الإمام الشوكاني

هو محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني

من شعراء العصر الحديث

ولد سنة 1173 هـ / 1760 م – توفي سنة 1250 هـ / 1834 م

 

حَادِياتِ اللَّيالِي

فِي حَادِياتِ اللَّيالِي للْفَتَـى عَجَـبُ

وَفِـي نَوائِبِـها تَفَـاوَتُ الرِّيَـبُ

فَطالَما أَظْهَرَتْ للنَّاسِ خَيْـرَ فَتَـىً

مِنْ قَبْلِها كَانَ بالتَّزْويـرِ يَحْتَجِـبُ

لَولا التَّجارِبُ ظَنَّ النَّـاسُ فِي شَبَـهٍ

بأنَّـه الفِضَّـةُ البَيْضـاءُ والذَّهَـبُ

إِنَّ المعادِنَ لَـوْلا الحَفْـرُ وَاحِـدَةٌ

والكُلُّ مِنْها لِوَجْهِ الأَرْضِ يَنْتَسِـبُ

والحُلْوُ والْمُرُّ فِي الشَّيْئَيْنِ مُحْتَجِـبٌ

فإِن بَلَوْتَهُـما لَم يُجْهَـلِ السَّبَـبُ

والخَيْرُ والشَّرُّ لا يَدْرِي الفَتَى بِهِـما

حَتَّى يسـاوِرَهُ فِي دَهْـرِهِ النُّـوَبُ

كَمْ مِنْ فَتَىً تَعْشَقُ الأَبْصارَ رَوْنَقَـهُ

وَدَمْعُها بَعْدَ خُبْـرٍ مِنْـهُ يَنْسَكِـبُ

ومِنْ فَتَىً تَزدَريهِ وَهُوَ إنْ صَدَقَـتْ

مِنْهُ التَّجارِبُ للْمَعْـروفِ يُكْتَسَـبُ

اُبْلُ الرِّجالَ وَدَعْ عَنْكَ الغُرورَ بِمـا

يَقْضِي بِهِ حَسَبُ الفِتيانِ والنَّسَـبُ

فإنْ وَجَدْتَ جَميـلاً بَعْـدَ تَجْربَـةٍ

فاشْدُدْ يَدَيْكَ فَهَذا عِنْدِيَ الحَسَـبُ

وإنْ وَجَدْتَ قَبِيحـاً بَعْـدَ مَخْبَـرَةٍ

فَذاكَ لَمْعُ سَـرَابٍ كُلُّـهُ كَـذِبُ

وإِنَّنِي قَدْ حَلَبْـتُ الدَّهْـرُ أَشْطُـرَهُ

وَقَدْ بَلَوْتُ الأَخِلاّ فَـوْقَ مَا يَجِـبُ

وَقَدْ خَبِرتُ الوَرَى فِي كُلِّ حادِثَـةٍ

فَلَمْ يكُنْ عِنْدَهُمْ فِي مَطْلَـبٍ أَرَبُ

وكُلُّهُمْ مُظْهِرٌ حُـبّاً لـذِي نَشَـبٍ

إِنْ عادَ يوماً علَيْهـمْ ذَلِكَ النّشَـبُ

يَدُومُ صَفْوُ الإخا مِنْهُمْ فإن سَلَبَـتْ

يَدُ الزَّمانِ الَّـذِي يَرْجُونَـهُ سَلَبُـوا

إنْ كُنْتَ تَبْغي وِدادَ النَّاسِ كُنْ رَجُلاً

فِيهمْ لَهُ رَغَبٌ إِن شِئْتَ أو رَهَـبُ

فإنْ تَكُنْ رَاغِباً فِي مِثْـلِ ذَا رَغِبـوا

وَإِن تَكُنْ راغِبـاً عَنْ مِثْلِـهِ رَغِبـوا

مَا لامْرِىء فِي وِدادِ النَّاسِ مِنْ سَبَبٍ

إِنْ لَمْ يكُنْ عِنْدَهُ يَوْمـاً لَهُ سَبَـبُ

ومَنْ يَقُلْ غَيْرَ ذَا قُلْ أَنْتَ فِي غَـرَرٍ

وَلَسْتَ مِنْ مَعْشَرٍ للنَّاس قَدْ صَحبُـوا

سَتَعْرِفُ الأَمْـرَ إنْ نابَتْـكَ نائِبَـةٌ

أَوْ أَمْكَنَتْ فُرْصَةٌ فِي مِثْلِـها يَثِبُـوا

فَلُذْ بِحَبْلِ التُّقَى والعِلْـمِ مُطَّرِحـاً

كَسْبَ الإخاءِ فَهَذا الأَمْرُ مُضْطَـرِبُ

لا تَقْتَحِمْ لِـوِدادِ النَّـاسِ مَهْلَكَـةً

يَغْتَالُكَ الوَيْلُ والتَّنْكِيـدُ والنَّصَـبُ

ولَسْتُ مُسْتَثْنِياً مِنْهُمْ سِـوَى نَفَـرٍ

فِي رَبْعِهِمْ للأَخِـلاّ يُرْفَـعُ الطَّنَـبُ

يَصْفُونَ إِنْ كُدِّرَتْ أَخْلاقُهُمْ كَرَمـاً

وإنْ يَشُبْ مَحْضَ وُدِّي القَوْمُ يَشِبُوا

يُقَدِّمونَ قَضا حَاجِ الصَّديـقِ عَلَـى

حاجَاتِهِمْ إِذْ رَأَوْهُ بَعْضَ مَا يَجِـبُ

ومِنْهُمُ العالِـمُ السَّـبَّاقُ فِي رُتَـبٍ

حَتَّى حَوَى غايَةً تَعْنُو لَهَا والرُّتَـبُ

حِيناً يَحُلُّ رُموزَ العِلْـمِ إِنْ خَفِيَـتْ

وَتارةً عِنْـدَهُ الأَشْعـارُ والخُطَـبُ

