عنترة بن شداد

هو عنترة بن شداد بن معاوية بن قراد بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة العبسي

توفي سنة 22 ق.هـ / 601 م

من شعراء العصر الجاهلي

 

معلقة هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ

هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ منْ مُتَـرَدَّمِ

أم هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بعدَ تَوَهُّـمِ

يَا دَارَ عَبْلـةَ بِالجَواءِ تَكَلَّمِـي

وَعِمِّي صَبَاحاً دَارَ عبْلةَ واسلَمِي

فَوَقَّفْـتُ فيها نَاقَتي وكَأنَّهَـا

فَـدَنٌ لأَقْضي حَاجَةَ المُتَلَـوِّمِ

وتَحُـلُّ عَبلَةُ بِالجَوَاءِ وأَهْلُنَـا

بالحَـزنِ فَالصَّمَـانِ فَالمُتَثَلَّـمِ

حُيِّيْتَ مِنْ طَلَلٍ تَقادَمَ عَهْـدُهُ

أَقْـوى وأَقْفَـرَ بَعدَ أُمِّ الهَيْثَـمِ

حَلَّتْ بِأَرض الزَّائِرينَ فَأَصْبَحَتْ

عسِراً عليَّ طِلاَبُكِ ابنَةَ مَخْـرَمِ

عُلِّقْتُهَـا عَرْضاً وأقْتلُ قَوْمَهَـا

زعماً لعَمرُ أبيكَ لَيسَ بِمَزْعَـمِ

ولقـد نَزَلْتِ فَلا تَظُنِّي غَيْـرهُ

مِنّـي بِمَنْـزِلَةِ المُحِبِّ المُكْـرَمِ

كَـيفَ المَزارُ وقد تَربَّع أَهْلُهَـا

بِعُنَيْـزَتَيْـنِ وأَهْلُنَـا بِالغَيْلَـمِ

إنْ كُنْتِ أزْمَعْتِ الفِراقَ فَإِنَّمَـا

زَمَّـت رِكَائِبُكُمْ بِلَيْلٍ مُظْلِـمِ

مَـا رَاعَنـي إلاَّ حَمولةُ أَهْلِهَـا

وسْطَ الدِّيَارِ تَسُفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ

فِيهَـا اثْنَتانِ وأَرْبعونَ حَلُوبَـةً

سُوداً كَخافيةِ الغُرَابِ الأَسْحَـمِ

إذْ تَسْتَبِيْكَ بِذِي غُروبٍ وَاضِحٍ

عَـذْبٍ مُقَبَّلُـهُ لَذيذُ المَطْعَـمِ

وكَـأَنَّ فَارَةَ تَاجِرٍ بِقَسِيْمَـةٍ

سَبَقَتْ عوَارِضَها إليكَ مِن الفَمِ

أوْ روْضـةً أُنُفاً تَضَمَّنَ نَبْتَهَـا

غَيْثٌ قليلُ الدَّمنِ ليسَ بِمَعْلَـمِ

جَـادَتْ علَيهِ كُلُّ بِكرٍ حُـرَّةٍ

فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرَارَةٍ كَالدِّرْهَـمِ

سَحّـاً وتَسْكاباً فَكُلَّ عَشِيَّـةٍ

يَجْـرِي عَلَيها المَاءُ لَم يَتَصَـرَّمِ

وَخَلَى الذُّبَابُ بِهَا فَلَيسَ بِبَـارِحٍ

غَرِداً كَفِعْل الشَّاربِ المُتَرَنّـمِ

هَزِجـاً يَحُـكُّ ذِراعَهُ بذِراعِـهِ

قَدْحَ المُكَبِّ على الزِّنَادِ الأَجْـذَمِ

تُمْسِي وتُصْبِحُ فَوْقَ ظَهْرِ حَشيّةٍ

وأَبِيتُ فَوْقَ سرَاةِ أدْهَمَ مُلْجَـمِ

وَحَشِيَّتي سَرْجٌ على عَبْلِ الشَّوَى

نَهْـدٍ مَرَاكِلُـهُ نَبِيلِ المَحْـزِمِ

هَـل تُبْلِغَنِّـي دَارَهَا شَدَنِيَّـةَ

لُعِنَتْ بِمَحْرُومِ الشَّرابِ مُصَـرَّمِ

خَطَّـارَةٌ غِبَّ السُّرَى زَيَّافَـةٌ

تَطِـسُ الإِكَامَ بِوَخذِ خُفٍّ مِيْثَمِ

وكَأَنَّمَا تَطِـسُ الإِكَامَ عَشِيَّـةً

بِقَـريبِ بَينَ المَنْسِمَيْنِ مُصَلَّـمِ

تَأْوِي لَهُ قُلُصُ النَّعَامِ كَما أَوَتْ

حِـزَقٌ يَمَانِيَّةٌ لأَعْجَمَ طِمْطِـمِ

يَتْبَعْـنَ قُلَّـةَ رأْسِـهِ وكأَنَّـهُ

حَـرَجٌ على نَعْشٍ لَهُنَّ مُخَيَّـمِ

صَعْلٍ يعُودُ بِذِي العُشَيرَةِ بَيْضَـةُ

كَالعَبْدِ ذِي الفَرْو الطَّويلِ الأَصْلَمِ

شَرَبَتْ بِماءِ الدُّحرُضينِ فَأَصْبَحَتْ

زَوْراءَ تَنْفِرُ عن حيَاضِ الدَّيْلَـمِ

وَكَأَنَّمَا تَنأَى بجَانِبِ دَفَّهَا الْوَحْشِيِّ ِ

مِمِنْ هَزِجِ الْعَشِيِّ مُـــؤَوَّمِ

هِـرٍّ جَنيبٍ كُلَّما عَطَفَتْ لـهُ

غَضَبَ اتَّقاهَا بِاليَدَينِ وَبِالفَـمِ

بَرَكَتْ عَلَى جَنبِ الرِّدَاعِ كَأَنَّـما

بَرَكَتْ عَلَى قَصَبٍ أَجَشَّ مُهَضَّمِ

وَكَأَنَّ رُبّاً أَوْ كُحَيْلاً مُقْعَـــداً

حَشَّ الوَقُودُ بِهِ جَوَانِبَ قُمْقُـمِ

يَنْبَاعُ منْ ذِفْرَى غَضوبٍ جَسرَةٍ

زَيَّافَـةٍ مِثـلَ الفَنيـقِ المُكْـدَمِ

إِنْ تُغْدِفي دُونِي القِناعَ فإِنَّنِـي

طَـبٌّ بِأَخذِ الفَارسِ المُسْتَلْئِـمِ

أَثْنِـي عَلَيَّ بِمَا عَلِمْتِ فإِنَّنِـي

سَمْـحٌ مُخَالقَتي إِذَا لم أُظْلَـمِ

وإِذَا ظُلِمْتُ فإِنَّ ظُلْمِي بَاسِـلٌ

مُـرٌّ مَذَاقَتُـهُ كَطَعمِ العَلْقَـمِ

