البحتري

 

هو الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي أبو عبادة البحتري

من شعراء العصر العباسي

ولد سنة 206 هـ / 821 م ـ توفي سنة 284 هـ / 897 م

 

أَجِدَّكَ مَا يَنفَـكُّ

أَجِدَّكَ مَا يَنفَـكُّ يَسـرِي لِزَينَبـا

خَيـالٌ إِذا آبَ الظَّـلامُ تَـأَوَّبـا

سَرَى مِن أَعَالِي الشَّامِ يَجلُبُهُ الكَرَى

هُبوبَ نَسيمِ الرَّوضِ تَجلُبُهُ الصَّبـا

وَمَـا زَارَنِـي إِلاَّ وَلِهـتُ صَبابَـةً

إِلَيـهِ وَإِلاَّ قُلـتُ أَهـلاً وَمَرحَبـا

وَلَيلَتَنـا بِالجَـزعِ بَـاتَ مُساعِفـاً

يُرينِي أَناةَ الخَطـوِ ناعِمَـةَ الصِّبـا

أَضَرَّت بِضَوءِ البَدرِ وَالبَـدرُ طالِـعٌ

وَقامَت مَقـامَ البَـدرِ لَمَّـا تَغَيَّبـا

وَلَو كَانَ حَقّـا مَا أَتَتـهُ لأَطفَـأَت

غَليلا وَلاِفتَكَّـت أَسيـراً مُعَذَّبـا

عَلِمتُكِ إِن مَنَّيتِ مَنَّيـتِ مَوعِـداً

جَهاماً وَإِن أَبرَقتِ أَبرَقـتِ خُلَّبـا

وَكُنتُ أَرى أَنَّ الصُّدودَ الَّذي مَضَى

دَلالٌ فَمـا إِن كـانَ إِلاَّ تَجَـنُّبـا

فَوا أَسَفـي حَتَّـامَ أَسـأَلُ مانِعـاً

وَآمَـنُ خَوّانـاً وَأُعتِـبُ مُذنِبـا

سَأَثنِي فُؤَادِي عَنكِ أَو أَتبَعُ الهَـوى

إِلَيكِ إِنِ استَعصى فُـؤادِيَ أَو أَبَـى

أَقـولُ لِرَكـبٍ مُعتَفيـنَ تَدَرَّعـوا

عَلى عَجَلٍ قِطعاً مِنَ اللَيـلِ غَيهَبـا

رِدوَا نائِلَ الفَتـحِ بنِ خاقـانَ إِنَّـهُ

أَعَمُّ نَدىً فِيكُـم وَأَقـرَبُ مَطلَبـا

هُوَ العَارِضُ الثَجَّاجُ أَخضَلَ جـودُهُ

وَطـارَت حَواشِـي بَرقِـهِ فَتَلَهَّبـا

إِذا مَا تَلَظَّى فِي وَغَى أَصعَقَ العِـدى

وَإِن فَاضَ فِي أَكرومَةٍ غَمَـرَ الرُّبـا

رَزينٌ إِذا ما القَومُ خَفَّت حُلومُهُـم

وَقورٌ إِذا مَا حَادِثُ الدَّهـرِ أَجلَبـا

حَياتُكَ أَن يَلقاكَ بِالجـودِ راضِيـاً

وَمَوتُكَ أَن يَلقاكَ بِالبَـأسِ مُغضَبـا

حَـرونٌ إِذا عازَرتَـهُ فِـي مُلِمَّـةٍ

فَإِن جِئتَهُ مِن جانِبِ الذُّلِّ أَصحَبـا

فَتَىً لَم يُضَيِّع وَجهَ حَزمٍ وَلَم يَبِـت

يُلاحِـظُ أَعجـازَ الأُمـورِ تَعَقُّبـا

إِذا هَمَّ لَم يَقعُد بِهِ العَجـزُ مَقعَـداً

وَإِن كَفَّ لَم يَذهَب بِهِ الخُرقُ مَذحَبا

أُعيرَ مَوَدّاتِ الصُّـدورِ وَأُعطِيَـت

يَداهُ عَلى الأَعـداءِ نَصـرا مُرَهِّبـا

وَقَيناكَ صَرفَ الدَّهرِ بِالأَنفُسِ الَّتِـي

تُبَجِّـلُ لا نَألـوكَ أُمّـاً وَلا أَبـا

فَلَم تَخلُ مِن فَضلٍ يُبَلِّغُـكَ الَّتِـي

تَـرومُ وَمِـن رَأيٍ يُريـكَ المُغَيَّبـا

وَمَـا نَقَـمَ الحُسّـادُ إِلاَّ أَصالَـةً

لَدَيـكَ وَفِعـلاً أَريَحِيّـاً مُهَذَّبـا

وَقَد جَرَّبوا بِالأَمسِ مِنـكَ عَزيمَـةً

فَضَلتَ بِها السَّيفَ الحُسامَ المُجَرَّبـا

غَداةَ لَقيتَ اللَّيثَ وَاللَّيـثُ مُخـدِرٌ

يُحَـدِّدُ نـابـاً لِلِّقـاءِ وَمَخلَبـا

يُحَصِّنُـهُ مِن نَهـرِ نَيـزَكَ مَعقِـلٌ

مَنيـعٌ تَسـامَـى غابُـهُ وَتَأَشَّبـا

يَـرودُ مَغـاراً بِالظَواهِـرِ مُكثِبـا

وَيَحتَلُّ رَوضـاً بِالأَباطِـحِ مُعشِبـا

يُلاعِـبُ فِيـهِ أُقحُوانـاً مُفَضَّضـاً

يَبِصُّ وَحَوذانـاً عَلى المـاءِ مُذهَبـا

إِذا شاءَ غادى عانَةً أَو عَـدا عَلـى

عَقائِلِ سِـربٍ أَو تَقَنَّـصَ رَبرَبـا

يَجُـرُّ إِلَى أَشبالِـهِ كُـلَّ شـارِقٍ

عَبيطاً مُدَمّـاً أَو رَميـلاً مُخَضَّبـا

وَمَن يَبغِ ظُلماً فِي حَريمِكَ يَنصَـرِف

إِلَى تَلَفٍ أَو يُثـنَ خَزيـانَ أَخيَبـا

شَهِدتُ لَقَد أَنصَفتَـهُ يَومَ تَنبَـري

لَهُ مُصلِتاً عَضباً مِنَ البيضِ مِقضَبـا

فَلَم أَرَ ضِرغامَينِ أَصـدَقَ مِنكُـما

عِراكاً إِذا الهَيَّابَـةُ النِّكـسُ كَذَّبـا

هِزَبرٌ مَشَى يَبغِي هِزَبـراً وَأَغلَـبٌ

مِنَ القَومِ يَغشَى باسِلَ الوَجهِ أَغلَبـا

أَدَلَّ بِشَغـبٍ ثُـمَّ هالَتـهُ صَولَـةٌ

رَآكَ لَها أَمضَـى جَنانـاً وَأَشغَبـا

فَأَحجَمَ لَمَّا لَم يَجِد فِيـكَ مَطمَـعاً

وَأَقدَمَ لَمّا لَم يَجِـد عَنـكَ مَهرَبـا

فَلَم يُغنِهِ أَن كَـرَّ نَحـوَكَ مُقبِـلاً

وَلَم يُنجِـهِ أَن حَادَ عَنـكَ مُنَكِّبـا

حَمَلتَ عَلَيهِ السَّيفَ لا عَزمُكَ انثَنَى

وَلا يَدُكَ ارتَـدَّت وَلا حَـدُّهُ نَبـا

وَكُنتَ مَتَى تَجمَع يَمينَيكَ تَهتِـكِ

الضَّريبَةَ أَو لاَ تُبقِ لِلسَّيـفِ مَضرِبـا

أَلَنتَ لِيَ الأَيَّـامَ مِن بَعـدِ قَسـوَةٍ

وَعاتَبتَ لِي دَهرِي المُسـيءَ فَأَعتَبـا

وَأَلبَستَنِي النُّعمَى الَّتِي غَيَّرَت أَخِـي

عَلَيَّ فَأَضحَـى نَازِحَ الـوُدِّ أَجنَبـا

فَلا فُزتُ مِن مَـرِّ اللَّيالِـي بِراحَـةٍ

إِذا أَنا لَم أُصبِـح بِشُكـرِكَ مُتعَبـا

عَلى أَنَّ أَفوافَ القَوافِـي ضَوامِـنٌ

لِشُكرِكَ مَا أَبدَى دُجَى اللَّيلِ كَوكَبا

ثَناءٌ تَقَصَّى الأَرضَ نَجـداً وَغائِـراً

وَسارَت بِهِ الرُّكبانُ شَرقـاً وَمَغرِبـا

 


