بشارة ألخوري

 

هو بشارة الخوري – ويلقب بإسم - الأخطل الصغير

من شعراء العصر الحديث

 

عمر ونغم

أَخَـاكَ يـا شِعْـرُ فَهَـذَا عُمَـرُ

وَهَـذِهِ نُعْـمٌ وَتِـلْكَ الـذِّكَـرُ

لَوْحَانِ مِـنْ فَجْـرِ الصِّـبَا وَوَرْدِهِ

غَـذّاهُمَـا قَلْـبٌ وَرَوّى مِحْجَـرُ

فَـرْخَـانِ فِـي وَكْـرٍ، تَلاقَـى

جانِـحٌ وَجَانِـحٌ وَمِنْقَـرٌ وَمِنْقَـرُ

يَخْتَلِـسُ القُبْلَـةَ مِـنْ مَبْسِمَـهَا

هَلْ تَعْرِفُ العُصْفُورَ كَيْـفَ يَنْقَـرُ؟

وَهُـوْ إذَا أَمْعَـنَ فِـي ارْتِشَافِهَـا

عَلّمَنَـا كَيـفَ يَـذُوبُ السُّكَّـرُ

رِسَـالَـةٌ مِـن فَمِــهِ لِفَمِـهَا

كَذَا رِسَـالاتُ الـهَوَى تُخْتَصَـرُ

إيهٍ أبَا الخَطّابِ، ما أحْلـى الـهَوَى

تَنْظِـمُ مِـنْ نَـوّارِهِ وتَـنْـثُـرُ

فَبَعْضُـهُ يَحْـلُـمُ فِـي أوْرَاقِــهِ

وَبَعْضُـهُ عَلـى الـرُّبَـى مُبَعْثَـرُ

مَلأتَ أُفْقَ الحُـبّ عِطْـراً وسَنًـى

وَصُـورَاً لِلْـوَحْـيِ فِيـهَا سُـوَرُ

ألجَنّـةُ الـزّهْـرَاءُ مَـا تَـرْسُمُـهُ

وَالخَمْـرَةُ العَـذْرَاءُ مـا تَعْتَصِـرُ

وَالنّغَـمُ الخَـالِـد مَـا تُنْشِــدُهُ

وَالـمَثَـلُ الشّـارِدُ مَـا تَبَتَكِـرُ

ألطَّـرِبُ السَّمْـحُ إذا دَارَتْ طِـلا

أوْ سَبَـقٌ: فَـالشّـاعِـرُ المُغَـبِّـرُ

حَلّـقْ وَلا تَحْفِـلْ، أأزْرَى حَاسِـدٌ

أوِ انْـبَـرَى لِحَتْـفِـهِ شُـوَيْعِـرُ

عَـابَ عَلـى البُلْبُـلِ مَا يَطْرَحُـهُ

مِـنْ رِيشِـهِ وَهْـوَ بِـهِ يَـأتَـزِرُ

قُـلْ لِـي بِنْعْـمٍ، وَبِأتْـرَابِ لَهَـا

يَلْعَبْـنَ مَا شَـاء الصِّـبَا وَالأشَـرُ

لَيْلَـةُ ذي دَوْرَانَ، هلْ كانتْ كَمَـا

حَـدّثْـتَ، أمْ أخْيِلَـةٌ وصُــوَرُ

وَنُعْـمُ هَلْ كانَتْ كمَـا صَـوّرْتَ

أمْ بالَـغَ فِـي تَلْـوِينِـهَا المُصَـوِّرُ

وَذَلِـكَ «المِجَـنُّ»؟ مَـا أوْهَنَـهُ

يَكَـادُ مِـنْ رِقّتِـهِ يَـنْـتَـثِـرُ

يا لَلْمُنَـى، أعَـنْ يَمِيـنٍ كاعِـبٌ

وَعَـنْ شِمَـالٍ كاعِـبٌ وَمُعْصِـرُ

فَمِنْ هُنَـا حَيْـثُ تَنَـدّى الزَّهَـرُ

وَمِنْ هُنَـا حَيْـثُ تَدَلّـى الثّمَـرُ

وَأَنْتَ لا تَألُـو دِعابـاً فِي الـهَوَى

شَـمٌّ وَتَقْبِيـلٌ وَأشْيَــا أُخَــرُ

قالوا الحِجَـازُ مُجْـدِبٌ لَمّا عَمُـوا

وَنُعْــمُ فِيـهِ رَوْضَـةٌ وَنَهَــرُ

إنْ زَقّتِ العُـودَ أنَاشِيـدَ الـهَوَى

حَـنّ لَهَـا العُـودُ وَجُـنّ الوَتَـرُ

أوْ صَفّقَـتْ لِلّهْـوِ فِـي أتْرَابِهَـا

مَاجَ لَهَا الـوَادي وَغَنّـى الشّجَـرُ

ألحُـبُّ مَذْبُـوحٌ عَلـى أقْدَامِهَـا

وَالحُسْـنُ فِـي ألْحَاظِـهَا يُكَبِّـرُ