ولقَد شَربْتُ مِنَ المُدَامةِ بَعْدَمـا

رَكَدَ الهَواجرُ بِالمشوفِ المُعْلَـمِ

بِزُجاجَـةٍ صَفْراءَ ذاتِ أَسِـرَّةٍ

قُرِنَتْ بِأَزْهَر في الشَّمالِ مُقَـدَّمِ

فإِذَا شَـرَبْتُ فإِنَّنِي مُسْتَهْلِـكٌ

مَالـي وعِرْضي وافِرٌ لَم يُكلَـمِ

وإِذَا صَحَوتُ فَما أَقَصِّرُ عنْ نَدَىً

وكَما عَلمتِ شَمائِلي وتَكَرُّمـي

وحَلِـيلِ غَانِيةٍ تَرَكْتُ مُجـدَّلاً

تَمكُو فَريصَتُهُ كَشَدْقِ الأَعْلَـمِ

سَبَقَـتْ يَدايَ لهُ بِعاجِلِ طَعْنَـةٍ

ورِشـاشِ نافِـذَةٍ كَلَوْنِ العَنْـدَمِ

هَلاَّ سأَلْتِ الخَيـلَ يا ابنةَ مالِـكٍ

إنْ كُنْتِ جاهِلَةً بِـمَا لَم تَعْلَمِـي

إِذْ لا أزَالُ عَلَى رِحَالـةِ سَابِـحٍ

نَهْـدٍ تعـاوَرُهُ الكُمـاةُ مُكَلَّـمِ

طَـوْراً يُـجَرَّدُ للطَّعانِ وتَـارَةً

يَأْوِي إلى حَصِدِ القِسِيِّ عَرَمْـرِمِ

يُخْبِـركِ مَنْ شَهَدَ الوَقيعَةَ أنَّنِـي

أَغْشى الوَغَى وأَعِفُّ عِنْد المَغْنَـمِ

ومُـدَّجِجٍ كَـرِهَ الكُماةُ نِزَالَـهُ

لا مُمْعـنٍ هَـرَباً ولا مُسْتَسْلِـمِ

جَـادَتْ لهُ كَفِّي بِعاجِلِ طَعْنـةٍ

بِمُثَقَّـفٍ صَدْقِ الكُعُوبِ مُقَـوَّمِ

فَشَكَكْـتُ بِالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثِيابـهُ

ليـسَ الكَريمُ على القَنا بِمُحَـرَّمِ

فتَـركْتُهُ جَزَرَ السِّبَـاعِ يَنَشْنَـهُ

يَقْضِمْـنَ حُسْنَ بَنانهِ والمِعْصَـمِ

ومِشَكِّ سابِغةٍ هَتَكْتُ فُروجَهـا

بِالسَّيف عنْ حَامِي الحَقيقَةِ مُعْلِـمِ

رَبِـذٍ يَـدَاهُ بالقِـدَاح إِذَا شَتَـا

هَتَّـاكِ غَايـاتِ التَّجـارِ مُلَـوَّمِ

لـمَّا رَآنِي قَـدْ نَزَلـتُ أُريـدُهُ

أَبْـدَى نَواجِـذَهُ لِغَيـرِ تَبَسُّـمِ

عَهـدِي بِهِ مَدَّ النَّهـارِ كَأَنَّمـا

خُضِـبَ البَنَانُ ورَأُسُهُ بِالعَظْلَـمِ

فَطعنْتُـهُ بِالرُّمْـحِ ثُـمَّ عَلَوْتُـهُ

بِمُهَنَّـدٍ صافِي الحَديدَةِ مِخْـذَمِ

بَطـلٌ كأَنَّ ثِيـابَهُ في سَرْحـةٍ

يُحْذَى نِعَالَ السِّبْتِ ليْسَ بِتَـوْأَمِ

ياشَـاةَ ما قَنَصٍ لِمَنْ حَلَّتْ لـهُ

حَـرُمَتْ عَلَيَّ وَلَيْتَها لم تَحْـرُمِ

فَبَعَثْتُ جَارِيَتي فَقُلْتُ لها اذْهَبـي

فَتَجَسَّسِي أَخْبارَها لِيَ واعْلَمِـي

قَالتْ : رَأيتُ مِنَ الأَعادِي غِـرَّةً

والشَاةُ مُمْكِنَةٌ لِمَنْ هُو مُرْتَمـي

وكـأَنَّمَا التَفَتَتْ بِجِيدِ جَدَايـةٍ

رَشَـاءٍ مِنَ الغِـزْلانِ حُرٍ أَرْثَـمِ

نُبّئـتُ عَمْراً غَيْرَ شاكِرِ نِعْمَتِـي

والكُـفْرُ مَخْبَثَـةٌ لِنَفْسِ المُنْعِـمِ

ولقَدْ حَفِظْتُ وَصَاةَ عَمِّي بِالضُّحَى

إِذْ تَقْلِصُ الشَّفَتَانِ عَنْ وَضَحِ الفَمِ

في حَوْمَةِ الحَرْبِ التي لا تَشْتَكِـي

غَمَـرَاتِها الأَبْطَالُ غَيْرَ تَغَمْغُـمِ

إِذْ يَتَّقُـونَ بـيَ الأَسِنَّةَ لم أَخِـمْ

عَنْـها ولَكنِّي تَضَايَقَ مُقْــدَمِ

لـمَّا رَأيْتُ القَوْمَ أقْبَلَ جَمْعُهُـمْ

يَتَـذَامَرُونَ كَرَرْتُ غَيْرَ مُذَمَّـمِ

يَدْعُـونَ عَنْتَرَ والرِّماحُ كأَنَّهـا

أشْطَـانُ بِئْـرٍ في لِبَانِ الأَدْهَـمِ

مازِلْـتُ أَرْمِيهُـمْ بِثُغْرَةِ نَحْـرِهِ

ولِبـانِهِ حَتَّـى تَسَـرْبَلَ بِالـدَّمِ

فَـازْوَرَّ مِنْ وَقْـعِ القَنا بِلِبانِـهِ

وشَـكَا إِلَىَّ بِعَبْـرَةٍ وَتَحَمْحُـمِ

لو كانَ يَدْرِي مَا المُحاوَرَةُ اشْتَكَى

وَلَـكانَ لو عَلِمْ الكَلامَ مُكَلِّمِـي

ولقَـدْ شَفَى نَفْسي وَأَذهَبَ سُقْمَهَا

قِيْلُ الفَـوارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْـدِمِ

والخَيـلُ تَقْتَحِمُ الخَبَارَ عَوَابِسـاً

مِن بَيْنَ شَيْظَمَـةٍ وَآخَرَ شَيْظَـمِ

ذُللٌ رِكَابِي حَيْثُ شِئْتُ مُشَايعِي

لُـبِّي وأَحْفِـزُهُ بِأَمْـرٍ مُبْـرَمِ

ولقَدْ خَشَيْتُ بِأَنْ أَمُوتَ ولَم تَـدُرْ

للحَرْبِ دَائِرَةٌ على ابْنَي ضَمْضَـمِ

الشَّـاتِمِيْ عِرْضِي ولَم أَشْتِمْهُمَـا

والنَّـاذِرَيْـنِ إِذْا لَم أَلقَهُمَا دَمِـي

إِنْ يَفْعَـلا فَلَقَدْ تَرَكتُ أَباهُمَـا

جَـزَرَ السِّباعِ وكُلِّ نِسْرٍ قَشْعَـمِ

 