سَلامٌ عَلَيكُـم

سَلامٌ عَلَيكُـم لا وَفـاءٌ وَلا عَهـدُ

أَمَا لَكُمُ مِن هَجـرِ أَحبابِكُـم بُـدُّ

أَأَحبابَنا قَـد أَنجَـزَ البَيـنُ وَعـدَهُ

وَشيكاً وَلَم يُنجَز لَنا مِنكُـمُ وَعـدُ

أَأَطـلالَ دَارِ العَامِـرِيَّـةِ بِاللِّـوى

سَقَت رَبعَكِ الأَنواءُ مَا فَعَلَت هِنـدُ

أَدارَ اللِّوى بَينَ الصَريـمَةِ وَالحِمَـى

أَمَا لِلهَوَى إِلاَّ رَسيسَ الجَوى قَصـدُ

بِنَفسِيَ مَن عَذَّبتُ نَفسـي بِحُبِّـهِ

وَإِن لَم يَكُن مِنـهُ وِصـالٌ وَلا وُدُّ

حَبيبٌ مِنَ الأَحبابِ شَطَّت بِهِ النَّوى

وَأَيُّ حَبيبٍ مَا أَتَـى دُونَـهُ البُعـدُ

إِذا جُزتَ صَحراءَ الغُوَيـرِ مُغَرِّبـاً

وَجازَتكَ بَطحاءَ السَّواجيرِ يَا سَعـدُ

فَقُل لِبَنِي الضَحَّـاكِ مَهـلاً فَإِنَّنِـي

أَنَ الأُفعُوانُ الصِّلُّ وَالضَّيغَمُ الـوَردُ

بَنِي واصِلٍ مَهلاً فَـإِنَّ ابنَ أُختِكُـم

لَهُ عَزَمـاتٌ هَـزلُ آرائِهـا جِـدُّ

مَتَى هِجتُموهُ لا تَهيجوا سِوَى الرَّدَى

وَإِن كَانَ خِرقاً مَا يُحَلُّ لَـهُ عَقـدُ

مَهيباً كَنَصلِ السَّيفِ لَو قُذِفَت بِـهِ

ذُرَى أَجَإٍ ظَلَّـت وَأَعلامُـهُ وَهـدُ

يَوَدُّ رِجالٌ أَنَّنِي كُنتُ بَعـضَ مَـن

طَوَتـهُ المَنايـا لاَ أَرُوحُ وَلا أَغـدو

وَلَولاَ احتِمالِي ثِقـلَ كُـلِّ مُلِمَّـةٍ

تَسوءُ الأَعادِي لَم يَوَدُّوا الَّذي وَدُّوا

ذَرينِي وَإِيَّاهُم فَحَسبِـي صَريـمَتِي

إِذا الحَربُ لَم يُقدَح لِمُخمِدِها زَنـدُ

وَلِي صاحِبٌ عَضبُ المَضارِبِ صَارِمٍ

طَويلُ النَّجـادِ مَا يُفَـلُّ لَـهُ حَـدُّ

وَباكِيَـةٍ تَشكُـو الفِـراقَ بِأَدمُـعٍ

تُبادِرُها سَحّاً كَمـا انتَثَـرَ العِقـدُ

رَشادَكَ لا يَحزُنكَ بَيـنُ ابنِ هِمَّـةٍ

يَتوقُ إِلَى العَليـاءِ لَيـسَ لَـهُ نَـدُّ

فَمَن كَانَ حُرّاً فَهوَ لِلعَزمِ وَالسُّـرَى

وَلِلَّيلِ مِن أَفعالِـهِ وَالكَـرَى عَبـدُ

وَلَيلٍ كَـأَنَّ الصُّبـحَ فِي أُخرَياتِـهِ

حُشاشَةُ نَصلٍ ضَمَّ إِفرِنـدَهُ غِمـدُ

تَسَربَلتُهُ وَالذِّئـبُ وَسِنـانُ هاجِـعٌ

بِعَينِ ابنِ لَيلٍ مَا لَهُ بِالكَـرَى عَهـدُ

أُثيرَ القَطا الكُـدرِيَّ عَن جَثَماتِـهِ

وَتَألَفُنِـي فِيـهِ الثَّعالِـبُ وَالرُّبـدُ

وَأَطلَسَ مِلءِ العَيـنِ يَحمِـلُ زَورَهُ

وَأَضلاعَهُ مِن جانِبَيهِ شَـوَى نَهـدُ

لَهُ ذَنَـبٌ مِثـلُ الرَّشـاءِ يَجُـرُّهُ

وَمَتنٌ كَمَتنِ القَوسِ أَعـوَجَ مُنئَـدُّ

طَواهُ الطَّوَى حَتَّى استَمَـرَّ مَريـرُهُ

فَما فِيهِ إِلاَّ العَظمُ وَالـرُّوحُ وَالجِلـدُ

يُقَضقِضُ عُصلا فِي أَسِرَّتِها الـرَّدَى

كَقَضقَضَةِ المَقـرورِ أَرعَـدَهُ البَـردُ

سَما لِي وَبِي مِن شِدَّةِ الجوعِ مَا بِـهِ

بِبَيداءَ لَم تُحسَس بِها عيشَـةٌ رَغـدُ

كِلانا بِها ذِئـبٌ يُحَـدِّثُ نَفسَـهُ

بِصاحِبِـهِ وَالجَـدُّ يُتعِسُـهُ الجَـدُّ

عَوَى ثُمَّ أَقعَى وَارتَجَـزتُ فَهِجتُـهُ

فَأَقبَلَ مِثـلَ البَـرقِ يَتبَعُـهُ الرَّعـدُ

فَأَوجَرتُهُ خَرقاءَ تَحسِـبُ ريشَـها

عَلى كَوكَبٍ يَنقَضُّ وَاللَّيلُ مُسـوَدُّ

فَمـا ازدادَ إِلاَّ جُـرأَةً وَصَـرامَـةً

وَأَيقَنتُ أَنَّ الأَمـرَ مِنـهُ هُوَ الجِـدُّ

فَأَتبَعتُها أُخرَى فَأَضلَلـتُ نَصلَـها

بِحَيثُ يَكونُ اللُّبُّ وَالرُّعبُ وَالحِقدُ

فَخَرَّ وَقَد أَورَدتُـهُ مَنهَـلَ الـرَّدَى

عَلى ظَمَإٍ لَو أَنَّـهُ عَـذُبَ الـوِردُ

وَقُمتُ فَجَمَّعتُ الحَصَى وَاشتَوَيتُـهُ

عَلَيهِ وَلِلرَّمضـاءِ مِن تَحتِـهِ وَقـدُ

وَنِلتُ خَسيساً مِنـهُ ثُـمَّ تَرَكتُـهُ

وَأَقلَعتُ عَنـهُ وَهوَ مُنعَفِـرٌ فَـردُ

لَقَد حَكَمَت فِينَا اللَّيالِـي بِجورِهـا

وَحُكمُ بَناتِ الدَّهرِ لَيسَ لَهُ قَصـدُ

أَفِي العَدلِ أَن يَشقَى الكَريمُ بِجورِها

وَيَأخُذَ مِنها صَفوَها القُعدُدُ الوَغـدُ

ذَرينِيَ مِن ضَربِ القِداحِ عَلى السُّرَى

فَعَزمِيَ لاَ يَثنيهِ نَحـسٌ وَلاَ سَعـدُ

سَأَحمِلُ نَفسِي عِنـدَ كُـلِّ مُلِمَّـةٍ

عَلى مِثلِ حَدِّ السَّيفِ أَخلَصَهُ الهِنـدُ

لِيَعلَمَ مَن هَابَ السُّرَى خَشيَةَ الرَّدَى

بِـأَنَّ قَضــاءَ اللهِ لَيـسَ لَـهُ رَدُّ

فَإِن عِشتَ مَحموداً فَمِثلِي بَغَى الغِنَى

لِيَكسِبَ مَالاً أَو يُنَـث لَـهُ حَمـدُ

وَإِن مِتُّ لَم أَظفَر فَلَيسَ عَلى امـرِئٍ

غَـدَا طالِبـاً إِلاَّ تَقَصِّيـهِ وَالجَهـدُ

 


