إيليا أبو ماضي

 

هـو إيـلـيا بـن ظـاهر أبي مـاضي

من شعراء العصر الحديث

ولد سنة 1889 م

 

فلسفة الحياة

أيها  الـشـاكي و ما بـك داء 

 كـيـف تغدو إذا غدوت عليـلا

إن شـر الجناة في الأرض النفس

تـتـوقـى قـبل الرحيل الرحيلا

وتـرى الشوك في الورود وتعمى

أن تـرى فـوقـها الندى إكليـلا

هـو عـبء عـلى الحيـاة ثقيل

مـن يـظن الحيـاة عبئا ثقيـلا

و الـذي نـفـسـه بغير جمـال

لا يـرى فـي الوجود شيئا جميلا

لـيس أشقى ممن يرى العيش مرا

و يـظـن الـلـذات فيه فضولا

أحـكـم  الـناس في الحياة أناس

عـلـلـوهـا فأحسنوا التعليـلا

فـتـمـتـع بالصبح ما دمت فيه

لا تـخـف أن يزول حتى يزولا

 و  إذا مــا أظـل رأسـك هـم

قـصـر البحث فيه كي لا يطولا

 أدركـت كـنـهها طيور الروابي

فـمـن الـعار أن تظل جهـولا

مـا  تـراها و الحقل ملك سواها

تـخـذت فـيـه مسرحا ومقيلا

تـتـغـنى و الصقر قد ملك الجو

عـلـيـهـا و الصائدون السبيلا

تـتـغـنى  و قد رأت بعضها 

يؤخـذ حـيا و البعض يقضي قتيلا

تـتـغـنى و عمرها بعض عـام 

أفـتـبـكي و قد تعيش طويـلا

فهي  فوق الغصون في الفجر تتلو

سـور الـوجـد و الهوى ترتيلا

و هـي طورا على الثرى واقعات

تـلـقـط الـحب أو تجر الذيولا

كـلـمـا أمسك الغصون سكـون

صـفـقـت للغصون حتى تميلا

فـإذا ذهَّـب الأصـيل الروابـي

وقـفـت فـوقها تناجي الأصيلا

فـاطـلب  اللهو مثلما تطلب 

الأطيار عنـد الـهجير ظلا ظليلا

و تـعـلـم حـب الطبيعـة منها

و اتـرك الـقال للورى والقيـلا

فـالـذي يـتـقـى العواذل يلقى

كـل حـين في كل شخص عذولا

أنـت لـلأرض أولا و أخـيـرا

كـنـت مـلكا أو كنت عبدا ذليلا

لا خـلـود تـحـت السماء لحي

فـلـمـاذا تـراود الـمستحيـلا

كـل  نـجـم إلـى الأفول ولكن

آفـة الـنـجـم أن يخاف الأفولا

غـايـة  الورد في الرياض ذبول

كـن حـكيما و اسبق إليه الذبولا

و إذا مـا وجدت في الأرض ظلا

فـتـفـيـأ بـه إلى أن يحـولا

و تـوقـع إذا الـسـماء اكفهرت

مـطرا في السهول يحيي السهولا

قـل  لـقـوم يـستنزفون المآقي

هـل شـفـيتم مع البكاء غليـلا

مـا أتـيـنـا إلـى الحياة لنشقى

فـأريـحوا أهل العقول العقـولا

كـل  مـن يـجمع الهمـوم عليه

أخـذتـه الـهـموم أخذا وبيـلا

كـن هـزارا فـي عشه يتغنـى

و مـع الكبـل لا يبالي الكبـولا

لا  غـرابـا يطارد الدود في الأر

ض و بوما في الليل يبكي الطلولا

كن  غديرا يسير في الأرض رقرا

قـا فـيـسقي من جانبيه الحقولا

تـسـتحـم  النجـوم فيه و يلقى

كـل شـخص و كل شيء مثيلا

لا  وعـاء يـقـيـد المـاء حتى 

تـسـتـحـيل المياه فيه وحـولا

كـن مـع الفجر نسمة توسع الأز

هـار شـمـا وتـارة تـقـبيلا

لا  سـمـوما من السوافي اللواتي

تـمـلأ الأرض في الظلام عويلا

و مـع الـلـيل كوكبا يؤنس الغا

بـات و الـنهر و الربا و السهولا

لا دجـى يـكـره الـعوالم و الناس

فـيُـلـقي على الجميع سدولا

أيها  الـشـاكي و ما بــك داء

  كـن جـميلا ترى الوجود جميل

 


العيـون السـود

ليت الذي خلق العيـون السـودا

خلق القلوب الخافقـات حديـدا

لـولا نواعسهـا ولولا سحرهـا

مـا ود مـالك قلبـه لو صيـدا

عَوذْ فـؤادك من نبـال لحاضهـا

أو متْ كما شاء الغـرام شهيـدا

إن أنت أبصرت الجمال ولَم تـهم

كنت امرءاً خشن الطباع ، بليـدا

وإذا طلبت مـع الصبابـة لـذةً

فلقد طلبـت الضائـع الموجـودا

يا ويـح قلبِـي إنـه فِي جانبـي

وأضنـه نائـي الـمـزار بعيـدا

مستـوفـزٌ شـوقـاً إلَى أحبابـه

المـرء يكـره أن يعيـش وحيـدا

برأ الإلـه لـه الضلـوع وقايـةً

وأرتـه شقوتـه الضلـوع قيـودا

فإذا هفـا بـرق المنـى وهفا لـه

هاجـت دفائنـه عليـه رعـودا

جشَّمتُـهُ صبـراً فلمـا لَم يطـقْ

جشمتـه التصويـب والتصعيـدا

لو أستطيع وقيتـه بطـش الهـوى

ولو استطاع سلا الهـوى محمـودا

هي نظرة عَرَضت فصارت فِي الحشا

ناراً وصار لَهـا الفـؤاد وقـودا

والحبٌ صـوتٌ، فهو أنـةُ نائـحٍ

طـوراً وآونـة يكـون نشيـدا

يهـب البواغـم ألسنـاً صداحـة

فـإذا تجنـى أسكـت الغـريـدا

ما لي أكلف مهجتـي كتم الأسى

إن طال عهد الجرح صار صديـدا

ويلـذُّ نفسـي أن تكـون شقيـةً

ويلـذ قلبـي أن يكـون عميـدا

إن كنت تدري ما الغرام فداونـي

أو ، لا فخـل العـذل والتفنيـدا

 


