محمود درويش

من شعراء العصر الحديث

ولد سنة 1941 م

 

رد فعل

وطني! يعلّمني حديـدُ سلاسلـي

عنفَ النسـورِ ورِقّـةَ المتفائـلِ

ما كنتُ أعرفُ أنَّ تَحتَ جلودنـا

ميلادُ عاصفةٍ... وعرسُ جـداولِ

سدّوا علـيَّ النـورَ فِي زنزانـةٍ

فتوهّجتْ فِي القلبِ شَمسُ مشاعلِ

كتبوا على الجدرانِ رقمَ بطاقتـي

فنما على الجدرانِ مـرجُ سنابـلِ

رسموا على الجدرانِ صورةَ قاتلـي

فمحتْ ملامحَها ظـلالُ جدائـلِ

وحفرتُ بالأسنانِ رسمـك داميـاً

وكتبتُ أغنيةَ العـذابِ الراحـلِ

أغمدتُ فِي لحمِ الظـلامِ هزيمتـي

وغرزتُ فِي شعرِ الشموسِ أناملـي

والفاتحونَ على سطـوحِ منازلـي

لَم يفتحـوا إلا وعـودَ زلازلـي

لن يبصـروا إلا توهّـجَ جبهتـي

لن يسمعوا إلا صريـرَ سلاسلـي

فإذا احترقتُ على صليبِ عبادتـي

أصبحتُ قدّيسـاً بـزيِّ مقاتـلِ

 


عيون الموتى على الأبواب

مروا على صحراء قلبي ،حاملين ذراع نخلة
مرّوا على زهر القرنفل، تاركين أزير نحلة
و على شبابيك القرى رسموا، بأعينهم أهله
و تبادلوا بعض الكلام
عن المحبة و المذّلة
ماذا حملت لعشر شمعات أضاءت كفر قاسم
غير المزيد، من النشيد ،عن الحمائم..
و الجماجم..؟
هي لا تريد.. و لا تعيد
رثاءنا.. هي لا تساوم
فوصية الدم تستغيث بأن تقاوم
في الليل دقوا كا باب..
كل باب.. كل باب
وتوسلوا ألا نهيل على الدم الغالي التراب
قالت عيونهم التي انطفأت لتشعلنا عتاب:
لا تدفنونا بالنشيد، و خلدونا بالصمود
إنّا نسمّد لبراعم الضوء الجديد
يا كفر قاسم!
من توابيت الضحايا سوف يعلو
علم يقول: قفوا! قفوا!
و استوقفوا!
لا :لا تذلوا !
دين العواصف أنت قد سدّدته ،
و انهار ظلّ
يا كفر قاسم! لن ننام.. و فيك مقبرة و ليل
ووصية الدم لا تساوم
ووصية الدم تستغيث بأن نقاوم
أن نقاوم..

 