فُـؤادٌ بِذِكـر

فُـؤادٌ بِذِكـرِ الظَّاعِنيـنَ مُوَكَّـلُ

وَمَنزِلُ حَيٍّ فِيـهِ لِلشَّـوقِ مَنـزِلُ

أَراحِلَةٌ لَيلَى وَفِي الصَّـدرِ حَاجَـةٌ

أَقَـامَ بِهـا وَجـدٌ فَمـا يَتَرَحَّـلُ

سَلامٌ عَلى الحَـيِّ الَّذيـنَ تَحَمَّلـوا

وَعَجلانُ مِن غُرِّ السَّحابِ مُجَلجِـلُ

فَكَم كَلَفٍ فِي إِثرِهِم لَيسَ يَنقَضِـي

وَكَم خُلَّةٍ مِن بَعدِهِم لَيسَ توصَـلُ

وَقَفنا عَلـى دَارِ البَخيلَـةِ فَانبَـرَت

بَوادِرُ قَد كَانَت بِها العَيـنُ تَبخَـلُ

عَلى دَارِسِ الآياتِ عَـافٍ تَعاقَبَـت

عَلَيهِ صَبـاً مَا تَستَفيـقُ وَشَمـأَلُ

فَلَم يَدرِ رَسمُ الدَّارِ كَيـفَ يُجيبُنـا

وَلا نَحنُ مِن فَرطِ الجَوى كَيفَ نَسأَلُ

أَجِدَّكَ هَل تُنسَى العُهـودُ فَيَنطَـوي

بِها الدَّهرُ أَو يُسلَى الحَبيبُ فَيُذهَـلُ

أَرى حُبَّ لَيلَى لا يَبيـدُ فَيَنقَضِـي

وَلا تَلتَــوِي أَسبـابُـهُ فَتَحَـلَّلُ

مُعَنّاً بِهِ الصَّـبُّ الشَّجِـيُّ المُعَـذَّلُ

عَلَيهِ وَذُو الحُـبِّ المُعَنَّـى المُعَـذَّلُ

سَتَأخُذُ أَيدِي العيسِ مِنهُ إِذا انتَحَـى

بِأَشخاصِها جِنحٌ مِنَ اللَّيـلِ أَليَـلُ

إِلَى مَعقِـلٍ لِلمُـلكِ لَولا اعتِزامُـهُ

وَمَنعَتُـهُ مَا كَانَ لِلمُـلكِ مَعقِـلُ

وَمَكرُمَةِ الدُّنيا الَّتِي لَيـسَ دُونَهـا

مُـرادٌ وَلا عَـن ظِلِّـها مُتَحَـوَّلُ

إِلَى مُصعَبِيِّ العَزمِ يَسطُـو فَيَغتَـدي

وَمُتَّسِعِ المَعروفِ يُعطِـي فَيُجـزِلُ

فَتَىً لاَ نَدَاهُ حَجرَةٌ حِيـنَ يَبتَـدي

وَلا مَالُهُ مِلكٌ لَـهُ حِيـنَ يُسـأَلُ

إِذا نَحـنُ أَمَّلنـاهُ لَم يَـرَ حَظَّـهُ

زَكا أَو يَرى جَدواهُ حَيـثُ يُؤَمَّـلُ

لَهُ قَـدَمٌ فِـي المَجـدِ تَعلَـمُ أَنَّـهُ

بِسُؤدُدِها يُربَـى مِـراراً وَيُفضِـلُ

إِذا جاءَ أَغضَى العَاذِلـونَ وَكَفَّهُـم

قَـديـمُ مَساعيـهِ الَّتِـي يَتَقَبَّـلُ

وَمَن ذَا يَلومُ البَحرَ أَن باتَ زَاخِـراً

يَفيضُ وَصَوبَ المُزنِ أَن بَاتَ يَهطِـلُ

وَلَم أَرَ مَجـداً كَالأَميـرِ مُحَمَّـدٍ

إِذا مَـا غَــدا يَنهَـلُّ أَو يَتَهَـلَّلُ

حَياةُ النُّفـوسِ المُرهَقـاتِ وَمَأمَـنٌ

يَثـوبُ إِلَيـهِ الخائِفـونَ وَمَوثِـلُ

أُعيـرَت بِهِ بَغدادُ سَكـبَ غَمامَـةٍ

تَعُـلُّ البِـلادُ مِن نَداهـا وَتَنهَـلُ

فَقَد فَقَدَت أُنسَ الخِلافَـةِ وَانتَحَـى

عَلى أَهلِها خَطبٌ مِنَ الدُّهرِ مُعضِلُ

وَليتَهُـمُ وَالأُفـقِ أَغبَـرُ عِندَهُـم

وَجَوُّهُمُ عَن صَيِّبِ المُـزنِ مُقفَـلُ

فَجاءَ بِكَ الصُّنعُ الَّذي كَانَ ذَاهِبـاً

وَجيدَ بِكَ الصُّقعُ الَّذي كَانَ يُمحَلُ

وَما كُنـتَ إِلاَّ رَحمَـةَ اللهِ سَاقَهـا

إِلَيهِم وَدُنياهُـم أَتَـت وَهيَ تُقبِـلُ

وَيَومُهُمُ السَعدُ الَّذي ضَـمَّ أَمرَهُـم

إِلَيكَ هُوَ اليَـومُ الأَغَـرُّ المُحَجَّـلُ

تَليـنُ وَتَقـسـو شِـدَّةً وَتَأَلُّفـاً

وَتُملي فَتَستَأنِي وَتَقضِـي فَتَعـدِلُ

وَمَازِلتَ مَدلولاً عَلى كُـلِّ خُطَّـةٍ

مِنَ المَجـدِ مَا تُرقَـى وَمَا تُتَوَقَّـلُ

تَدارَكَنِي الإِحسانُ مِنـكَ وَمَسَّنِـي

عَلى حَاجَةٍ ذَاكَ الجَـدا وَالتَطَـوُّلُ

وَدافَعتَ عَنِّي حِينَ لا الفَتحُ يُبتَغَـى

لِدَفعِ الَّذي أَخشَـى وَلاَ المُتَوَكِّـلُ

لَعَمري لَقَد وَحَّى ابنُ مُخلَدَ حَاجَتِي

وَأَسعَفَنِي عَفواً بِما كُنـتُ أَسـأَلُ

أَطاعَكَ فِي رِفدِي رِضـاً وَتَقَبُّـلاً

لِمـا تَرتَضِـي مِنِّـي وَمَا تَتَقَبَّـلُ

هُوَ الـمَرءُ يَأتِي مَا أَتَيـتَ تَحَرِّيـاً

وَيُعطِي الَّذي تُعطَى اتِّباعـاً وَيَبـذُلُ

يُبـادِرُ مَا تَهـواهُ حَتَّـى يَجيئَـهُ

تَوَخٍّ فَيُمضِـي أَو تَقـولُ فَيَفعَـلُ

فَلا تَكذَبَـن عَن فَضلِـهِ وَوَفائِـهِ

فَما هُوَ فِـي هَاتَيـنِ إِلاَّ السَّمَـوأَلُ

 