تَعَـرّتِ الشَّمْـسُ عَلـى وَجْنَتِـهَا

وَانشَقّ .. لوْ تَعلَمْ أَيْـنَ .. القَمَـرُ

ألْعِنَـبُ الأحْمَـرُ مَسْفُـوحٌ عَلـى

شَفَتِـهَا، ما الأُقْحُـوَانُ الأصْفَـرُ؟

وَالوَرْدَةُ البَيْضَـاءُ أوْ قُـلْ نَهْدُهَـا

كَـأنّـهُ مِـنْ خُيَـلاءٍ يَسْكَــرُ

مِـنْ ثَمَـرِ الفِرْصَـادِ فِي ذُرْوَتِـهِ

الرّيّانَةِ المِعْطَـارِ «كِبْـشٌ» أحْمَـرُ

أوْ أَنّـهُ رَأسُ مَـلاكٍ أشْـقَــرٍ

يَحْمِلُـهُ صَـدْرٌ حَـنُـونٌ أشْقَـرُ

دَغْدَغَهُ أخُو هَـوًى ، فَمَـدّ مِـنْ

لِسَـانِـهِ وَرَاحَ شَهْـداً يَقْطُــرُ

لَوْ أنْصَفَ الشّعْـرُ، وَقَـدْ فَجّرْتَـهُ

جَـدَاوِلاً يَسْطَـعُ مِنْـهَا الشّـرَرُ

تُجَـذّفُ الأحْـلامُ فِـي ألْوَاحِـهِ

وَيَتَعَـرّى عِنْـدَهُـنَّ السّحَــرُ

لَوْ أنْصَـفَ الشّعْـرُ لَكُنْـتَ قُبْلَـةً

مَعْسُـولَـةً فِـي ثَغْـرِهِ يَا عُمَـرُ

أَوْ أنْصَفَتْ نُعْـمٌ، وَقَـدْ أبْرَزْتَهَـا

لِلْفِتْنَـةِ الكُبْـرَى مِثَـالاً يُـؤثَـرُ

فِي بِدْعَةٍ للشّعْـرِ لَم يَحْلُـمُ بِهَـا

قَيْـسٌ، وَلَـمْ يَنْهَـدْ لَهَـا كُثَيّـرُ

تَـدَاوَلَتْـهَا هَضْبَــةً فَهَضْبَــةٌ

وَنَـاوَلَتْـهَا لِلْخُلُـودِ الأعْصُــرُ

لَوْ أنْصَفَتْ لَكَشَفَـتْ عنْ صَدْرِهـا

تَـوَدُّ لَـوْ تُطْبَـعُ تِلْـكَ الأسْطُـرُ

وَصَـفّـقَـتْ لِعُـمَـرٍ قَـائِلَـةً

بِنَاظِـري الأسْـوَدِ هَـذَا الأسَمْـرُ

ألشّعْـرُ رُوحُ اللهِ فِـي شَـاعِـرِهِ

ذَلِـكَ يُـوحِيـهِ وَهَـذَا يَنْـشُـرُ

ألحِكْمَـةُ الغَـرّاءُ مِـنْ أسْمَـائِـهِ

وَعَـدْنُ مِـنْ أوْطَـانِـهِ وَعَبْقَـرُ

لَـهُ عَلـى الآفَـاقِ فَتْـحٌ زَاهِـرٌ

وَفِي عُبَـابِ الـمَاء فَتْـحٌ أزْهَـرُ

يُمْضِيهِـمَا مِنْـهُ خَـيَـالٌ مَـارِدٌ

أبُـو الفُتُوحَـاتِ الّـذِي لا يُقْهَـرُ

تَعَلّـقَ العِلْـمُ عَلـى أسْبَـابِــهِ

فَحَلّـقَ الطّـوْدُ وَقَـالَ الحَـجَـرُ

رِفْقاً أبَا الخَطّابِ ... جاوَزْتَ المُنَـى

فَهَلْ تَرَى فِي الأُفْقِ تاجـاً يُضْفَـرُ

أشْرِفْ مِن الذّرْوَةِ، كمْ فِي سَفحِـه

ألِلطّيْـرِ مِـنْ أجْنِحَـةٍ تَكَـسَّـرُ

ثَلاثَةٌ ما عِشْـتُ عاشَـتْ لِلْعُلـى

ألحُـبُّ ثُـمّ الشّعْـرُ ثُـمّ المِنْبَـرُ

لَـوْلاكَ وَالشّعْـرُ الّـذي أبْدَعْتَـهُ

مَـا نُعْـمُ، مـا دَوْرَانُ إلاّ أثَــرُ

مَا الحُسْنُ لَـوْلا الشّعْـرُ إلاّ زَهْـرَةٌ

يَلْهُـو بِهَـا فِي لَحْظَتَيْـنِ النّظَـرُ

لَكِنّــهَا، إنْ أدْرَكَتْــهَا رِقّـةٌ

مِـنْ شَاعِـرٍ، أوْ دَمْعَـةٌ تَنْحَـدِرُ

سَالَتْ دِمَاءُ الخُلْـدِ فِـي أوْرَاقِهَـا

وَنَـامَ تَحْـتَ قَـدَمَيْـهَا القَـدَرُ

 