أقبـلَ العيـد

أقبـلَ العيـدُ ، ولكــنْ

ليسَ فـي النـاسِ المسـرَّهْ

لا أَرى إلاَّ وُجُـوهـــاً

كـالـحـاتٍ مُكْفَهِــرَّهْ

كالرَّكايـا لَم تَـدَعْ فيهـا

يـدُ الـمـاتِـحِ قطــرَهْ

أوكمـثـلِ الـرَّوضِ لَـم

تَتْركْ بـه النكبـاءُ زهـرَهْ

وعيـونـاً دَنقـتْ فيهـا

الأمـانـي المُسْـتَـحِـرَّهْ

فَهْـيَ حَـيـرى ذاهـلاتٌ

فِي الـذي تـهوى وتكـرَهْ

وخــدوداً بـاهـتـاتٍ

قد كساهـا الهَـمُّ صُفْـرَهْ

وشفاهاً تـحذرُ الضحـكَ

كـأنَّ الضحـكَ جـمرَهْ

ليـسَ للقـومِ حـديـثٌ

غيـر شكـوى مستمـرَّهْ

قـد تسـاوى عنـدهُـمْ

لليـأسِ نفـعٌ ومـضـرَّهْ

لا تَسَـلْ مـاذا عـراهُـمْ

كلُّهـم يـجهـل ُ أمـرَهْ

حائـرٌ كالطائـرِ الخائـفِ

قـد ضَـيَّــعَ وكــرَهْ

فوقَـهُ البـازِيُّ والأشْـرَاكُ

فـي نـجـدٍ وحُفْــرَهْ

فهو إنْ حَطَّ إلـى الغبـراءِ

شَـكَّ السـهـمُ صـدرَهْ

وإذا مـا طــارَ لاقــى

قشعـمَ الـجـوِّ وصقـرَهْ

كلُّهم يبكي علـى الأمـسِ

ويـخشـى شَـرَّ بُكْـرَهْ

فهـمُ مـثـل عـجـوزٍ

فقدتْ فـي البحـرِ إبـرَهْ

أيّهـا الشاكـي الليـالـي

إنَّمـا الغـبـطـةُ فِكْـرَهْ

ربَّمـا اسْتوطَنَـتِ الكـوخَ

وما فـي الكـوخِ كِسْـرَهْ

وخَلَـتْ منهـا القصـورُ

العـاليـاتُ المُشْمَخِــرَّهْ

تلمسُ الغصـنَ الـمُعَـرَّى

فإذا فـي الغصـنِ نُضْـرَهْ

وإذا رفَّـتْ علـى القَفْـرِ

استـوى مـاءً وخُضْــرَهْ

وإذا مَـسَّـتْ حـصـاةً

صَقَـلَـتْـهـا فهـيَ دُرَّهْ

لَـكَ ، مـا دامـتْ لـكَ

الأرضُ وما فـوق المَجَـرَّهْ

فـإذا ضَـيَّـعْـتَـهــا

فالـكـونُ لا يَعْـدِلُ ذَرَّهْ

أيُّهـا البـاكـي رويــداً

لا يسـدُّ الـدمـعُ ثغـرَهْ

أيُّها العابـسُ لـن تُعطَـى

علـى التقطيــبِ أُجْـرَهْ

لا تـكــنْ مُــرَّاً ، ولا

تجعَـلْ حيـاةَ الغيـرِ مُـرَّهْ

إِنَّ من يبكـي لـهُ حَـوْلٌ

علـى الضحـكِ وقُـدْرَهْ

فـتَـهَـلَّـلْ وتَـرَنَّــمْ

فالفتـى العابـسُ صَخْـرَهْ

سَكَـنَ الـدهـرُ وحانـتْ

غفلــةٌ منــهُ وغِــرَّهْ

إنَّــهُ العيـــدُ … وإنَّ

العيدَ مثـل العُـرْسِ مَـرَّهْ

 


 السجينة

رآها يحلُّ الفجـرُ عقـد جفونـها

ويُلقـي عليهـا تبـرهُ فيــذوبُ

وينفض عن أعطافها النـورَ لؤلـؤاً

من الطلِّ ما ضُمت عليـه جيـوبُ

فعالجهـا حتَّى استـوت فِي يمينـه

وعاد إلَى مغنـاه وهـو طـروبُ

وشاء فأمست فِي الإنـاء سجينـةً

لتشبـع منهـا أعيـنٌ وقلــوبُ

فليست تحيي الشمس عند شروقهـا

وليست تحيي الشمس حيـن تغيبُ

ومن عُصبت عيناه فالوقـت كلـه

لديـه وإن لاح الصبـاحُ غـروبُ

لها الحجرة الحسناءُ في القصـر إنـما

أحـب إليهـا روضـةٌ وكثيـبُ

وأجـمل من نور المصابيح عندهـا

حُباحبُ تَمضي فِي الدجى وتـؤوبُ

وأحلى من السقف المزخرف بالدمى

فضاءٌ تشع الشهـبُ فيـه رحيـبُ

تـحنُ إلَى مرأى الغديـر وصوتـه

وتُحـرم منـه، والغديـر قريـبُ

وكانت قليل الطل ينعـش روحهـا

وكانت بميسـور الشعـاع تطيـبُ

تمشى الضنَى فيها وأيار فِي الحمـى

وجفت وسـربال الربيـع قشيـبُ

إسارك يا أخت الرياحيـن مفجـعٌ

وموتك يا بنـت الربيـع رهيـبُ

 


