ابن الوردي

 

هو عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس زين الدين بن الوردي المعري الكندي

من شعراء العصر المملوكي

ولد سنة 691 هـ / 1292 م - توفي سنة 749 هـ / 1349 م

 

رعى اللهُ

رعى اللهُ عيشاً بالمعـرةِ لِي مضـى

حكاهُ ابتسامُ البرقِ إذْ هـوَ أومضـا

وعصرُ شبابٍ فِي سبـاتٍ قطعْتُـهُ

وفِي أرضِ حَنْدُوثينِ فِي ذلكَ الفضـا

أعاذلُ لو شاهـدتُ بـابَ جنانـها

لَمَا كُنتَ يوماً ناهياً بـل مُحرِّضـا

ولو عينُ معراثـاً رأيـتَ صفاءَهـا

لأصبحتَ مِنْ غيظِ الملامـةِ ريِّضـا

فصفْ لِي عيونـاً بالمنابـعِ فُيَّضـا

أريكَ عيونـاً بالـمدامـعِ فُيَّضـا

ولا تبتـدرْ بالبيدريـن فأضلعـي

أخافُ منَ الأشواقِ أن تتقضقضـا

ولا تُجريا لِي ذكرَ جريـا ونحوهـا

ربِي جادَها غيثٌ فـروَّى وروَّضـا

ففستقُهـا عنـد ابتسـامِ ثغـورهِ

يُضاحِكُ برقاً قد أضاءَ بذي الأضـا

وقلعتُها عنـدي وإنْ بـانَ أهلُهـا

كأطولَ مِنْ سهدي عليها وأعرضـا

وعينُ زُرَيْقٍ بِي إلـى مائِهـا ظَمَـا

أَلَم تَرَ لـونَ الـماءِ أزرقَ أبيضـا

وكم لقليـلاتِ العسيـلِ حـلاوةٍ

وإنْ ملحتْ فِي عينِ مَنْ مرَّ مُعْرِضـا

وشوقي إلـى أنوارِ مشهدِ يوشـعٍ

تشوُّقُ مَنْ ضاقَتْ بهِ سعـةُ الفضـا

ولو درتُ وادي ديرِ سـمعانَ ساعةً

لكنتُ أبلُّ الشوقَ مِنْ عمرِ الرضـى

ويا ماشياً فِي ملكِ فـارسَ راجـلاً

سعدتَ فكنْ عنْ ملكِ فارسَ معرضا

لقد طالَ بالهرماسِ عهـدي ومـاؤُهُ

إذا ما جرى كالسيفِ أحمرَ منتضـى

كمعصمِ خَوْدٍ خضَّبَتْـهُ وأومـأتْ

بـهِ فِي قبـاءٍ سندسـيٍّ تقوَّضـا

فَما أهيبَ الهرماسَ إنْ عـجَّ مزبـداً