رَحَلُوا فَأيّةُ عَبرَةٍ

رَحَلُـوا فَأيّـةُ عَبـرَةٍ لَمْ تُسْكَـبِ

أسَفـاً، وَأيُّ عَزِيـمَـةٍ لَمْ تُغْلَـبِ

قَدْ بَيَّـنَ البَيـنُ الـمُفَـرِّقُ بَيْنَنَـا

عِشْقَ النّـوَى لرَبيبِ ذاكَ الرّبـرَبِ

صَدَقَ الغُرَابُ لقد رَأيتُ شُموسَهـمْ

بالأمسِ، تَغـرُبُ في جَوَانِبِ غُـرَّبِ

لَوْ كُنتَ شاهـدَنا وَمَا صَنَعَ الهَـوَى

بقُلُوبِنَـا، لحَسَـدْتَ مَنْ لم يُحبِـبِ

شُغلَ الرّقيـبُ، وَأسْعَدَتْنَـا خَلْـوَةٌ

في هَجرِ هَجرٍ ، وَاجتِنـابِ تجَنّـبِ

فتَلَجلَجـتْ عَبَرَاتُهَـا ، ثمّ انْبَـرَتْ

تَصِفُ الـهَوَى بلِسانِ دَمعٍ مُعْـرِبِ

تَشْكُو الفِـرَاقِ إلـى قَتيلِ صَبَابَـةٍ

شَرِقِ المَدامـعِ، بالفـرَاقِ مُعَـذَّبِ

أأُطيعُ فيكِ العـاذِلاتِ ، وَكُسْوَتـي

وَرَقُ الشّبابِ، وَشِرّتـي لم تَذْهَـبِ

وَإذا التَفَـتُّ إلـى سِنـيَّ رَأيْتُهَـا

كمَجَـرّ حَبْـلِ الخالِـعِ المُتَصَعِّـبِ

عِشرُونَ قَصّرَها الصّبَـا ، وَأطَالَهَـا

وَلَـعُ العِتَـابِ بِهَائِـمٍ لَمْ يَعتَـبِ

مَـا لي وَللأيّـامِ صَـرّفَ صَرْفُهَـا

حَالي ، وَأكْثَـرَ فِي البِـلادِ تَقَلُّبـي

أُمْسِي زَميـلاً للظّـلامِ ، وَأغْتَـدِي

رِدْفاً عَلى كَفَلِ الصّبَـاحِ الأشهَـبِ

فأكـونُ طَـوْراً مَشرِقـاً للمَشـرِقِ

الأقْصَى ، وَطَوْراً مَغرِبـاً للمَغْـرِبِ

وَإذا الزّمانُ كَسَـاكَ حُلّـةَ مُعـدَمٍ

فالبَسْ لهَ حُلَـلَ النّـوَى وَتَغَـرَّبِ

وَلَقَدْ أبِيـتُ مَعَ الكَوَاكـبِ رَاكِبـاً

أعْجازَهَـا بِعَزِيـمَـةٍ كالكَوْكَـبِ

وَاللّيْلُ فِي لَـوْنِ الغُـرَابِ ، كأنّـهُ

هُوَ فـي حُلُوكَتِـهِ، وَإنْ لم يَنْعَـبِ

وَالعيسُ تَنصُلُ من دُجاهُ، كما انجلَـى

صِبْغُ الشّبابِ عن القَـذالِ الأشيَـبِ

حتّى تَجَلّى الصّبْـحُ، فـي جَنَباتِـهِ

كالمَاءِ يَلمَـعُ مِـنْ وَرَاءِ الطُّحْلُـبِ

يَطْلُبْنَ مُجتَمَـعَ العُـلا مِـنْ وَائـلٍ

في ذلكَ الأصْلِ الزّكـيّ ، الأطْيَـبِ

وَبَقيّةَ العَرَبِ الّـذي شَهِـدَتْ لَـهُ

أبْنَـاءُ إدٍّ بالفَـخَـارِ ، وَيَـعْـرُبِ

بالـرّحْبَـةِ الخَضـرَاءِ ذاتِ المَنْهَـلِ

العَذْبِ المَشَارِبِ، وَالجَنابِ المُعشِـبِ

عَطَنُ الوُفُـودِ، فمُنجِـدٌ، أوْ مُتهِـمٌ

أوْ وافِـدٌ مِنْ مَشـرِقٍ، أوْ مَغـرِبِ

ألْقَوْا بجَانِبِهَـا العِصِـيّ ، وَعَوّلـوا

فيها عَلـى مَـلْكٍ أغـر، مُهَـذَّبِ

مَـلِكٌ لَهُ فِي كـلّ يَـوْمِ كَرِيهَـةٍ

إقْـدامُ غـر وَاعتِـزَامُ مُـجَـرَّبِ

وَتَرَاهُ في ظُلَـمِ الوَغَـى ، فتَخالُـهُ

قَمَرً يَكر عَلى الرّجـالِ بكَوْكَـبِ

يا مَـالِكُ ابـنُ المَالكِيّيـنَ الأُلـى

مَا للمَكَارِمِ عَنْهُـمُ مِـنْ مَذهَـبِ

إني أتيتـك طالبـاً فبسطـت مـن

أملي، وأنجح جود كفـك مطلبـي

فَشَبِعْـتُ مِنْ بِـرٍّ لَدَيـكَ وَنَائِـلٍ

وَرَوِيتُ من أهْلٍ لَدَيـكَ وَمَرْحَـبِ

وَغَدَوْتَ خَيرَ حِيَاطَـةٍ منّـي علَـى

نَفسِي ، وَأرْأفَ بي هُنالكَ مِنْ أبـي

أعْطَيْتَني، حتّى حَسِبتُ جزِيـلَ مـا

أعْطَيْتَنيـهِ وَدِيعَـةً لَـمْ تُـوهَـبِ

فَلْتَشكُرَنّكَ مَذْحِـجُ ابنَـةُ مَذحِـجٍ

مِنْ آلِ غَوْثِ الأكثرِيـنَ وَجُنـدُبِ

وَمَتى تُغَالِبْ فِي المَكَـارِمِ وَالنّـدَى

بـالتَّغْلِبِيّيـنَ الأكَـارِمِ تَغْلِــبِ

قَوْمٌ، إذا قيلَ النَّجـاءُ ، فَمـا لهُـمْ

غَيرُ الحَفائظِ، وَالـرّدى مِنْ مَهـرَبِ

يَمشونَ تحتَ ظُبَا السّيوفِ إلى الوغى

مَشْيَ العِطـاشِ إلى بَـرُودِ المَشـرَبِ

يَتَرَاكَمونَ على الأسِنّـةِ فِي الوَغَـى

كالصّبحِ فاضَ على نجـومِ الغَيهَـبِ

يُنسيكَ جُودَ الغَيـثِ جُودُهـمُ، إذا

عَثَـرَتْ أكُفُّهُـمُ بِعَـامٍ مُجـدِبِ

حتّى لَوَ أنَّ الجُـودَ خُيّرَ فِي الـوَرَى

نَسَباً، لأصْبَـحَ يَنتَمـي فِي تَغلِـبِ

 


تَذَكَّرَ مَحزوناً

تَذَكَّرَ مَحزوناً وَأَنَّـى لَـهُ الذِّكـرَى

وَفاضَت بِغُزرِ الدَّمعِ مُقلَتُـهُ العَبـرى

فُؤَادٌ هُوَ الحَرَّانُ مِن لاعِـجِ الجَـوَى

إِلَى كَبِـدٍ جَـمٍّ تَباريحُـها حَـرَّى

كَرىً حَالَ سَكبُ الدَّمعِ دُونَ خِتامِهِ

فَلا دَمعَةٌ تَرقـا وَلا مُقلَـةٌ تَكـرى

وَكُنتُ وَكانَت وَالشَّـبابُ عُلالَـةٌ

كَسَكرانَ مِن خَمرِ الصَّبابَةِ أَو سَكرى

أَشارَت بِمِدراها فَأَصمَت وَلَم أَكُـن

أُحاذِرُ إِصمـاءَ الإِشـارَةِ بِالمِـدرى

سَرى الطَيفُ مِن ظَمياءَ وَهناً فَمَرحَباً

وَأَهلاً بِمَسرى طَيفِ ظَمياءَ مِن مَسرى

أَلَـمَّ بِسَفـرٍ لاغِبيــنَ وَأَينُــقٍ

ذَرَعنَ بِنا مِن أَذرِعاتٍ إِلَـى بُصـرى

لَقَد كَـانَ فِي يَـومِ الثَنِيَّـةِ مَنظَـرٌ

وَمُستَمَعٌ يُنبِي عَنِ البَطشَـةِ الكُبـرى

وَعَطفُ أَبِي الجَيشِ الجَـوادَ يَكُـرُّهُ

مُدافَعَةً عَن دَيـرِ مُـرَّانَ أَو مَقـرى

فَكائِن لَهُ مِن ضَربَـةٍ بَعـدَ طَعنَـةٍ

وَقَتلَى إِلَى جَنبِ الثَنِيَّـةِ أَو أَسـرى

فَوارِسُ صَرعَـى مِن تُـؤامٍ وَفـارِدٍ

وَأَرسالُ خَيلٍ فِي شَكائِمِها عَقـرى

رَأَيتُ تَفارِيـقَ المَحاسِـنِ جُمِّعَـت

إِلَى مُشتَرٍ أَهدَى إِلَى القَمَرِ الشِّعـرى

مُحَمَّلَـةً مَـا لَـو تَحَـمَّـلَ آدَهُ

مِنَ الصَّفَدِ المَنقولِ قَيصَرُ أَو كِسـرى

مُبارَكَةً شَدَّت قُوَى السِّلـمِ بَعدَمـا

تَوَالَت خُطوبُ الحَربِ مُقبِلَةً تَتـرى

إِذا شارَفَـت أَرضَ العِـراقِ فَإِنَّـهُ

سَيُسنَى أَميرُ المُؤمِنيـنَ بِها البُشـرى

مَتَى نَعتَرِض جَدوَى أَبِي الجَيشِ نَعتَرِف

مَواهِبَ يُلحِقنَ المُقِـلَّ بِمَـن أَثـرى

وَلا نَقصَ فِي الغَيثِ الدِّراكِ يَغُضُّـهُ

سِوَى أَنَّهُ أَزرَى بِهِ مِنـهُ مَـا أَزرَى

إِذا وَهَبَ الأولَى مِنَ النَّيلِ لَم يَـدَع

مُتابَعَةَ الإِفضالِ أَو يَهَـبَ الأُخـرى

 


