَوَى سُنّة عِندِي فَأَرْوَى مِن الصَّـدَى

وَأهدَى الهُدَى فَاعجَبْ وَقَد رَامَ إِضلالِي

فَأَحببتُ لَوْمَ اللَّـؤمِ فِيـهِ لَـو انَّنِـي

مُنِحْتُ المُنَى كَانَت عَلامـةَ عُذَّالِـي

جَهِلَتُ بِأَن قُلْتُ اقتَرحْ يَا مُعذِّبِي عَلَيَّ

فَأَجْلَى لِي وَقَـالَ اسْـلُ سِلسَالِـي

وَهَيهَاتِ أَن أَسلُو وَفِي كُـلِّ شَعـرةٍ

لِحَتْفِـي غَـرامٌ مُقْبِـلٌ ايّ إِقبـالِ

وَقَالَ لِـيَ الاَحـي مَـرارةُ قصْـدِهِ

تَحَلَّى بِها دَعْ حُبّهُ قُلتُ أَحلَـى لِـي

بَذَلْتُ لَـهُ رُوحِـي لِرَاحَـةِ قُرْبِـهِ

وَغَيرُ عَجِيبٍ بَذْلِيَ الغَالِ فِي الغَالِـي

فَجَـادَ وَلَكِـن بالبُعـادِ لِشِقْوَتِـي

فَيَا خَيبَةَ المَسعَـى وضَيعَـةَ آمَالِـي

وَحَانَ لَهُ حَينِي عَلَـى حِيـنِ غِـرَّةٍ

وَلَـم أَدرِ أَنَّ الآلَ يَذْهَـبُ بـالآلِ

تَحكَّمَ فِي جِسمِي النُّحولُ فَلَو أَتَـى

لِقَبْضِي رَسُولٌ ضَلَّ فِي مَوضِع خَـالِ

فَلَو هَمَّ بَاقِي السّقمِ بِي لاستَعَانَ فِـي

تَلافِي بِمَا حَالَتْ لَهُ مِن ضَنَىً حَالِـي

وَلَم يَبقَ مِنِّي مَـا يُناجِـي تَوَهُّمِـي

سِوَى عزِّ ذُلٍّ فِـي مَهَانَـةِ إِجْـلالِ

 