فلنعش

لا تَسَلْ أين الـهوى والكوثـرُ

سَكَتَ الشـادي وبُـحَّ الوتـرُ

فجأةً ... وانقلب العُـرسُ إلـى

مَأتمٍ ...ماذا جـرى؟ ما الخبـرُ

ماجتِ الدنيا بِمن فيهـا، كمـا

مـاج نـهرٌ ثـائـرٌ مُنكـدرٌ

كُلهـم مُستَفسِـرٌ صَـاحبـه

كلُّهم يُؤذيـه مـن يَستَفسِـر

هَمَسَ الـموتُ بـهم همستـهُ

إن همس الموت ريـحٌُ صَرصَـرٌ

فـإذا الحيـرةُ فـي أحداقهـم

كيفمـا مالـوا وأنـى نظـروا

علِموا ... يا ليتهـم ما عَلِمـوا

أنَّ دنيـا مـن رؤىً تُحتَضَـرُ

والـذي أطربهـم عـن قُـدرةٍ

بـات لايقـوى ولا يقتــدرُ

يَبِسَ الضِّحكُ علـى أفواههـم

فهو كالسُّخرِ وإن لَم يسخـروا

وإذا الآسـي ... يـدٌ مخذولـةٌ

ومُحيـا اليـأسُ فيـه أصفـرُ

شاع في الدنيـا الأسـى حتـى

شكت أرضُها وطأتَـهُ والجَـدرُ

فعلـى الأضـواء مِنـه فتـرةٌ

وعلـى الألـوان مِنـه أثــرُ

والقنـانـي صُـورٌ باهِـتَـةٌ

والأغـانـي عَالـم مُنـدثـرُ

الـهنـا أُفلـت مـن أيديهـمُ

والأماني ...؟ ... إنـها تنتحِـرُ

 


كن بلسما

كن بلسماً إن صار دهرك أرقمـا

وحلاوة إن صار غيـرك علقمـا

إن الحياة حبتـك كـلَّ كنوزهـا

لاتبخلنَّ على الحيـاة ببعـض مـا

أحسـنْ وإن لم تجزَ حتـى بالثنـا

أيَّ الجزاء الغيثُ يبغي إن هـمى ؟

مَنْ ذا يكافـئُ زهـرةً فواحـةً ؟

أو من يثيـبُ البلبـل المترنـما ؟

عُدَّ الكـرامَ المحسنيـن وقِسهـمُ

بهما تجـد هذيـن منهـم أكرمـا

ياصاحِ خُذ علـم المحبـة عنهمـا

إني وجدتُ الحـبَّ علمـا قيمـا

لو لَم تَفُحْ هذي، وهـذا ما شـدا

عاشتْ مذمـمةً وعـاش مذمـما

فاعمل لإسعاد السِّـوى وهنائهـم

إن شئت تسعد في الحيـاة وتنعمـا

أيقظ شعـورك بالمحبـة إن غفـا

لولا الشعور الناس كانوا كالدمـى

أحبب فيغدو الكـوخ كونا نـيرا

وابغض فييمسي الكون سجنا مظلما

ما ألكاس لولا الخمر غير زجاجـة

والـمرء لـولا الحـب إلا أعـظما

كـره الدجى فاسـود إلا شهـبه

بقيت  لتضحك منه كيف تجهما

لـوتعـشق البيداء أصبـح  رملها

زهرا  و  صار  سرابها الخداع ما

لـو لم يكن في الأرض إلا مبـغض

لتـبرمت بوجـوده  وتـبرما

لاح الجـمال لـذي نهى فـأحبه

ورآه  ذو جـهل  فظن ورجما

لا تطـلـبن محـبة من جـاهل

المـرء ليـس  يحب حتى يفهما

ورافق بأبـناء الغباء كـأنـهم

مرضى فإن الجهل شيء كالعمى

واله بورد الروض عن أشـواكه

وانـس العقارب إن رأيت الأنجما

يامن  أتانا بالسـلام  مبشـرا

هش  الحمى  لما دخلت إلى الحمى

وصفوك بالتقوى وقالوا جـهبذ

عـلامة ولـقد وجدتك  مثل ما

لفظ  أرق من  النسيم إذا سرى

سحرا وحلوا كالكرى  إن هوما

وإذا نطقت  ففي الجوارح نشوة

هي نشوة الروح ارتوت بعد الظما

وإذا  كتبت ففي الطروس حدائق

وشّـى   حواشيها  اليراع  ونمنما

وإذا  وقفت على المنابر أوشكت

أخـشابها للـزهو أن تتكلـما

إن كنت قد أخطاك سربال الغنى

عاش ابن مريم ليس يملك درهما

وأحب  حتى  من  أحب  هلاكه

وأعـان حتى من أسـاء وأجرما

نام الرعاة عن  الخراف ولم تنـم

فإليك نشكوا الهاجـعين النـوما

عبـدوا الإلـه لمغنم يرجـونـه

وعبدت ربك لست تطلب مغنما

كم  روعوا  بجـهنم  أرواحنـا

فتألمت مـن قبـل أن تتـألمـا

زعـموا الإلـه أعـدها لعذابنا

حـاشا وربـك رحمة أن يظلما

ما كان من أمر الورى أن يرحموا

أعـدائـهم إلا أرق وارحـما

ليست جـهنم غير فكرة تاجـر

الله لـم يخـلق لـنا إلا السماء

 


قلت ابتسم

قـال السمـاء كئيبـة وتجهمـا

قلت ابتسم يكفي التجهم في السما

قال:الصبا ولّى !فقلت له ابتسـم

 لن يرجع الاسف الصبا المتصرمـا

قال التي كانت سمائي في الهــوى

صارت لنفسي في الغرام جهنمـا

خانت عهودي بعدما ملكّتُهــا

قلبي ! فكيف اطيق ان اتبسمـا

قلت ابتسم واطرب فلو قارنتهـا

قضّيت عمرك كله متألمــــا

قال التجارة في صراع هائـــل

مثل المسافر كاد يقتله الضمــا

أو غـــــادة مسلولة محتاجة

لدم وتنفت كلما لهثت دمـــا

قلت ابتسم ما أنت جالب دائهـا

وشفائها فاذا ابتسمت فربــما

أيكــون غيرك مجرما وتبيت في

وجل كأنك صرت أنت المجرمـا

قال: العِدا حولي علت صيحاتـهم

أأسر والاعـداء حولي في الحمى؟

قلت ابتسم لم يطلبوك بذمهـــم

لو لم تكن منهم أجل وأعظمــا

قال المواسم قد بدت اعلامهـــا

وتعرضت لي في الملابس والدمـى

وعــــليّ للأحباب فرض لازمٌ

لكنّ كفيّ ليس تملك درهــما!