فُؤَادٌ مَلاهُ الحُـزن

فُؤَادٌ مَلاهُ الحُـزنُ حَتَّـى تَصَدَّعـا

وَعَينانِ قَالَ الشَّوقُ جُودَا مَعاً مَعـا

لِمَن طَلَلٌ جَرَّت بِهِ الرِّيـحُ ذَيلَـها

وَحَنَّت عِشَارُ المُـزنِ فِيـهِ فَأَمرَعـا

لِلَيـلاكَ إِذ لَيلَـى تُعِـلُّكَ رِيقَـها

وَتَسقيكَ مِن فيهَا الرَّحيقَ المُشَعشَعـا

كَأَنَّ بِـهِ التُّفَّـاحَ غَضّـاً جَنَيتُـهُ

وَنَشرَ الخُزامَى فِي الصَّبَاحِ تَضَوَّعـا

وَهَيَّجَ شَوقِي سَـاقُ حُـرٍّ أَجابَـهُ

هَدِيلٌ عَلى غُصنٍ مِنَ البـانِ أَفرَعـا

يُقَلِّـبُ عَينَيـهِ وَيوحِـي بِطَرفِـهِ

إِلَيَّ بِلَحنٍ يَتـرُكُ القَلـبَ موجَعـا

إِذا مَا الغَضا يَومـاً تَرَنَّـمَ فَرعُـهُ

وَحَنَّت لَهُ الأَرواحُ غَنّـى فَأَسـمَعا

طَوَتنِي بَناتُ الدَّهرِ مِن كُلِّ جانِـبٍ

وَلِلدَّهرِ وَقعٌ يَتـرُكُ الـرَّأسَ بَلقَعـا

وَقَد كُنتُ وَقَّادَ الشَّعيلَـةِ شَارِخـاً

أَحَدَّ مِنَ العَضبِ الحُسَـامِ وَأَقطَعـا

فَأَصبَحتُ كَالرَّيحانِ أَذبَلَـهُ الظَّـما

وَوَدَّعتُ رَيعـانَ الشَّـبَابِ فَوَدَّعـا

خَليلَيَّ هُبَّا طَـالَ مَاقَـد هَجَعتُمـا

إِلَى مُصعَبٍ يَمطُو الجَزيـلَ تَبَوُّعـا

يَمورُ كَمَورِ الرِّيحِ فِـي عَصَفاتِهـا

أَوِ الـماءِ وَافَـى مَهبِطـاً فَتَدَفَّعـا

هِجـانٍ كَلَـونِ القُبطُرِيَّـةِ لَونُـهُ

إِذا نَطَقَ العُصفـورُ ظَـلَّ مُرَوَّعـا

يُلاعِـبُ أَثنـاءَ الـزِّمـامِ كَأَنَّـهُ

عَلى الأَرضِ أَيمٌ خَافَ شَيئاً فَأَسرَعـا

أَيا ابنَ أُنوفِ الغُرِّ مِـن آلِ هَاشِـمٍ

وَأَكرَمِهِم فِي الخَيرِ وَالشَّـرِّ مَوقِعـا

وَمَن قَد حَوَى مَجداً طَريفاً وَتالِـداً

وَسَامَى نُجومَ الأُفقِ حِيـنَ تَرَفَّعـا

وَيَومٍ مِـنَ الهَيجـاءِ زادَ سَعِيـرُها

تَسَاقَى بِهِ أَبطالُهـا السُّـمَّ مَنقَعـا

شِهَدَت عَلى عَبلِ الجُـزارَةِ سَابِـحٍ

كَسَاهُ دُقاقُ التُّربِ جُـلاًّ وَبُرقُعـا

كَأَنَّ لَـهُ فِـي أَيطَلَيـهِ كِلَيهِـما

جَناحَيـنِ خَفَّاقَيـنِ لَـم يَتَصَوَّعـا

 


أمَوَاهِبٌ هَاتِيكَ

أمَـوَاهِـبٌ هَـاتِيـكَ أمْ أنْـوَاءُ

هُطُـلٌ ، وَأخْـذٌ ذَاكَ أمْ إعْطَـاءُ

إنْ دامَ ذا، أوْ بعضُ ذا مِن فعْـل ذا

فني السّخاءُ، فلا يُحَـسُّ سَخـاءُ

لَيْسَ التي ضَلّـتْ تَمِيـمٌ وَسْطَـهَا

الدّهْنـاءُ لا بَلْ صَـدرُكَ الدّهْنـاءُ

مَـلِكٌ أغَـرُّ لآلِ طَلْحَـةَ فَجْـرُهُ

كَفّـاهُ أرْضٌ سَمْحَـةٌ وَسَـمَـاءُ

وَشَريفُ أشْرَافٍ، إذا احتكّتْ بهِـمْ

جُرْبُ القبائِلِ ، أحْسنوا وَأسـاءوا

لَهُمُ الفِناءُ الرّحبُ، والبيْتُ الـذي

أدَدٌ أوَاخٍ حَـوْلَــهُ ، وَفِـنـاءُ

وَخُؤولَـةٌ في هاشِـمٍ ودَّ العِـدَى

أنْ لمْ تَكُنْ، وَلهُمْ بِهَـا ما شـاءوا

بَينَ العَواتِكِ وَالفوَاطِـمِ مُنْتَمـىً

يَـزْكُـو به الأخـوال والآبـاء

أ محمد بن علـي اسـمع عـذرة

فيهـا دَوَاءٌ للْـمُـسـيءِ ، وَدَاءُ

مَا لي إذا ذُكِـرَ الوَفَـاءُ رَأيْتُنـي

ما لي مع النَّفَـرِ الكِـرَامِ، وَفَـاءُ

يضْفو عليّ العَذْلُ ، وَهُوَ مُقـارِبٌ

وَيَضِيقُ عنّي العُـذْرُ، وَهْوَ فَضَـاءُ

إني هجرتُكَ ، إذ هجرَتُكَ ، وَحشَةً

لا العَـوْدُ يُّذْهِبُـها، ولا الإبْـداءُ

أخْجَلْتَني بِنَدَى يدَيْكَ ، فسـوّدَتْ

ما بَيْنَنَـا تِلْـكَ اليَـدُ البيْضَـاءُ

وَقَطَعْتَني بالجُـودِ ، حَتّـى إنّنـي

مُتَخَـوّفٌ ألاّ يَـكُـونَ لِـقَـاءُ

صِلَةٌ غَدَتْ في النّاس، وَهْيَ قطِيعـةٌ

عَجَبٌ، وَبِـرٌّ رَاحَ وَهْـوَ جَفـاءُ

لَيُواصِلَنّكَ رَكْـبُ شِعْـرٍ سائِـرٍ

يَرْوِيهِ فِيـكَ، لحُسنِـهِ، الأعْـدَاءُ

حَتّـى يَتِـمّ لكَ الثّنـاءُ مُخَلَّـداً

أبَدأ ، كما تـمّتْ لـيَ النّعْمَـاءُ

فَتَظَلّ تحسِدُكَ المُلوكُ الصّيـدُ بـي

وَأظَلّ يحْسِدُنـي بِـكَ الشّعـَرَاءُ

 


ما أنَا مِنْ لَهو

إلَيـكِ ما أنَا مِنْ لَهـو، ولاْ طَـرَبٍ

مُنيتِ مِنّـي بقَلْـبٍ غَيـرِ مُنقَلِـبِ

رُدّي عليّ الصّبَا ، إنْ كنـتِ فاعِلَـةً

إنّ الهوَى لَيسَ من شـأني وَلا أرَبـي

جاوَزْتُ حَدّ الشّبابِ النّضرِ، مُلتَفِتـاً

إلى بَناتِ الصّبَا يَرْكضْـنَ في طَلَبـي

وَالشّيبُ مَهرَبُ مَن جَـارَى مَنيّتَـهُ

وَلا نَجَـاءَ لَهُ مِـنْ ذَلِـكَ الـهَرَبِ

وَالمَرْءُ لوْ كانتِ الشّعـرَى لهُ وَطَنـاً

حطّتْ علَيهِ صرُوفُ الدّهرِ من صَببِ

قَد أقذِفُ العِيـسَ في لَيلٍ ، كأنّ لَـهُ

وَشْياً منَ النَّورِ أوْ أرْضاً من العُشُـبِ

حتّى إذا ما انجَلَتْ أخـرَاهُ عَن أُفُـقٍ

مُضَمَّخٍ بالصّبَاحِ الـوَرْدِ مُختضَـبِ

أوْرَدتُ صَادِيَةَ الآمَـالِ ، فانصَرَفـتْ

برَيّها، وَأخَـذتُ النُّجـحَ من كَثَـبِ

هاتيكَ أخْلاقُ إسمَاعيـلَ فـي تَعَـبٍ

منَ العُلا، وَالعُلا منهُـنّ فـي تَعَـبِ

أتعَبتَ شكرِي فأضْحى منكَ في نَصَبٍ

فاذهَبْ فَمالـيَ في جَدوَاكَ منْ أرَبِ

لا أقْبَلُ الدّهْـرَ نَيْـلاً لا يَقُـومُ بـهِ

شكرِي، وَلوْ كانَ مُسديـهِ إليّ أبـي

لَمّا سألتُـكَ وَافَـاني نَـداكَ عَلـى

أضْعافِ ظَنّي، فلَمْ أظفرْ وَلم أخِـبِ

لم يخط مأبـض خلسـات تعمدهـا

فشك ذا الشعبة الطولى فلم يصـب

لأشكُـرَنّـكَ ، إنّ الشّكْـرَ نَائِلُـهُ

أبقَى على حَالَـةٍ مِنْ نَائِـلِ النَّشَـبِ

بكُـلّ شـاهِـدَةٍ للقَـوْمِ غَـائِبَـةٍ

عَنهُمْ جَميعاً، وَلمْ تَشهَـدْ وَلمْ تَغِـبِ

مَرْصُوفَـةٍ باللآلـي مِـنْ نَوَادِرِهَـا

مَسبُوكَةِ اللّفظِ وَالمَعنَـى من الذّهـبِ

وَلمْ أُحابِكَ في مَدْحٍ تُكَذِّبُـهُ بالفِعـلِ

منك، وَبعـضُ المـدحِ من كـذِبِ

 