أوَميـضُ بَـرْق

أوَميـضُ بَـرْقٍ بالأُبَيْـرِقِ لاَحـا

أَم فِي رُبَـى نَجـد أَرَى مِصباحـا

أَم تِلكَ لَيلَـى العامريَّـةُ أَسْفَـرَتْ

لَيْـلاً فصيَّـرَتِ المَسـاءَ صَباحـا

يا راكِبَ الوجْناء وُقّيـتَ الـرَّدَى

إن جُبتَ حَزْناً أو طوَيـتَ بِطاحـا

وسَلَكْتَ نُعمانَ الأراكِ فعُـجْ إِلَـى

وَادٍ هُنـاكَ عَهـدْتـهُ فَيَّـاحـا

فبأَيْمَـنِ العلمَيْـنِ مِـن شرقيّـه

عَـرِّجْ وأُمَّ أريـنَـهُ الفـوَّاحـا

وإذا وَصَلْتَ إِلَى ثَنِيّـاتِ اللِّـوَى

فانْشُدْ فُـؤاداً بالأُبَيْطـح طاحـا

واقْرِ السَّلامَ أُهَلْيَـهُ عَنّـي وقُـل

غـادرْتُـهُ لِجَنـابِكُـمْ مُلْتاحـا

يا ساكِنِي نَجدٍ أَمـا مِـنْ رحـمَةٍ

لأَسِيـرِ إِلْـفٍ لا يُريـدُ سَراحـا

هَـلاَّ بَعَثْتُـمْ لِلمَشُـوقِ تَحـيَّـةً

فِي طَيِّ صافِيَـةِ الرِّيَـاحِ رَواحـا

يَحْيا بِها مَن كانَ يَحسَب هَجرَكُمْ

مَزْحـاً ويعتقِـدُ المِـزَاحَ مِزاحـا

يا عاذِلَ المُشْتَاقِ جَهْـلاً بالَّـذِي

يَلْقَـى مَلِيّـاً لا بَلَغـتَ نَجاحـا

أتْعَبتَ نفسَكَ فِي نصيحَة مَن يَـرَى

أنْ لا يَـرَى الإِقبـالَ والإِفلاحـا

أقْصِر عدِمْتُك واطّرح من أثخنـتْ

أحشاءَهُ النُّجـلُ العُيـونُ جِراحـا

كَنتَ الصَّديقَ قبيلَ نُصْحِكَ مُغْرَمـاً

أَرَأَيـتَ صَبّـاً يألَـفُ النُّصَّاحـا

إنْ رُمْتَ إصْلاَحِي فإنّـي لَـم أُرِدْ

لفَسَادِ قَلبِي فِي الهَـوَى إصلاحـا

ماذا يُريدُ العَاذِلـونَ بعَـذْلِ مَـنْ

لَبِسَ الخَلاعَـة واستـراحَ وراحـا

يا أهلَ وِدّي هل لِرَاجِي وَصْلِكُـمْ

طَمَـعٌ فيَنعَـمَ بالُـهُ استِرْوَاحـا

مُذْ غِبْتُمُ عن ناظِـري لِـيَ أنّـةٌ

ملأتْ نواحي أرضِ مِصْـرَ نُواحـا

وإذا ذكَـرْتُكُـمُ أميـلُ كأنّنِـي

مِن طيبِ ذِكْرِكُمُ سقيـتُ الرَّاحـا

وإذا دُعيت إلى تناسـي عهدِكُـمْ

ألْفَيتُ أحشائـي بـذاكَ شِحاحـا

سَقياً لأيَّامٍ مَضَـتْ مـع جيـرَةٍ

كانـتْ لَيـالينـا بِهِـمْ أفراحـا

حَيثُ الحِمَى وطَنِي وسُكَّانُ الغَضا

سَكَنِي ووِردي الماءَ فِيـهِ مُباحـا

وأُهَيْلُـهُ أَرَبِـي وظِـلُّ نَخيـلِـهِ

طَرَبِـي ورَمْلَـةُ وادِيَيْـهِ مَراحـا

وَاهاً علـى ذاكَ الزَّمـانِ وطيبِـهِ

أيَّامَ كُنـتُ من اللُّغـوبِ مُراحـا

قَسماً بِمكَّةَ والمقـامِ ومَـن أتَـى

البَيـتَ الحـرامَ مُلَبّيـاً سَيِّاحـا

ما رنَّحَتْ ريحُ الصَّبَا شِيحَ الرُّبَـى

إلاَّ وأهْــدَتْ منكُـمُ أَرواحـا

 


زِدْنِي بِفَرْطِ الحُـب

زِدْنِي بِفَرْطِ الحُـبِّ فِيـكَ تَحَيَّـرا

وَارْحَمْ حَشىً بِلَظَى هَـوَاكَ تَسَعَّـرا

وَإِذَا سَـأَلـتـكَ أَن أَرَاكَ حَقِيقَـةً

فَاسْمَحْ وَلا تَجعَلْ جَوَابِي لَن تَـرَى

يا قَلبُ أَنتَ وَعَدتَنِي فِـي حُبِّهِـمْ

صَبراً فَحاذِرْ أَن تَضِيـقَ وتَضجَـرا

إِنَّ الغَرامَ هَـوَ الحَيـاةُ فَمُـتْ بِـهِ

صَبّاً فَحَقّـك أَن تَمُـوتَ وتُعـذَرا

قُل لِلَّذِيـنَ تَقَدَّمُـوا قَبلِـي وَمَـن

بَعدِي وَمَن أَضحَى لأَشجانِي يَـرَى

عَنِي خُذُوا وبِي اقْتَدُوا ولِيَ اسْمَعُـوا

وَتَحدَّثُوا بِصَبابَتِـي بَيـنَ الـوَرَى

وَلَقَد خَلَوْتُ مَـعَ الحَبِيـب وبَيْنَنَـا

سِرٌّ أَرَقَّ مِـنَ النَّسِيـمِ إِذَا سَـرَى

وَأَبـاحَ طَـرْفِـي نَظْـرْةً أَمَّلْتُـهَا

فَغَدَوْتُ مَعرُوفـاً وَكُنْـتُ مُنَكَّـرا

فَدُهِشْـتُ بيـنَ جَمالِـهِ وَجَلالِـهِ

وَغَدَا لِسَانُ الحَـالِ عَنِّـي مُخْبِـرا

فَأَدِرْ لِحَاظَكَ فِي مَحاسِـنِ وَجْهِـهِ

تَلْقَى جَميعَ الحُسْـنِ فِيـهِ مُصَـوَّرا

لَو أَنَّ كُلَّ الحُسْنِ يَكمُـلُ صُـورَةً

وَرَآهُ كَـانَ مُهَلِّـلاً ومُـكَـبِّـرا

 