قلت ابتسم يكفيك انك لم تــزل

ولست من الاحبة معدمــــا

قـال الليالـي جرعتنـي علقمـا

قلت ابتسم ولئن جرعت العلقمـا

فلعل غيرك إن رآك مرنــــما

طـرح الكـآبة جانبا وترنــما

أتـراك تغنـم بالتبـرم درهـما

أم أنت تخسر بالبشاشـة مغنمـا

يا صاح لا خطر على شفتيـك أن

تتلثمـا والـوجـه أن يتحطمـا

فاضحك فإن الشهـب تضحـك

والدجى متلاطم وكذا نحب الأنجما

قال البشاشة ليس تسعـد كائنـا

يأتـي إلى الدنيا ويذهب مرغمـا

قلت ابتسم ما دام بينك والـردى

شبر فإنـك بعـد لـن تتبسمـا

 


بلادي

إنِّي مَرَرْتُ عَلى الرِّيـاض الحاليـه

وسَمِعْتُ أنغامَ الطُّيـورِ الشَّاديـه

فَطَرِبتُ، لَكنْ لَم يُحِـبّ فُؤَاديـه

كَطُيور أَرضِي أو زُهـور بِـلادي

وشَربْتُ مَاءَ النِّيل شَيـخ الأنْهُـر

فَكأنَّنِي قَد ذُقْـتُ مَـاءَ الكَوثَـر

نَهر تَبـارك من قَدِيـم الأَعصُـر

عَذب، ولَكنْ لا كَمـاءِ بـلادي

ورَسَمْتُ يَوماً صُورةً فِي خاطِـري

للحُسنِ إنَّ الحسْـنَ رَبُّ الشَّاعـر

وذَهبْتُ أنشدها فأعْيـا خاطِـري

حتَّى نَظَرْتُ إلَى بَنـات بِـلادي

 