نشيد الرجال

لأجملِ ضفةٍ أمشي

فلا تحزنْ على قدمي

منَ الأشواكْ

إن خطايَ مثلَ الشمسِ

لا تقوى بدونِ دمي

لأجملِ ضفّةٍ أمشي

فلا تحزن على قلبي

من القرصانْ

إن فؤاديَ المعجونَ كالأرضِ

نسيمٌ في يدِ الحبِّ

وبارودٌ على البغضِ

لأجملِ ضفّةٍ أمشي

فإمّا يهترئ نعلي

أضعْ رمشي

نعمْ... رمشي

ولا أقفُ

ولا أهفو إلى نومٍ وأرتجفُ

لأن سريرَ من ناموا

بمنتصفِ الطريق

كخشبةِ النعشِ

تعالوا يا رفاقَ القيدِ والأحزانِ

كي نمشي

لأجملِ ضفّةٍ نمشي

فلنْ نُقهرْ

ولن نخسرْ

سوى النعشِ

إلى الأعلى

حناجرُنا

إلى الأعلى

محاجرُنا

إلى الأعلى

أمانينا

إلى الأعلى

أغانينا

سنصنعُ من مشانقنا

ومن صُلبانِ حاضرنا وماضينا

سلالمَ للغدِ الموعود

ثم نصيحُ: يا رضوان

إفتحْ بابكَ الموصود

سنطلقُ من حناجرنا

ومن شكوى مراثينا

قصائدَ، كالنبيذِ الحلوِ

تكرعُ في ملاهينا

وتنشدُ في الشوارعِ

في المصانعِ

في المحاجرِ

في المزارعِ

في نوادينا

سننصبُ من محاجرنا

مراصدَ، تكشفُ الأبعدَ والأعمقَ والأروعْ

فلا نقشعْ

سوى الفجرِ

ولا نسمعْ

سوى النصرِ

فكلُّ تمرّدٍ في الأرضْ

يزلزلنا

وكلُّ جميلةٍ في الأرضْ

تقبّلُنا

وكلُّ حديقةٍ في الأرضْ

نأكلُ حبةً منها

وكلُّ قصيدةٍ في الأرضْ

إذا رقصتْ نُخاصرها

وكلّ يتيمةٍ في الأرضْ

إذا نادتْ نناصرُها

سنخرجُ من معسكرنا

ومنفانا

سنخرجُ من مخابينا

ويشتمُنا أعادينا

هلا.. همجٌ همُ.. عربُ

نعم! عربُ

ونعرفُ كيفَ نمسكُ قبضةَ المنجلْ

ونعرفُ كيفَ يقاومُ الأعزلْ

ونعرفُ كيفَ نبني المصنعَ العصريَّ

والمنزلْ

ومستشفى

ومدرسةً

وقنبلةً

وصاروخاً

وموسيقى

ونكتبُ أجمل الأشعارْ

صوت

وماذا بعد؟

سمعنا صوتكَ المدهونَ بالفوسفورْ

سمعناهُ.. سمعناهُ

فكيفَ ستجعلُ الكلماتُ

أكواخَ الدُّجى.. بلّورْ

ودربكَ كلّهْ ديجور

وشعبكَ

دمعةٌ تبكي زمانَ النورْ

وأرضكَ

نقشُ سجاده

على الطرقاتِ مرميّه

وأنتَ.. بدونِ زوّاده

وماذا بعدُ؟ ماذا بعدْ؟

جميلٌ صوتكَ المحمولُ بالريحِ الشماليّه

ولكنّا سئمناهُ

جواب

ذليلٌ أنتَ كالإسفلتْ

ذليلٌ أنتْ

يا مَن يحتمي بستارةِ الضجرِ

غبيٌّ أنتَ.. كالقمرِ

ومصلوبٌ على حجرِ

فدعني أكملُ الإنشادَ

دعني أحملُ الريحَ الشماليّه

ودعني أحبسُ الإعصارَ في كمّي

ودعني أخزنُ الديناميتَ في دمّي

ذليلٌ أنتَ كالإسفلتْ

وكالقمرِ

غبيٌّ أنتْ

نشيدُ بنات طرواده

وداعاً يا ليالي الطهرِ

يا أسوارَ طرواده

خرجنا من مخابينا

إلى أعراسِ غازينا

لنرقصَ فوقَ موتِ رجالِ طرواده

سبايا نحن، نعطيهم بكارتنا

وما شاؤوا

لأنهمُ أشدّاءُ

ونرقدُ في مضاجعِ قاتلي أبطالِ طرواده

وداعاً يا ليالي الطهرِ والأحلامِ

يا ذكرى احبّتنا

سبايا نحنُ منذُ اليوم

من آثارِ طرواده

تعليقٌ على النشيد

بلى أصغيتُ للنغمِ

فلا تُخضعْ لجنازِ الرّدى

قيثاركَ المشدود

من قاعِ المحيطِ لجبهةِ القممِ

لئلا تجهضَ الأزهارَ والكبريتَ

فوقَ فمِ

سيزهرُ مرةً طلعاً وقنديلاً

وشعراً يصهرُ الفولاذَ

يرصفُ شارعَ النغمِ

لئلا تحقنَ الأجسادُ

أفيوناً من الألمِ

نعمْ. أصغيتُ للنغمِ

ولكني، تحرَّيتُ السنا في الدمعِ

لا ديمومةَ الظلمِ

لنحرقَ ريشةَ الماضي

ونعزفَ لحننا الرائدْ

فمن عزمي

ومن عزمك

ومن لحمي

ومن لحمك

نعبّدُ شارعَ المستقبلِ الصاعدْ

صوت