بِها وإلـى قطعِ الطريـقِ تعرَّضـا

حَكَى الخمرَ حاشاهُ فهـذا مُحـلَّلٌ

طهـورٌ مبـاحٌ للعبـادةِ مرتضـى

إذا صقلَتْ ريحُ الصَّـبَا متنَهُ أتـت

تفـرِّكُ ثوبـاً مُذْهبـاً ومفضَّضـا

عَلى جانبيهِ الـدوحُ لا بَلْ عرائـسٌ

تـرومُ لنـثـرِ الـدرِّ أن تتنفضـا

وروضٍ غدا عن سحبِهِ طيّبَ الثنـا

بنفسجُهُ يَحكي الخُدَيْـدَ المفضضـا

وأسـمرَ زاهٍ قـدْ تقلَّـدا أسـمرا

وأبيـضَ نـاهٍ قـدْ تقلَّـدَ أبيضـا

أصباغِ ألـوانٍ وأحـداقِ نرجـسٍ

وقاحٍ أبَـتْ أجفانُهـا أن تغمَّضـا

وقامات أغصانٍ رشـاقٍ تعانقَـتْ

فمنثورُ منظومِ الأزاهـرِ قَـدْ أضـا

وشقَّ الشَّقيقُ الثَّوبَ عنـهُ كثاكـل

عليها ثيابٌ للدمـا ليـس تنتضـى

فما المنحنَى ما السفحُ ما البانُ ما النقا

وما رامةٌ عندَ المعـرةِ مـا الغضـى

فواللهِ لا فضَّلْـتُ فِي الأرضِ بقعـةً

عَليها سوى ما فضَّلَ اللهُ وارتضـى

لَها خَبَرٌ فِي طيبِهـا فَهْـيَ مبتـدا

فمرفوعُها ما كانَ عندي لَيُخْفَضـا

وما بُنيَتْ بيـنَ الفـراتِ وجلِّـقٍ

سدى إنّما هذا لسـرٍّ قـد اقتضـى

منازلُ كانتْ مربعي زمـنَ الصِّـبَا

فأبعدَنِي المقدورُ عنهـا وأنـهضـا

مـراتـعُ آرامٍ مـرابـعُ جـيـرةٍ

مَلاعبُ غـزلانٍ معاهـدُ تُرْتضـى

فللـهِ هاتيـكَ الربَـى وسفوحُهـا

وللهِ عمْرٌ فِي سواها قـدِ انقضـى

وما عنْ رضى كانتْ سواها بديلـةً

لَها غيرَ أنَّ الدَّهرَ ما زالَ مدحِضـا

قضاها لغيـري وابتلانِـي بِحبِّهـا

فحمداً لهُ فيما ابتلانِـي وما قضـى

وَمَنْ نَظَرَ الدُّنيا بِما هِي أهلُـهُ أرتْـهُ

الرضى كالسخطِ والسخطَ كالرضى

سلامٌ على ذاتِ القصـورِ وأهلِهـا

ومستقبلٍ مِنْ حسنِ حالٍ بِها مضـى

 