ظَلَـمَ الدّهْـر

ظَلَـمَ الدّهْـرُ فيكُـمُ ، وَأسَـاءَ

فَعَـزَاءً ، بَنـي حُمَيْـدٍ ، عَـزَاءَ

أنْفُـسٌ مَا تَكـادُ تُفْقَـدُ فَقْـداً

وَصُـدورٌ مَـا تَبـرَحُ البُرَحَـاءَ

أصْبَحَ السّيـفُ داءَكـمْ، وَهـوَ

الدّاءُ الذي لا يَزَالُ يُعيـي الـدّوَاءَ

وَانْتُحِي القَتْـلُ فيكُـمُ ، فبَكَينـا

بدِمَـاءِ الدّمُـوعِ تِلْـكَ الدّمَـاءَ

يـا أبَـا القَاسِـمِ المُقَسَّـمَ فـي

النَجْـدةِ، الجُـودِ وَالنّدى أجـزَاءَ

وَالهِزَبْرَ الذي ، إذا دارَتِ الحَـرْبُ

بهِ صرّفُ الـرّدى كَيـفَ شـاءَ

الأسَى وَاجِبٌ عَلـى الحُـرّ، إمّـا

نِـيّـةً حُــرّةً ، وَإمَّـا رِيَـاءَ

وَسَفَـاهٌ أنْ يَجـزَعَ المَـرْءُ مِمّـا

كانَ حَتْـماً عَلى العِبَـادِ، قضَـاءَ

وَلـمـاذا تَتّبِـعُ النّفْـسَ شَيْئـاً

جعَلُ الله الفِـرْدوْسَ منـهُ بَـوَاءَ

أتُبَكّـي مَنْ لا يُنَـازِلُ بالسّيْـفِ

مُشيحـاً ، وَلا يَـهـزُّ اللّــوَاءَ

وَالفَتـى مَـنْ رَأى القُبُـورَ لـمَا

طَـافَ بـهِ مِنْ بَنَاتِـهِ، أكْفَـاءَ

لسن من زينة الحيـاة كعـد الله

مـنـهـا الأمـوال والأبـنـاء

قَـدْ وَلَـدْنَ الأعْـداءَ قِـدْمـاً

وَوَرّثْنَ التّلادَ الأقاصِـيَ البُعَـدَاءَ

لمْ يَئِـدْ كُثرَهُـنّ قَيْـسُ تَميـمٍ

عَيْلَـةً بَـلْ حَـمِـيّـةً وَإبَـاءَ

وَتَغَشّـى مُهَلْهِـلَ الـذّلُّ فيهِـنّ

وَقَـدْ أُعْطـيَ الأدِيـمَ حِـبَـاءَ

وَشَقيـقُ بـنُ فَاتِـكٍ ، حَـذَرَ

العَارِ عَلَيْهِـنّ ، فَـارَقَ الدّهْنَـاءَ

وَعَلى غَيرِهِـنّ أُحْـزِنَ يَعْقُـوبٌ

وَقَـد جـاءَهُ بَـنُـوهُ عِـشَـاءَ

وَشُعَيْبٌ مِنْ أجلِهِنّ رَأى الوَحْـدَةَ

ضُعْفـاً ، فاستـأجَـرَ الأنْبِيَـاءَ

وَاستَزَلّ الشّيْطانُ آدَمَ فـي الجنّـةِ

لَـمّـا أغْـرَى بِـهِ حَـــوّاءَ

وَتَلَفّـتْ إلـى القَبَائِـلِ، فَانْظُـرْ

أُمّهَـاتٍ يُـنْـسَـبْـنَ أمْ آبَـاءَ

وَلَعَمْرِي ما العَجـزُ عنـديَ ، إلاّ

أنْ تَبيتَ الرّجالُ تَبكـي النّسـاءَ

 


طَيْـفُ الحَبيـب

طَيْـفُ الحَبيـبِ ألَمّ مِنْ عُدَوَائِـهِ

وَبَعيدِ مَوْقـعِ أرْضِـهِ، وَسَمَائِـهِ

جَزَعَ اللّوَى عَجِلاً ، وَوَجّهَ مُسرِعاً

مِنْ حَـزْنِ أبْرَقِـهِ، إلى جَرْعَائِـهِ

يُهْدِي السّلامَ، وَفي اهتداءِ خَيالِـهِ

مِنْ بَعدِهِ، عَجَبٌ، وَفـي إهدائِـهِ

لَوْ زَارَ في غَيرِ الكَرَى لَشَفاكَ مِـنْ

خَبَلِ الغَرَامِ، وَمِنْ جـوَى بُرَحائِـهِ

فَدَعِ الهوَى، أوْ مُتْ بدائِكَ، إنّ من

شَـأنِ المُتَيَّـمِ أنْ يَمُـوتَ بِدائِـهِ

وَأخٌ لَبِسْتُ العيش أخضَرَ ناضِـراً

بكَرِيمِ عِشْرَتِـهِ، وَفَضْـلِ إخائِـهِ

ما أكثرَ الآمَالَ عِنْـدِيَ ، وَالمُنـى

إلاّ دِفَـاعُ الله عَـنْ حَـوْبَـائِـهِ

وَعَلى أبـي نُوحٍ لِبَـاسُ مَحَبّـةٍ

تُعْطيهِ مَحـضَ الـوِدّ منْ أعدائِـهِ

تُنبـي طَلاقَةُ بِشـرِهِ عَنْ جُـودِهِ

فَتَكَادُ تَلْقَى النُّجْـحَ قَبْـلَ لِقائِـهِ

وَضِيَاءُ وَجْـهٍ، لوْ تَأمّلَـهُ امـرُؤٌ

صَادي الجَوَانحِ لارْتَوى من مَائِـهِ

 


هل للنّدى عَدل

هل للنّدى عَدلٌ، فيَغـدو مُنصِفـاً

مِن فِعلِ إسـماعيلِـهِ ابنِ شِهابِـهِ

ألْعَارِضُ الثّجّـاجُ فـي أخْلاقِـهِ

وَالرّوْضَـةُ الزّهْـرَاءُ فـي آدابِـهِ

أزْرَى بـهِ، مِنْ غَـدْرِهِ بصَديقِـهِ

وَعُقُوقِـهِ لأخيـهِ، مَا أزْرَى بِـهِ

فـي كُـلّ يَـوْمٍ وَقْفَـةٌ بِفَنَائِـهِ

تُخزِي الشّريـفَ، وَرَدّةٌ عن بابِـهِ

إسْمَـعْ لغَضْبـانٍ تثَبّـثَ سَاعَـةً

فَبَـداكَ قَبْـلَ هجَائِـهِ بعِتـابِـهِ

تالله يَسْهَـرُ فـي مَديحِـكَ لَيْلَـهُ

مُتَمَلْمِـلاً، وَتَنَـامُ دونَ ثَـوَابِـهِ

يَقظَانُ يَنْتَخِـبُ الكَـلامَ، كأنّـه

جَيشٌ لَدَيْهِ يُرِيـدُ أنْ يَلقـى بِـهِ

فأتى بهِ كالسْيفِ رَقـرَقَ صَيقَـلٌ

ما بَيـنَ قائِـمِ سِنْخِـهِ وَذُبَابِـهِ

وَحَجَبْتَـهُ حَتّـى تَـوَهّـمَ أنّـهُ

هَـاجٍ أتَـاكَ بشَتمِـهِ وَسِبـابِـهِ

وَإذا الفتى صَحِبَ التّباعُدَ وَاكتَسَـى

كِبْراً عَليّ، فلَسـتُ من أصْحابِـهِ

وَلَرُبّ مُغرٍ لـي بعرضِكَ زَادَنـي

غَيظـاً بجِيئَـةِ قَوْلِـهِ وذَهَـابِـهِ

لَـوْلا الصّفَـاءُ وَذِمّـةٌ أَعْطَيْتُـها

حَقَّ الوفـاءِ، قضَيـتُ من آرَابِـهِ

 