بَـدرَ التَّمـام

أَتانِـي طَيـفُ عَبلَـةَ فِـي المَنـامِ

فَقَبَّلَنِـي ثَـلاثـاً فِـي اللِّـثـامِ

وَوَدَّعَنِـي فَـأَودَعَـنِـي لَهيبـاً

أُسَتِّـرُهُ وَيَشعُـلُ فِـي عِظامـي

وَلَـولا أَنَّنِـي أَخـلـو بِنَفسـي

وَأُطفِئُ بِالدُّموعِ جَـوَى غَرامـي

لَمُتُّ أَسىً وَكَـم أَشكـو لأَنِّـي

أَغـارُ عَلَيـكِ يـا بَـدرَ التَّمـامِ

أَيا ابنَـةَ مـالِكٍ كَيـفَ التَّسَلِّـي

وَعَهدُ هَـواكِ مِن عَهـدِ الفِطـامِ

وَكَيفَ أَرومُ مِنكِ القُـربَ يَومـاً

وَحَـولَ خِبـاكِ آسـادُ الأَجـامِ

وَحَـقِّ هَـواكِ لا داوَيـتُ قَلبِـي

بِغَيـرِ الصَّبـرِ يا بِنـتَ الكِـرامِ

إِلـى أَن أَرتَقـي دَرَجَ المَعـالِـي

بِطَعنِ الرُّمـحِ أَو ضَـربِ الحُسـامِ

أَنا العَبـدُ الَّـذي خُبِّـرتِ عَنـهُ

رَعَيتُ جِمالَ قَومـي مِن فِطامـي

أَروحُ مِنَ الصَّـبَاحِ إِلـى مَغيـبٍ

وَأَرقُـدُ بَيـنَ أَطنـابِ الخِـيـامِ

أَذِلُّ لِعَبلَـةٍ مِـن فَـرطِ وَجـدي

وَأَجعَلُهـا مِـنَ الدُّنيـا اهتِمَامـي

وَأَمتَـثِـلُ الأَوامِـرَ مِـن أَبِيهَـا

وَقَد مَلَكَ الـهَوَى مِنِّـي زِمامـي

رَضيتُ بِحُبِّهـا طَوعـاً وَكَرهـاً

فَهَل أَحظَـى بِهَـا قَبـلَ الحِمـامِ

وَإِن عَابَت سَوادِي فَهـوَ فَخـري

لأَنِّي فَـارِسٌ مِـن نَسـلِ حَـامِ

وَلِي قَلبٌ أَشَـدُّ مِـنَ الرَّوَاسِـي

وَذِكرِي مِثلُ عَرفِ المِسـكِ نَامـي

وَمِن عَجَبِي أَصِيـدُ الأُسـدَ قَهـراً

وَأَفتَـرِسُ الضَّـوارِي كَـالـهَوامِ

وَتَقنُصُنِي ظِبا السَّعـدِي وَتَسطُـو

عَلَـيَّ مَهـا الشَـرَبَّـةِ وَالخُـزامِ

لَعَمـرُ أَبِيـكَ لا أَسلُـو هَوَاهَـا

وَلَو طَحَنَـت مَحَبَّتُهـا عِظامـي

عَلَيـكِ أَيـا عُبَيلَـةُ كُـلَّ يَـومٍ

سَـلامٌ فِـي سَـلامٍ فِـي سَـلامِ

 


فَقـدِ الأَوطـانِ

أَحرَقَتنِـي نـارُ الجَـوى وَالبُعـادِ

بَـعـدَ فَقـدِ الأَوطـانِ وَالأَولادِ

شَابَ رَأسِي فَصـارَ أَبيَـضَ لَونـاً

بَعدَمـا كـانَ حالِكـاً بِالسَّـوادِ

وَتَذَكَّـرتُ عَبلَـةً يَـومَ جَـاءَت

لِوَداعِي وَالـهَمُّ وَالوَجـدُ بَـادي

وَهيَ تُذرف مِن خيفَةِ البُعـدِ دَمعـاً

مُستَـهِـلاًّ بِلَـوعَـةٍ وَسُـهـادِ

قُلتُ كُفّي الدُموعَ عَنـكِ فَقَلبِـي

ذَابَ حُزناً وَلَوعَتِـي فِـي ازدِيـادِ

وَيحَ هَذا الزَّمـانِ كَيـفَ رَمانِـي

بِسِهـامٍ صَابَـت صَميـمَ فُـؤَادي

غَيـرَ أَنّي مِثـلُ الحُسـامِ إِذا مـا

زادَ صَـقـلاً جـادَ يَـومَ جِـلادِ

حَنَّكَتنِـي نَوائِـبُ الدَّهـرِ حَتَّـى

أَوقَفَتنِـي عَلـى طَريـقِ الرَّشـادِ

وَلَقيتُ الأَبطالَ فِي كُـلِّ حَـربٍ

وَهَزَمتُ الرِّجـالَ فِي كُـلِّ وادي

وَتَرَكتُ الفُرسانَ صَرعَـى بِطَعـنٍ

مِن سِنـانٍ يَحكـي رُؤوسَ المَـزادِ

وَحُسامٍ قَد كُنتُ مِن عَهـدِ شَـدّادٍ

قَديـماً وَكانَ مِـن عَهـدِ عـادِ

وَقَهَـرتُ المُلـوكَ شَرقـاً وَغَربـاً

وَأَبَـدتُ الأَقـرانَ يَـومَ الطِّـرادِ

قَلَّ صَبـري عَلى فِـراقِ غَصـوبٍ

وَهوَ قَد كـانَ عُدَّتِـي وَاعتِمَـادي

وَكَـذا عُـروَةٌ وَمَيسَـرَةٌ حَامِـي

حِمَانَـا عِنـدَ اِصطِـدامِ الجِيـادِ

لأَفُكَّـنَّ أَسرَهُـم عَـن قَـريـبٍ

مِـن أَيَـادِي الأَعـداءِ وَالحُسَّـادِ

 