وافَى الكتاب

وافَى الكتابُ الذي تعنو لهُ الكتـبُ

من الشهابِ الذي تسمو بِهِ الشهبُ

مِنْ عندِ أسجع مَنْ يُسمى وأسمح مَنْ

أعطى وأبلغ مَنْ أَمْلُوا وَمَـنْ كتبـوا

فلو فرشـتُ سـروراً وجنتِـيَّ لـه

لَم أقضِ مِنْ حقِّهِ بعضَ الذي يجـبُ

ألفـاظُـهُ الغـرُّ فـاروقيـةٌ دررٌ

يُنفى بِها السمُّ أو يُشفى بِها الكَلَـبُ

فوائقٌ من قـوافٍ حيثمـا ذُكـرت

يطربْ بِها الحيُّ أَو يَحيا بِها الطربُ

يا باعثَ الثلجِ والسحبِ التّي عُهدت

مِنْ ثغرِهِ ونـدى كفيْـهِ يُجتلَـبُ

مِنْ سعدِ جلِّـقَ أن النائبـاتِ بِهـا

بيضٌ وفِي غيرها ما ابيضَّتِ النُّـوَبُ

لا ما لحمرةِ سيـلٍ فِـي طرابُلُـسٍ

هذا البياضُ وهذا المنظـرُ العجـبُ

لو ادعى أنـهُ يَحكيـهِ قلـتُ لـهُ

لقدْ حكيتَ ولكنْ فاتَـكَ الشنـبُ

زرقُ الأعادي وبيضُ السحبِ واجدةٌ

عَلى دمشق فلا كانوا ولا السحـبُ

ناهيكَ مِنْ دِيَمٍ فِـي طَيِّهـا زَغَـبٌ

وزمجراتِ رعـودٍ ضمَّهـا رَهَـبُ

قَدْ ثُجَّتِ الماءُ ثجاً فَهْـوَ منسكـب

و رُجَّتِ الأرضُ رجاً فَهْيَ تَضطـربُ

الفرقُ بيـن دمشـقَ والجنـانِ لنـا

أَنْ لا لُغـوبَ بجنـات ولا نَصَـبُ

يا برقُ قلْ لِي ويا سطـرَ السحـابِ

تَرى السيف أصدقُ أنباءً أمِ الكتـبُ

فالسحبُ والبرقُ يتلوهـا كغاشيـةٍ

منَ الدَّخانِ علـى آثارهـا لَهـبُ

أو كالعشارِ التّي غنَّـتْ رواعدُهـا

مثلَ الحداةِ التّـي أصواتُهـا ذهـبُ

مولايَ إنَّا لفرطِ الحـبِّ فيـكَ إذا

أمرّ عَناكَ كأنَّـا فيـكَ نصطحـبُ

فكلُّ ما فِي دمشقَ حلَّ مِـنْ جلـلٍ

فشطرُ ذلكَ قاستْ أختَهـا حلـبُ

إنَّ المصـائـبَ بالأقـدارِ كائنـةٌ

لكنْ على حسبِ الأقدارِ تُحتسـبُ

عجبتُ منِّي ومنْ غيـري تشوقنـا

إلى ازديـادِ حيـاةٍ كلُّهـا تعـبُ

وإنْ دُهـمنا بسيـلٍ أو بنـوعِ أذى

كالثلجِ والنارِ حِرْنا ما هو السبـبُ

أقسمتُ باللهِ لـولا حلْـمُ خالِقِنـا

لكانَ مِنْ عشْرِ ما نأتِي بـهِ العطَـبُ

ودهـرُنـا أيُّ دهـرٍ فِـي تقلُّبِـهِ

قَدْ هانَ فيهِ التقـى والعلـمُ والأدبُ

لِي أُسوةٌ بانحطاطِ الشمسِ عَنْ زحـلٍ

فإنْ علانِيَ مَنْ دونِي فـلا عجـبُ

وإنْ يكنْ كسدَ الورديُّ فِي حلـبٍ

فالمندلُ الرطبُ فِي أوطانِـهِ حَطَـبُ

ما شبْتُ وحدِي عذارُ الماءِ شابَ إلى

أنْ صارَ ثلجاً كذا الأحوالُ تنقلـبُ

يا واصفَ السيلِ وصفاً هالَ سامعَـهُ

فالقلبُ والخوفُ مِنْ أوصافِهِ يجـبُ

كم شادَ منكمْ قوى الدنيا أخٌ فـأخٌ

وسادَ فيكـم إلى العليـا أبٌ فَـأبُ

فيعبرونَ مدى الكتَّـابِ إنْ كتبـوا

وينشرون فتَى الخطَّـابِ أنْ خطبـوا

إنْ سوبقوا سَبَقوا أو حَدَّثوا صدقـوا

أو سُولموا رفقوا أو حوربـوا غلبـوا

كتابةُ السرِّ بل سـرُّ الكتابـةِ مِـنْ

فنونكمْ وعلـومٌ راضَهـا الطلَـبُ

لكمْ يراعٌ بفضـلِ اللهِ ما افتخـرتْ

إلا أقـرَّ لَهـا الخطِّـيُّ والقضُـبُ

فِي الذوقِ تَحلو وفِي الأسماعِ تعذب إذْ

فِي السبْقِ تملُحُ حسناً هكذا القصـبُ

مظلومةُ القـدِّ فِي تشبيههـا غصنـاً

مظلومةُ الريقِ إذ قلنـا هي الضَـرَبُ

 