يَمْشِي عَلَى نَمَطِ الأَعْرابِ إِنْ نَظَمَتْ

يَراعُـهُ كَلِـماتٍ شَأْنُهـا عَجَـبُ

انْظُـرْ إلَى مِـدَحٍ منْـهُ مُجَـوَّدَةٍ

كَأنَّما نُظِمَتْ فِي سِلْكِها الشُّهُـبُ

وانْظُرْ حَماسَةَ نَظْـمٍ مِنـه رائِعَـةً

كأَنَّها فِي الطُّروسِ البِيضُ والنِّيَـبُ

تَحْكِي لَنا مِنْ خُطوبِ الدَّهْرِ مُعْضِلَةً

وفِتْنَةً نارُهَـا فِي السَّفْـحِ تَلْتَهِـبُ

مِنْ جاحِدٍ نِعْمَةَ الْمَوْلَى الإمامِ وقَـدْ

أَوْلاهُ مِنْ سَيْبها ما لَيْـسَ يَحْتَسِـبُ

لَمْ يَنْهَـهُ كَـرَمٌ لَـمْ تُثْنِـهِ نِعَـمٌ

لَمْ تُلْهِهِ نِقَـمٌ فِي كَفِّـها العَطَـبُ

وَلَمْ يَنَلْ مِنْهُ مَا يَرْجُوهُ مِـنْ ظَفَـرٍ

بِذلِكَ الحَرْبِ لا بَلْ نالَـهُ الحَـرَبُ

خَفِّفْ عَلَيْكَ ابنَ يَحْيَى مَا دَهَاك بـهِ

رَيْبُ الزَّمانِ فَما فِي رَيْبِـهِ رَيَـبُ

كَانَتْ سَحابَةَ صَيْفٍ مَا تَأَلَّفَ فِـي

أَطْرافِها البَرْقُ حَتَّى انْجابَتِ السُّحُبُ

أَو مِثْلَ صَوْت رياحٍ زَعْزَعٍ زَحَفَـتْ

عَلَى الجِبال فَما مَادَتْ لَهـا كُثُـبُ

من يَنْطَحِ الصَّخْرَةَ الصَّماءَ تَهْشِمُـهُ

والصَّخْرُ بالنَّطْحِ يَوْماً لَيْسَ يَنْشَعِـبُ

 


صَفْوَ الْمَشارِب

أيَا بَيْنُ كَمْ كَدَّرْتَ صَفْوَ الْمَشارِبِ

ويا هَجْرُ كَمْ هَيَّجْتَ لَوْعَةَ غائِـبِ

ويَا دَهْرُ كَمْ جَرَّعْتَنِي فَقْدَ صاحِبٍ

بِكأْسِ النَّوَى مِنْ بَعْدِهِ فَقَدُ صاحِبِ

إِلَى اللهِ أَشْكُو مَا جَنَتْهُ يَدُ النَّـوَى

عَلَى كَبِدِي والدَّهْرُ جَمُّ العَجائِبِ

أَحِنُّ إِلَى وَصْـلٍ تَقَـادَمَ عَهْـدُهُ

وإِنَّ حَنِينَ المـرْءِ أَحْقَـرُ واجِـبِ

وأَنْدُبُ دَهْرَ الجَمْعِ بَعْـدَ تَفَـرُّقٍ

وأبْكِي عَلَيْهِ بالدُّمُوعِ السَّواكِـبِ

فَيا مَنْزِلَ اللُّقْياءِ صَافَحَـكَ الحَيـا

بِجَوْدٍ مُلِثٍّ أَدْكَنِ الرِّدْنِ ساكِـبِ

بعَيْشِـكَ هَلْ منْ عَـوْدَةٍ فُرْقَـةٍ

تَعُودُ لِصَبٍّ مُغْرَمِ القَلْـبِ ذائِـبِ

أنَاخَ عَلَيْهِ كَلْكَـلُ البَيْـنِ كُلِّـهِ

وأنْحَى عَلَيْهِ الهَجْرُ من كُلِّ جانِبِ

وصَارَ حَليفاً للتَّلَهُّـفِ والأَسَـى

بِبَيْنِ جَمالِ الدِّينِ زَيْنِ الْمَواكِـبِ

فَتَىً قَدْ سَما فَوْقَ السِّمَاكِ مَكانُـهُ

سُرادِقُـهُ مَعْقُـودَةٌ بالكَواكِـبِ

لَهُ منْ طَريفِ الْمَجْدِ كُلُّ طرِيقَـةٍ

وتالِدُهُ مِنْـهُ كَريـمُ الْمَناسِـبِ

تَبَحْبَحَ فِي بَحْبوحَةِ العِزِّ وارْتَـدَى

بِمُطْرفِ مَجْدٍ فِي صَمِيمِ المناصِبِ

وَجَلِّى بِمضْمارِ السِّبَاقِ وقَصَّـرَتْ

لَدَى شَوْطِهِ أَبْنَا لُـؤَيِّ بنِ غالِـبِ

فَيا سَيِّـداً سَـادَ الوَرَى بفِعالِـهِ

وقامَ بِرَبْعِ الْمَجْدِ غَيْـرَ مُراقِـبِ

أَتَانِي نِظـامٌ مِنْكَ كالـدُّرِّ دُونَـهُ

نِظامُ هَمامٍ أَو سَـوادِ بنِ قـاربِ

وَوافَى وأَشْغالِي بِهَا الدَّهْرُ مُوثَـقٌ

وشُغْلُ الفَتَى مُغْرىً بَمحْوِ المناقِبِ

وإِسْبالُ وَبْلِ السّتْـرِ مِنْكَ مُؤَمَّـلٌ

عَلَى مَا تَرَى فِي طَيٍّ ذَا مِنْ مَثالِبِ

ودُمْ يَا بْنَ خَيْرِ الرُّسْلِ فِي ظِلِّ نِعْمَةٍ

مِـنَ اللهِ إِنَّ اللهَ أكْـرَمُ واهِـبِ

ولا تَنْسَنِـي عِنْدَ الدُّعـاءِ فإِنَّنِـي

إلَى دَعَواتٍ مِنْكَ أَعْظَـمُ راغِـبِ

 