أَحِنُّ إِلى ضَربِ السُّيوف

أَحِنُّ إِلى ضَربِ السُّيوفِ القَواضِـبِ

وَأَصبو إِلى طَعنِ الرِّمـاحِ اللَّواعِـبِ

وَأَشتاقُ كَاسَاتِ المَنـونِ إِذا صَفَـت

وَدارَت عَلى رَأسي سِهامُ المَصائِـبِ

وَيُطـرِبُنِـي وَالخَيـلُ تَعثُـرُ بِالقَنـا

حُـداةُ المَنايـا وَاِرتِعـاجُ المَواكِـبِ

وَضَربٌ وَطَعنٌ تَحتَ ظِـلِّ عَجاجَـةٍ

كَجُنحِ الدُّجى مِن وَقعِ أَيدي السَّلاهِبِ

تَطيرُ رُؤوسُ القَومِ تَحـتَ ظَلامِهـا

وَتَنقَضُّ فيهـا كَالنُّجـومُ الثَّواقِـب

وَتَلمَعُ فِيهِا البِيـضُ مِن كُلِّ جانِـبٍ

كَلَمعِ بُـروقٍ فِي ظَـلامِ الغَياهِـبِ

لَعَمرُكَ إِنَّ المَجـدَ وَالفَخـرَ وَالعُـلا

وَنَيلَ الأَمانِـي وَارتِفـاعَ المَراتِـبِ

لِمَـن يَلتَقـي أَبطالَهـا وَسَراتَهـا

بِقَلبٍ صَبورٍ عِنـدَ وَقـعِ المَضـارِبِ

وَيَبنِي بِحَدِّ السَّيفِ مَجـداً مُشَيَّـداً

عَلى فَلَكِ العَلياءِ فَـوقَ الكَواكِـبِ

وَمَن لَم يُرَوِّ رُمْحَـهُ مِـن دَمِ العِـدا

إِذا اشتَبَكَت سُمرُ القَنـا بِالقَواضِـبِ

وَيُعطي القَنا الخَطِّيَّ فِي الحَربِ حَقَّـهُ

وَيَبري بِحَدِّ السَّيفِ عُرضَ المَناكِـبِ

يَعيـشُ كَما عاشَ الذَّليـلُ بِغُصَّـةٍ

وَإِن ماتَ لا يُجري دُموعَ النَّـوادِبِ

فَضائِـلُ عَـزمٍ لا تُبـاعُ لِضـارِعٍ

وَأَسـرارُ حَـزمٍ لا تُـذاعُ لِعائِـبِ

بَرَزتُ بِها دَهـراً عَلى كُلِّ حـادِثٍ

وَلا كُحلَ إِلاَّ مِن غُبـارِ الكَتائِـبِ

إِذا كَذَبَ البَـرقُ اللَّمـوعُ لِشَائِـمٍ

فَبَرقُ حُسَامِي صَادِقٌ غَيـرُ كـاذِبِ

 


إِذا اشتَغَلَت

إِذا اشتَغَلَت أَهلُ البَطالَةِ فِي الكَـاسِ

أَوِ اِغتَبَقوها بَيـنَ قَـسٍّ وَشَمَّـاسِ

جَعَلتُ مَنامِي تَحتَ ظِلِّ عَجاجَـةٍ

وَكَأسَ مُدامِي قِحفَ جُمجُمَةِ الرَّاسِ

وَصَوتُ حُسَامِي مُطرِبِـي وَبَريقُـهُ

إِذا اسوَدَّ وَجهُ الأُفقِ بِالنَقعِ مِقباسي

وَإِن دَمدَمَت أُسدُ الشَّرى وَتَلاحَمَت

أُفَرِّقُها وَالطَّعـنُ يَسبُـقُ أَنفَاسـي

وَمَن قَـالَ إِنِّـي أَسـوَدٌ لِيَعيبَنِـي

أُريهِ بِفِعلي أَنَّـهُ أَكـذَبُ النَّـاسِ

فَسيري مَسيرَ الأَمنِ يا بِنتَ مـالِكٍ

وَلا تَجنَحي بَعدَ الرَّجاءِ إِلى اليَـاسِ

فَلَو لاحَ لِي شَخصُ الحِمـامِ لَقيتُـهُ

بِقَلبٍ شَديدِ البَأسِ كَالجَبَلِ الرَّاسـي

 