أَتَهـزأُ بِي

أَتَهـزأُ بِي لَمَّـا أجـدُّ وتَلعـبُ

وتعجبُ مِنْ حَالِي وحالُكَ أَعْجبُ

ألا طالما قَدْ كنتُ مثـلكَ ساعيـاً

لِجـاهٍ ومـالٍ جاهـداً أَتَطَلَّـبُ

وطَالَ اجتنابِـي للخمـولِ فذقتُـهُ

فَطابَ فأحببْـتُ الـذي أتَجنَّـبُ

وما العَيشُ إلا فِي الخمولِ مَعَ الغِنَى

فشكراً لِمَـنْ فِي فضلِـهِ أتقلَّـبُ

رَضيتُ كَسَادِي واستخرْتُ بطالتِي

وقلبِيَ مَسـرورٌ وعَيشـيَ طيِّـبُ

وَمَا ذَاكَ عَنْ مَـالٍ جزيـلٍ وإنَّمـا

كفانِي كفـافٌ والقَناعَـةُ تغلـبُ

ولو ذقتُـم طيـبَ القناعـةِ مُتَّـمُ

عليهـا ولكـنْ بدرُهـا يُتهيَّـبُ

تركتُ لكمْ عزَّ القضـاءِ وجاهَـهُ

وأبعـدتُ عنـهُ خائفـاً أترقـبُ

فقوموا على ساقَيْ حديدٍ وشَمِّـروا

لِنيلِ عَلاءٍ واهجروا النومَ واطلبـوا

وميلوا وجولوا واحكموا وتَخولـوا

وصولوا وطولوا وانبذوا الزُّهدَ وانهَبوا

ستعلَمُ نفسٌ أيَّ حـملٍ تَحمَّلَـتْ

ليومِ أسى مِنْ هولِهِ الطفلُ أشيـبُ

لقدْ نلْتُ مِنْ كنـزِ القناعةِ بغيتِـي

وجانبتُ حرصي والحريصُ معـذَّبُ

وعفْتُ بَنِي الدنيا وغادرْتُ برَّهُـمْ

لغيـري فـلا أشكـو ولا أتعتَّـبُ

فيا لائماً قَدْ لامَ فِي تركِ منصـبٍ

خُطبتُ لهُ تَرْكـي لذلك منصـبُ

كَذا سنَّةُ الدُّنيـا إِذَا تـركَ الفَتَـى

المناصبَ جاءَتْهُ المناصبُ تَخطـبُ

أأرجعُ بعدَ العتقِ فِي الـرِّقِّ ثانيـاً

فلا أمَّ لِـي إنْ كـانَ ذَاكَ ولا أَبُ

تركْتُ حسودي والولاياتُ هَمُّـهُ

يُجاهـدُ فِي تَحصيلهـنَّ ويـدأبُ

وما جَهلتْ نفسي المعَالِي وطيبَهـا

ولكـنْ رأَتْ أنَّ السَّلامـةَ أطيـبُ

أَصُونُ الذي عُلِّمتـه عـنْ مذلَّـةٍ

فللعزِّ فِي الدَّارينِ قَد كنتُ أتعـبُ

ورحْتُ خفيفَ الظهرِ عنْ منَّةِ امرئٍ

تَهتَّـكَ بالآثـامِ وَهْـوَ مُحجَّـبُ

يقالُ لهُ قاضـي القضـاةِ تعدِّيـاً

وظلماً وهـذا القـولُ للهِ أوجـبُ

ولو أنَّنِي أَرضَـى الهِجـاءَ ذكرتُـهُ

صريحـاً ولكـنَّ الكنايـةَ أَهْيَـبُ

تلبَّـسَ أثـوابَ الـرِّيـاءِ تَصَنُّعـا

ليغسـلَ عنهُ الذَّمَّ والطبـعُ أغلـبُ

غدا بَعْدَ حَرِّ الفقـرِ رطبـاً مبـرَّداً

وقـدْ بَانَ لِـي أنَّ المبـرَّدَ ثعلـبُ

يقولون لِي فيـكَ انقبـاضٌ وإنَّمـا

رأوا رجلاً عنْ موقفِ الذُّلِّ يهـربُ

ولو شئتُ فقتُ الكلَّ حرصاً وجرأةً

فأُرضي بِجَمعي وأرثـي وأَغضـبُ

أأكنـزُ أمـوالاً واحـملُ إثْمَهـا

وأتـركُـهـا لِلوَارثيـنَ وأذهـبُ

عَلَى اللهِ رِزقُ الوَارثيـنَ وغيرِهـم

فَبُعْداً لشخصٍ مِنْ سوى اللهِ يطلـبُ

 