أَلَمعُ بَرقٍ سَرَى

أَلَمعُ بَرقٍ سَرَى أَم ضَـوءُ مِصبـاحِ

أَمِ ابتِسامَتُـها بِالمَنظَـرِ الضَّاحـي

يَا بُؤسَ نَفسٍ عَلَيـها جِـدِّ آسِفَـةٍ

وَشَجوَ قَلبٍ إِلَيـها جِـدِّ مُرتـاحِ

وَيَرجِعُ اللَّيلُ مُبيَضّـاً إِذا ابتَسَمَـت

عَن أَبيَضٍ خَضِلِ السِّمطَينِ وَضَّـاحِ

تَهتَزُّ مِثلَ اهتِـزازِ الغُصـنِ أَتعَبَـهُ

مُرورُ غَيثٍ مِنَ الوَسـمِيِّ سَحَّـاحِ

وَجَدتُ نَفسَكِ مِن نَفسي بِمَنـزِلَةٍ

هِيَ المُصافاةُ بَيـنَ المـاءِ وَالـرَّاحِ

أُثنِي عَلَيكِ فَإِنِّي لَم أَخَـف أَحَـداً

يَلحَى عَلَيكِ وَماذَا يَزعُـمُ اللاَّحـي

وَلَيلَةَ القَصـرِ وَالصَّهبـاءُ قَاصِـرَةٌ

لِلَّهـوِ بَيـنَ أَبَـارِيـقٍ وَأَقـداحِ

أَرسَلتِ شُغلَينِ مِن لَفـظٍ مَحاسِنَـهُ

تُدوِي الصَّحيحَ وَلَحظٍ يُسكِرُ الصَّاحي

حَيَّيتُ خَدَّيكِ بَل حَيَّيتُ مِن طَـرَبٍ

وَرداً بِــوَردٍ وَتُفَّـاحـاً بِتُفَّـاحِ

كَم نَظرَةٍ لِي خِلالَ الشَّامِ لَو وَصَلَت

رَوَّت غَليلَ فُـؤادٍ مِنـكِ مُلتـاحِ

وَالعيسُ تَرمِي بِأَيديهـا عَلى عَجَـلٍ

فِي مَهمَهٍ مِثلَ ظَهرِ التُّرسِ رَحـراحِ

تُهدِي إِلَى الفَتحِ وَالنُّعمَى بِذاكَ لَـهُ

مَدحاً يُقَصِّـرُ عَنـهُ كُـلُّ مَـدَّاحِ

تَكَشَّفَ اللَّيـلُ مِـن لألاءِ غُرَّتِـهِ

عَن بَدرِ دَاجِيَةٍ أَو شَمـسِ إِصبـاحِ

مُهَـذَّبٌ تُشـرِقُ الدَّنيـا لِطَلعَتِـهِ

عَن أَبيَضٍ مِثلِ نَصلِ السَّيفِ وَضَّاحِ

غَمرُ النَّـوالِ إِذَا الآمـالُ أَكذَبَهـا

ثِمادُ نَيلٍ مِنَ الأَقـوامِ ضَحضـاحِ

مَواهِبٌ ضَرَبَت فِي كُلِّ ذِي عَـدَمٍ

بِثَـروَةٍ وَأَماحَـت كُـلَّ مُمتـاحِ

كَأَنَّما بَاتَ يَهمِـي فِـي جَوانِبِهـا

رُكَـامُ مُنتَثِـرِ الـحِضنَيـنِ دَلاَّحِ

قَد فَتَّحَ الفَتحُ أَغلاقَ الزَّمـانِ لَنـا

عَمَّا نُحـاوِلُ مِن بَـذلٍ وَإِسـماحِ

يَسمُو بِكَفٍّ عَلى العافيـنَ حانِيَـةٍ

تَهمِي وَطَرفٍ إِلَى العَليـاءِ طَمَّـاحِ

إِنَّ الَّذينَ جَرَوا كَي يَلحَقـوهُ ثَنَـوا

عَنـهُ أَعِنَّــةَ ظُـلاَّعٍ وَطُـلاَّحِ

طالَ المَدَى دُونَهُ حَتَّى لَـوَى بِهِـمِ

عَن غُرَّةٍ سَبَقَـت مِنـهُ وَأَوضـاحِ

 


طالَمـاجَرَى الدَّهر

أَخٌ لِيَ مِن سَعـدِ بنِ نَبهـانَ طالَمـا

جَرَى الدَّهرُ لِي مِن فَضلِ جَدواهُ بِالسَّعدِ

تَقَيَّـلَ مِـن عَبـدِ العَزيـزِ سَجِيَّـةً

مِنَ المَجدِ تِمّاً بَل تَزيدُ عَلـى المَجـدِ

وَمَا قَبُحَ المَعـروفُ إِلاَّ غَـدا اسـمُهُ

عَلَيَّ فَكانَ اسـماً لِمَعروفِـهِ عِنـدي

فَدَتكَ أَبا الخَطَّابِ نَفسِي مِنَ الـرَّدَى

وَلازِلتَ تُفدى بِالنُّفـوسِ وَلا تَفـدي

فَلِلرَقَّـةِ البَيضـاءِ يَـومَ اجتِماعِنـا

يَدٌ لَكَ بَيضاءٌ يَقِـلُّ لَهـا حَمـدي

أَحينَ تَدَانينـا عَلـى نَـأيِ أَزمُـنٍ

مَضَت وَتَلاقَينا عَلـى قِـدَمِ العَهـدِ

وَأَولَيتَ مِن إِحسانِـكَ الجَـمِّ نائِـلاً

يُذَكِّرُنِي مَا قَـد نَسيـتُ مِنَ الـوُدِّ

تَمادَيتَ فِي الشُّغلِ الَّذي أَنتَ فَـارِغٌ

بِهِ وَجَفَوتَ الرَّاحَ فِي زَمَـنِ الـوَّردِ

إِذا مَـا تَقـاطَعنـا وَنَحـنُ بِبَلـدَةٍ

فَما فَضلُ قُربِ الدَّارِ مِنَّا عَلى البُعـدِ

 


لَـومُ العَـاذِلات

نَصِيبِي مِنـكِ لَـومُ العَـاذِلاتِ

وَهِجـرانٌ بَلَغـتِ بِـهِ أَذَاتِـي

رَأَيتُ الغَانِيـاتَ يَرَيـنَ غُنـماً

رَدَانا فِـي صُـدودِ الغَانِيـاتِ

إِذا لُبنَـى أَلامَـت فِـي صَنيـعٍ

أَحَالَت بِالمَـلامِ عَلـى الوُشـاةِ

وَمَا وَعَـدَت وَشيكاً مِن نَـوالٍ

فَنَطلُبَ عِندَها نُجـحَ العِـداتِ

تُجَرِّعُنـا مَـرارَةَ كُـلِّ عَيـشٍ

وَبِيءِ الـوِردِ مَعـدومِ العَـذاةِ

بِحَسبِكِ مَا تَخوضُ لَنا اللَّيالِـي

مِـنَ البَيـنِ المُبَـرِّحِ وَالشَّتـاتِ

سَيَبعُدُ فِي التَّعَقُّبِ كُـلُّ مَـاضٍ

وَيَقـرُبُ بِالتَّقَـرُّبِ كُـلُّ آتِ

إِذا حَاوَلتُ فِي الدُّنيـا خُلـوداً

أَتَانِـي مَا أُحَـاوِلُ أَن يُواتِـي

أَرَى سَيرِي إِلَى أَقصَـى سَبِيلـي

لِفَرطِ الجِـدِّ يَمنَعُنِـي التِفاتِـي

لَقَد صَدَقَ المُنَقِّبَ عَـن حَديثِـي

بُـدُوِّيَ لِلأَعَـادِي وَانصِلاتِـي

وَجَدتُ الحُكمَ ضُيِّعَ حينَ أَفضَـى

إِلَى سَبُعٍ مِـنَ الفُسَّـاقِ عَـاتِ

أَيَعتَـرِضُ المُؤَبِّـنُ دُونَ حَقِّـي

وَتِلكَ مِنَ الدَّواهِـي المُعضِـلاتِ

تَجاهَلَ مَعشَرٌ مِقـدارَ سَطـوِي

وَقَد لاحَت لأَعيُنِهُـم سِماتِـي

وَأَبقَت حَادِثـاتُ الدَّهـرِ مِنِّـي

وَإِن خَفَضَت يَدِي وَحَنَت قَناتِـي

سَوائِرُ مِن سِهامِ الشِّعرِ تُصمِـي

إِذا جَعَلَت تُشيـدُ بِهـا رُوَاتِـي

وَعِندَ بَنِي الفُراتِ عَتيـدُ نَصـرٍ

إِذا استَنجَدتَ نَصرَ بَنِي الفُـراتِ

خُصومُ النَّائِبـاتِ وَكانَ مَجـداً

تَـوَلِّيهِـم دِفـاعَ النَّـائِبـاتِ

مَواهِبُهُـم نِهايـاتُ الأَمَـانِـي

وَأَكفـاءُ القَوافِـي السَّائِـراتِ

أَبـا العَبَّـاسِ لاَ تَبـرَح مَلِيّـاً

بِتَشيِيـدِ العُـلاَ وَالمَكـرُمـاتِ

أُعِـدُّكَ لِـي صَديقـاً أَرتَضيـهِ

لإِذلالِ الأَعِـزَّةِ مِـن عُـداتِـي

 