مُهَفهَفَةٌ وَالسِّحـر

إِذا الريحُ هَبَّت مِن رُبَى العَلَمَ السَّعدي

طَفا بَردُها حَـرَّ الصَّبَابَـةِ وَالوَجـدِ

وَذَكَّرَنِي قَوماً حَفِظـتُ عُهودَهُـم

فَما عَرِفوا قَدري وَلا حَفِظوا عَهدي

وَلَولا فَتـاةٌ فِـي الخِيـامِ مُقيمَـةٌ

لَمَا اختَرتُ قُربَ الدَّارِ يَوماً عَلى البُعدِ

مُهَفهَفَةٌ وَالسِّحـرُ مِـن لَحَظاتِهـا

إِذا كَلَّمَت مَيتاً يَقـومُ مِـنَ اللَّحـدِ

أَشارَت إِلَيها الشَّمسُ عِنـدَ غُروبِهـا

تَقولُ إِذا اِسوَدَّ الدُّجَى فَاطلِعِي بَعدي

وَقالَ لَها البَدرُ المُنيـرُ أَلا اسفِـري

فَإِنَّكِ مِثلِي فِي الكَمالِ وَفِي السَّعـدِ

فَوَلَّت حَيـاءً ثُـمَّ أَرخَـت لِثامَهـا

وَقَد نَثَرَت مِن خَدِّها رَطِـبَ الـوَردِ

وَسَلَّت حُساماً مِن سَواجي جُفونِهـا

كَسَيفِ أَبيها القاطِعِ المُرهَـفِ الحَـدِّ

تُقاتِلُ عَيناها بِهِ وَهوَ مُغمَـدٌ وَمِـن

عَجَبٍ أَن يَقطَعَ السيفُ فِي الغِمـدِ

مُرَنَّحَةُ الأَعطافِ مَهضومَـةُ الحَشـا

مُنَعَّمَـةُ الأَطـرافِ مائِسَـةُ القَـدِّ

يَبيتُ فُتاتُ المِسكِ تَحـتَ لِثامِهـا

فَيَـزدادُ مِـن أَنفاسِهـا أَرَجُ النَـدِّ

وَيَطلَعُ ضَوءُ الصُبحِ تَحـتَ جَبينِهـا

فَيَغشاهُ لَيلٌ مِن دُجَى شَعرِها الجَعـدِ

وَبَيـنَ ثَناياهـا إِذا مـا تَبَسَّمَـت

مُديرُ مُدامٍ يَمـزُجُ الـرَّاحَ بِالشَّهـدِ

شَكا نَحرُهـا مِن عَقدِهـا مُتَظَلِّمـاً

فَواحَرَبـا مِن ذَلِكَ النَّحـرِ وَالعِقـدِ

فَهَل تَسمَحُ الأَيّـامُ يا ابنَـةَ مـالِكٍ

بِوَصلٍ يُدَاوي القَلبَ مِن أَلَمِ الصَّـدِّ

سَأَحلُمُ عَن قَومي وَلَو سَفَكوا دَمـي

وَأَجرَعُ فيكِ الصَّبرَ دونَ المَلا وَحدي

وَحَقِّكِ أَشجانِـي التَباعُـدُ بَعدَكُـم

فَهَل أَنتُمُ أَشجاكُمُ البُعدُ مِن بَعـدي

حَـذِرتُ مِنَ البَيـنِ المُفَـرِّقِ بَينَنـا

وَقَد كانَ ظَنِّي لا أُفارِقُكُـم جَهـدي

فَإِن عايَنَت عَينِـي المَطايـا وَرَكبُهـا

فَرَشتُ لَدى أَخفافِها صَفحَـةَ الخَـدِّ

 


إِذا جَحَـدَ

إِذا جَحَـدَ الجَميـلَ بَنـو قُـرادٍ

وَجـازى بِـالقَبيـحِ بَنـو زِيـادِ

فَهُم ساداتُ عَبـسٍ أَيـنَ حَلّـوا

كَمـا زَعَمـوا وَفُرسـانُ البِـلادِ

وَلا عَـيـبٌ عَـلَـيَّ وَلا مَـلامٌ

إِذا أَصلَحـتُ حـالِـي بِالفَسـادِ

فَإِنَّ النَّـارَ تُضـرَمُ فِـي جَمـادِ

إِذا ما الصَّخرُ كَـرَّ عَلـى الزِّنـادِ

وَيُرجَى الوَصلُ بَعدَ الهَجـرِ حينـاً

كَما يُرجَـى الدُّنُـوُّ مِـنَ البِعـادِ

حَلُمتُ فَما عَرَفتُم حَـقَّ حِلمـي

وَلا ذَكَـرَت عَشيـرَتُكُـم وِدادي

سَأَجهَلُ بَعدَ هَـذا الحِلـمِ حَتَّـى

أُريـقُ دَمَ الحَـواضِـرِ وَالبَـوادي

وَيَشكو السَّيفُ مِن كَفِّـي مَـلالاً

وَيَسـأَمُ عَاتِقـي حَمـلَ النِّجـادِ

وَقَـد شاهَدتُـمُ فِـي يَـومِ طَـيٍّ

فِعالِـي بِالـمُهَـنَّـدَةِ الـحِـدادِ

رَدَدتُ الخَيـلَ خالِيَـةً حَـيَـارَى

وَسُقتُ جِيادَها وَالسَّيـفُ حـادي

وَلَـو أَنَّ السِّـنَـانَ لَـهُ لِسـانٌ

حَكى كَم شَـكَّ دِرعـاً بِالفُـؤادِ

وَكَم دَاعٍ دَعا فِي الحَربِ بِاِسـمي

وَنادانِي فَخُضـتُ حَشَـا المُنـادي

لَقَـد عادَيـتَ يا ابنَ العَـمِّ لَيثـاً

شُجاعـاً لا يَمَـلُّ مِـنَ الطِّـرادِ

يَـرُدُّ جَـوابَـهُ قَـولاً وَفِـعـلاً

ِبيـضِ الهِنـدِ وَالسُّمـرِ الصِّعـادِ

فَكُن يا عَمروُ مِنـهُ عَلـى حِـذارٍ

وَلا تَمـلأ جُفـونَـكَ بِالـرُّقـادِ

وَلَـولا سَـيِّـدٌ فِينَـا مُـطـاعٌ

عَظيـمُ القَـدرِ مُرتَفِـعُ العِمـادِ

أَقَمـتُ الحَـقَّ بِالهِنـدِيِّ رَغمـاً

وَأَظهَـرتُ الضَّـلالَ مِنَ الرَّشـادِ

 


ِذا خَصمِـي

إِذا خَصمِـي تَقاضـانِـي بِدَيـنِ

قَضَيتُ الدَّيـنَ بِالرُّمـحِ الرُّدَينِـي

وَحَدُّ السَّيـفِ يُرضينـا جَميعـاً

وَيَحكُـمُ بَينَكُـم عَـدلاً وَبَينِـي

جَهِلتُم يا بَنِـي الأَنـذالِ قَـدري

وَقَـد عَرَفَتـهُ أَهـلُ الخـافِقيـنِ

وَما هَدَمَت يَدُ الحِدثـانِ رُكنِـي

وَلا اِمتَـدَّت إِلَـيَّ بَنـانُ حَينِـي

عَلَوتُ بِصارِمي وَسِنـانِ رُمْحِـي

عَلـى أُفـقِ السُهـا وَالفَرقَدَيـنِ

وَغـادَرتُ المُبـارِزَ وَسـطَ قَفـرٍ

يُـعَـفِّـرُ خَـدَّهُ وَالعـارِضيـنَ

وَكَم مِن فارِسٍ أَضحَـى بِسَيفـي

هَشيمَ الرَأسِ مَخضـوبَ اليَدَيـنِ

يَحـومُ عَلَيـهِ عِقبـانُ الـمَنايـا

وَتَحجُـلُ حَولَـهُ غِربـانُ بَيـنِ

وَآخَرُ هارِبٌ مِن هَـولِ شَخصـي

وَقَـد أَجـرى دُمـوعَ المُقلَتَيـنِ

وَسَوفَ أُبيـدُ جَمعَكُـمُ بِصَبـري

وَيَطفـا لاعِجـي وَتَقَـرُّ عَينِـي

 