بَـدْرٌ بأَفْـلاك

بَـدْرٌ بأَفْـلاكِ الْبَلاغَـةِ طَالِـعُ

دُرٌّ عَلَى جِيـدِ الإِجـادَةِ لامِـعُ

أَمْ نَظْمُ مَنْ لَبَّـاهُ مِنْ أَوْجِ الْعُلَـى

مَا رَامَ فَهْـوَ لَـهُ مُطِيـعٌ سامِـعُ

شَكْلُ الذَّكَا ونَتِيجَةُ الْفَهْمِ الَّـذي

مَا كادَ يَطْمَعُ فِي مَـدَاهُ الطَّامِـعُ

يَا مُفْنِياً عَصْـرَ الشَّبِيبـةِ جاهِـداً

فِي كُلِّ عِلْـمٍ للْعَلائِـقِ قاطِـعُ

يَمْشِي عَلَى نَصِّ الدَّليـلِ مُباينـاً

لِلرَّأْي وَهْـوَ بنَـصِّ طَـهَ قانِـعُ

وغَدَا بِهَدْيِ مُحَمَّـدٍ وصِحابِـهِ

مُتَلَبِّسـاً ولِمـا عَـدَاهُ خَـالِـعُ

ظَفِرَتْ يَدَاكَ بِمَنْبَعِ الْعِلْـمِ الّـذِي

يُروَى عَنِ الْمَعْصُومِ رَأْيٌ خَـادِعُ

إِنَّ امْرَءاً يَأْبَـى الدَّلِيـلَ تَعَصُّبـاً

فَهْوَ الَّذي لِلأَنْـفِ مِنْـهُ جـادعُ

مَنْ كانُ قُدْوَتَـه مَقَـالُ مُحمَّـدٍ

فَهْوَ الضِّليعُ ومَنْ عَـداهُ الضَّالِـعُ

كَمْ بَيْنَ مَنْ قَالَ الرَّسُولُ قَضَى بِذا

وَلَهُ بِـهِ سَنَـدٌ صَحِيـحٌ قاطِـعُ

وَفَتَىً يَقُولُ أَبُـو فُـلانٍ قُدْوَتِـي

أَرْضَى بِما يَرْضاهُ لَسْـتُ أنـازِعُ

فالعِلْمُ كُلُّ الْعِلْمِ إِنْصـافُ الْفَتَـى

وَبِهِ أَتَى النَّصُّ الصَّرِيـحُ الشَّائِـعُ

مَنْ كَانَ أَعْرَف بالصَّوابِ فَحظُّـهُ

فِي الْعِلْمِ حَظٌّ فِي الْحَقيقَةِ واسِـعُ

أَمَّا كَانَ أَعْرَف بالصَّوابِ فَحظُّـهُ

فِي الْعِلْمِ حَظٌّ فِي الْحَقيقَةِ واسِـعُ

لَوْ كَانَ فِي كُلِّ الْمَعارِفِ مُفْـرَداً

وَإِلَيْهِ كُـلٌّ فِي الدَّقائِـقِ راجِـعُ

وَأَقُولُ قَدْ وافَى إلَيْنـا مِنْـكَ يَـا

بَدْرَ الْهُدَى بَحْـثٌ بَديـعٌ رائـعُ

عَنْ حُكْمِ لُبْسٍ للمُعَصْفَرِ مَال الَّذي

قَدْ صَحّ مِمَّا قَالَ فِيـهِ الشَّـارِعُ

وكَذاكَ سائِرُ كُلِّ ثَـوْبٍ أحْمَـرٍ

هَلْ جَاءَ عَنْـهُ مِنَ الأدِلّـةِ مانِـعُ

واعْلَمْ بأنَّ الأَمْـرَ فِيـهِ تَخَالُـفٌ

فِي السُّنَّـةِ الْغَـرا وفِيـهِ تنَـازُعُ

والْجَمْعُ بالإجْماعِ صـارَ مُقَدَّمـاً

وَلَدَيْـهِ تَرْجِيـحٌ الأَدِلَّـةِ ضَائِـعُ

وأَرَاهُ فيما نَحْـنُ فِيـهِ مُمْكِنـاً

وَهْوَ الذي للشّكِّ عِنْـدي رافِـعُ

قَدْ تَمَّ مَسْلَكَـهُ بِغَيْـرِ تَعَسُّـفٍ

فَاسْلُكْهُ فَهْوَ لِما تَفَـرَّقَ جامِـعُ

والْحَقُّ أَبْلَـحُ والدَّليـلُ مُحْكَّـمٌ

والْكُلُّ مِنْ نَهْـرِ النُّبُـوَّةِ كـارِعُ

فَاسْتَمْلِ مَا أُمْليهِ دُمْـتَ مُنَعَّمـاً

يَحْبوكَ بالصُّنْعِ الْجَميـلِ الصَّانِـعُ

واعْذُرْ فَهَذا النَّظْمُ غَيْـرُ مُهَـذَّبٍ

مَا فِيهِ مَا يَهْـوَى الْبَليـغُ البـارِعُ

لَكِنَّـهُ فِي بَحْـثِ عِلْـمٍ بَيْنَنـا

والشِّعْـرُ للمَقْصـودِ مِنْـهُ تابِـعُ

 