وماذا بعدُ؟ ماذا بعدْ؟

وشعبكَ

دمعةٌ ترثي زمانَ المجدْ

ولحنُ القيد

يجنّزُنا

ويحفرُ للذين يقاومونَ اللحدْ

جواب

ذليلٌ أنتَ كالإسفلتْ

وكالقمرِ

غبيّ أنت

إلى الماضي قليلاً يا حزينَ الصوتْ

يا مَن يمتطي جملاً من الصحراء

وغيركَ يركبُ الصاروخ

إلى الماضي قليلاً يا حزينَ الصوتْ

إلى التاريخ

أأكفرُ بالخلاصِ الحلو

أم أمشي؟

ولو أمشي وأحتضرُ؟

أقولُ لكمْ: أماماً أيها البشرُ

تحدَّ السجنَ والسجّانَ

فإن حلاوةَ الإيمانِ

تذيبُ مرارةَ الحنظلْ

مع حبقوق

ألو. هالو

أموجودٌ هنا حبقوقْ؟

نعم من أنت؟

أنا يا سيّدي عربي

وكانت لي يدٌ تزرعْ

تراباً سمّدتهُ يدا وعينُ أبي

وكانت لي خطىً وعباءة

وعمامةٌ ودفوفْ

وكانت لي

كفى يا ابني

على قلبي حكايتكمْ

على قلبي سكاكينُ

بقية النشيد

دعوني أكملُ الإنشادْ

فإن هديةَ الأجدادِ للأحفادْ

زرعنا.. فاحصدوا

والصوتُ يأتينا سماداً

يغرقُ الصحراءَ بالمطرِ

ويُخصبُ عاقرَ الشجرِ

دعوني أُكملُ الإنشاد

 


أبيات غزل

سألتك: هزّي بأجمل كف على الارض
غصن الزمان!
لتسقط أوراق ماض وحاضر
ويولد في لمحة توأمان:
ملاك..وشاعر!
ونعرف كيف يعود الرماد لهيبا
إذا اعترف العاشقان!
أتفاحتي! يا أحبّ حرام يباح
إذا فهمت مقلتاك شرودي وصمتي
أنا، عجبا، كيف تشكو الرياح
بقائي لديك؟ و أنت
خلود النبيذ بصوتي
و طعم الأساطير و الأرض.. أنت !
لماذا يسافر نجم على برتقاله
و يشرب يشرب يشرب حتى الثماله
إذا كنت بين يديّ
تفتّت لحن، وصوت ابتهاله
لماذا أحبك؟
كيف تخر بروقي لديك ؟
و تتعب ريحي على شفتيك
فأعرف في لحظة
بأن الليلي مخدة
و أن القمر
جميل كطلعة وردة
و أني وسيم.. لأني لديك!
أتبقين فوق ذراعي حمامة
تغمّس منقارها في فمي؟
و كفّك فوق جبيني شامه
تخلّد وعد الهوى في دمي ؟
أتبقين فوق ذراعي حمامه
تجنّحي.. كي أطير
تهدهدني..كي أنام
و تجعل لا سمي نبض العبير
و تجعل بيتي برج حمام؟
أريدك عندي
خيالا يسير على قدمين
و صخر حقيقة
يطير بغمرة عين !

 


موال

خسرت حلما جميلا،
خسرت لسع الزنابق
و كان ليلي طويلا،
على سياج الحدائق
وما خسرت السبيلا
لقد تعوّد كفّى،
على جراح الأماني
هزي يدي بعنف.. ينساب نهر الأغاني
يا أم مهري و سيفي!
_يمّا.. مويل الهوى
_يمّا ..مويليا
"ضرب الخناجر.. و لا
"حكم النذل فيّا
***
يداك فوق جبيني،تاجان من كبرياء
إذا انحنيت ،انحنى ، تل وضاعت سماء
ولا أعود جديرا بقبلة أو دعاء
و الباب يوصد دوني
كوني على شفتيا اسما لكل الفصول
لم يأخذوا من يديّا ، إلا مناخ الحقول
و أنت عندي دنيا!
"يمّا.. مويل الهوى
"يمّا.. مويليا
"ضرب الخناجر.. و لا
"حكم النذل فيّا
***
الريح تنعس عندي .. على جبين ابتسامة
و القيد خاتم مجد ، و شامة للكرامة
و ساعدي.. للتحدي
على يديك تصلي طفولة المستقبل
وخلف خفنيك، طفلي يقول: يومي أجمل
و أنت شمسي و ظلي
"يمّا.. مويل الهوى
"يمّا.. مويليا
"ضرب الخناجر.. و لا
"حكم النذل فيّا
الأرض ،أم أنت عندي أم أنتما توأمان
مد مدّ للشمس زندي؟ الأرض، أم مقلتان
سيان سيان.. عندي
***
إذا خسرت الصديقة فقدت طعم السنابل
و إن فقدت الحديقة ضيّعت عطر الجدائل
و ضاع حلم الحقيقة
***
عن الورد أدافع شوقا إلى شفتيك
وعن تراب الشوارع خوفا على قدميك
و عن دفاعي أدافع
***
"يمّا..مويل الهوى
"يما.. مويليا
"ضرب الخناجر.. و لا
"حكم النذل فيّا

 