عَيْنِي جَرَحَـتْ وَجْنَتَـه

عَيْنِي جَرَحَـتْ وَجْنَتَـهُ بالنَّظَـرِ

مِن رِقَّتِهَا فانْظُـرْ لِحُسْـنِ الأَثَـرِ

لَم أَجنِ وَقَد جَنَيـتُ وَرْدَ الخَفَـرِ

إلاَّ لِتَرَى كَيفَ انشِقَـاقُ القَمَـرِ

مَا أَصنَعُ وَقَدْ أَبْطَـأَ عَلـيَّ الخَبـرُ

وَيْلاَهُ إِلَـى مَتَـى وَكَـمْ أَنْتَظِـرُ

كَم أَحمِلُ كَم أَكْتُمُ كَـم أَصطَبِـرُ

يُقْضَى أَجَلِي ولَيْسَ يُقْضَـى وَطَـرُ

عَـوَّذْتُ حُبَيِّبِـي بِـرَبِّ الطُـورِ

مِن آفَةِ ما يَجـرِي مِـنَ المَقْـدُورِ

ما قُلـتُ حُبَيِّبِـي مِـنَ التَّحقِيـرِ

بِل يَعْذُبُ اسمُ الشَّـيءِ بالتَّصغِيـرِ

حَدِيثُهُ أَو حَدِيـثٌ عَنْـهُ يُطْرِبُنِـي

هَذا إِذَا غَابَ أَو هَـذا إِذَا حَضَـرَا

كِلاَهُمَا حَسَنٌ عِنـدِي أُسَـرُّ بِـهِ

لَكنَّ أَحلاهُمَـا مَا وَافَـقَ النَّظَـرَا

 


مَا اسم

مَا اسمٌ إِذا مَا سَأَلَ الـمَرءُ عَـن

تَصحيفِـهِ خِـلاً لَـهُ أَفْحَمَـهْ

فَـنِـصْـفُ يَــس لَـهُ أَوَّلٌ

مِنْ غَيرِ ما شَـكٍّ وَلاَ جَمجَمَـهْ

وَإِنْ تُـرِدْ ثـانِـيَـهُ فَـهْـوَ لاَ

يُذْكَـرُ لِلسَائِـلِ كَـيْ يَفْهَمَـهْ

وَإِنْ تَقُلْ بَيَّـنْ لَنَـا مَـا الَّـذِي

مِنهُ تَبَقَّـى بَعْـدَ ذَا قُلْـتُ مَـهْ

بَيّنْـهُ لِـي إِن كُنـتَ ذا فِطْنَـةٍ

فَإنَّنِـي قَـد جِئْـتُ بالتَّرْجَمَـهْ

 


نَسَخْتُ بِحَبّي

نَسَخْتُ بِحَبّي آيَةَ العِشْقِ مِـن قَبلِـي

فَأَهْلُ الهَوَى جُندِي وَحُكمِي عَلى الكُلِّ

وَكُلُّ فَتـىً يَهـوَى فَإِنِّـي إِمَامُـهُ

وإِنِي بَرِيءٌ مِن فَتـىً سَامـعِ العَـذلِ

وَلِي فِي الهَوَى عِلْـمٌ تَجِـلّ صِفاتُـهُ

وَمَن لَم يُفَقِّهُهُ الهَوَى فَهْوَ فِي جَهـلِ

وَمَن لَم يَكنْ فِي عِزَّةِ الحُـبِّ تائِهـاً

بِحُبِّ الذي يَهوَى فَبَـشِّـرْهُ بالـذُّلِ

إِذَا جَـادَ أَقـوَامٌ بِمـالٍ رأيْتَـهُـمْ

يَجُودُونَ بالأَروَاحِ مِنْهُمْ بِـلا بُخـلِ

وَإِن أودِعوا سِراً رَأَيـتَ صُدُورهـم

قُبـوراً لأَسـرَارٍ تُنَـزَّهُ عَـن نَقـلِ

وَإِن هُدِّدُوا بالهَجْـرِ مَاتُـوا مَخافَـةً

وَإِن أوعِدوا بالقَتْلِ حَنُّوا إِلَـى القَتـلِ

لَعَمري هُمُ العُشَّاقُ عَنـدِي حَقِيقَـةً

عَلَى الجِدِّ والبَاقُونَ مِنهُم عَلَـى الهَـزْلِ