بَدْرَ التَّـمِّ

هَبْ أَنَّ بَدْرَ التَّـمِّ يَوْمـاً يَأْفُـلُ

أَوْ أَنَّهُ يَهْوِي السِّـمَاكُ الأَعْـزَلُ

أَوْ أَنَّ بَحْراً غَـاضَ مِنْـهُ مـاؤُهُ

أَوْ دُكَّ رَضْوَى أَوْ تَصَـدَّعَ يَذْبُـلُ

أَيَكُونُ رُزْءاً مِثْلَ رُزْءِ بَنِي الْـوَرَى

إذْ مـاتَ ذَاكَ العالِـمُ المتَبَتِّــلُ

رُزْءٌ يَطيـشُ لَـهُ الْوَقُـورُ فَلُبُّـهُ

مِمَّا يُساوِرُ لُـبُّ مَـنْ لا يَعْقِـلُ

يَـا آمِـري بالصَّبْـرِ أَيُّ تَصَبُّـرٍ

بَعْدَ ابنِ إبْراهيـمَ يَوْمـا يَجْمُـلُ

بَدْرُ الْمَعَارِفِ لا أَبا لَكَ قَدْ ثَـوَى

فِي حُفْـرَةٍ وعَلاَ عَلَيْـهِ الْجَنْـدَلُ

وَهُوَ الَّذِي أَحْيا شَرِيعَـةَ أَحْمَـدٍ

وَأَبانَ مِنْـها غامِضـاً يَسْتَشْكِـلُ

كُنَّـا نَلُـوذُ بِـهِ إذَا أَلْـوَى بِنـا

مِنْ مُشْكِلاتِ الْعِلْمِ يَحْثٌ مُعْضِـلُ

فَالسُّنَّـةُ الْغَـرَّاءُ كَـانَ جَمَالَهـا

وَبِهِ أسانِيـدُ الْحَدِيـثِ تُسَلْسَـلُ

ويَخْوضُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ غَمَراتِـهِ

لُجَجاً لَدَيْها كُـلُّ حَبْـرٍ يَذْهَـلُ

ويَجُولُ فِي الأَصْلَيْنِ جَوْلَةَ ماهِـرٍ

لا مِثْلَ مَنْ قَدْ جـالَ وَهْوَ مُكَبّـلُ

والْهَضْبَ مَنْ عِلْمِ الْبَيَـانِ أَشَـادَهُ

وبِـهِ تَطـاوَلَ أَطْـوَلٌ وَمُطَـوَّلُ

لَبَّتْ دَوَاعِيَـهُ الْعُلُـومُ بأسْرِهـا

وَسَعَى إلَيْـهِ أَخِيـرُهـا والأَوَّلُ

فَتَحُطُّ حَيْثُ يَحْطُّ وَهْو إذَا غَـدا

مُتَـرحّـلاً لِرَحيلِـهِ تَتَـرَحَّـل

وَجَرَى عَلَى نَمَطِ الصَّحابَةِ تابعـاً

نَصَّ الدَّلِيـلِ فَعَنْـهُ لا يَتَحَـوَّلُ

مَا شَابَ صَفْوَ عُلُومِـهِ بِتَكَلُّـفٍ

وتَعَجْـرُفٍ وتَصَلُّـفٍ لا يُقْبَـلُ

بَلْ كَانَ مَطْمَحُ قَصْـدِهِ فِي قَوْلِـهِ

وفِعالِـهِ إدْرَاكَ مَا هُـوَ أَفْضَـلُ

مَا مَرَّ مِنْهُ مَدَى الزَّمـانِ بِخَاطِـرٍ

طَلَبُ الْعُلُـوِّ فَمـا عَلَيْـهِ يُقْبِـلُ

ويَصُدُّ إنْ لاحَتْ بُـروقُ مَطامِـعٍ

تَسْعَى إذَا لَمَعَتْ إليْـها الأَرْجُـلُ

يَا مَنْ عَلَى قَدَمِ التَّجَرُّدش قَدْ مَضَى

فَقَضَـى ولَيْـسَ لَهُ بِها مَا يُثْقِـلُ

أَثْوابُ زُهْدشكَ مُتَّ وَهْيِ نَقِيَّـةٌ

لاَ مَشْرَبٌ قَدْ عابَهـا أَوْ مَاْكَـلُ

لا خَائِضاً فِي غَيْـرِ مَا يَعْنِـي ولا

فِـي مَجْمَـعِ بِمَقَالَـةٍ يَتَفَيْضَـلُ

يَهْوَى الْخُمُولَ مَعْ فَضائِلِـهِ الَّتِـي

صَارَ الزَّمـانُ بِمِثْلِـها يَتَجَمَّـلُ

 


عَصْرِ الشَّبِيبة

عَلَى عَصْرِ الشَّبِيبةِ كُـلَّ حِيـنِ

سَـلاَمٌ ما تَقَهْقَهـتِ الرُّعُـودُ

ويَسْقيهِ مِنَ السُّحُب السَّـوَارِي

مُلِثٌّ دائِـمُ التَّسْكـابِ جَـوْدُ

زمَانٌ خُضْتُ فِيـهِ بِكُـلِّ فَـنٍّ

وَسُدْتُ مَعَ الْحَدَاثَـةِ مَنْ يَسُـودُ

وعُدْتُ عَلَى الَّذي حَصَّلْتُ مِنْـهُ

فَجُدْتُ بِـهِ وغَيْـرِي لا يَجُـودُ

وعَادَانِـي عَلَـى هَـذَا أُنـاسٌ

وأَظْلَـمُ منْ يُعادِيـكَ الْحَسُـودُ

يَرَوْنِـي لا أَديـنُ بِدِيـنِ قَـوْمٍ

يَرُونَ الْحَقَّ مَـا قَـالَ الْجُـدُودُ

ويَطَّرحونَ قَـوْلَ الطُّهْـرِ طَـهَ

وكُـلٌّ مِنْهُـمُ عَـنْـهُ شُـرُودُ

فَقَالوا قَـدْ أَتَـى فِينـا فـلانٌ

بِمُعْضِلَـةٍ وفـاقِـرَةٍ تَــؤُودُ

يَقُـول الْحَـقُّ قُـرآنٌ وقَـوْلٌ

لِخَيْر الرُّسْـلِ لا قَـوْلٌ وَلـودُ

فَقُلتُ كَذَا أَقُـولُ وكُـلُّ قَـوْلٍ

عَـدَا هَذيـنِ تَطْرُقُـهُ الـرُّدودُ

وَهَـذا مَنْبَـعُ الأَعْـلامِ قَبْلِـي

وكُلُّـهُـمُ لِـمــوْرِدِهِ وُرُودُ

إذَا جَحَدَ امْرؤٌ فَضْلِـي ونُبْلِـي

فَقِدْماً كَانَ فِي النَّـاسِ الْجُحُـودُ

وكُلَّ فَتَـىً إذَا مَا حَـازَ عِلْمـاً

وَكَـانَ لَـهُ بَمدْرَجَـةٍ صُعُـودُ

وَرَاضَ جَوامِحاً مِنْ كُـلِّ فَـنٍّ

وَصَـارَ لِكُـلِّ شـاردَةٍ يَقُـودُ

رَمَادُ القاصِـرُونَ بِكـلِّ عَيْـبٍ

وَقَـامَ لِحَرْبِـهِ منْهُـمْ جُنـودُ

فَعَـادوا خائِبِيـنَ وكُـلُّ كَيْـدٍ

لَهُـمْ فَعَلَـى نُفُوسِهِـمُ يَعـودُ

ورَامُوا وَضْـعَ رُتْبَتِـهِ فكانـوا

عَلَى الشَّرَفِ الرَّفِيعِ هُمُ الشُّهُـودُ

إذَا مَـا اللهُ قَـدَّرَ نَشْـرَ فَضْـلٍ

لإنْسـانٍ يُتـاحُ لَـهْ حَسُـودُ

وَمَنْ كَثُـرَتْ فضائِلُـهُ يُعَـادَى

ويَكْثُرُ فِـي مَناقِبـهِ الْجَحُـودُ

إذَا مَـا غَـابَ يَلْمِـزُهُ أُنـاسٌ

وهُمْ عِنْدَ الْحُضُـورِ لَهُ سُجـودُ

ومَـا بِنَقيصَــةٍ عَـابُـوهُ إلاَّ

وَكَـانَ لِمـا يُعـابُ بِـهِ رُدُودُ

ولَيْسَ يَضُرُّ نَبْحُ الكَلْـبِ بَـدْراً

ولَيْسَ يَخافُ مِنْ حُمُـرٍ أُسُـودُ

وَمَا الشُّمُّ الشَّوامِخُ عِنْـدَ رِيـحٍ

تَمُـرُّ عَلَـى جَوانِبِـها ثَمـودُ

وَلاَ الْبَحْر الْخِضَمُّ يُعـابُ يَوْمـاً

إذَا بَالَـتْ بِجـانِبـه الْقُـرودُ

 