 رِيـحُ الصَّـبَا

إِذا رِيـحُ الصَّـبَا هَبَّـت أَصِيـلا

شَفَـت بِهُبـوبِهـا قَلبـاً عَلِيـلا

وَجـاءَتنِـي تُخَبِّـرُ أَنَّ قَـومـي

بِمَن أَهـوَاهُ قَد جَـدُّوا الرَّحِيـلا

وَما حَنّـوا عَلـى مَـن خَلَّفـوهُ

بِوادي الرَّمـلِ مُنطَرِحـاً جَديـلا

يَحِـنُّ صَبَابَـةً وَيَهيـمُ وَجـداً

إِلَيهِـمُ كُلَّمـا سَاقُـوا الحُمـولا

أَلا يا عَبـلَ إِن خَانـوا عُهُـودي

وَكانَ أَبـوكِ لا يَرعَـى الجَمِيـلا

حَمَلتُ الضَّيمَ وَالهِجـرانَ جُهـدي

عَلى رَغمـي وَخالَفـتُ العَـذولا

عَرَكـتُ نَوائِـبَ الأَيَّـامِ حَتَّـى

رَأَيـتُ كَثيـرَها عِنـدي قَلِيـلا

وَعَادانِـي غُـرابُ البَيـنِ حَتَّـى

كَأَنِّـي قَـد قَتَلـتُ لَـهُ قَتِيـلا

وَقَد غَنَّى عَلـى الأَغصَـانِ طَيـرٌ

بِصَـوتِ حَنينِـهِ يَشفِـي الغَلِيـلا

بَكَـى فَأَعَرتُـهُ أَجفَـانَ عَينِـي

وَنـاحَ فَـزادَ إِعوَالِـي عَـوِيـلا

فَقُلتُ لَهُ جَرَحـتَ صَميـمَ قَلبِـي

وَأَبدَى نَوحُـكَ الـدَّاءَ الدَّخِيـلا

وَما أَبقَيـتَ فِي جَفنِـي دُموعـاً

وَلا جِسمـاً أَعيـشُ بِـهِ نَحِيـلا

وَلا أَبقَـى لِـيَ الهِجـرانُ صَبـراً

لِكَـي أَلقَـى المَنـازِلَ وَالطُّلـولا

أَلِفتُ السُّقمَ حَتَّى صَـارَ جِسمِـي

إِذا فَقَـدَ الضَنَـى أَمسَـى عَلِيـلا

وَلَو أَنِّي كَشَفـتُ الـدِّرعَ عَنِّـي

رَأَيـتَ وَرائَـهُ رَسـماً مُحِيـلا

وَفِي الرَّسمِ المُحيلِ حُسَـامُ نَفـسٍ

يُقَـلِّلُ حَـدُّهُ السَّيـفَ الصَّقيـلا

 


إِذا فاضَ دَمعِي

إِذا فاضَ دَمعِي وَاستَهَلَّ عَلى خَـدِّي

وَجاذَبَنِي شَوقي إِلى العَلَمِ السَّعـدي

أُذَكِّرُ قَومي ظُلمَهُـم لِي وَبَغيَهُـم

وَقِلَّةَ إِنصافِي عَلى القُـربِ وَالبُعـدِ

بَنَيتُ لَهُم بِالسَّيفِ مَجـداً مُشَيَّـداً

فَلَمَّا تَناهَى مَجدُهُم هَدَموا مَجـدي

يَعيبـونَ لَونِـي بِالسَّـوادِ وَإِنَّمـا

فِعالُهُمُ بِالخُبثِ أَسـوَدُ مِن جِلـدي

فَوا ذُلَّ جِيـرانِي إِذا غِبتُ عَنهُـمُ

وَطالَ المَدَى ماذَا يُلاقونَ مِن بَعدي

أَتَحسِبُ قَيسٌ أَنَّنِي بَعـدَ طَردِهِـم

أَخَافُ الأَعَادِي أَو أَذِلُّ مِنَ الطَّـردِ

وَكَيفَ يَحُلُّ الذُلُّ قَلبِي وَصارِمـي

إِذا اهتَزَّ قَلبُ الضِّدِّ يَخفُقُ كَالرَّعـدِ

مَتَى سُلَّ فِي كَفّي بِيَـومِ كَريهَـةٍ

فَلا فَرقَ ما بَينَ المَشايِـخِ وَالـمُردِ

وَما الفَخرُ إِلاَّ أَن تَكونَ عِمامَتِـي

مُكَوَّرَةَ الأَطرافِ بِالصَّارِمِ الهِنـدي

نَديْمَيَّ إِمَّا غِبتُمـا بَعـدَ سَكـرَةٍ

فَلا تَذكُرا أَطلالَ سَلمَى وَلا هِنـدِ

وَلا تَذكُرا لِي غَيـرَ خَيـلٍ مُغيـرَةٍ

وَنَقعَ غُبارٍ حـالِكِ اللَّـونِ مُسـوَدِّ

فَـإِنَّ غُبـارَ الصَّافِنـاتِ إِذا عَـلا

نَشِقتُ لَهُ ريحـاً أَلَـذَّ مِـنَ النَـدِّ

وَرَيحانَتِي رُمحِي وَكاساتُ مَجلِسـي

جَماجِمُ ساداتٍ حِراصٍ عَلى المَجدِ

وَلِي مِن حُسَامي كُلَّ يَومٍ عَلى الثَّرى

نُقوشُ دَمٍ تُغنِي النَّدامَـى عَنِ الـوَردِ

وَلَيسَ يَعيبُ السَّيفَ إِخلاقُ غِمـدِهِ

إِذا كانَ فِي يَومِ الوَغَى قاطِعَ الحَـدِّ

فَلِلَّـهِ دَرّي كَـم غُبـارٍ قَطَعتُـهُ

عَلى ضَامِرِ الجَنبَيـنِ مُعتَدِلِ القَـدِّ

وَطاعَنتُ عَنهُ الخَيلَ حَتّـى تَبَـدَّدَت

هِزاماً كَأَسرابِ القَطـاءِ إِلى الـوِردِ

فَزارَةُ قَـد هَيَّجتُـمُ لَيـثَ غابَـةٍ

وَلَم تُفرِقوا بَينَ الضَّلالَـةِ وَالرُّشـدِ

فَقولوا لِحِصنٍ إِن تَعانِـى عَداوَتِـي

يَبيتُ عَلى نارٍ مِنَ الحُـزنِ وَالوَجـدِ

 