رثاء شوقي

قِفْ فِي رُبَى الخُلْدِ وَاهْتِـفْ باسْـمِ

شاعرِهِ فَسِدْرَةُ المُنْتَهَى أدْنَى مَنَابِـرِهِ

وَامْسَحْ جَبينَكَ بالرُّكْنِ الذي انبَلَجتْ

أشِعّةُ الوَحْيِ شِعْـراً مِـنْ مَنَائِـرِهِ

إلاهَةُ الشّعْرِ قَامَـتْ عَـنْ مَيَامِنِـهِ

وَرَبّةُ النّثْـرِ قامَـتْ عَـنْ مَيَاسِـرِهِ

وَالحُورُ قَصّتْ شُذُوراً مِنْ غَدَائِرِهَـا

وَأرْسَلَتْـهَا بَدِيـلاً مِـنْ سَتَائِـرِهِ

أتْرَابُ مَرْيَـمَ تَلْهُـو فِـي خَمَائِلِـهِ

وَرَهْطُ جِبْرِيلَ يَحْبُو فِـي مَقاصِـرِهِ

وَالمُلْهَمُونَ بَنُـو «هومِيرَ» ما ترَكـوا

لَمَّا أهَـلَّ لَهُـمْ سَجْـعاً لِطَائِـرِهِ

قالَ المَلائِكُ: مَنْ هذا؟ فقِيـلَ لَهُـمْ

هَذا هَوَى الشّرْقِ هذا ضَوْءُ ناظِـرِهِ

هَذا الّذي نَظَمَ الأرْوَاحَ فانْتَظَمَـتْ

عِقْداً مِنَ الحُبّ سِلْكٌ مِن خَوَاطِـرِهِ

هَذا الّذي رَفَع الأهْـرَامَ مِـنْ أدَبٍ

وَكانَ فِي تَاجِـهَا أغْلـى جَوَاهِـرِهِ

هَذا الّذي لَمَـسَ الآلامَ فابْتَسَمَـتْ

جِرَاحُهَا ثُمّ ذَابَـتْ فِـي مَحَاجِـرِهِ

كَمْ فِي ثُغُورِ العَذارَى مِـنْ بَوَارِقِـهِ

وَفِي جُفُونِ اليَتَامَـى مِـنْ مَوَاطِـرِهِ

سَلْ جَنّةَ الخُلْدِ كَمْ وَدّتْ أزَاهِرُهَـا

لَوِ اسْتَحالَتْ عَبِيـراً فِـي مَجَامِـرِهِ

وَصَادِحُ الطّيرِ لَوْ سَالَـتْ حَنَاجِرُهَـا

مَعَ الصّبَاحِ نَشيـداً فِـي مَزَاهِـرِهِ

وَالزُّهْـرُ لَوْ كُـنّ أزْرَاراً مُفَضَّضَـةً

عَلى الذّيُولِ الضّوَافِـي مِنْ مَـآزِرِهِ

مَا بَلْدَةٌ سَعِـدَتْ بِالنّهْـرِ يَغْمُرُهَـا

بِكُلّ أزْهَرَ حَالِـي العُـودِ نَاضِـرِهِ

بِالبُلْبِـلِ المُتَغَنّـي فِـي مَـلاعِبِـهِ

وَالسّنْبُـلِ المُتَثَنّـي فِـي غَدائِـرِهِ

بِالحَقْلِ تَرْعَى بِـهِ القُطْعـانُ هَانِئَـةً

وَالنّحْلُ يَرْضَعُ مِنْ ثَدْيَـيْ أزَاهِـرِهِ

يَسْتَقْبِـلُ الفَجْـرَ أهْلُـوهَا بِغُرّتِـهِ

وَيُغْرِقُـونَ اللَّيَالِـي فِـي سَرَائِـرِهِ

نَامُوا عَلى سُرُرِ الأعْـرَاسِ وَانْتَبَهُـوا

عَلى صَبَاحٍ بَكـيّ الطّـرْفِ غَائِـرِهِ

عَلى مَآتِمَ مِنْ طَيـرٍ وَمِـنْ شَجَـرٍ

خَرْسَاءَ كالقَبْرِ غَرْقَى فِـي دَياجِـرِهِ

يَا لَلرّزِيّـةِ ... غَالَ النّهْـرَ غَائِلُـهُ

وَغَارَ فِي لَهَـوَاتٍ مِـنْ هَوَاجِـرِهِ

فَلا الصّبَاحُ ضَحُوكٌ فِـي شَوَاطِئِـهِ

وَلا المَسَـاء لَعُـوبٌ فِـي جَزَائِـرِهِ

وَأسْلَـمَ الزّهْـرُ أجْيَـاداً مُنَضَّـرَةً

لِلشّوْكِ جَفّتْ عَلى دَامـي أظَافِـرِهِ

وَالنّاسُ فِي غَمْـرَةٍ عَمْيَـاءَ لا وَتَـرٌ

لِنَاشِـدِيـهِ، وَلا نَجْـمٌ لِسَامِـرِهِ

ما الخَطْبُ بالنّهْرِ مُجْرِي الرُّوحَ فِي بَلَدٍ

فَرْدٍ رَقِيقِ حَواشِـي الذّكْـرِ داثِـرِهِ

كالخَطْبِ يَذْوِي لَهُ كَـوْنٌ بِجُمْلَتِـهِ

إذا أصَابَ الـرّدَى شَعْبـاً بِشَاعِـرهِ

مَا لِلْمَلاعِـبِ فِـي لُبْنَـانَ مُقْفِـرَةً

وَلِلْمَنَاهِـلِ عُطْـلاً مِـنْ حَرَائِـرِهِ

وَلِلْمَـآذِنِ فِـي الفَيْحَـاء كَاسِفَـةً

كَخَاشِعِ السّرْوِ فِي داجـي مَقَابِـرِهِ

وَلِلأصَـائِـلِ وَالأسْحَـارِ أثْخَنَـهَا

عَاتٍ مِنَ الرّيـحِ إرْهَاقـاً بِحَافِـرِهِ

وَلِلْـجَـدَاوِلِ أنّـاتٌ مُجَـرَّحَـةٌ

كَأنّهَا حَمَـلٌ فِـي كَـفّ نَاحِـرِهِ

وَلِلنّدَى فِي الثّرَى جَهْشٌ وَوَسْوَسَـةٌ

كَأنّهَـا هَمَسَـاتٌ فِـي ضَمَائِـرِهِ

أوْدَى القَرِيضُ فَلِلأحْزًّانِ ما لَبِسَـتْ

عَلى سَلِيلِ الـدّرَارِي مِـنْ عَبَاقِـرِهِ

شَوْقي أتَذْكُرُ إذْ «عاليـه» مَوْعِدُنَـا

نِمْنَا وَمَا نَـامَ دَهْـرٌ عَـن مَقـادِرِهِ

وَأنْتَ تَحْتَ يَدي الآسـي وَرَأفَتِـهِ

وَبَيْنَ كُلَ ضَعِيـفِ القَلْـبِ خائِـرِهِ

وَلابْتِسَـامَتِـكَ الصّفْـرَاءِ رِجْفَتُـهَا

كالنّجْمِ خَلْفَ رَقِيقٍ مِـنْ سَتَائِـرِهِ

وَنَحْنُ حَوْلَكَ عُكّـافٌ عَلى صَنَـمٍ