مَكْحُولَةُ الْحَدَقات

مَكْحُولَـةُ الْحَدَقـاتِ وَطْفـا

أَضْحَى عَلَيْـها الْحُسْـنُ وَقْفـا

سَبَـقَـتْ فَكُـلُّ جَمِيلَــةٍ

تَمْشِي لَدَى ذَا السَّبْـقِ خَلْفـا

بَهَـرَتْــكَ أَوّلَ مَـوْقِــفٍ

تَـرَكَتْـكَ للأشْجـانِ حِلْفـا

كَتَـبَ الْجَمـالُ صَحِيـفَـةً

فِـي خَدِّهـا حَرْفـاً فَحَرْفـا

تَرْجَـمْـتُـهـا فَوَجَـدْتُهـا

انْظُـر إذا أَحْـبَـبْـتَ حَتْفـا

بِأبِـي الَّتِـي فـاقَـتْ عَلَـى

أَتْـرابِهـا حُسْنـاً وظَـرْفـا

وَرَنَـتْ بِعَـيْـنَـيْ جُـؤْذَرٍ

شَفَّـاكَ يَـوْمَ الْجَـزْعِ شَفَّـا

وكَـأَنَّ رَجْـعَ حَـدِيثِـهـا

إنْ مَـرّ بالْمَصْـروعِ يَشْفَـى

نَـوْعُ الطِّبـاقِ مِـنَ الْبَديـعِ

كَمَـا تَـرَى خَصْـراً وَرِدْفَـا

وأَرَى مُراعَـاةَ الـنَّـظِـيـرِ

تَمَثَّلَـتْ قُـرْطـاً وشَنفــا

خُلِقَـتْ كَمَـا شَـاءَ الْهَـوَى

وكَفَاكَ هَذا الْوَصْـفُ وَصْفـا

فاقَـتْ فَمَـا تَرَكَـتْ لَـدَى

الثَّنْيـا مـنَ الثّنْيـاءَ حَـرْفـا

كَمُلَـتْ فَمَـا فِـي حُسْنِـها

تَلْقَـى لَـدَى الرائيـنَ خُلْفـا

ككَمَـالِ مَـنْ حـازَ الْعُلَـى

والحـقَّ كُـلّ الْمَجْـدِ أَوْفَـى

فَـرْدُ الـزَّمـانِ مَعَـارِفــاً

جَلَّـتْ ومَعْـرُوفـاً وعُـرْفـا

الْعَالِـمُ النَّـقَّـادُ والنَّـقَّـابُ

عَـمَّـا كَــانَ أَخْـفَــى

حَـمّـادُ رَاوِيَـةُ الْوَقـائِـعِ

كُلِّهـا حِـفْـظـاً وَوَصفْـا

وإيـاسُ فَـهْـمِ دَقـائِــقٍ

إنْ رُمْـتَ إيضَاحـاً وكَشْفـا

وإذا جَـرَى فِي حَلْبـةٍ الشُّعَـرَ

جَـرَى الشُّـعـراء خَلْـفـا

لَهَفِـي لفُـرْقَـتِـنـا وَهَـلْ

بَـلَّ الْجَـوَى مَنْ قَـالَ لَهْفـا

يَـا مَـنْ أُسَـرُّ بِـقُـرْبِــهِ

فأُنَـسِّـفُ الأحْـزانَ نَسْفـا

وأَبُـثُّـهُ شَـجْـرِي فَـلَـمْ

أَكْتُـمْـهُ مِمَّـا نَـابَ حَرْفـا

وَأَخُـصُّـهُ بِـضَـمـائِـري

يَوْمـاً وَمَـا خَصَّصْـتُ إلْفـا

باللهِ كَـيْـفَ تَـرَكْـتَـنِـي

وقَـذَفْتَنِـي بالبَيْـنِ قَـذْفـا

وحَـذَفْـتَ عائِـدَكَ الَّـذي

عَوَّدْتَنِـي مِـنْ قَبْـلُ حَذْفـا

وهَجَـرْتَنِـي وضرَبْـتَ دُونَ

الْـوَصْـلِ واللُّقيـاءِ سِجْفـا

هَـذا وَمَـا كَشَـفَ الْـوَداعُ

لَنـا قِنـاعَ الْبَيْـنِ كَشْفــا

إنِّـي أقُــولُ مَـقـالــةً

مِنْ مُنْصِـفٍ ما قـالَ عَسْفَـا

إِنَّ ابـنَ يَحْيَـى قَـدْ تَكُـوّنَ

فِـي الْـوَرَى لُطْفـاً وظَرْفـا

فَـلِـذا رَأَيْـتُ مَـوَدَّتِــي

أضْحَـتْ لَـهُ وعَلَيْـهِ وَقْفـا

 