رسالة من المنفى

تحيةً.. وقبلةً

وليسَ عندي ما أقولُ بعدْ

من أينَ أبتدي؟ وأينَ أنتهي؟

ودورةُ الزمانِ دونَ حدّ

وكلُّ ما في غربتي

زوّادةٌ، فيها رغيفٌ يابسٌ، ووَجدْ

ودفترٌ يحملُ عنّي بعضَ ما حملتْ

بصقتُ في صفحاتهِ ما ضاقَ بي من حقدْ

من أينَ أبتدي؟

وكلُّ ما قيلَ وما يقالْ بعدَ غدْ

لا ينتهي بضمّةٍ.. أو لمسةٍ من يدْ

لا يُرجعُ الغريبَ للديار

لا يُنزلُ الأمطار

لا يُنبتُ الريشَ على

جناحِ طيرٍ ضائعٍ.. منهدّ

من أينَ أبتدي؟

تحيةً.. وقبلةً.. وبعدْ

أقولُ للمذياع.. قلْ لها أنا بخيرْ

أقولُ للعصفورِ

إن صادفتَها يا طيرْ

لا تنسني، وقلْ بخيرْ

أنا بخيرْ

أنا بخيرْ

ما زال في عينيَّ بصرْ

ما زالَ في السّما قمرْ

وثوبي العتيق، حتى الآنَ، ما اندثرْ

تمزقت أطرافهُ

لكنني رتقتهُ.. ولم يزلْ بخيرْ

وصرتُ شاباً جاوزَ العشرين

تصوريني.. صرتُ في العشرينْ

وصرتُ كالشبابِ يا أمّاه

أواجهُ الحياه

وأحملُ العبءَ كما الرجالُ يحملونْ

وأشتغل

في مطعمٍ.. وأغسلُ الصحون

وأصنعُ القهوةَ للزبونْ

وألصقُ البسماتِ فوق وجهيَ الحزينْ

ليفرحَ الزبونْ

أنا بخيرْ

قد صرتُ في العشرينْ

وصرتُ كالشباب يا أمّاه

أدخّنُ التبغَ، وأتّكي على الجدارْ

أقولُ للحلوةِ: آه

كما يقولُ الآخرونْ

يا إخوتي، ما أطيبَ البنات

تصوروا كم مُرَّةٌ هيَ الحياة

بدونهنَّ.. مُرّة هي الحياة

وقالَ صاحبي: هل عندكم رغيف؟

يا إخوتي؛ ما قيمةُ الإنسانْ

إن نامَ كلَّ ليلةٍ.. جوعانْ؟

أنا بخيرْ

أنا بخيرْ

عندي رغيفٌ أسمر

وسلّةٌ صغيرةٌ من الخضار

سمعتُ في المذياعْ

تحيةَ المشرّدينَ.. للمشرّدينْ

قالَ الجميعُ: كلّنا بخيرْ

لا أحدٌ حزينْ ؛

فكيفَ حالُ والدي؟

ألمْ يزَلْ كعهدهِ، يحبُّ ذكرَ الله

والأبناءَ.. والترابَ.. والزيتون؟

وكيفَ حالُ إخوتي

هل أصبحوا موظفين؟

سمعتُ يوماً والدي يقولْ

سيصبحونَ كلهم معلمين

سمعتهُ يقول

أجوعُ حتى أشتري لهم كتاب

لا أحد في قريتي يفكُّ حرفاً في خطاب

وكيفَ حالُ أختنا

هل كبرتْ.. وجاءها خُطّاب؟

وكيفَ حالُ جدّتي

ألم تزلْ كعهدها تقعدُ عندَ البابْ؟

تدعو لنا

بالخيرِ.. والشبابِ.. والثوابْ

وكيفَ حالُ بيتنا

والعتبةِ الملساء.. والوجاقِ.. والأبوابْ؟

سمعتُ في المذياعْ

رسائل المشرّدينَ.. للمشردينْ

جميعهم بخيرْ

لكنني حزينْ

تكادُ أن تأكلَني الظنونْ

لم يحملِ المذياعُ عنكم خبراً

ولو حزينْ

ولو حزينْ

الليلُ – يا أمّاهُ – ذئبٌ جائعٌ سفّاحْ

يطاردُ الغريبَ أينما مضى

ويفتحُ الآفاقَ للأشباحْ

وغابةُ الصفصافِ لم تزلْ تعانقُ الرياحْ