الـطـين 

نـسـي الـطـين ساعة أنه طين

حـقـيـر فـصـال تيها و عربد

وكـسـى الـخـز جسمه فتباها

وحـوى الـمـال كـيـسه فتمرد

يـا أخـي لا تـمل بوجهك عني 

مـا أنـا فـحـمـة و لا أنت فرقد

أنت  لم تصنع الحريرالذي تلـبـس

 والـلـؤلـؤ الـذي تتقــــلد

أنـت  لا تأكـل النضار إذا جعت

 و لا تشرب الجمان المنضـــــد

أنـت  فـي الـبـردة الموشاة مثلي

فـي كسائي الرديم تشقى و تسعـد

لـك  فـي عـالـم الـنهار أماني

وروءى و الـظـلام فـوقك ممتـد

ولـقـلـبـي كـمـا لقلبك أحلام

 حـسـان فـإنـه غـير جلـمد

أأمـانـي كـلـهـا مـن تـراب

 و أمـانـيـك كـلـها من عسجد

وأمـانـي كـلـهـا لـلتلاشي

و أمـانـيـك لـلـخـلود المؤكد

لا فـهـذي و تـلك تأتي و تمضي

كـذويـهـا و أي شـيء يـؤبد

أيـهـا الـمزدهي إذا مسك السقـم 

 ألا تـشـتـكـي ألا تـتـنـهد

وإذا راعـك الـحـبـيـب بهجر

و دعـتـك الـذكـرى ألا تتوجد

أنـت مـثـلي يبش وجهك للنعمى

و فـي حـالـة الـمـصيبة يكمد

أدمـوعـي خـل و دمـوعك شهد

و بـكـائـي ذل و نـوحك سؤدد

وابـتـسـامي السراب لا ريَّ فيه

وابـتـسـامـاتـك اللآليء الخرد

فـلـك واحـد يـظـل كـلـيـنا

حـار طـرفي فيه و طرفك أرمـد

قـمـر  واحـد يـطـل عـلـينا 

وعـلـى الكوخ و البناء المـوطد

إن  يـكـن مـشـرق لعينيك إنني

 لا أراه مـن كـوة الـكوخ أسود

الـنـجـوم الـتـي تـراها أراها 

حيـن تـخـفـى و عندما تتوقد

لـسـت  أدنـى عـلى غناك إليها 

وأنـا مـع خصاصتي لست أبعـد

أنـت  مـثـلـي من الثرى و إليه

فـلـماذا يا صاحبي التيه و الصد

كـنـتَ طـفـلا إذ كـنـتُ طفلا 

وتغدو حين أغدو شيخا كبيرا أدرد

لـسـت أدري من أين جئت ولا ما 

كـنت أو ما أكون يا صاح في غد

أفــتـدري إذن فـخـبـر و إلا

فلمـاذا تـظـن أنـك أوحـد

ألـك  الـقصر دونه الحرس الشا 

كي و مـن حـوله الجدار المشيد

فـامـنـع  الـلـيل أن يمد رواقا

فوقـه و الـضـبـاب أن يتلبد

وانـظـر الـنـور كيف يدخل لا

يطـلـب اذنـا فماله ليس يطرد

مـرقـد واحـد نـصـيـبـك منه

 أفتـدري كـم فـيك للذر مرقد

ذدتـنـي عـنـه و العواصف تعدو

في طـلابـي و الـجو أقتم أربد

بـيـنـمـا  الكلب واجد فيه مأوى

وطـعـامـا و لهرُّ كالكلب يُرفد

فـسـمـعـت  الحياة تضحك مني

أترجـى و مـنـك تأبى وتجحد

ألـك الـروضـة الـجـميلة فيه

الـماء و الطير و الأزاهر والند

فـازجـر  الـريح أن تهز و تلوي

شـجـر الـروض إنـه يـتأود 

والـجـم الـماء في الغدير و مره

 لا يـصـفـق إلا و أنـت بمشهد

إن  طـيـر الأراك لـيـس يبالي

 أنـت أصـغـيت أم أنا إن غرد

و الأزاهـيـر ليس تسخر من فقري

 ولا فـيـك لـلـغـنى تتودد

ألـك الـنـهـر إنه للنسيم الرطـب 

 درب و لـلـعـصـافير مورد

وهو للشهب تستحم به في الصيـف 

 لـيـلا كـأنـمـا تـتـبـرد

تـدعـيـه  فـهـل بأمرك يجري

فـي عـروق الأشـجار أويتجعد

كـان  مـن قبل أن تجيء وتمضي

و هو باق في الأرض للجزر والمد 

ألـك الـحـقـل هذه النحل تجني 

 الـشـهـد مـن زهره و لاتتردد

وأرى لـلـنـمـال مـلكا كبيرا 

قـد بـنـتـه بالكدح فيه وبالكد

أنـت في شرعها دخيل على الحقل

 و لـص جـنـى عليها فأفسد

لـو ملكت الحقول في الأرض طرا 

لـم تـكـن من فراشة الحقل أسعد

أجـمـيـل  مـا أنت أبها من الوردة

 ذات الـشـذى ولا أنـت أجود

أم عـزيـز ولـلبعوضة في خديـك 

 قـوت و فـي يـديـك المهند

أم  غـنـي هـيـهات تختال لولا 

دودة الـقـز بـالـحـبـاء المبجد

أم  قـوي إذن مـر الـنوم إذ يغـ

 ـشـاك و الـليل عن جفونك يرتد

وامـنـع الـشيب أن يلم بفوديك

 و مـر تلبث النضارة في الخد 

أعـلـيـم فـمـالخيال الذي يطرق 

 لـيـلا فـي أي دنـيا يولد

مـالـحـيـاة الـتي تبين و تخفى

مـالـزمـان الـذي يذم ويحمد

أيـهـا الـطين لست أنقى و أسمى

مـن تـراب تـدوس أو تـتوسد

سـدت  أو لـم تـسد فما أنت إلا

حـيـوان مـسـيـر مـسـتعبد

إن  قـصـرا سـمكته سوف يندك

و ثـوبـا حـبـكـته سوف ينقد

لا  يـكـن لـلـخصام قلبك مأوى

إن قـلـبـي لـلحب أصبح معبد

أنـا أولـى بـالحب منك و أحرى

 مـن كـسـاء  يبلى و مال ينفد

 


العنقاء

انا لست بالحسناء اول مولع  

هي مطمع الدنيا كما هي مطمعي

فاقصص علي اذا عرفت حديثها

واسكن اذا حدثت عنها واخشع

ألمحتها في صورة ؟ أشهدتها

في حالة ؟ أرأيتها في موضع ؟

اني لذو نفس تهيم وانها

لجميلة فوق الجمال الابداع

ويزيد شوقي اليها انها

كالصوت لم يسفر ولم يتقنع

فتشت جيب الفجر عنها والدجى

ومددت حتى الكواكب اصبعي

فاذا هما متحيران كلاهما

في عاشق متحير متضعضع

واذا النجوم لعلمها او جهلها

مترجرجات في الفضاء الأوسع

رقصت أشعتها على سطح الدجى

وعلى رجاء في غير مشعشع

والبحر .... كم سألته فتضاحكت

امواجه من صوتي المتقطع

فرجعت مرتعش الخواطر والمنى

كحمامة محمولة في زعزع

وكأن اشباح الدهور تألبت

في الشط تضحك كلها من مرجعي

ولكم دخلت القصور مفتشا

عنها , وعجبت بدارسات الاربع

ان لاح طيف قلت : ياعين انظري

او ران صوت قلت : يا اذن اسمعي

فاذا الذي في القصر مثلي حائر

واذا الذي في القفر مثلي لا يعي

 


سلمى

السحب تركض في الفضاء الرحب ركض الخائفين

والشمس تبدو خلفها صفراء عاصبة الجبين

والبحر ساجٍ صامتٌ فيه خشوع الزاهدين

لكنما عيناك باهتتان في الأفق البعيد

سلمى... بماذا تفكرين؟

سلمى... بماذا تحلمين؟

أرأيت أحلام الطفولة تختفي خلف التخوم؟

أم أبصرتْ عيناك أشباح الكهولة في الغيوم؟

أم خفتْ أن يأتي الدُّجى الجاني ولا تأتي النجوم؟

أنا لا أرى ما تلمحين من المشاهد إنما

أظلالها في ناظريك

تنم ، ياسلمى ، عليك

إني أراك كسائحٍ في القفر ضل عن الطريق

يرجو صديقاً في الفلاة ، وأين في القفر الصديق

يهوى البروق وضوءها ، ويخاف تخدعهُ البروق

بلْ أنت أعظم حيرة من فارسٍ تحت القتام

لا يستطيع الانتصار

ولا يطيق الانكسار

هذي الهواجس لم تكن مرسومة في مقلتيك

فلقد رأيتك في الضحى ورأيته في وجنتيك

لكن وجدتُك في المساء وضعت رأسك في يديك

وجلست في عينيك ألغازٌ ، وفي النفس اكتئاب

مثل اكتئاب العاشقين

سلمى... بماذا تفكرين

بالأرض كيف هوت عروش النور عن هضباتها؟

أم بالمروج الخُضرِ ساد الصمت في جنباتها؟

أم بالعصافير التي تعدو إلى وكناتها؟

أم بالمسا؟ إن المسا يخفي المدائن كالقرى

والكوخ كالقصر المكينْ

والشوكُ مثلُ الياسمين

لا فرق عند الليل بين النهر والمستنقع

يخفي ابتسامات الطروب كأدمع المتوجعِ

إن الجمالَ يغيبُ مثل القبح تحت البرقعِ

لكن لماذا تجزعين على النهار وللدجى

أحلامه ورغائبه

وسماؤُهُ وكواكبهْ؟

إن كان قد ستر البلاد سهولها ووعورها

لم يسلب الزهر الأريج ولا المياه خريرها

كلا ، ولا منعَ النسائم في الفضاءِ مسيرُهَا

ما زال في الوَرَقِ الحفيفُ وفي الصَّبَا أنفاسُها

والعندليب صداحُه

لا ظفرُهُ وجناحهُ

فاصغي إلى صوت الجداول جارياتٍ في السفوح

واستنشقي الأزهار في الجنات مادامت تفوح

وتمتعي بالشهب في الأفلاك مادامتْ تلوح

من قبل أن يأتي زمان كالضباب أو الدخان

لا تبصرين به الغدير

ولا يلذُّ لك الخريرْ

مات النهار ابن الصباح فلا تقولي كيف مات

إن التأمل في الحياة يزيد إيمان الفتاة

فدعي الكآبة والأسى واسترجعي مرح الفتاةْ

قد كان وجهك في الضحى مثل الضحى متهللاً

فيه البشاشة والبهاءْ

ليكن كذلك في المساءْ

مات النهارُ ابنُ الصَّباح فلا تَقولِي كَيفَ ماتْ

إنَّ التأمُّلَ في الحياةِ يُزيد أوجاعَ الحياة

فَدَعِي الكآبَةَ والأَسَى واسْتَرجِعِي مَرَحَ الفتاة

قد كان وَجْهُكِ في الضُّحَى مثلَ الضُّحَى مُتَهَلّ

 