فِي الجاهِلِيّةِ ماضي البَطْـشِ قاهِـرِهِ؟

سألْتَنِيهِ رِثَاءً ... خُذْهُ مِـنْ كَبِـدي

لا يُؤخَذُ الشيءُ إلاّ مِـنْ مَصَـادِرِهِ

تَغَرّبَ الحُسْنُ وَالإحْسَـانُ فالْتَمَسَـا

وَجْهاً مِنَ الأرْضِ هَشّاشـاً لِزَائِـرِهِ

لا يَسْتَوِي المَجْـدُ إلاّ فِـي مَفَارِقِـهِ

وَلا يُصَـفّـقُ إلاّ فِـي ضَفَـائِـرِهِ

مَـا غَـادَرَا بَلَـداً إلاّ إِلَـى بَلَـدٍ

وَالحَرُّ يُلْهِـبُ مِنْ خَـدّيْ مُسَافِـرِهِ

حَتّى أطَلاّ عَلـى مِصْـرِ فَرَاعَهُـمَا

مَا زَخْرَفَ النّيلُ مِنْ إبْداعِ ساحِـرِهِ

فَألْقَيَا بِعَصَـا التّرْحَـالِ وَاعْتَصَـمَا

بِضِفِّتَيْـهِ وَهَامَـا فِـي حَوَاضِـرِهِ

فَأُطْعِمَ الجُودُ مِـنْ كَفّـيْ قَسَـاوِرِهِ

وَأُشْرِبَ الحُسْنُ مِنْ عَيْنَـيْ جَـآذِرِهِ

يا مِصْرُ مَا انْفَتَحَتْ عَينٌ عَلى حَسَـنٍ

إلاّ وَأطْلَعْـتِ ألْفـاً مِـنْ نَظَائِـرِهِ

وَلا تَفَتّـقَـتِ الأفْكَـارُ عَـنْ أدَبٍ

إلاّ وَأنْبَـتِّ رَوْضـاً مِـنْ بَوَاكِـرِهِ

لُبْنَانُ يَا مِصْرُ مِصْـرٌ فِـي مَطَامِحِـهِ

كَما عَلِمْتِ وَمِصْـرٌ فِـي مَفَاخِـرِهِ

هَلْ كَانَ قَلْبُـكِ إلاّ فِـي جَوَانِحِـهِ

أوْ كانَ دَمْعُـكِ إلاّ فِـي مَحَاجِـرِهِ

أوْ كانَ مَنْبِتُ مِصْـرٍ غَيـرَ مَنْبِتِـهِ

أوْ كانَ شاعِرُ مِصْر غَيـرَ شاعِـرِهِ؟

قِيثَارَةَ النِّيـلِ كَـمْ غَنّيْـتِ قَافِيَـةً

فِي مِسْمَعِ الدّهْرِ مَسْـرَاهَا وَخَاطِـرِهِ

لَوْ عَادَ فِرْعَـوْنَ كانَتْ مِنْ ذَخَائِـرِهِ

أوْ خُتّمَ الخُلْـدُ كانَتْ فِي خَنَاصِـرِهِ

 


نهر الفيدار

وَقَفْتُ على الفِيدَارِ وِقْفَـةَ شَاعِـرٍ

يَبِينُ لَهُ بَدْرُ السّمَـا، ثـمّ يَختفَـي

فقلتُ لهُ: يا بَدْرُ، هلْ أنتَ طالِـبٌ

لثأرٍ، وَإلاّ، إثْرَ مَنْ أنـتَ تَقْتَفـي؟

تُطِلُّ عَلى الوَادي، كأنّـكَ رَاقِـبٌ

حَبيبَينِ، تَبغي هَتـكَ سرّهما الخَفـي

وَما استَبطَنَ الوَادي سِوَى ماءِ جدوَلٍ

يدبُّ دَبِيبَ الرّوحِ فِي جسْمِ مُدْنَفِ

كَـأنّ أنِيـنَ المَـاءِ زَفْـرَةُ مُغْـرَمٍ

تَغَلغَلَ فِي قِطْعٍ منَ اللّيـلِ مُغـدِفِ

إذا صَافَحَ الحَصْباءَ، فاضَتْ شُؤونُـهُ

وَأنَّ أنِيـنَ الـوَامِـقِ الـمُتَلَهّـفِ

هُنَاكَ عَلى الفِيـدارِ للفِكْـرِ جَوْلَـةٌ

خَيَاليّةٌ، إنْ رَامَهَا الطّرْفُ ، يطـرفِ

تُنَاجِيكَ أسْـرَارُ الطّبِيعَـةِ بالّـذي

تُنَاجي بِهِ نَفْـسَ الفَتَـى المُتَفَلْسِـفِ

وَتَقْرَأُ فِي صَـدْرِ الزّمَـانِ صَحيفَـةً

مِنَ الأنجُمِ الزّهرَاء، خُطّتْ بأحـرُفِ

شُمُوعٌ تُنيرُ البَـدْرَ شَـرْخَ شَبابِـهِ

صَرِيعاً، وَمَهما يرْجُفِ الجفنُ، ترْجُفِ

خَوَافِقُ كالقَلبِ الذي ضَرَبَ الهـوَى

بأوْتـارِهِ، أوْ كالجَنـاحِ المُرَفْـرِفِ

يَحُمْنَ على الفِيدارِ حومَـةَ ظامـىء

فيَطْبَعنَ فيهِ مرْشفاً جَنـبَ مرْشـفِ

فَفي الماء مِنْ زُهْرِ النّجُـومِ سَوَافِـرٌ

سَوَابحُ فِي رَقْرَاقِهِ، لَيـسَ تَنْطَفـي

إذا ما أطَلَ البَدرُ ، غَيّبَـهَا السّنَـى

كأنّ لسانَ البَدرِ قالَ لَها : اختَفـي

كأنجُمِ هذا الأُفقِ فِي الشّـرْقِ أُمّـةٌ

مَتَى يَدُها تلمسْ حشا الدّهرِ، يرْجفِ

تمشّتْ على هامِ العُصُورِ، وَما اهتَدتْ

بغيرِ فَتًى ماضي الصّفيحَـةِ مُرْهَـفِ

إذا أطْلَعَتْ شَمسَ الفخارِ سَماؤهـا

وَقابَلَها بَدْرٌ مِنَ الغَـرْبِ، يُخسَـفِ

تمشّتْ بِنا قِدْمـاً، وَبَعْـدَ انْطِلاقِنَـا

وَقَفْنَا، فَلَـمْ نُقْـدِمْ وَلَـمْ نَتَخَلّـفِ

جمدنا، كأنّا لَمْ نَـذُقْ لـذّةَ العُلَـى

وَلَم نُعْتَقَلْ يَـوْمَ الوَغَـى بِمُثَقَّـفِ

وَكُنّا مَتَى يَستَصرِخِ المَجـدُ نَقْتَحـمْ

وَكُنّا مَتَى يَسْتَصْرِخِ الضّيـمُ نأنَـفِ

فَحَطّتْ بِنَا الأيّـامُ مِن رَأسِ شاهِـقٍ

مُطِلٍّ على غُـرّ المَحَامِـدِ مُشـرِفِ

هُنا سَقَطَتْ مِنْ مُقلَةِ الأُفْـقِ دَمعـةٌ

علـى أمَـلِ ذاوٍ وَوَعْـدٍ مُسَـوَّفِ

 