ماذا جنينا نحنُ يا أماهْ؟

حتّى نموتَ مرّتين

فمرّةً نموتُ في الحياة

ومرةً نموتُ عندَ الموتْ

هل تعلمينَ ما الذي يملأني بكاء؟

هَبي مرضتُ ليلةً.. وهدَّ جسمي الداء

هل يذكرُ المساءْ

مهاجراً أتى هنا.. ولم يعدْ إلى الوطن؟

هل يذكر المساءْ

مهاجراً ماتَ بلا كفنْ؟

يا غابةَ الصفصاف! هل ستذكرين

أن الذي رَموْه تحتَ ظلّكِ الحزينْ

كأيِّ شيءٍ ميّتٍ... إنسانْ؟

هل تذكرينَ أنني إنسانْ

وتفظينَ جثتي من سطوةِ الغربانْ؟

أمّاهُ يا أماه

لمن كتبتُ هذهِ الأوراق

أيُّ بريدٍ ذاهبٍ يحملها؟

سُدَّت طريقُ البرِّ والبحارِ والآفاقْ

وأنتِ يا أمّاه

ووالدي، وإخوتي، والأهلُ، والرفاقْ

لعلّكم أحياءْ

لعلّكم أمواتْ

لعلّكم مثلي بلا عنوانْ

ما قيمةُ الإنسان

بلا وطن

بلا علَمْ

ودونما عنوانْ

ما قيمةُ الإنسانْ؟

 


وعادَ في كفن

يحكونَ في بلادنا

يحكونَ في شَجَنْ

عن صاحبي الذي مضى

وعادَ في كفنْ

كانَ اسمهُ

لا تذكروا اسمَه

خلّوهُ في قلوبنا

لا تدعوا الكلمه

تضيعُ في الهواءِ كالرماد

خلّوهُ جرحاً راعفاً.. لا يعرفُ الضمادْ

طريقهُ إليهِ

أخافُ يا أحبتي.. أخافُ يا أيتامْ

أخافُ أن ننساه في زحمةِ الأسماءْ

أخافُ أن يذوبَ في زوابعِ الشتاء

أخافُ أن تنامَ في قلوبنا

جراحنا

أخافُ أن تنامْ

العمرُ.. عمرُ برعمٍ لا يذكرُ المطرْ

لم يبكِ تحتَ شرفةِ القمر

لم يوقفِ الساعاتِ بالسهر

وما تداعتْ عندَ حائطٍ يداه

ولم تسافرْ خلفَ خيطِ شهوةٍ.. عيناه

ولم يقبِّلْ حلوةً

لم يعرفِ الغزلْ

غيرَ أغاني مطربٍ ضيّعهُ الأملْ

ولم يقلْ لحلوةٍ: الله

إلا مرّتين

لم تلتفت إليه.. ما أعطتهُ إلا طرفَ عين

كانَ الفتى صغيراً

فغابَ عن طريقها

ولم يفكّر بالهوى كثيراً

يحكونَ في بلادنا

يحكونَ في شجنْ

عن صاحبي الذي مضى

وعادَ في كفنْ

ما قالَ حينَ زغردتْ خُطاهُ خلفَ الباب

لأمّه: الوداع

ما قالَ للأحبابِ.. للأصحاب

موعدُنا غداً

ولم يضعْ رسالةً.. كعادةِ المسافرين

تقولُ إني عائدٌ وتسكتُ الظنون

ولم يخطَّ كلمةً

تضيءُ ليلَ أمه التي

تخاطبُ السماءَ والأشياء

تقولُ: يا وسادةَ السرير

يا حقيبةَ الثياب

يا ليلُ ! يا نجومُ ! يا إلهُ ! يا سحاب

أما رأيتم شارداً.. عيناهُ نجمتان؟

يداهُ سلّتانِ من ريحان

وصدرهُ وسادةُ النجومِ والقمرْ

وشعرهُ أرجوحةٌ للرّيحِ والزهرْ

أما رأيتم شارداً

مسافراً لا يحسنُ السفر؟

راحَ بلا زوّادةٍ.. من يطعمُ الفتى

إن جاعَ في طريقهِ

من يرحمُ الغريب؟

قلبي عليهِ في غوائلِ الدروبْ

قلبي عليكَ يا فتى.. يا ولداه

قولوا لها، يا ليلُ! يا نجومُ!