هَلْ إلَى وَصْل

هَلْ إلَى وَصْل مَنْ هَويـتُ سَبيـلُ

خَـبِّـرا أَمْ مَطامِعِـي تَسْـويـلُ

قَدْ تَقَضي الشَّبَابُ والحالُ مَا حَـال

وفِـي الشَّيْـبِ يُسْمَـحُ التَّنْويـلُ

أَرْقُبُ الوَصْـلَ واصِـلاً لِسُّهـادٍ

وَنَدِيـمـي التَّسْويـفُ والتَّأْميـلُ

قَدْ عَرَى ذِهْنِيَ الذُّهُول وَقَدْ كـانَ

لَدَى الحادِثـاتِ سَيْـفٌ صَقِيـلُ

وَعَلا جِسْمِـيَ النُّحـولُ وإنِّـي

بـادِنٌ قَبْـلَ حُبِّـها لا نَحِـيـلُ

مَشْرَبُ الحُبِّ فِي مبادِيـهِ صَفْـوٌ

فَـإذا اسْتَمْكَـنَ الغَـرامُ وَبيـلُ

يَا ابْنَةَ القَوْمِ قَدْ أَطَلْتِ رِشَا الْمَطْـلِ

كَمَـا طَـوَّلَ الإمـامُ الـجَلِيـلُ

الَّذي جَـدَّدَ الإلَـهُ بـهِ الدِّيـنَ

فَـقـامَ التَّـأْويـلُ والتَنـزيـلُ

وبِه وَجْهُ سُنَّـةِ الْمُصْطَفَـى مِـنْ

بَعْـدِ تَعْبِيسِـهِ صَبِيـحٌ جَمِيـلُ

وبِـهِ بَتّـل الإلَـهُ ابْتِـداعـاتٍ

لِقَـوْمٍ فحبَّـذا الـتَّـبْـتِـيـلُ

يَـا وَجيـهَ الأَنـامِ أَنْـتَ بِهـذَا

العَصْرِ حِصْنُ يَأْوِي إليـه النَّبيـلُ

أَنْتَ أَنْتَ الذي بِكَ اطّرحَ الـرَّأيُ

وَقَـدْ كـانَ حَوْلَـهُ التَّعْـويـلُ

صَارَ مَنْ فِي التَّمذْهُبـاتِ غَرِيقـاً

سائِلاً مُذْ قَدِمْتَ كَيْـفَ الدَّليـلُ

لا تَرَى الحَقَّ غَيْرَ إسْنـادِكَ العالِـي

وَعَـنْ كُـلِّ مـا سِـواهُ تَميـلُ

كُلَّ حِيـنٍ تَرْوي فَيُـروِي غَليـلاً

وَبِـهِ يَشْتَفَـى ويَشْفَـى العَلِيـلُ

غَيْـرَ أنِّـي إذَا ذَكَـرْتُ شُيوخـاً

لِشُيُـوخـي أَعْيانِـيَ التَّفْصِيـلُ

إنْ عَدَدْتُ الَّذينَ فِي سُوحِ صَنْعـاءَ

فَما لِـي إلَـى سِواهُـمْ سَبِيـلُ

قَدْ تَطَوَّلْـتَ أيّها الحَبْـرُ بالوَعْـدِ

وَمَـا شَـانَ وَعْـدَك التَّطوِيـلُ

لا تَكُنْ مُهْمِلاً لِمُعْجَمِ أَشْياخِـكَ

إنَّ الإهْـمالُ خَطْـبٌ دَخـيـلُ

بُغْيَة المسْتَفِيدِ عَـدِّلْ بِهـا فالبِـرُّ

لا شَـكَّ خَيْـرُهُ التَّـعْـجـيـلُ

 


الْفُـؤادُ الْمُبَلْبَـل

أَعْنْ ذِكْرِها يَسْلُو الْفُـؤادُ الْمُبَلْبَـلُ

وأَدْنَى الْهَوَى إنْ صَحَّ دَعْواكَ يَقْتُـلُ

لَعَمْـرُكِ يا فَتَّانَـةَ الْحُسْـنِ إنَّنِـي

لِبْعْدِكِ مُضْنَـىً والمَدَامِـعُ تَهْمُـلُ

ومَنْ كَانَ يَهْـوَى مِثْلَ هِنْـدٍ فإنَّـهُ

يَرَى وَصْلَها كُلَّ الَّـذي هُوَ يَأْمُـلُ

إِذَا فَاقَ مَحْبوبُ الْفَتَى فِي جَمالِـهِ

فكَيْفَ يَليقُ الصَّبْر أَمْ كَيْفَ يَجْمُـلُ

وإنَّ فَتًى قَدْ طـالَ شَـوْطُ غَرامِـهِ

وقَدْ ناهَزَ الْخَمْسينَ يُلْحَى ويَعْـذَلُ

فإنْ نَظَـرَ الْعُـذَّالُ وَجْـهَ حَبِيبِـهِ

فَبِالعُذْرِ مِنْهُمُ ذَلكَ الْعَـذْلُ يُبْـذَلُ

أَبا أَحْمَدٍ هَـلْ يَجْمَـعُ اللهُ بَيْنَنـا

بسَفْحِ اللِّوَىَ واللهُ مَا شَـاءَ يَفْعَـلُ

فَقَدْ حَدَّثْتْنِي النَّفْـسُ أنْ اجْتِماعَنـا

قَريـبٌ وفِي اللهِ الرَّجـا والْمُعَـوَّلُ

تَذَكّرْ هَـدَاكَ اللهُ نَظْـماً تَقَدَّمَـتْ

إليكَ بِـه مِنِّـي يَـرَاعٌ ومِقْـوَلُ

وسَلْ مَنْ بَنَى السَّبْعَ الطِّباقَ ومَنْ دَحا

الأَراضِي بِجَمْع الشَّمْلِ فالجَمْعُ أَجْمَلُ

ولا تَكُ ذَا يَأْسٍ عَنِ الْوَصْلِ بَعْدَمـا

تَطاوَلَ بَيْنق فالرَّجـا مِنْـكَ أَمْثَـلُ

ودُمْ سَالِمـاً يا فَـرْدَ آلِ مُحَمَّـدٍ

ولا تَنْسَنِي إنَّ الدُّعا مِنْـكَ يُقْبَـلُ

 