صبراً لصرفِ زمان

صبراً لصرفِ زمانٍ قاطـعِ الحجـجِ

لَمْ يَدرِ مَا صحةُ الممشى من العـرجِ

يَرعَى اللِّئـامَ ويَغتـالُ الكِـرامَ ولا

يَخشَى المَلامَ بِقلبٍ غَيـرِ مُختلِـجِ

صَبراً عَلى صَرفِهِ صَبـراً فَرِحلتُنَـا

قَريبةٌ عَنهُ فَلْيَحْتَـلْ عَلـى المهـجِ

مَا بالُهُ لا يَرَى قَدْرَاً لِـذي شيـمٍ

سَمحِ اليَدينِ ويُعلي القدرَ مِنْ سَمِجِ

فَيا ذَوِي الفَضلِ رفقاً إنَّ دَهرَكُـم

لَمْ يَدرِ ما الفضةُ البيضا منَ السبـجِ

لا تعجبوا لارتفاعِ الجاهليـنَ بـهِ

وخفضِكُمْ بالرضى منكم أو اللججِ

فهذهِ كفـةُ الميـزانِ إذْ حكمـتْ

تقابلُ الذهـبَ الإبريـزَ بالصنـجِ

جربْتُ أهلَ زمانِي واختبرْتُ فلـمْ

أجدْ كريماً ولا عوناً علـى الحـرجِ

ولا محبـاً لـذي فضـلٍ ولا ثقـةٍ

ولا أميناً ولا عـدلاً عـنِ العـوجِ

ولا مصيخاً إلى مـدْحٍ إذا مُدحـوا

ولا كريماً يخافُ الهجوَ حيثُ هُجـي

منْ أجلِ ذلكَ قدْ جانبْتُ أكثرَهُـمُ

وقلتُ يا أزمةُ اشتـدي لتنفرجـي

فإنَّهمْ عنْ سبيل الصدقِ قد عَرَجـوا

فاعذرْ فليسَ على العرجانِ مِنْ حرجِ

زيادةُ الفضلِ عينُ النقصِ عندهُـم

وكثرةُ المالِ فيهـمْ أرفـعُ الـدرجِ

فصافِ أعدلَهُمْ قـولاً وأصدقَهُـمْ

فِي الودِّ وافتحْ لهُ بابَ الهَوى يلـجِ

فَلا تُزاحمْ عَلى الدُّنيا الكلابَ فَمَـنْ

يزاحمِ الكلبَ فيمـا نالَـهُ يُهِـجِ

ما شاقَنِي فِي زمانِي قـربُ غائبـةٍ

رَنَّتْ ولا راقنِـي ذو منظـرٍ بَهـجِ

ولا مرادي وصالُ المردِ إذ خَطَـروا

ولا ازدهانِي بِخـدٍّ ناعـمٍ ضـرجِ

ولا سبانـي سنـا هَيفـاءَ مقبلـةٍ

عجزاءَ مدبـرةٍ بالجعـدِ والدعـجِ

وليسَ ذاك لجهلـي بالجمـالِ إذنْ

لكنَّنِي من بحـارِ الـهمِّ فِي لُجـجِ

يا نفسُ صبراً فعقبِى الصبرِ صالحـةٌ

لا بدَّ أن يأتِـيَ الرحـمنُ بالفـرجِ

 


يَا جَامعَ الحسْن

يَـا جَامـعَ الحسْـنِ أَمَـا

لـصـدِّكَ الـدَّهـرَ أمـدُ

لِي فِيـكَ دَمـعٌ مَـا رقَـا

يومـاً وطـرفٌ مـا رقـدْ

جَمـالُكَ الـزَّاهِـي السَّـنَا

حَـديثُـهُ العَالِـي السنـدْ

سهمـاً إلـى قَلبِـي رَمَـى

طـرفُـكَ لا ذاقَ رمَــدْ

ومَـنْ رأى شعـراً سَجَـا

مـنـكَ فَللـهِ سَـجــدْ

خَـدُّكَ بـالـمـاءِ اتقـى

لـولاهُ بـالـنـارِ اتـقـدْ

سبـحـانَ ربٍّ قـدْ بـرى

ثغـرَكَ أصفـى مِـن بَـرَدْ

مُضْناكَ كم قاسـى وَجَـى

فِيكَ وكـمْ وجـدٍ وجـدْ

عشقـي قديـمٌ قـدْ طـرا

عليـهِ مـا نـومـي طـرَدْ

ليـسَ لأشـواقـي مـدى

ولا لـسـلـوانِـي مـدَدْ

مِنْ طـرفـه سَيفـاً نضـا

مِـنْ ثـغـرِهِ داراً نـضَـدْ

مـا ذاقَ ذو وجـدٍ كـمـا

قدْ ذقتُ فيـهِ مِـنْ كمـدْ

يـا عـذَّلِـي أنتـمْ عـدى

وللـمـلـمّـاتِ عــددْ

لأنَّـنِـي كـلُّ الـفـنـا

ألقـاهُ مـنْ بعـضِ الفنـدْ

ونـقـضُ ميـثـاقٍ خـلا

ومـا بقـيْ عنـدي خلـدْ

مَـنْ فـاقَ ظبيـاً ومـهـا

أوضـحَ عـذري ومـهـدْ

تـصـبُّـري عنـهُ جـلا

ومـا بقـيْ عنـدي جلَـدْ

يصغـي لعـذلِ مَـنْ دعـا

ومَـنْ بـسـلـوانٍ وعـدْ

بـالـصـدقِ منـهُ والـولا

أُنسيـت أهلـي والـولـدْ

نَحلـتُ مِنْ فـرطِ الأسـى

فيـهِ ولـوْ أَنَّـنِـي الأسـدْ

 