أتَتْ هِنْـدُ تَشْكُـو

أتَتْ هِنْـدُ تَشْكُـو إِلَـى أُمّهَـا

فَسُبْحَـانَ مَـنْ جَمَـعَ النَّيِّرَيـنْ

فَقَالَـتْ لَهَا، إنّ هَـذا الضُّحَـى

أتَـانِـي وَقَبّلَنــي قُبْلَتَيْــنْ

وَفَـرّ فَلَـمّا رَآنِـي الـدُّجَـى

حَبَانِـيَ مِـنْ شَعْـرِهِ خُصْلَتَيـنْ

وَمَا خَـافَ يَا أُمِّي بَـلْ ضَمّنـي

وَألْقَى عَلَـى مَبْسِمـي نَجْمَتَيـنْ

وَذَوّبَ مِـنْ لَـوْنِـهِ سَـائِـلاً

وَكَحّلَنـي مِنْـهُ فِـي المُقْلَتَيـنْ

وَجِئْتُ إِلَى الرّوْضِ عندَ الصَّبـاحِ

لأحْجُبَ نَفْسِيَ عَنْ كُـلّ عَيـنْ

فَنادَانِـيَ الـرّوْضُ يا رَوْضَتـي

وَهَـمَّ لِيَفْـعَـلَ كَـالأوّلَيــنْ

فَخَبّـأتُ وَجْـهـي، وَلَكِـنّـهُ

إِلَى الصّدْرِ يَا أُمِّـي مَـدَّ اليَدَيْـنْ

وَيا دَهْشَتِي حِينَ فَتّحـتُ عَيْنـي

وَشَاهَدْتُ فِي الصّـدْرِ رُمّانَتَيـنْ

وَمَا زَالَ بِي الغُصْنُ حَتّى انْحَنَـى

عَلى قَدَمـي سَاجِـداً سَجْدَتَيـن

وَكَـانَ عَلـى رَأسِـهِ وَرْدَتَـانِ

فَقَـدّمَ لِـي تَيْنِـكَ الوَرْدَتيـنْ

وَخِفْتُ مِنَ الغُصْـنِ إذْ تَمْتَمَـتْ

بِـأُذْنَـي أوْرَاقُــهُ كِلْمَتَيـنْ

فَرُحْـتُ إِلَـى البَحْـرِ للابْتِـرَادِ

فَحَمّلَنـي، وَيْحَـهُ، مَـوْجَتَيـنْ

فَمَـا سِـرْتُ إلاّ وَقَـدْ ثَـارَتَـا

بِرِدْفَـيّ كالبَحْـرِ رَجْـرَاجَتَيـنْ

هُوَ البَحْـرُ يا أُمِّ، كَـم مِن فَتًـى

غَرِيقٍ وكَم مِنْ فَتًـى بَيـنَ بَيـنْ

فَهَا أنَا أشْكُـو إلَيْـكِ الجَميـعَ

فَبِـاللهِ يـا أُمِّ مـاذا تَـرَيْـنَ ؟

فَقَالَتْ، وَقَـدْ ضَحِكَـتْ، أُمُّـها

وَماسَتْ منَ العُجْبِ فِي بُرْدَتَيـنْ

عَـرَفْتُهُــمُ وَاحِـداً وَاحِـداً

وَذُقْـتُ الَّـذي ذُقْتِـهِ مَرّتَيـنْ

 