هدية العيد

أي شيء في العيد أهـدي إليـك

يا ملاكي , وكل شيء لديك

أسوارا  أم دملجا من نضـــار

لا أحب القيود في معصميك

أم خمورا  وليس في الأرض خمر

كالذي تسكبين من لحظيك

أم ورودا  والورد أجملـه عندي

الذي قد نشقـت من خديـك

أم عقيقـــا كمهجتي يتلظـى

والعقيــق الثمين في شفتيك

ليس عندي شيء أعز من الروح

وروحي مرهونــة في يديك

 


الطلاسم

جئتُ لا اعلمُ من أين؟ ولكني أتيتُ

ولقد أبصرتُ قدامي طريقا ، فمشيتُ

وسأبقى سائرا أن شئتُ هذا أمُ أبيتُ
كيف جئتُ؟ كيف أبصرتُ طريقي؟
لستُ ادري !!

أجديدُ ؟أم قديمُ أنا في هذا الوجود

هل أنا حرُ طليقُ أم أسيرُ في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود

أتمنى أنني أدرى ولكن

لستُ ادري !!

وطريقي ما طريقي؟أطويلُ أم قصير؟

هل أنا أصعدُ أم اهبط فيه وأغور

أأنا السائر في الدرب أم الدرب تسير

أم كلانا واقفُ والدهر يجري؟...

لستُ ادري !!

ليت شعري وأنا في عالم الغيب الأمين

اتراني كنتُ ادري أنني فيه دفين

وبأني سوف أبدو وبأني سأكون

أم تراني كنتُ لا أدرك شيئا ؟...

لست ُ ادري !!

أتراني قبلما أصبحت ُ انسانا سويا

كنتُ محوا أو محالا أم تراني كنتُ شيئا

أ لهذا اللغز حلُ؟ أم سيبقى أبديا

لست أدرى..... ولماذا لستُ أدري؟

لستُ أدرى !!

البحر

قد سألت البحر يوما هل أنا يا بحرُ منكا؟

أصحيحُ ما رواةُ وبعضهم عني وعنكا؟

أم تري ما زعموا زوراُ وبهتانا وافكا؟

ضحكت أمواجه مني وقالت:

لستُ ادري !!

أيها البحرُ أتدري كم مضت ألفُ عليكا

وهل الشاطئ يدري أنه جاث لديكا

وهل الأنهار تدري أنها منك اليكا

ماالذي الأمواج قالت حين ثارت؟

لستُ ادري !!

أنت يا بحرُ أسير آه ما أعظم أسرك

أنت مثلي أيها الجبار لا تملكُ أمرك

أشبهت حالك حالي وحكي عذري عذرك

فمتي أنجو من الأسر وتنجو؟

لستُ ادري !!

ترسلُ السحب فتسقي أرضنا والشجرا

قد أكلناك وقلنا قد أكلناك الثمرا

وشربنا ك وقلنا قد شربنا المطرا

أصوابُ ما زعمنا أم ضلالُ؟

لستُ ادري !!

قد سألتُ السحب في الأفاق هل تذكر رملك

وسألت الشجر المورق هل يعرف فضلك

وسألتُ الدر في الأعناق ـ هل تذكر أصلك؟

وكأني خلتها قالت جميعا:

لستُ ادري !!

يرقص الموجُ وفي قاعك حربُ لن تزولا

تخلق الأسماك لكن تخلق الحوت الأكولا

قد جمعت الموت في صدرك والعيش الجميلا

ليت شعري أنت مهدُ أم ضريحُ؟

لسـتُ ادري !!

كم فتاه مثل ليلي وفتي كابن الملوح

أنفقا الساعات في الشاطئ تشكو وهو يشرح

كلما حدث أصغت واذا قالت ترنح

أحفيف الموج سر ضيعاه؟

لسـتُ ادري !!

كم ملوك ضربوا حولك في الليل القبابا

طلع الصبح ولكن لم يجد إلا ضبابا

ألهم يا بحر يوما رجعه أم لا ما با

أهمُ في الرمل؟.قال الرملُ أني

لسـتُ ادري !!

فيك مثلي أيها الجبار أصدافُ ورملُ

أنما أنت بلا ظل ولي في الأرض ظل

أنما أنت بلا عقل ولي يا بحرُ عقلٌ

فلماذا يا تري أمضي وتبقي؟

لسـتُ ادري !!

يا كتاب الدهر قل لي أله قبلُ؟ وبعدُ

أنا كالزورق فيه وهو بحرُ لا يحد

ليس لي قصد ، فهل للدهر في سيري قصدُ؟

حبذا العلم ولكن كيف ادري

لسـتُ ادري !!

إن في صدري يا بحر لأ سرارا عجابا

نزل الستر عليها وأنا كنت الحجابا

ولذا ازداد بعدا كلما ازددتُ إقترابا

وأني كلما اوشكت ادري

لسـتُ ادري !!

أنني يا بحرُ بحرُ شاطئاه شاطئاكا

الغد المجهول والامس اللذان أكتنفاكا

وكلانا قطره يا بحر في هذا وذاكا

لا تسلني ما غد ما أمسُ؟ أني

لسـتُ ادري !!

في الدير

قيل لي  قوم أدركوا سر الحياة

غير أني لم أجد غير عقول آسنات

وقلوب بليت فيها المني فهي رفات

ما أنا أعمى فهل غيري أعمى؟

لسـتُ ادري !!

قيل: أدري الناس بالاسرار سكان الصوامع

قلت: أن صح الذي قالوا فان السر شائع

عجبا كيف تري الشمس عيونُ في براقع

والتي لم تتبرقع لا تراها؟

لسـتُ ادري !!