إِذا قَنِعَ الفَتَى

إِذا قَنِـعَ الفَتَـى بِذَميـمِ عَيـشٍ

وَكـانَ وَراءَ سَجـفٍ كَالبَنـاتِ

وَلَم يَهجِـم عَلـى أُسـدِ المَنايـا

وَلَم يَطعَـن صُـدورَ الصَّافِنـاتِ

وَلَـم يَقـرِ الضُّيـوفَ إِذا أَتَـوهُ

وَلَم يُـروِ السُّيـوفَ مِنَ الكُمـاةِ

وَلَم يَبلُغ بِضَـربِ الـهَامِ مَجـداً

وَلَم يَكُ صابِـراً فِـي النَّائِبـاتِ

فَقُـل لِلنَّـاعِيـاتِ إِذا نَعَـتـهُ

أَلا فَاِقصِـرنَ نَـدبَ النَّادِبـاتِ

وَلا تَنـدُبـنَ إِلاَّ لَيـثَ غـابٍ

شُجاعاً فِي الحُـروبِ الثَّائِـراتِ

دَعونِي فِي القِتالِ أَمُـت عَزيـزاً

فَمَوتُ العِـزِّ خَيـرٌ مِـن حَيـاةِ

لَعَمري ما الفَخارُ بِكَسـبِ مـالٍ

وَلا يُدعَى الغَنِـيُّ مِـنَ السَّـراةِ

سَتَذكُرُنِي المَعامِـعُ كُـلَّ وَقـتٍ

عَلى طُولِ الحَيـاةِ إِلـى المَمَـاتِ

فَذاكَ الذِّكرُ يَبقَـى لَيـسَ يَفنَـى

مَدَى الأَيّـامِ فِي مَـاضٍ وَآتِـي

وَإِنِّي اليَومَ أَحـمِي عِرضَ قَومِـي

وَأَنصُرُ آلَ عَبـسَ عَلـى العُـداةِ

وَآخُـذُ مالَنـا مِنهُـم بِحَـربٍ

تَخِـرُّ لَهـا مُتـونُ الرَّاسِيـاتِ

وَأَتـرُكُ كُـلَّ نائِحَـةٍ تُنـادي

عَلَيهِـم بِالتَـفَـرُّقِ وَالشَّتـاتِ

 


إِذا لَعِبَ الغَرامُ

إِذا لَعِـبَ الـغَـرامُ بِكُـلِّ حُـرٍّ

حَمِدتُ تَجَلُّدي وَشكَرتُ صَبـري

وَفَضَّلـتُ البِعـادَ عَلـى التَّدانِـي

وَأَخفَيتُ الهَوَى وَكَتَمـتُ سِـرِّي

وَلا أُبقِـي لِعُـذَّالِـي مَـجـالاً

وَلا أُشفِي العَـدُوَّ بِهَتـكِ سِتـري

عَرَكـتُ نَوائِـبَ الأَيّـامِ حَتَّـى

عَرَفتُ خَيالَها مِن حَيـثُ يَسـري

وَذَلَّ الـدَّهـرُ لَـمّـا أَن رَآنِـي

أُلاقِـي كُـلَّ نائِـبَـةٍ بِصَـدري

وَمَا عَـابَ الزَّمـانُ عَلَـيَّ لَونِـي

وَلا حَطَّ السَّـوادُ رَفيـعُ قَـدري

إِذا ذُكِـرَ الفَخـارُ بِـأَرضِ قَـومٍ

فَضَربُ السَّيفِ فِي الهَيجاءِ فَخـري

سَمَوتُ إِلى العُلا وَعَلـوتُ حَتَّـى

رَأَيتُ النَجمَ تَحتِي وَهـوَ يَجـري

وَقومـاً آخَريـنَ سَعَـوا وَعَـادوا

حَيَـارَى مَـا رَأوا أَثَـراً لأَثـري

 


أُعَاتِبُ دَهراً

أُعَـاتِبُ دَهـراً لايَـلِيـنُ لِنَـاصِـحٍ

وَأُخْفِي الجَوَى فِي القَلْبِ وَالدَّمْعُ فَاضِحِي

وَقَومِي مَعَ الأيَّـامِ عَـوْنٌ عَلَى دَمِـي

وَقَدْ طَلَبونِـي بِالقَنَـا والصَّفَـائِـحِ

وَقَدْ أَبْعَدونِـي عَـنْ حَبِيـبٍ أُحِبُّـهُ

فَأَصْبَحْتُ فِي قَفْـرٍ عَن الإنْسِ نَـازِحِ

وَقَدْ هَانَ عنْـدِي بَذْلُ نَفْـسٍ عَزِيـزَةٍ

وَلَوْ فَـارَقَتْنِـي مَا بَكَتْـهَا جَـوَارِحِي

وَأَيسَـرُ مِـنْ كَفِّـي إِذَا مَـدَدْتُـهَا

لِنَيْـلِ عَطَـاءٍ مَـدُّ عُنْقِـي لِذَابِـحِ

فَيَـا رَبُّ لاتَجْعَـلْ حَيَاتِـي مَذَمَّـةً

وَلا مَوْتِـي بَيْـنَ الـنِّسَـاءِ النَّـوَائِحِ

وَلكنْ قَتِيـلاً يَـدْرُجُ الطَّيـرُ حَوْلَـهُ

وَتَشْرَبُ غِرْبَـانُ الفَلا منْ جَوَانـحِي

 


حَكّمْ سيُوفَكَ

حَكّـمْ سيُـوفَكَ فِي رِقَـابِ العُـذَّلِ

وإذَا نَـزَلـتَ بِـدَارِ ذلٍّ فَـارْحَـلِ

وإذَا بُلِيـتَ بِظَالـمٍ كُـنْ ظَـالِـماً

وإذَا لَقَيـتَ ذَوِي الجَهَـالَةِ فَـاجْهَـلِ

وإذَا الجَبَـانُ نَـهَـاكَ يَـوْمَ كَرِيهَـةٍ

خَـوْفاً عَلَيـكَ مِنْ ازْدِحَامِ الجَحْفَـلِ

فَاعْـصِ مَـقَالَتَـهُ وَلا تَحَفَـلْ بِـهَا

وَأَقْـدِمْ إذَا حَـقَّ اللِّقَـا فِـي الأَوَّلِ

وَاخْـتَرْ لِنَفْسِـكَ مَنْـزِلاً تَعْلُـو بِـهِ

أَوْ مُتْ كَـرِيماً تَحْـتَ ظِلِّ القَسْطَـلِ

فَالمَـوتُ لايُـنْجِيـكَ مـنْ آفَـاتِهِ

حِصْـنٌ وَلَـو شَيَّـدَتْـهُ بالجَنْـدَلِ

مَـوْتُ الفَتَـى فِـي عِـزَّةٍ خَيْـرٌ لَهُ

منْ أَنْ يَبِيتَ أَسِيـرََ طَـرْفٍ أَكْحَـلِ

إِنْ كُنْـتُ فِي عَدَدِ العَبِيـدِ فَهِمَّتِـي

فَـوْقَ الثُّـرَيَّا والسِّمَـاكِ الأَعْـزَلِ

أَوْ أَنْكَـرَتْ فُرْسَانُ عَبْـسٍ نِسْبَتِـي

فَسِنَـانُ رُمْحِـي وَالحُسَامُ يُقِرُّ لِـي

 