ثورة فلسطين

سَـائِـلِ العَلْيَـاءَ عَنّـا وَالزَّمَانَـا

هَلْ خَفَرْنَـا ذِمّـةً مُـذْ عَرَفَانَـا

ألـمُرُوءاتُ الَّتِـي عَاشَـتْ بِنَـا

لَمْ تَزَلْ تَجري سَميـراً فِي دِمَانَـا

ضَحِكَ المَجْـدُ لَنَـا لَمَّـا رَآنَـا

بِـدَمِ الأبْطَـالِ مَصْبُوغـاً لِوَانَـا

عُرُسُ الأحْرَارِ، أن تسقي العِـدى

أكْؤساً حُمْـراً وَأنْغَامـاً حَزَانَـى

ضَجّتِ الصَّحْرَاءُ تَشْكُـو عُرْيَهَـا

فَكَسَـوْنَـاهَـا زَئِيـراً وَدُخَانَـا

مُذْ سَقَيْنَاهَـا العُلـى مِـنْ دَمِنَـا

أيْقَنَـتْ أنّ مَعَـدّاً قَـدْ نَمَـانَـا

انْشُرُوا الـهَوْلَ، وَصُبّوا نارَكـمْ

كَيْفَما شِئتُمْ فلَـنْ تَلقَـوْا جَبَانَـا

غَـذّتِ الأحْـداثُ مِنّـا أنْفُسـاً

لَمْ يَزِدْهـا العُنْـفُ إلاّ عُنْفُوَانَـا

شَـرَفٌ لِلْمَـوْتِ أنْ نُطْعِـمَـهُ

أنْفُسـاً جَبّـارَةً تَأبَـى الهَـوَانَـا

وَرْدَةٌ مِـنْ دَمِنَـا فِـي يَــدِهِ

لَوْ أتَى النّارَ بِهَـا حالَـتْ جِنانَـا

يـا جِهَـاداً صَفّـقَ المَجْـدُ لَـهُ

لَبِـسَ الغَـارُ عَلَيْـهِ الأُرْجُوَانَـا

شَـرَفٌ بَاهَـتْ فِلَسْطِيـنٌ بِـهِ

وَبِنَـاءٌ لِلْمَعَـالِـي لا يُـدَانَـى

إنّ جُرْحاً سَـالَ مِـنْ جَبْهَتِـهَا

لَثَمَـتْـهُ بِخُـشُـوعٍ شَفَتَـانَـا

وَأنِينـاً باحَـتِ النّجْـوَى بِـهِ

عَـرَبِيّـاً... رَشَفَتْـهُ مُقْلَتَـانَـا

نَحْنُ يا أُخْتُ، على العَهْدِ الـذي

قَدْ رَضِعْنَـاهُ مِـنَ المَهْـدِ كِلانَـا

يَثْـرِبٌ والقُـدْسُ مُنْـذُ احْتَلَمَـا

كَعْبَتَانا، وَهَـوَى العُـرْبِ هَوَانَـا

قُمْ إِلَى الأبطالِ نَلْمُـسْ جُرْحَهـمْ

لَمْسَـةً تَسْبَـحُ بالطّيـبِ يَدَانَـا

قُمْ نَجُعْ يَوْماً مـنَ العُمْـرِ لَهُـمْ

هَبْهُ صَوْمَ الفِصْحِ، هَبـهُ رَمَضَانَـا

إنّمَـا الحَـقُّ الّـذي مَاتُـوا لَـهُ

حَقُّنَا، نَمْشِـي إلَيْـهِ أيْـنَ كَانَـا

لُبْنَـانُ عِيـدٌ مـا أرَى أمْ مَأتَـمُ

للهِ أنْـتَ وَجُـرْحُـكَ المُتَبَسِّـمُ

عَصَرُوا دُمُوعَكَ وَهْيَ جَمْـرٌ لاذعٌ

يَتَنَوّرُونَ بِهَـا وَصُبْحُـكَ مُظْلِـمُ

قُـلْ للرّئِيـسِ إذا أتَيْـتَ نَعِيمَـهُ

إنْ يَشْقَ رَهْطُكَ فَالنّعِيـمُ جَهَنّـمُ

أيُطَوِّفُ السَّاقِـي هُنَـا بكُؤوسِـهِ

وَيُزَمْجِرُ الجَانِـي هُنَـاكَ وَيُـرزِمُ

تَعْرَى الصّدُورُ هُنا على قُبَلِ الْهَوَى

وَهُنَـاكَ عَارِيَـةٌ تَنُـوحُ وَتَلْطِـمُ

وَالكَهْرُباءُ هُنَـا تَشِـعُّ شُمُوسُهَـا

وَسِرَاجُ أكْثَـرِ مَن هُنـاكَ الأنجُـمُ

لُبْنَانُ يا بَلَـدَ السّذاجَـةِ وَالوَفَـا

حُلُمٌ ... وَهَلْ غَيرُ الطّفولةِ يَحْلُـمُ

هَذا حَصِيـرُكَ وَالحُبَيْبَـاتُ الَّتِـي

كانَتْ غِذاءَكَ وَاللّحَـافُ المُبْهَـمُ

بِيعَتْ لِتُهْرَقَ فِي الكُؤوسِ مُدامَـةً

هِيَ .. لا رَوَتْهُمْ ... أنْفُس تَتَألّـمُ

لُبْنَانُ يا بَلَـدَ السّذاجَـةِ وَالوَفَـا

حُلُمٌ .. وهلْ غَيرُ الطّفولةِ يَحْلُـمُ

كَبِرَ الزّمَـانُ وَلا تَـزَالُ كَأمْسِـهِ

فَعَسَاكَ تَكْبَـرُ أوْ لَعَـلّكَ تُفْطَـمُ

زَمَنٌ بِهِ تُشْقي الفَضَـائِلُ أهْلَـهَا

الصّدْقُ يَقْتُـلُ وَالـمُرُوءة تُعْـدِمُ

لُبْنَانُ شَاعِـرُكَ الّـذي غاضَبْتَـهُ

تَرَكَ العِتَـابَ وَقَدْ أتَـاكَ يُسَلِّـمُ

صَدّاحُكَ الشَّـادِي عَلى هَضَبَاتِـهِ

كَمْ «مَعْبَـدٍ» فِي عُـودِهِ يَتَرَنّـمُ

هُوَ فِي كِلا حالَيْكَ أنْـتَ غَرَامُـهُ

وَعَلى كِـلا حالَيْـهِ ذاكَ المُغْـرَمُ

 