أن تكُ العزلة نسكا وتقي، فالذئب راهب

وعرينُ الليث دير حبهُ فرضُ وواجب

ليتُ شعري أ يميتُ ألنسكُ أم يحي المواهب؟

كيف يمحو النسك إثما وهو إثم؟

لسـتُ ادري !!

أنني أبصرت في الدير ورودا في سياج

فنعت بعد الندى الطاهر بالماء الأجاج

حولها النورُ الذي يُحيي ، وترضي بالدياجي

أمن الحكمة قتلُ القلب صبرا؟

لسـتُ ادري !!

قد دخلتُ الدير عند الفجر كالفجر الطروب

وتركتُ الدير عند الليل الغضوب

كان في نفسي كرب صار في نفسي كروب

أمن الدير أم الليل اكتئابي؟

لسـتُ ادري !!

قد دخلتُ الدير أستنطقُ فيه الناسكينا

فاذا القومُ من الحيرة مثلي باهتونا

غلب اليأس عليهم فهمُ مستسلمونا

وإذا بالباب مكتوب عليه :

لسـتُ ادري !!

عجبا للناسك القانت وهو اللوذعي

هجر الناس وفيهم كل حسن المبدع

ومضى يبحث عنهُ في المكان البلقع

أرأى في القفر ماء أم سرابا ؟

لسـتُ ادري !!

كم تماري أيها الناسك في الحق الصريح

لو أراد الله أن لا تعشق الشيئ المليح

كان إذ سواك سواك بلا قلب وروح

فا لذي تفعلُ إثمُ ...قال إني

لسـتُ ادري !!

أيها الهاربُ ان العار في هذا لقرار

لا صلاحُ في الذي تصنع حتى للقفار

أنت جان أي جان قاتلُ في غير ثار

أفيرضي الله عن هذا ويعفو؟

لسـتُ ادري !!

بين المقابر

ولقد قلتُ لنفسي وأنا بين المقابر

هل رأيت الأمن والراحة إلا في الحفائر

فأشارت فإذا للدود عيثُ في المحاجر

ثم قالت: أيها السائلُ إني

لسـتُ ادري !!

انظري كيف تساوي الكل في هذا المكان

وتلاشي في بقايا العبد ربُ الصولجان

والتقي العاشقُ والقالي فما يفترقان

أفماذا منتهي العدل؟ فقالت

لسـتُ ادري !!

إن يكُ الموتُ قصاصا ، أي ذنب للطهارة

وإذا كان ثوابا ، أي فضل للدعارة

وإذا كان وما فيه جزاء أو خسارة

فلم الأسماء أثم وصلاح؟

لسـتُ ادري !!

أيها القبر تكلم واخبريني يا رمام

هل طوي أحلامك الموتُ وهل مات الغرام؟

من هو المائتُ من عام ومن مليون عام؟

أيصير الوقت في الارماس محوا؟

لسـتُ ادري !!

إن يكُ الموتُ رقادا بعده صحو طويل

فلماذا ليس يبقي صحونا هذا الجميل؟

ولماذا المرء لا يدري متي وقت الرحيل؟

ومتي ينكشف السترُ فيدري؟

لسـتُ ادري !!

إن يكُ الموتُ هجوعا يملا النفس سلاما

وانعتاقا لا اعتقالا وابتداء لا ختاما

فلماذا أعشق النوم ولا أهوي الحماما

ولماذا تجزع الأرواحً منه؟

لسـتُ ادري !!

أوراء القبر بعد الموت بعث ونشور

فحياهً فخلود أم فناء فدثور

أكلام الناس صدقً أم كلامً الناس زور

أصحيح إن بعض الناس يدري؟

لسـتُ ادري !!

إن أكن ا بعثُ يعد الموت جثمانا وعقلا

أتري ابعث بعضا أم تري ابعث كلا

أتري ابعث طفلا أم تري ابعث كهلا

ثم هل اعرفُ بعد البعث ذاتي؟

لسـتُ ادري !!

يا صديقي لا تعللني بتمزيق الستور

بعدما اقضي ، فعقلي لا يبالي بالقشور

إن أكن في حاله الإدراك لا ادري مصيري

كيف ادري بعدما افقد رشدي؟

لسـتُ ادري !!

 القصر والكوخ

ولقد أبصرتُ قصرا شاهقا عالي القباب

قلتُ ما شادك من شادك إلا للخراب

أنت جزء منه لكن لست تدري كيف غاب

وهو لا يعلم ما تحوي أيدري؟

لسـتُ ادري !!

يا مثالا كان وهما قبلما شاء البناةُ

أنت فكر من دماغ غيبته الظلمات

أنت أمنيه قلب أكلتهُ الحشرات

أنت بانيك الذي شادك .لا. لا

لسـتُ ادري !!

كم قصور خالها الباني ستبقي وتدوم

ثابتات كالرواسي ، خالدات كالنجوم

سحب الدهر عليها ذيلهُ فهي رسوم

مالنا نبني وما نبي لهدم؟

لسـتُ ادري !!

لم أجد في القصر شيئا ليس في الكوخ المهين

أنا في هذا وهذا عبد شكي ويقيني

وسجين الخالدين الليل والصبح المبين

هل أنا في القصر أم في الكوخ أرقي؟

لسـتُ ادري !!

ليس لي في الكوخ أو في القصر من نفسي مهرب

إنني أرجوا واخشي إنني أرضى واغضب،

كان ثوبي من حرير مذهب أو كان قلب

فلماذا يتمني الثوب عار؟

لسـتُ ادري !!

صراع وعراك

إنني أشهدُ في نفسي صراعا وعراكا

وأري ذاتي شيطانا وأحيانا ملاكا

هل أنا شخصان يأبى ذاك مع هذا اشتراكا

أم تراني واهما فيما أراه ؟

لسـتُ ادري !!

بينما قلبي يحكي في الضحى احدي الخمائل

فيه أزهارُ ، وأطيار تغني ، وجداول

أقبل العصرُ فأمسي موحشا كالقفر قاحل

كيف صار القلب روضا ثم قفرا؟

لسـتُ ادري !!

أين ضحكي وبكائي وأنا طفلُ صغير

أين جهلي ومراحي . وأنا غضُ غرير

أين أحلامي وكانت كيفما سرتُ تسير

كلها ضاعت ولكن كيف ضاعت؟

لسـتُ ادري !!