فَخْـرَ الأوان

أَتَـى مِنْـكَ يا فَخْـرَ الأوانِ وزِينَـةَ

الزَّمانِ نِظامٌ دُونَـهُ الْجَوهَـرُ الْفَـرْدُ

هُوَ الدُّرُّ لا بَلء كالـدَّرارِي بَلْ غَـدا

كَبَدْرِ السَّما لا بَلْ هُوَ الشَّمْسُ إذْ تَبْدُو

ومَاذا عَسى مَنْ لَمْ يكُنْ رَبَّ نِصْفَـةٍ

يَقُولُ وهَل فِي مِثْلِ ذَا يَحْسُنُ الْجَحْـدُ

وهَلْ ضَرَّ شَمْسَ الأُفْقِ وَهْـيَ مُنِيـرَةٌ

إذا ضَعفَتْ عَنْ نُورِها الأَعْيُنُ الرُّمْـدُ

ومَاذا عَلَى الْبَحْرِ الْخِضَمِّ لَدَى الْوَرَى

إذا بَالَ فِي إحْـدَى جَوَانِبِـهِ الْقِـرْدُ

وَمَا عَيْبُ بَيْضاءِ التَّرائِـب فِي الدُّنَـا

إذا عَافَهـا ذُو عِنَّـةٍ مالَـهُ جَـهْـدُ

وَمَنْ قَالَ هذَا الشُّهْدُ مُـرٌّ فَقُـلْ لَـهُ

مَـرَارَةُ فِيـكَ الْمُرِّمَـرِّ بِها الشُّهْـدُ

وإنْ قَالَ هذَا السَّيْفُ لَيْـسَ بقاطِـعٍ

فَقُلْ حَدُّهُ مَا بَيْنَنـا الْفَصْـلُ والْحَـدُّ

مناقِبُ لُطْفِ اللهِ جَلَّتْ فَمَـنْ غَـدَا

يُرَدِّدُهـا جَهْـلاً بِهـا بَطَـلَ الـرَّدُّ

فَتِىً قَدْ غَدا فِي مَدْرَجِ الْعِزِّ وارْتَـدي

بِثَوْبِ الْهُدَى وانْقَادَ طَوْعاً لَهُ الْمَجْـدُ

وسُـؤْدُدُهُ فِي كُلِّ بـابٍ مِنَ الْعُلَـى

بِرَغْمِ أَعاديـه هُـوَ الْسُـؤْدُدُ الْعِـدُّ

 


وَلِي سَلَف

وَلِي سَلَفٌ فَوْقَ الْمَجَـرَّةِ خَيَّمُـوا

سُرَادِقُهمْ مِنْ دُونِـهِ كُلُّ كَوْكَـبِ

رَقَوْا فِي مَراقي الْعِزِّ شَـأْواً مُمَنَّعـاً

وذَادُوا الْوَرَى عَنْهُ بِحَدِّ الْمُشَطَّـبِ

فَما مِنْهُمُ فِي قَوْمِـهِ غَيْـرُ سيِّـدٍ

يَرُوحُ ويَغْدُو وَهْوَ بالمَجْدِ مُحْتَبِـي

ومَا بِيَ عَنْ أَشْواطِهِمْ مِنْ تَخَلُّـفٍ

وَلا رَكِبوا فَي مَجْدِهِم غَيْرَ مَرْكَبِي

ولكِنَّـها الأَيَّـامُ يَلْبِسُـها الْفَتَـى

عَلَى قَـدَرٍ مِنْ غالِـبٍ أَو مُغَلَّـبِ

وإِنِّي امْرُؤ أَمَّا نِجـارِي فخالِـصٌ

وأَمَّا فَعَالِي فاسْأَل الدَّهْرَ واكْتُـبِ

ولَسْـتُ بلَبَّـاسٍ لِثَـوْبٍ مُـزَوَّرٍ

ولكِنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ غَيْرُ مُحَجَّـبِ

وإنَّ فَتَىً يَغْشَـى الدَّنايـا وبَيْتُـهُ

عَلَى قِمَّةِ الْعَلْيا فَتَىً غَيْـرُ مُعيـبِ

فَما الْمَـرْءُ إِلاّ مَنْ يَبُـوءُ بِنَفْسـهِ

إلَى مَنْزِلٍ فَـوْقَ السَّـمَاءِ مُطَنَّـبِ

ولا خَيْرَ فِي خَفْضٍ مِنَ الْعَيْشِ دُونَهُ

تَجَرُّعُ كَأس الذُّلِّ مِنْ أَيِّ مَشْـرَبِ

 


أَجزْتُكَ أَيُّها الْمَوْلَى

أَجزْتُكَ أَيُّها الْمَوْلَـى بِما فِـي

رِواياتِي مِنَ الْكُتُـبِ الصّحـاحِ

بِمَسْمُوعِي ومَقْروئِي عَلَى مَـنْ

أَنافُوا فِي العُلُومِ وفِي الصَّـلاحِ

كَـذلكَ ما أَجازَتْنِـي شُيُـوخٌ

يَطيبُ بِذِكْرِهِمْ بَطْـنُ البِطـاحِ

كَذاكَ مَؤَلَّفاتِي وهْـيَ عِنْـدي

صِحاحُ لا تُعَـدُّ مِنَ الصِّبـاحِ

أَلاَ فـارْوِ الدَّفاتِـرَ غَيْـرَ وَانٍ

جِهاراً فِي الغُدوِّ وفِي الصَّبـاحِ

فأَنْتَ أَحَقُّ مَنْ يَـرْوي فَيُـرْوي

غَليلاً غَيْـرَ ذِي زَنْـدٍ شَحـاحِ

وَلَسْتُ بِشارِطٍ شَرْطـاً لأَنِـيّ

رَأَيْتُكَ فَوْقَ شَرْطِي واقْتِراحـي

وَلِـي ثَبَـتٌ سَتَعْرِفُـهُ ففِيـهِ

رِواياتٌ أَطَلْـتُ بِهـا مَرَاحـي

وقَدْ كَتَبَتْـهُ فِي صَنْعـا رجـالٌ

فَطـارَ بِلا جَنـاحٍ أو جُنـاحِ

فَصِلْنِي بالدُّعاءِ فَـذَاكَ عِنْـدي

إذَا أَهْـدَيْتَـهُ عَيْـنُ السَّمـاحِ

 


دُرَرٌ تَلُـوح

دُرَرٌ تَلُـوحُ مـنَ السُّطــورِ

وَهَوىً تَزَاحَـمَ فِـي الصُّـدورِ

يـا فَـرْدَ آلِ مُـحَـمَّــدٍ

وقَـرِيـعَ أنْـبـاءِ الـدُّهـورِ

إِنِّـي رَأَيْــتُ الاعْـتِــذارَ

مِـنَ الذّنُـوبِ إلَـى الغَفُـورِ

أَوْلَـى بِمِثْـلِ فَـتَـىً غَـدا

مُتَـحـمِّـلاً عـبْءَ الأُمـورِ

يَـا أَيُّهـا القَـاضِـي الَّـذِي

مَـا زَالَ مُنْـخَـدِعـاً بـزُورِ

دَعْ عَـنْـكَ قَـالَ وَقِـيـلَ

والْزَمْ مَا يَقِـي لَفْـحَ الحَـرُورِ

وتَــزَوَّدِ التَّـقْـوَى فَتِـلْكَ

الـزَّادُ فِـي سُكْنَـى القُبُـورِ

مَــدْحٌ وذَمٌّ فِـي الــوَرَى

والـحُـزْنُ يُقْـرَنُ بالسُّـرورِ

والـكُـلُّ لا يَــدْرِي إلَـى

نَيْـلِ الـخُيُـورِ ولا الشـرورِ

إنَّ الـحَيـاةَ هِـي الـخَيـالُ

وقصْـرُهـا طُـولُ القُصـورِ

نَـفْـسٌ تُعَـلَّلُ بالْـمُـنَـى

ويَقُـودُهـا حَـبْـلُ الغُـرورِ

 