بَلّغُـوهَـا

بَلّغُـوهَـا إذا أتَيْتُـمْ حِمَـاهَـا

أنَّنـي مُـتُّ فِي الغَـرَامِ فِداهَـا

وَاذْكُرُونِـي لـهَا بِكُـلّ جَمِيـلٍ

فَعَسَاهَـا تَبْكِـي عَلـيَّ عَسَاهَـا

وَاصْحَبُوهـا لِتُرْبَتـي، فَعِظامـي

تَشْتَهـي أنْ تَـدُوسَهَـا قَدَمَاهَـا

لَمْ يَشُقْنـي يَـوْمُ القِيامَـةِ، لَـوْلا

أمَـلـي أنّنـي هُـنَـاكَ أرَاهَـا

وَلَـوَ انَّ النَّعِيـمَ كـانَ جَزَائـي

فِي جِهادي وَالنَّارَ كانَـتْ جَزَاهـا

لأتَيْتُ الإلَـهَ زَحْفـاً، وعَفّـرْتُ

جَبينـيَ كَـيْ أسْتَمِيـلَ الإلَهَـا

وَمَلأتُ السَّمَاء شَكْـوَى غَرَامـي

فَشَغَلْـتُ الأبْـرَارَ عَـنْ تَقْوَاهَـا

وَمَشَى الحُبُّ فِي المَلائِـكِ، حَتّـى

خَـافَ جِبْرِيـلُ مِنْهُـمُ عُقْبَاهَـا

قُلْـتُ: يا رَبّ، أيُّ ذَنْـبٍ جَنَتْـهُ

أيُّ ذَنْبٍ لَقَـدْ ظَلَمْـتَ صِبَاهَـا

أنتَ ذَوّبْتَ فِي مَحاجِرِها السّحْـرَ

وَرَصّعْـتَ بِالـلآلـىء فَـاهَـا

أنْتَ عَسّلْتَ ثَغْرَها فقُلوبُ النَّـاس

نَـحْـلٌ أكْمَـامُهَـا شَفَتَـاهَـا

أنتَ مِنْ لَحْظِهَا شَهَـرْتَ حُسامـاً

فَبَـرَاءٌ مِـنَ الـدّمَـاء يَـدَاهَـا

رَحمـةً رَبّ، لَستُ أسـألُ عَـدْلاً

رَبّ خُذْنِي إنْ أخطـأتْ بِخُطَاهَـا

دَعْ سُلَيْمَى تكونُ حَيـثُ تَرَانِـي

أوْ فَدَعْنِي أكُـونُ حَيـثُ أرَاهَـا

 


الصِّـبَا وَالجَمَـال

الصِّـبَا وَالجَمَـالُ مُـلْكُ يَدَيْـكِ

أيُّ تَـاجٍ أعَـزُّ مِـنْ تَاجَـيْـكِ

نَصَـبَ الحُسْـنُ عَرْشَـهُ فَسَألنَـا

مَـنْ تُرَاهَـا لـهُ فَـدَلَّ عَلَيْـكِ

فَاسْكُبِي روحَـكِ الحَنـونَ عَلَيْـهِ

كَانْسِكَابِ السَمَاءِ فِـي عَيْنَيْـكِ

كُلَّمَـا نَافَـسَ الصِّـبَا بِجَمَـالٍ

عَبْقَـريِّ السَّـنَا نَمَّـاهُ إلَـيْـكِ

مَـا تَغَنّـى الهـزارُ إلاّ لِيُلْـقِـي

زَفـرَاتِ الغَـرَامِ فِـي أُذُنَـيْـكِ

سَكِرَ الـرَّوضُ سَكْـرَةً صَرَعَتْـهُ

عِنْدَ مَجْرَى العَبِيـر مِنْ نَهدَيْـكِ

قَتَلَ الوَرْدُ نَفْسَـهُ حَسَـداً مِنْـكِ

وَألْـقَـى دِمَـاهُ فِـي وَجْنَتَيْـكِ

وَالفَرَاشَـاتُ مَلَّـتِ الزَّهـرُ لَمَّـا

حَدَّثَتْهَا الأنْسَـامُ عَـنْ شَفَتَيْـكِ

رَفَعُـوا مِنْـكِ للجَـمَـالِ إلَهـاً

وَانْحَنَوْا سُجَّـداً عَلَـى قَدَمَيْـكِ

 


جَفْـنُـهُ عَلّـمَ الـغَـزَل

جَفْـنُـهُ عَلّـمَ الـغَـزَلْ

وَمِـنَ العِلْـمِ مـا قَتَـلْ

فَحَـرَقْنَـا نُـفُـوسَنَـا

فِي جَحِيـمٍ مِـنَ القُبَـلْ

وَنَشَـدْنَـا، وَلَـمْ نَـزَلْ

حُلُـمَ الحُـبّ وَالشّبَـابْ

حُلُـمَ الـزّهْـرِ وَالنّـدَى

حُلُـمَ اللَّهْـوِ وَالشّـرَابْ

هَاتِهَـا مِنْ يَـدِ الرِّضـى

جُرْعَـةً تَبْعَـثُ الجُنُـونْ

كيفَ يَشْكُـو مِنَ الظّـمَا

مَـنْ لَـهُ هَـذِهِ العُيُـونْ

يـا حَبيبِــي ، أكُلّمَـا

ضَمّنَـا لِلْهَـوَى مَكَـانْ

أشْعَلُـوا النّـارَ حَـوْلَنَـا

فَغَـدَوْنَـا لـهَا دُخَـانْ

قُلْ، لِمَـنْ لامَ فِي الـهوَى

هَكذَا الحُسْـنُ قَـدْ أمَـرْ

إنْ عَشِقْنـا... فعُـذْرُنَـا

أنَّ فِـي وَجْهِنـا نَـظَـرْ

 


 شَاعِـرُ الأطْيَـار

يا هِنْدُ قَدْ ألِفَ الخَميلَـةَ بُلْبُـلٌ

يَشْدُو فتَصْطَفِقُ الغُصُونُ وَتَطرَبُ

تَتَعَشّقُ الأزْهَارُ عَـذْبَ غِنَائِـهِ

فإذا شَدَا فبكُلّ ثَغْـرٍ كَوْكَـبُ

وَالغُـصْـنُ وَالأوْرَاقُ آذَانُ لَـهُ

مَاذا تُرَى فِيهَا النّسيـمُ يُتَبْتِـبُ

هُوَ شَاعِـرُ الأطْيَـارِ لا مُتَكَبِّـرٌ

صَلِفٌ وَلا هُوَ بِالإمَارَةِ مُعْجَـبُ

وَإذا الضّحَى، لَمَعَتْ بَوَارِقُ ثَغْرِهِ

نَادَى بِأجْنَادِ الطّيُـورِ، تَأهّبُـوا

فَسَمِعْتَ لِلأطْيَارِ مُوسيقَى، على

نَغَمَاتِهَا يَأتِي النّهَـارُ وَيَذْهَـبُ

وَالصّوْتُ مَوْهِبَةُ السّمَاء، فَطائِـرٌ

يَشْدُو عَلى غُصُنٍ، وَآخَرُ يَنْعَـبُ

وَسَعَوْا بِهِ، فإذا الهَـزَارُ مُقَفَّـصٌ

وَالبُومُ مُنْطَلِقُ الجَوَانِـحِ يَلعَـبُ

يا هِنْدُ، إنّي كالهَزَارِ، فإنْ يكُـنْ

هُوَ مُذْنِباً فأنَا كَـذَلِكَ مُذْنِـبُ

 