يا دروبُ! يا سحاب

قولوا لها: لن تحملي الجواب

فالجرحُ فوقَ الدمعِ.. فوقَ الحزنِ والعذاب

لن تحملي.. لن تصبري كثيراً

لأنه

لأنه ماتَ، ولم يزلْ صغيراً

يا أمَّهُ

لا تقلعي الدموعَ من جذورها

للدمعِ يا والدتي جذور،

تخاطبُ المساءَ كلَّ يومٍ

تقولُ: أينَ قافلةُ المساءِ؟

من أينَ تعبرين؟

غصّتْ دروبُ الموتِ.. حينَ سدَّها المسافرون

سُدَّت دروبُ الحزنِ.. لو وقفتِ لحظتينِ

لحظتين

لتمسحي الجبينَ والعينين

وتحملي من دمعنا تذكار

لمن قضَوا من قبلنا.. أحبابنا المهاجرين

يا أمهُ

لا تقلعي الدموعَ من جذورها

خلّي ببئرِ القلبِ دمعتين

فقد يموتُ في غدٍ أبوهُ.. أو أخوهُ

أو صديقهُ أنا

خلّي لنا

للميّتين في غدٍ لو دمعتين.. دمعتين

يحكونَ في بلادنا عن صاحبي الكثيرا

حرائقُ الرصاصِ في وجناتهِ

وصدره.. ووجهه

لا تشرحوا الأمورا

أنا رأيتُ جرحهُ

حدَّقتُ في أبعادهِ كثيرا

قلبي على أطفالنا

وكلُّ أمٍّ تحضنُ السريرا

يا أصدقاءَ الراحلِ البعيد

لا تسألوا: متى يعود؟

لا تسألوا كثيراً

بل اسألوا: متى

يستيقظُ الرجال؟

 


الجسر

مشياً على الأقدامِ

أو زحفاً على الأيدي نعودُ

قالوا

وكانَ الصخرُ يضمرُ

والمساءُ يداً تقودُ

لم يعرفوا أنَّ الطريقَ إلى الطريقِ

دمٌ، ومصيدةٌ، وبيدُ

كلُّ القوافلِ قبلهم غاصتْ

وكانَ النهرُ يبصقُ ضفتيهِ

قطعاً من اللحمِ المفتتِ

في وجوهِ العائدين

كانوا ثلاثةً عائدين

شيخٌ، وابنتهُ، وجنديٌّ قديم

يقفونَ عند الجسرِ

كان الجسرُ نعساناً، وكانَ الليلُ قبعةًَ

وبعدَ دقائقَ يصلون. هل في البيتِ ماء؟

وتحسّسَ المفتاحَ ثم تلا من القرآنِ آية

قالَ الشيخُ منتعشاً: وكم من منزلٍ في الأرضِ يألفهُ الفتى

قالتْ: ولكنَّ المنازلَ يا أبي أطلالُ

فأجابَ: تبنيها يدانِ

ولم يتمَّ حديثهُ، إذ صاحَ صوتٌ في الطريق: تعالوا

وتلتهُ صقطقةُ البنادق

لن يمرَّ العائدون

حرسُ الحدودِ مرابطٌ

يحمي الحدودَ من الحنين

أمرٌ بإطلاقِ الرصاص على الذي يجتاز هذا الجسر

هذا الجسرُ مقصلةُ الذي رفضَ التسوّلَ تحتَ ظلِّ وكالةِ الغوثِ الجديدهْ

والموتَ بالمجّانِ تحتَ الذلِّ والأمطار، من يرفضه يُقتلُ عندَ هذا الجسرْ

هذا الجسرْ مقصلةُ الذي ما زالَ يحلُمُ بالوطن

الطلقةُ الأولى أزاحتْ عن جبينِ الليلِ

قبعةَ الظلام

والطلقةُ الأخرى

أصابتْ قلبَ جنديٍّ قديم

والشيخُ يأخذُ كفَّ ابنتهِ ويتلو

همساً من القرآنِ سورهْ

وبلهجةٍ كالحلمِ قال

عينا حبيبتيَ الصغيرهْ

ليَ، يا جنود، ووجهها القمحيُّ لي

لا تقتلوها، واقتلوني

كانت مياهُ النهرِ أغزر

فالذينَ رفضوا هناكَ الموتَ بالمجّان أعطوا النهرَ لوناً آخراً

والجسرُ، حينَ يصيرُ تمثالاً، سيُصبغُ.. دونَ ريبٍ

بالظهيرةِ والدماءِ وخضرةِ الموتِ المفاجئ

وبرغمِ أنَّ القتلَ كانَ كالتدخين

لكنَّ الجنودَ "الطيّبين

الطالعينَ على فهارسِ دفترٍ

قذفتهُ أمعاءُ السنين

لم يقتلوا الاثنين

كانَ الشيخُ يسقطُ في مياهِ النهرِ

والبنتُ التي صارتْ يتيمهْ

كانتْ ممزّقةَ الثياب

وطارَ عطرُ الياسمين

على صدرها العاري الذي

ملأتهُ رائحةُ الجريمهْ

والصمتُ خيّمَ مرّةً أخرى

وعادَ النهرُ يبصقُ ضفتيهِ

قطعاً من اللحمِ المفتت

في وجوهِ العائدين

لم يعرفوا أنَّ الطريقَ إلى الطريقِ

دمٌ ومصيدةٌ. ولم يعرفْ أحد

شيئاً عن النهرِ الذي

يمتصُّ لحمَ النازحين

والجسرُ يكبرُ كلَّ يومٍ كالطريقْ

وهجرةُ الدمِ في مياهِ النهرِ تنحتُ من حصى الوادي

تماثيلاً لها لونُ النجوم، ولسعةُ الذكرى

وطعمُ الحبِّ حينَ يصيرُ أكثرَ من عبادة

 