ناظِمَ الدُّرَر

يَا ناظِمَ الدُّرَرِ البَهِيَّـةِ أَشْرَقَـتْ

مِنْكَ القَرِيْحَةُ واسْتَنـارَ سَنَاهـا

للهِ ما صاغَتْهُ لا بَرِحَـتْ عَلَـى

مَرِّ اللَّيالِـي مَا حَييـتَ ثَناهـا

قَدْ حَمّلَتْ كَفُّ الْجَمال مِنَ العُلَى

حِمْلَ الكَلام لِذا غَـدَتْ بُنْياهـا

فَتَنـافَـسَ الآدابُ فِيـه لأَنّهـا

لَمَّا انْبَرى للنَّظْـمِ شَـادَ بناهـا

لا زلْتَ يا بْنَ مُحَمَّدٍ فِي رِفْعَـةٍ

مَا أُلْبسَتْ منْكَ العُلُـومُ حُلاهـا

وبقيتَ تنشـرُ ما طَوَتـهُ فِتْيـةٌ

الحظُّ فِي سُوقِ الكَسودِ رَماهـا

وعليْكَ يا نَجْـل الإِمـامِ تَحيَّـةٌ

مَا نالَـتِ الآدابُ مِنْـكَ مُناهـا

وحَبَاكَ بالمِنَنِ الجِسامِ مِنَ الـذِي

أَولاكَ مــا أَوْلاكَ أَوْلاَهــا

وخُذِ الْجَوابَ عَلَى الذِي حَرَّرْتَـهُ

واعْذُرْ فَلي شُغَلٌ يطـولُ عَنَاهـا

 


إنَّ الرِّياسَة

إنَّ الرِّياسَةَ لا تَبْقَـى وإِنْ بِقِيَـتْ

إِلاَّ بأمْـرَيْـنِ مَعْلُومَيْـن للبَشَـرِ

قَتْلِ الأَعَادِي بسَيْفِ الْقَهْرِ إِنْ رَفَعوا

رُؤُوسَهُمْ لفِعالِ الْبَغْـي والْبَطَـرِ

ثُمَّ الْعَطاءِ لِذِي الْوُدِّ الصَّحيحِ مَـعَ

إفاضَةِ الْبِـرِّ للبادِيـنَ والْحَضَـرِ

فإنْ تَرَى مَلِكاً قَدْ قَصَّـرَتْ يَـدُهُ

عَـنْ ذَا وذَاكَ فَهـذا أَوَّلُ الْقَـدَرِ

لَوْلاَ الْمَشَقَّةُ كَانَ الأَمْرُ مُشْتَرَكـاً

مَا بَيْنَ ذِي خَطَرٍ مِنَّـا ومُحْتَقَـرِ

فَقُل لِنَجْلِ عَلِيٍّ عَـدِّ عَـنْ فِكَـرٍ

مَا أَنْتَ أَوَّلُ ذِي نُصْحٍ وَذِي نَظَـرِ

وسَلِّمِ الأَمْرَ للرَّحْمَنِ وارْضَ بِمـا

قَضَاهُ فِي خَلْقِهِ منْ هَـذِهِ الْعِبَـرِ

 


يَا مُفْرَداً فِي الكمال

يَا مُفْرَداً فِي الكمـالِ أَضْحَـى

لَـهُ بِـرَبْـعِ الْعُلَـى مَـقـامُ

وسَيِّـداً سـادَ فِـي الْمَعالِـي

وقَـصَّـرت دُونَـهُ الأَنــامُ

نِظـامُـكَ الـدُّرُّ قَـدْ أَتانِـي

يَـا حَبَّـذَا ذَلكَ الـنِّـظـامُ

كَـأَنَّـهُ الْبَـدْرُ قَـدْ تَجَلَّـى

بِـنُـورِه الـزّاهـر الْظّـلامُ

كَـأَنَّـهُ الزُّهْـرُ فِـي سَمـاءٍ

كَـأَنَّـهُ الـزَّهْـرُ والْكَـمامُ

كَـأَنَّـهُ الـرَّوْضُ صافَحَـتْـهُ

سَحـائِـبٌ وَدْقُهـا رِهــامٌ

يـا عَلَـمَ الـدّيـنِ إنَّ قَلْبِـي

بِنَظْمِـكَ الْـعَـذْبِ مُسْتَـهامُ

سِـحْـرٌ وَلَكِـنَّـهُ حَــلالٌ

وَهْـوَ عَلَـى غَيْـرِكَ الْحَـرامُ

 


الطَّبْلَ والمِزْمار

قَد شَقَقْتَ الطَّبْـلَ والمِزْمـارَ مَـا

مِثْـلُكَ اليَـوْمَ لِطَبْـلٍ يَرْقُـصُ

وكَذاكَ النَّفْـسُ قَـدْ ألْجمْتَـها

بِلِجامِ الزُّهْـدِ وَهْـوَ الْمَخْلـصُ

أنْتَ لا تَفْحَصُ عَنْ عَيْبِ امْـرِىءٍ

تَبَّ مَنْ ظـلَّ لِعَيْـبٍ يَفْحَـصُ

فَـرُضِ النَّفْـسِ إذَا زَادَ الـهَوَى

فَهُـوَ إِن مَـا رُضْتَـها يَنْتَقِـصُ

يَـا لَحـا اللهُ أُنـاسـاً كُلَّـما

لاحَ للأَطْمـاعِ بَـرْقٌ بَصْبَصُـوا

وإذَا نَـالَ الفَـتَـى مَكْـرُمَـةً

كَـانَ مِنْ ذَاكَ لَدَيْهِـمْ غُصَـصُ