لي إيمان ولكن لا كإيماني ونسكي

أنني ابكي ولكن لا كما قد كنت أبكي

وأنا أضحكُ أحيانا ولكن أي ضحك!!

ليت شعري ما الذي بدل أمري؟

لسـتُ ادري !!

كلُ يوم لي شأن كلُ حين لي شعور

هل أنا اليوم أنا منذُ ليال وشهور

أم أنا عند غروب الشمس غيري في البكور

كلما ساءلت نفسي جاوبتني:

لسـتُ ادري !!

رُب أمر كنت لما كان عندي أتقيه

بتُ لما غاب عني وتواري أشتهيه

ما الذي حببهُ عندي وما بغضنيه

أأنا الشخص الذي أعرض عنه ؟

لسـتُ ادري !!

رُب شخص عشت معه زمنا ألهو وأمزح

أو مكان مر دهر وهو لي مسري ومسرح

لاح لي في البعد أجلي منةُ في القرب وأوضح

كيف يبقي رسم شيء قد تواري؟

لسـتُ ادري !!

رُب بستان قضيت العمر أحمي شجره

ومنعتُ الناس أن تقطف منه زهره

جاءت الأطيار في الفجر فناشت ثمره

ألأطيار السما البستانُ ... أم لي؟

لسـتُ ادري !!

رُب قبح عند زيد هو حسن بكر

فهما ضدان فيه وهو وهم عند عمرو

فمن الصادق فيما يدعيه ليت شعري

ولماذا ليس للحسن قياس؟

لسـتُ ادري !!

قد رأيتُ الحسنُ ينسي مثلما تُنسى العيوب

وطلوع الشمس يُرجى مثلما يُرجى الغروب

ورأيتُ الشر مثل الخير يمضى ويوءوب

فلماذا أحسبُ الشر دخيلا؟

لسـتُ ادري !!

إن هذا الغيث يهمي حين يهمي مكرها

وزهور الروض تفشي مجبرات عطرها

لا تطيقُ ألأرض تخفي شوكها أو زهرها

لأتسل أيهما أشهي وأبهي؟

لسـتُ ادري !!

قد يصيرُ الشوك ُأكليلا لملك أو لنبي

ويصير الوردُ في عروه لص أو بغي

أيغار الشوك في الحقلُ من الزهر الجني

أم تري يحسبه أحقر منه؟

لسـتُ ادري !!

قد يقيني الخطر الشوكُ يجرحُ كفي

ويكون السم في العطر الذي يملأ أنفي

إنما الوردُ هو الأفضل في شرعي وعرفي

وهو شرعُ كله ظلم ولكن

لسـتُ ادري !!

قد رأيت الشهب لا تدري لماذا تشرقُ

ورأيت السحب لا تدري لماذا تغدقُ

ورأيتُ الغاب لا تدري لماذا تورقُ

فلماذا كلها في الجهل مثلي؟

لسـتُ ادري !!

كلما أيقنتُ أني قد أمطت الستر عني

وبلغتُ السر سري ، ضحكت نفسي مني

قد وجدت اليأس والحيرة لكن لم أجدني

فهل الجهل نعيم أم جحيمُ؟

لسـتُ ادري !!

لذةٌُ عندي أن أسمع تغريد البلابل

وحفيف الورق الأخضر أو همس الجداول

وأري الانجم في الظلماء تبدو كالمشاعل

أتري منها أم اللذة مني؟

لسـتُ ادري !!

أتراني كنت يوما نغما في وتر

أم تراني كنتُ قبلا موجة في نهر

أم تراني كنتُ في احدي النجوم الزُهُر

أم أريجا أم حفيفا أم نسيما؟

لسـتُ ادري !!

في مثل البحر أصداف ورمل ولآل

في كالأرض مروج وسفوح وجبال

في كالجو نجوم وغيوم وظلال

هل أنا أرض وبحر وسماء؟

لسـتُ ادري !!

من شرابي الشهد والخمرة والماء الزلال

من طعامي البقل والأثمارُ واللحم ُ الحلال

كم كيان قد تلاشي في كياني واستحال

كم كيان فيه شيء من كياني؟

لسـتُ ادري !!

أأنا أفصح من عصفورة الوادي وأعذب؟

ومن الزهرة أشهي ؟ وشذي الزهرة أطيب؟

ومن الحية أدهي ؟ ومن النملة أغرب؟

أم أنا أوضع من هذي وأدني؟

لسـتُ ادري !!

كلها مثلي تحيا ، كلها مثلي تمتُ

ولها مثلي شرابُ ، ولها مثلي قوتُ

ورقادُ وانتباة وحديث وسكوتُ

فيما امتاز عنها ليت شعري؟

لسـتُ ادري !!

قد رأيتُ النمل يسعى مثلما أسعي لرزقي

وله في العيش أوطار وحق مثل حقي

قد تساوي صمتهُ في نظر الدهر ونطقي

فكلانا صائر يوما إلي ما

لسـتُ ادري !!

أنا كا لصهباء ، لكن أنا صهبائي ودني

أصلها خاف كأصلي ، سجنها طين وسجني

ويُزاح الختم عنها مثلما ينشق عني

وهي لا تفقه معناها، واني

لسـتُ ادري !!

غلط القائلُ إن الخمر بنتُ الخابية

فهي قبل الزق كانت في عروق الدالية

وحواها قبل رحم الكرم وحمُ الغادية

إنما من قبل هذا أين كانت؟

لسـتُ ادري !!

هي في رأسي فكرُ وهي في عيني نورُ

وهي في صدري آمالُ وفي قلبي شعور

وهى في جسمي دم يسرب فيه ويمور

إنما من قبل هذا كيف كانت؟

لسـتُ ادري !!

أنا لا أذكر شيئا من حياتي الماضيه

أنا لا أعرف شيئا من حياتي الآتيه

لي ذات غير أني لستٌُ أدري ماهيه

فمتي تعرفُ ذاتي كنه ذاتي؟

لسـتُ ادري !!

إنني جئتُ وأمضي ، وأنا لا أعلمُ

أنا لغز ، وذهابي كمجيئي طلسمُ

والذي أوجد هذا اللغز لغز مبهمُ

لا تجادل......ذو الحجى من قال أني

لسـتُ ادري !!