عابرون في كلام

أيها المارون بين الكلمات العابرة

احملوا أسماءكم وانصرفوا

واسحبوا ساعاتكم من وقتنا وانصرفوا

واسرقوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة

وخذوا ما شئتم من صور, كي تعرفوا

إنكم لن تعرفوا

كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء

أيها المارون بين الكلمات العابرة

منكم السيف ومنا دمنا

منكم الفولاذ والنار ومنا لحمنا

منكم دبابة أخرى ومنا حجر

منكم قنبلة الغاز ومنا المطر

وعلينا ما عليكم من سماء وهواء

فخذوا حصتكم من دمنا... وانصرفوا

وادخلوا حفلة عشاء راقص... وانصرفوا

وعلينا, نحن, أن نحرس ورد الشهداء

وعلينا, نحن, أن نحيا كما نحن نشاء

أيها المارون بين الكلمات العابرة

كالغبار المر, مروا أينما شئتم.. ولكن

لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة

فلنا في أرضنا ما نعمل

ولنا قمح نربيه ونسقيه ندى أجسادنا

ولنا ما ليس يرضيكم هنا

حجر أو حجل

فخذوا الماضي, إذا شئتم, إلى سوق التحف

وأعيدوا الهيكل العظمي للهدهد, إن شئتم

على صحن خزف

فلنا ما ليس يرضيكم: لنا المستقبل

ولنا في أرضنا ما نعمل

أيها المارون بين الكلمات العابرة

كدّسوا اوهامكم في حفرة مهجورة, وانصرفوا

وأعيدوا عقرب الوقت إلى شرعية العجل المقدس

أو إلى توقيت موسيقى المسدس

ولنا ما ليس يرضيكم هنا, فانصرفوا

ولنا ما ليس فيكم: وطن ينزف شعبا ينزف

وطنا يصلح للنسيان أو للذاكرة

أيها المارون بين الكلمات العابرة

آن أن تنصرفوا

وقيموا أينما شئتم ولكن لا تموتوا بيننا

فلنا في أرضنا ما نعمل

ولنا الماضي هنا

ولنا صوت الحياة الأول

ولنا الماضي والحاضر, والمستقبل

ولنا الدنيا هنا.. والآخرة

فاخرجوا من أرضنا

من برنا... من بحرنا

من قمحنا.. من ملحنا.. من جرحنا

من كل شيء, واخرجوا

من ذكريات الذاكرة

أيها العابرون بين الكلمات العابرة

 


سجِّل أنا عربي

سجِّل

أنا عربي

ورقمُ بطاقتي خمسونَ ألفْ

وأطفالي ثمانيةٌ

وتاسعهُم.. سيأتي بعدَ صيفْ

فهلْ تغضبْ؟

سجِّلْ

أنا عربي

وأعملُ مع رفاقِ الكدحِ في محجرْ

وأطفالي ثمانيةٌ

أسلُّ لهمْ رغيفَ الخبزِ

والأثوابَ والدفترْ

من الصخرِ

ولا أتوسَّلُ الصدقاتِ من بابِكْ

ولا أصغرْ

أمامَ بلاطِ أعتابكْ

فهل تغضب؟

سجل

أنا عربي

أنا إسمٌ بلا لقبِ

صبورٌ في بلادٍ كلُّ ما فيها

يعيشُ بفورةِ الغضبِ

جذوري

قبلَ ميلادِ الزمانِ رستْ

وقبلَ تفتّحِ الحقبِ

وقبلَ السّروِ والزيتونِ

وقبلَ ترعرعِ العشبِ

أبي.. من أسرةِ المحراثِ

لا من سادةٍ نجبِ

وجدّي كانَ فلاحاً

بلا حسبٍ.. ولا نسبِ

يعلّمني شموخَ الشمسِ قبلَ قراءةِ الكتبِ

وبيتي كوخُ ناطورٍ

منَ الأعوادِ والقصبِ

فهل ترضيكَ منزلتي؟

أنا إسمٌ بلا لقبِ

سجل

أنا عربي

ولونُ الشعرِ.. فحميٌّ

ولونُ العينِ.. بنيٌّ

وميزاتي

على رأسي عقالٌ فوقَ كوفيّه

وكفّي صلبةٌ كالصخرِ

تخمشُ من يلامسَها

وعنواني

أنا من قريةٍ عزلاءَ منسيّهْ

شوارعُها بلا أسماء

وكلُّ رجالها في الحقلِ والمحجرْ

فهل تغضبْ؟

سجِّل

أنا عربي

سلبتَ كرومَ أجدادي

وأرضاً كنتُ أفلحُها

أنا وجميعُ أولادي

ولم تتركْ لنا.. ولكلِّ أحفادي

سوى هذي الصخورِ

فهل ستأخذُها

حكومتكمْ.. كما قيلا؟

إذن

سجِّل.. برأسِ الصفحةِ الأولى

أنا لا أكرهُ الناسَ

ولا أسطو على أحدٍ

ولكنّي.. إذا ما جعتُ

آكلُ لحمَ مغتصبي

حذارِ.. حذارِ.. من جوعي

ومن غضبي

 