لَيسَ الزَّمـان

لَيسَ الزَّمـانُ بِمُعتِـبٍ فَذَرينِـي

أَرمِي تَجَهُّـمَ خَطبِـهِ بِجَبينِـي

وَخذُ القِلاصِ يَرُدُّنِي لَكِ بِالغِنَـى

فِي بَعضِ ذَا التَّطوافِ أَو يُردينِـي

وَالـرِّزقُ لِليَقِـظِ المُشَيَّـعِ رَأيُـهُ

بِالعَـزمِ لالِلعـاجِـزِ المَـأفـونِ

لَولاَ أَبو إِسحاقَ لَم أَلحَـق بِمَـن

فَوقي وَلَم أَفضُل عَلى مَن دُونِـي

أَقسَمتُ لا يَخشَى الحَوادِثَ جارُهُ

وَيَمينُـهُ قَمِـنٌ بِبِــرِّ يَمينِـي

سَمحُ اليَدَيـنِ لَـهُ أَيـادٍ جَمَّـةٌ

عِنـدي وَمَـنٌّ لَيـسَ بِالمَمنـونِ

وَلَقَد بَعَثتُ لَهُ الثَّنـاءَ فَلَـم يَقُـم

جُهدُ الثَّناءِ بِعَفـوِ مَـا يُولينِـي

جُودٌ يَبُذُّ الغَيثَ أَحفَلَ مَا جَـرَت

بِسِجالِهِ فِيَـقُ السَّحـابِ الجـونِ

أَنَّى يَكونُ لَهُ اتِّصالٌ فِـي النَّـدَى

وَوُقوعُهُ فِي الحيـنِ بَعـدَ الحيـنِ

أَفدِيكَ وَالنَّعـماءُ عِنـدي جَمَّـةٌ

قَد كَثَّرَت فِي النَّاسِ مَن يَفدِينِـي

إِنَّ الَّـذي حُمِّلتُــهُ فَحَمَلتَـهُ

مَاكَانَ مِن خُلُقـي وَلاَ مِن دِينِـي

أَيَخونُ فِي سِرِّ الصَّديقِ لِسانُ ذِي

كَـرَمٍ عَلى سِـرِّ العَـدُوِّ أَميـنِ

هَذا وَمَاصَدرِي بِمُنصَرِفِ الهَـوَى

عَنكُـم وَلاَ أَنَـا فِيكُـمُ بِظَنِيـنِ

أَبَنِـي المُدَبِّـرِ لاتَـزَل أَيَّامُكُـم

مَوصُـولَـةً بِالعِـزِّ وَالتَّمكيـنِ

فَالمَجدُ يَعلَمُ أَنَّكُم لَـم تُقصِـروا

إِلاَّ عَلـى سَبــقٍ إِلَيـهِ مُبيـنِ

 


هَل أَنتَ مُستَمِـعٌ

هَل أَنتَ مُستَمِـعٌ لِمَـن نَادَاكـا

فَتُهيبَ مِن شَـوقٍ إِلَيـكَ دِرَاكـا

يَا يُوسِفَ بنَ مُحَمَّدٍ دَعوَى امـرِئٍ

عَـدَلَ الهَـوَى بِلِسانِـهِ فَدَعَاكـا

لا يَعدَمُ العَافونَ حَيـثُ تَوَجَّهـوا

يَدَكَ الهَتونَ وَوَجهَـكَ الضَحَّاكـا

مَازِلتَ مُذ جَارَيتَ سَابِـقَ مَعشَـرٍ

قَصَدوا العُلا حَتَّى لَحِقـتَ أَبَاكـا

فَجَـرَى عَلـى غَلوائِـهِ وَعَلِقتَـهُ

بِالجَـريِ لا فَـوتـاً وَلا إِدرَاكـا

صَرَفوكَ عَن حَربِ الثُّغورِ بِقَدرِ مَـا

عَرَفـوكَ يَا ابنَ مُحَمَّـدٍ بِسِوَاكـا

دَحَضَت بِهِ قَدَمـاهُ فِـي أُهوَبَّـةٍ

زَبَتَت عَلَيـها بِالهُـدى قَدَمَاكـا

فَوَراءَكَ الإِسلامُ مَحرُوسَ القُـوَى

لَمَّا جَعَلـتَ أَمَامَـكَ الإِشرَاكـا

وَالرُّومُ تَعلَمُ أَنَّ سَيفَكَ لَـم يَـزَل

حَتفاً لِصَيـدِ مُلوكِهـا وَهَلاَكـا

وَلَوِ احتَضَنتَهُـمُ بِأَيـدِكَ لالتَقَـت

مِن خَلفِ أَموَاجِ الخَليـجِ يَدَاكـا

لَن يَأخُذَ الحُسَّادُ مَجـدَكَ بِالمُنَـى

اللهُ أَعطـاكَ الَّـذِي أَعطَـاكـا

أَهدَى السَّلامُ لَكَ السَّلامَ وَنِعمَـةً

تُهدِي الغَليلَ إِلَى صُـدورِ عِدَاكـا

وَحَدا الغَمامُ إِلَى الثُّغـورِ رِكابَـهُ

حَتَّـى أَنـاخَ بِعَلوِهـا فَسَقَاكـا

أَرضٌ تَتيهِ عَلى السَّحابِ إِذا التَقَـى

سَيهانُ فِـي حَجَراتِهـا وَنَدَاكـا

لَم تُروِ دِجلَةُ ظَمـأَةً مِنِّـي وَقَـد

جاوَرتُهـا وَتَرَكـتُ ذَاكَ لِذَاكـا

فَمَتَى أَرُومُ الغَربَ نَحـوَكَ مَاتِحـاً

غَربَ النَّدَى فَأَرَى الغِنَى وَأَرَاكـا

لاَ تَسأَلَنِّـي عَن تَعَـذُّرِ مَطلَبِـي

وَكُسُوفِ آمَالِي جُعِلـتُ فِدَاكـا

فَلَقَد طَلَبتُ الرِّزقَ بَعـدَكَ مُعـوِزاً

وَمَدَحتُ بَعـدَ فِراقِـكَ الأَفَّاكـا

 


إِن رَقَّ لِي قَلبُـك

إِن رَقَّ لِي قَلبُـكِ مِمَّـا أُلاقِـي

مِن فَرطِ تَعذِيبٍ وَفَـرطِ اشتِيـاق

وَجُـدتِ بِالوَصـلِ عَلى مُغـرَمٍ

فَزَوِّدِينِي مِنـكِ قَبـلَ انطِـلاق

إِن أَنـتِ وَدَّعــتِ بِتَقبيلَــةٍ

كَانَت يَـداً مَشكـورَةً لِلفِـراق

أُحَاذِرُ البَيـنَ مِنَ أَجـلِ النَّـوَى

طَوراً وَأَهواهُ مِنَ أَجـلِ العِنـاق

قَـد جَعَـلَ اللهُ إِلَـى جَعفَــرٍ

حِياطَـةَ الدِّيـنِ وَقَمـعَ النِّفـاق

طَـاعَتُـهُ فَـرضٌ وَعِصيـانُـهُ

مِن أَعظَمِ الكُفرِ وَأَعلَى الشِّقـاق

مَن لَم يَبُحكَ النُّصـحَ مِن قَلبِـهِ

فَما لَـهُ فِي دِينِـهِ مِـن خَـلاق

فَاسلَم لَنـا يَسلَـم لَنـا عِزُّنـا

وَابقَ فَإِنَّ الخَيرَ مَا عِشـتَ بَـاق

إِنَّ دِمَشقـاً أَصبَحَـت جَـنَّـةً

مُخضَرَّةَ الـرَّوضِ عَـذاةَ البِـراق

هَوَاؤُهَا الفَضفاضُ غَـضُّ النَّـدَى

وَمَاؤُهَا السَّلسالُ عَـذبُ المَـذَاق

وَالـدَّهـرُ طَلـقٌ بَيـنَ أَفيائِهـا

وَالعَيشُ فِيهَا ذُو حَـوَاشٍ رِقـاق

نَـاظِـرَةٌ نَحـوَكَ مُشتـاقَــةٌ

مِنكَ إِلَى القُربِ وَوَشكِ التَّـلاق

وَكَيـفَ لاَ تُؤثِـرُهـا بِالهَـوَى

وَصَيفُـها مِثـلُ شِتـاءِ العِـراق

 


وَصَلنا إِلَى التَّوديـعِ

وَصَلنا إِلَى التَّوديـعِ غَيـرَ مُـوَدَّعِ

سَنَحفَظُ عَهداً مِنكَ غَيـرَ مُضَيَّـعِ

أَمَا وَالَّذي يُبقيكَ لِلحَمدِ وَالنَّـدَى

لَيَنتَظِمَنَّ الشَّوقُ مَابَيـنَ أَضلُعـي

وَتَأخُذُ مِن عَينِي بِحَـقِّ دُموعِهـا

وَيَرتاعُ قَلـبٌ لَم يَكُـن بِمُـرَوَّعِ

وَمِن أَعجَبِ الأَشيـاءِ أَنَّ قُلوبَنـا

صِحاحٌ لِخَوفِ البَيـنِ لَم تَتَقَطَّـعِ

وَلَو أَنَّ غَربَ الدَّمعِ كَانَ مُشاكِـلاً

لِغَربِ الأَسَى لاِرفَضَّ مِن كُلِّ مَدمَعِ

وَلَكِن جَرَى مِنـهُ قَليـلٌ مُصَـرَّدٌ

وَلَم يَكُ تَصريدُ الدُّمـوعِ بِمُقنِـعِ

فَرَوَّاكَ صَوبُ الحَمدِ فِي كُلِّ مَوطِنٍ

وَجادَكَ غَيثُ الدَّهرِ فِي كُلِّ مَربَـعِ

وَلازِلتَ بِالصُنعِ الجَميـلِ مُشَيَّعـاً

كَما أَنَّنِي بِالصَّبـرِ غَيـرُ مُشَيَّـعِ