مربعٌ منْ أنـس

مربعٌ منْ أنـسِ سَلمـى أوحشـا

تَرَكَ الـداءَ دفينـاً فِـي الحَشـا

صبَّ دمعَ الصـبِّ فيـه عندمـا

عندمـا أنفـذَ ربِـي مـا يشـا

إنْ يَمـلْ قلبِـي لعـذلٍ لا لعـاً

أو أطاعَ السمـعَ لومـاً طرشـا

يا لَسلمى أنتِ أولـى مَنْ رعـى

ودّيَ الأقـدمَ مِـنْ يـومِ نشـا

يا لَسلمـى بأبِـي أنـت وبِـي

أنتِ عندي اليومَ أحلى مَنْ مشـى

يا لَسلمـى سالِمينِـي وأسلمـي

لا تطيعي واشيـاً فيمـا وشَـى

يا لَسلمى دهشتِي فيـك حجـا

لا يعابُ الصـبُّ مهمـا دُهشـا

ما لطرفِي أنـتِ تبديـن بكـى

ولكفـيّ يَنـثَـنِـي مـرتعِشـا

فاسفري وجهَـكِ إنْ لَم تصلـي

رؤيـةُ الـماءِ تـزيـلُ العطشـا

إنَّ سلـمـى إنْ تـزرنِـي زورةً

وجدَتْ خـدِّي لَهـا مفتـرَشـا

أو أرادت بـوصــالٍ عِـوضـا

فأنا كُلِّـي لَهـا بعـضُ الرِّشـا

طلبَـتْ منِّـي لقتلـي شاهـداً

قلتُ عينيكِ كَفَى بالسيـفِ شـا

 


أَلاَ أيُّها المَولَـى

أَلاَ أيُّها المَولَـى الـذي زَارَ عَبـدَهُ

وَلاَ بدعَ فِي مولَى تَمشَّى إلى عَبـدِ

تفضلْتَ حتَّى ضَاقَ ذرعي لشكرِ ما

صنعْتَ وهذا لا يقومُ بِـهِ جهـدي

وعنـديَ أنِّي حاضـرٌ أنا عنـدَهُ

لرفعتِـهِ لا أَنَّـه حاضـرٌ عنـدي

وكانَ هناكَ الصمتُ أجملُ بِـي وأنْ

أصيخَ سَماعاً لا أعيـدُ ولا أبـدي

فهلْ أنا إلا قطـرةٌ مِنْ سحابِكُـمْ

ولو كنْتَ فِي الإعرابِ كالعلمِ الفردِ

عرقْتُ حياءً من حضـورِكَ ذاهـلاً

بفضلِكَ عنْ حسنِ المباحثِ والنقـدِ

ولكنْ وثوقي منكَ بالصفحِ حثَّنِـي

عَلى بعضِ بَحثٍ بالتكلُّفِ والجهـدِ

وجئتُ ببحـثٍ أعجبتْـكَ فنونُـهُ

ولولا حيائِي كنتُ أبدعتُهُ جهـدي

وليسَ حياءُ الوجهِ فِي الذئبِ شيمـةً

ولكنها من شيمةِ الأسـدِ الـوردي

 


وادِي البـابِ

إنَّ وادِي البـابِ قـدْ أذْكرنِـي

جنَّـةَ الـمأوى فللـهِ العجـبْ

فيـه دوحٌ تحجـبُ الشَّمـسَ إذا

مالَ قـالَ للصَّـبَا جـزْ بـأدبْ

فهْي تغـوي عـذبَ البـانِ أمـا

تعذبُ الغيَّ كَمَا تغـوي العـذبْ

طيـرُهـا معـرِبـةٌ فِـي لحنهـا

تطربُ الحيَّ كَمَا تُحيـي الطـربْ

مـرجُـهُ مبتسـمٌ مِمـا بَكَـتْ

سُحُبٌ فِي ذيلها الطيبُ انسحـبْ

فيهِ روضـاتٌ أنـا صـبٌّ بِهـا

مثلما أصبحَ فِيهـا الـماءُ صـبْ

نَهـرُهُ إنْ قابـلَ الشَّمـسَ تَـرَى

فضةٌ بيضـاءَ فِـي نَهـر ذهـبْ

 


لَستُ صَخراً

لَستُ صَخراً فِي حُبِّـيَ الخَنسـاءَ

فهْـيَ تَجنِـي بِوجنـةٍ حَمـراءَ

عاذلِي غيـرُ عـادلٍ فِـي هَواهـا

وإذا أحـسـنَ العـذولُ أسـاءَ

وجهُها البدرُ منْ سحائبِ وشـيٍ

قدْ تَجلَّـى على الـوَرَى وأضـاءَ

قصَّـرَتْ بالقـصـورِ كالتـركِ

ألحَاظاً وكالعُرْبِ خطـرةً وذكـاءَ

وكشمـسِ الضّـحـى ضـيـاءً

وكالظَّبْيِ قالتْ وكالغصونِ انثنـاءَ

فإذا قُلـتُ هـلْ أَنـالُ وصـالاً

منكِ قالـتْ ومنْ ينـالُ السَّمـاءَ