جواز سفر

لم يعرفوني في الظلالِ التي

تمتصُّ لوني في جوازِ السفرْ

وكانَ جرحي عندهم معرّضاً

لسائحٍ يعشقُ جمعَ الصور

لم يعرفوني، آه.. لا تتركي

كفّي بلا شمسٍ

لأنَّ الشجرْ

يعرفني

تعرفُني كلُّ أغاني المطرْ

لا تتركيني شاحباً كالقمرْ

كلُّ العصافير التي لاحقتْ

كفّي على بابِ المطارِ البعيدِ

كلُّ حقولُ القمحِ

كلُّ السجونِ

كلُّ القبورِ البيضِ

كلُّ الحدودِ

كلُّ المناديلِ التي لوَّحتْ

كلُّ العيون

كانتْ معي، لكنّهم

قدْ أسقطوها من جوازِ السفر

عارٍ من الإسم، من الانتماءْ؟

في تربة ربيّتها باليدينْ؟

أيّوب صاحَ اليومَ ملءَ السماء

لا تجعلوني عبرةً مرّتين

يا سادتي! يا سادتي الأنبياء

لا تسألوا الأشجارَ عن اسمها

لا تسألوا الوديانَ عن أمها

من جبهتي ينشقُّ سيفُ الضياء

ومن يدي ينبعُ ماءُ النهرْ

كلُّ قلوبِ الناس.. جنسيّتي

فلتسقطوا عنّي جوازَ السفرْ

 


أحنُّ إلى أمّي

أحنُّ إلى خبزِ أمّي

وقهوةِ أمّي

ولمسةِ أمّي

وتكبرُ فيَّ الطفولةُ

يوماً على صدرِ يومِ

وأعشقُ عمري لأنّي

إذا متُّ

أخجلُ من دمعِ أمّي

خذيني، إذا عدتُ يوماً

وشاحاً لهُدبكْ

وغطّي عظامي بعشبِ

تعمّد من طُهرِ كعبكْ

وشدّي وثاقي

بخصلةِ شَعر

بخيطٍ يلوّحُ في ذيلِ ثوبكْ

إذا ما لمستُ قرارةَ قلبكْ

ضعيني، إذا ما رجعتُ

وقوداً بتنّورِ ناركْ

وحبلِ الغسيلِ على سطحِ دارِكْ

لأني فقدتُ الوقوفَ

بدونِ صلاةِ نهارِكْ

هرِمتُ، فرُدّي نجومَ الطفولة

حتّى أُشارِكْ

صغارَ العصافيرِ

دربَ الرجوع

لعشِّ انتظاركْ

 


السجن

تغيرّ عنوان بيتي
و موعد أكلي
و مقدار تبغي تغيرّ
و لون ثيابي، ووجهي، و شكلي
و حتى القمر
عزيز عليّ هنا ..
صار أحلى و أكبر
و رائحة الأرض: عطر
و طعم الطبيعة: سكر
كأني على سطح بيتي القديم
و نجم جديد
بعيني تسمّر

 


وشم العبيد

روما على جلودنا
أرقام أسرى .و السياط
تفكها إذا هوت، أو ترتخي..
كان العبيد عزّلا
ففتتوا البلاط!
بابل حول جيدنا
وشم سبايا عائدة
تغيرت ملابس الطاغوت
من عاش بعد الموت
لو آمنت.. لا يموت
متنا و عشنا، و الطريق واحدة !
إفريقيا في رقصنا
طبل.. و نار حافية
وشهوة على دخان غانية.
في ذات يوم.. أحسن العزف على
ناي الجذوع الهاوية .
أنوّم الأفعى
و أرمي نابها في ناحية
فتلقي في رقصة جديدة.. جديدة
إفريقيا..وآسيه!

 


عاشق فلسطين

رأيتك أمس في الميناء

مسافرة بلا أهل... بلا زاد

ركضت إليك كالأيتام

اسأل حكمة الأجداد

لماذا تسحب البيارة الخضراء

إلى سجن, إلى منفى, إلى ميناء

وتبقى, رغم رحلتها

ورغم روائح الأملاح والأشواق

تبقى دائما خضراء