أتَتْ هِنْـدُ تَشْكُـو

أتَتْ هِنْـدُ تَشْكُـو إِلَـى أُمّهَـا

فَسُبْحَـانَ مَـنْ جَمَـعَ النَّيِّرَيـنْ

فَقَالَـتْ لَهَا، إنّ هَـذا الضُّحَـى

أتَـانِـي وَقَبّلَنــي قُبْلَتَيْــنْ

وَفَـرّ فَلَـمّا رَآنِـي الـدُّجَـى

حَبَانِـيَ مِـنْ شَعْـرِهِ خُصْلَتَيـنْ

وَمَا خَـافَ يَا أُمِّي بَـلْ ضَمّنـي

وَألْقَى عَلَـى مَبْسِمـي نَجْمَتَيـنْ

وَذَوّبَ مِـنْ لَـوْنِـهِ سَـائِـلاً

وَكَحّلَنـي مِنْـهُ فِـي المُقْلَتَيـنْ

وَجِئْتُ إِلَى الرّوْضِ عندَ الصَّبـاحِ

لأحْجُبَ نَفْسِيَ عَنْ كُـلّ عَيـنْ

فَنادَانِـيَ الـرّوْضُ يا رَوْضَتـي

وَهَـمَّ لِيَفْـعَـلَ كَـالأوّلَيــنْ

فَخَبّـأتُ وَجْـهـي، وَلَكِـنّـهُ

إِلَى الصّدْرِ يَا أُمِّـي مَـدَّ اليَدَيْـنْ

وَيا دَهْشَتِي حِينَ فَتّحـتُ عَيْنـي

وَشَاهَدْتُ فِي الصّـدْرِ رُمّانَتَيـنْ

وَمَا زَالَ بِي الغُصْنُ حَتّى انْحَنَـى

عَلى قَدَمـي سَاجِـداً سَجْدَتَيـن

وَكَـانَ عَلـى رَأسِـهِ وَرْدَتَـانِ

فَقَـدّمَ لِـي تَيْنِـكَ الوَرْدَتيـنْ

وَخِفْتُ مِنَ الغُصْـنِ إذْ تَمْتَمَـتْ

بِـأُذْنَـي أوْرَاقُــهُ كِلْمَتَيـنْ

فَرُحْـتُ إِلَـى البَحْـرِ للابْتِـرَادِ

فَحَمّلَنـي، وَيْحَـهُ، مَـوْجَتَيـنْ

فَمَـا سِـرْتُ إلاّ وَقَـدْ ثَـارَتَـا

بِرِدْفَـيّ كالبَحْـرِ رَجْـرَاجَتَيـنْ

هُوَ البَحْـرُ يا أُمِّ، كَـم مِن فَتًـى

غَرِيقٍ وكَم مِنْ فَتًـى بَيـنَ بَيـنْ

فَهَا أنَا أشْكُـو إلَيْـكِ الجَميـعَ

فَبِـاللهِ يـا أُمِّ مـاذا تَـرَيْـنَ ؟

فَقَالَتْ، وَقَـدْ ضَحِكَـتْ، أُمُّـها

وَماسَتْ منَ العُجْبِ فِي بُرْدَتَيـنْ

عَـرَفْتُهُــمُ وَاحِـداً وَاحِـداً

وَذُقْـتُ الَّـذي ذُقْتِـهِ مَرّتَيـنْ

 


 مَا للشّفَـاهِ الكَسَالَـى

مَا للشّفَـاهِ الكَسَالَـى لا تُزَوّدُنَـا

فَقَدْ حَمَلْنَا عَلـى أفْوَاهِنَـا القِرَبَـا

بِمُهْجَتِـي شَفَـةٌ مِنْهُـنّ باخِلَـةٌ

جارَانِ، تَحْسَبُنَا إنْ تَلْقَنـا، غُرَبَـا

أهُمُّ بالنّظْرَةِ العَجْلـى وَأمْسِكُهَـا

إذا قَرَأتُ عَلى ألْحاظِهَـا الغَضَبَـا

أفْدي الشّفَاهَ الَّتِي شَاعَ الرَّحِيقُ بِهَا

وَهمّ بِالكَأسِ ساقِيهـا وَما سَكَبَـا

أأمْنَعُ الشّفَةَ الدّنْيا، وَلَوْ طَمَحَـتْ

نَفْسِي إِلَى شَفَةِ الفِرْدَوْسِ ما انحجبَا

وَيُمْطِرُ الضّيْمُ فِي أرْضِي وَأشرَبُـهُ

وَكُنتُ لا أرْتَضِي أنْ أشرَبَ السُّحُبَا

ذَرِ اللّيَالِـيَ تُمْعِـنْ فِي غَوَايَتِهَـا

فَقَدْ حَشَدْتُ لَهَا الأخْلاقَ وَالعَرَبَـا

خُذِ الطّرِيقَ الذي يَرْضَى الفُؤادُ بِـهِ

وَلا تَخَفْ ، فَقَديماً ماتَـتِ الرُّقَبَـا

وَاسْكُبْ على رَاحَتَيْها رَوْحَ عاشِقِها

وَمُصّ مِنْ شَفَتَيْها الشِّعـرَ وَالعِنَبَـا

 


غصة السراب

لُبْنَانُ ما لَكَ إنْ غمَزْتُكَ تَغضَـبُ

أيَجِدّ غَيرُكَ فِي الحَيَـاةِ وَتَلْعَـبُ

إنّي هَززْتُكَ فِي البَلاء فَلَمْ أجِـدْ

عَزْماً يَفُـلّ وَلا إبَـاءً يَغْضَـبُ

أمّا الشّعُوبُ فَقَدْ تَألّفَ شَمْلُـهَا

فَمَتَى يُؤلَّفُ شَعْبُـكَ المُتَشَعِّـبُ

نَضَبَتْ مَوَارِدُهُ وَجَـفّ أدِيْمُـهُ

وَتَقَلّـصَ الرّيّـانُ وَالمُعشَوْشِـبُ

كمْ مَوْرِدٍ لكَ فِي السّرَابِ وَغُصّةٍ

أرَأيتَ كيفَ يَغَصّ مَنْ لا يَشرَبُ؟