دُمُوعٌ فِي الخُدُود

دُمُـوعٌ فِـي الخُـدُودِ لَهَـا مَسِيـلُ

وَعَـيـنٌ نَـوْمُهَـا أَبَـداً قَـلِيـلُ

وَصَـبٌّ لا يَـقِــرُّ لَـهُ قَــرَارٌ

وَلا يَـسْلُـو وَلَـوْ طَـالَ الرَّحِيـلُ

فَكَـمْ أَبْـكِـي بِـإبْـعَـادٍ وَبَيْـنٍ

وَتَـشْجِينِـي المَنَـازِلُ وَالـطُّلُـولُ

وَكَـمْ أَبْكِـي عَلَى إلْفٍ شَجَـانِي

وَمَـا يُغَـنِّي البُـكَاءُ وَلا العَوِيـلُ

تَلاقَيْنَـا فَمَـا أَطْفَـى التَّـلاقِـي

لَـهِيبـاً لا وَلا بَـرَدَ الـغَلِيــلُ

طَلَبْتُ مِنَ الزَّمَـانِ صَفَـاءَ عَيْـشٍ

وَحَسْـبُكَ قَدْرُ مَا يُعْـطِي البَخِيـلُ

 


رَمَت الفُؤَادَ

رَمَـت الفُـؤَادَ مَـلِيحَــةٌ عَـذْرَاءُ

بِـسِهَـامِ لَـحْـظٍ مَـالَـهُـنَّ دَوَاءُ

مَـرَّتْ أَوَانَ الـعِيـدِ بَيْـنَ نَـوَاهِـدٍ

مِثْـلَ الشُّمُـوسِ لِحَـاظُهُـنَّ ظِبَـاءُ

فَاغْتَالَنِـي سَقَمِـي الَّـذِي فِي بَاطِنِـي

أَخْـفَيْتُــهُ فَـأَذَاعَــهُ الإِخْـفَـاءُ

خَطَرَتْ فَقُلْتُ قَضِيـبُ بَانٍ حَـرَّكَتْ

أَعْطَـافَـهُ بَعْـدَ الجَـنُـوبِ صَبَـاءُ

وَرَنَـتْ فَقُلْـتُ غَـزَالَـةٌ مَذْعُـوَرةٌ

قَـدْ رَاعَـهَا وَسْـطَ الفَـلاةِ بَـلاءُ

وَبَـدَتْ فَقُلْـتُ البَـدْرُ لَيْلَـةَ تِـمِّهِ

قَـدْ قَلَّـدَتْـهُ نُجُـومَـهَا الجَـوْزَاءُ

بَسَمَـتْ فَلاحَ ضِيَاءُ لُـؤْلُـؤِ ثَغْـرِهَا

فِيْـهِ لِـدَاءِ العَـاشِقِيـنَ شِـفَـاءُ

سَجَـدَتْ تُعَظِّـمُ رَبَّـهَا فَتَمَايَلَـتْ

لِجَـلالِـهَـا أَرْبَـابُنَـا العُظَمَـاءُ

يَاعَبْـلَ مِثْـلُ هَـوَاكِ أَوْ أَضْعَافُـهُ

عِنْـدِي إِذَا وَقَـعَ الإيَـاسُ رَجَـاءُ

إِنْ كَانَ يُسْعِدُنِـي الزَّمَـانُ فَإِنَّنِـي

فِـي هِـمَّتِـي لِصُـرُوفِـهِ إِزْرَاءُ

 


سَلا القَلبَ

سَلا القَلبَ عَمَّا كَانَ يَهْوَى وَيَطْلُبُ

وَأَصْبَـحَ لا يَشْكَـو وَلا يَتَعَتَّـبُ

صَحَا بَعْدَ سُكْرٍ وَانْتَخَـى بَعْدَ ذِلَّةٍ

وَقَلْبُ الَّذِي يَهْـوَى العُلَى يَتَقَلَّـبُ

إِلَى كَمْ أُدَرِاي مَنْ تَرِيـدُ مَذَلَّتِـي

وَأَبْذِلُ جَهْدِي فِي رِضَاهَا وَتَغْضَـبُ

عُبَيْلَـةُ أَيَّـامُ الجَمَــالِ قَلِيلَـةٌ

لَـهَا دَوْلَةٌ مَعْلُـومَةٌ ثُـمَّ تَذْهَـبُ

فَلا تَحْسَبِـي أَنِّي عَلَى البُعْدِ نَـادِمٌ

وَلا القَلْـبُ فِي نَارِ الغَرَامِ مُعَـذَّبُ

وَقَدْ قُلْـتُ أَنِّي سَلَوتُ عَن الهَـوَى

وَمَن كَانَ مِثْلِي لا يَقُولُ وَيَكْـذِبُ

هَجَرْتُكِ فَامْضِي حَيْثُ شِئتِ وَجَرِّبِي

مِنَ النَّاسِ غَيْـرِي فَاللَّبِيبُ يُجَـرِّبُ

لَقَدْ ذَلَّ مَنْ أَمْسَى عَلَى رَبْعِ مَنْـزِلٍ

يَنُـوحُ عَلَى رَسْمِ الدِّيَارِ وَيَنْـدبُ

وَقَدْ فَازَ مَنْ فِي الحَرْبِ أَصْبَحَ جَائِلاً

يُطَـاعِنُ قِرْنـاً وَالغبَـارُ مُطَنِّـبُ

نَدِيمِي رَعَـاكَ اللهُ قُمْ غَـنِّ لِي عَلَى

كُؤُوسِ المَنَايَا مِنْ دَمٍ حِيْنَ أَشْـرَبُ

وَلا تَسْقِنِـي كَأْسَ المُـدَامِ فَإِنَّـهَا

يَضَلُّ بِهَا عَقْلُ الشُّجَـاعُ وَيَذْهَـبُ

 


قَرِّي بِوَادِي

يا عَبلَ قَرِّي بِوَادِي الرَّمـلِ آمِنَـةً

مِنَ العُداةِ وَإِن خُوِّفـتِ لا تَخَفـي

فَدونَ بَيتِـكِ أُسـدٌ فِـي أَنامِلِهـا

بيضٌ تَقُدُّ أَعالِي البِيضِ وَالحَجَـفِ

للهِ دَرُّ بَنِـي عَبـسٍ لَقَـد بَلَغـوا

كُلَّ الفَخارِ وَنالوا غايَـةَ الشَّـرَفِ

خَافُوا مِنَ الحَربِ لَمَّا أَبصَروا فَرَسِي

تَحتَ العَجاجَةِ يَهوي بِي إِلى التَّلَفِ

ثُمَّ اقتَفوا أَثَري مِن بَعـدِ ما عَلِمـوا

أَنَّ المَنِيَّـةَ سَهـمٌ غَيـرُ مُنصَـرِفِ

خُضتُ الغُبارَ وَمُهري أَدهَمٌ حَـلِكٌ

فَعـادَ مُختَضِبـاً بِالـدَّمِّ وَالجِيَـفِ

مَا زِلتُ أُنصِفُ خَصمِي وَهوَ يَظلُمُنِي

حَتَّى غَدا مِن حُسَامي غَيرَ مُنتَصِفِ

وَإِن يَعيبوا سَواداً قَد كُسيـتُ بِـهِ

فَالدُّرُّ يَستُرُهُ ثَوبٌ مِـنَ الصَّـدَفِ