الشاب الظريف

 

هو محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله التلمساني، شمس الدين، الشاب الظريف

من شعراء العصر المملوكي

ولد سنة 661 هـ / 1263 م ـ توفي سنة 688 هـ / 1289 م

 

صَرْفَ الدَّهْـر

أَأَخَافُ صَرْفَ الدَّهْـرِ أَمْ حَدَثَانِـهِ

وَالدَّهْرُ لِلْمَنْصـورِ بَعْـضُ عَبِيـدِهِ

مَـلِكٌ نَـدَاهُ فَكَّنِـي وَانْتَـاشَنِـي

مِنْ مِخْلَبيْـهِ وَمِـنْ أَسَـارِ قُيُـودِهِ

مَلِكٌ إِذَا حَدَّثْـتَ عَـنْ إِحْسَانِـهِ

حَدَّثْتَ عَنْ مُبْدِي النَّـدَى ومُعِيـدِهِ

سَـادَ المُلُـوكَ بِفَضْلِـهِ وَبِنَفْسِـهِ

وَالغُـرَّ مِـنْ آبـائِـهِ وَجُـدُودِهِ

وَإذا تَـرَنَّمَـتِ الـرُّواةُ بِمَدْحِـهِ

وَثَنائِهِ اهْتَـزَّتْ مَعَاطِـفُ جُـودِهِ

لأَبِـي المَعَـالِـي رَاحَـةٌ وَكَّافَـةٌ

كَالغَيْـثِ يَـوْمَ برُوقِـهِ وَرُعُـودِهِ

صَـبٌّ بِتَحْصِيـلِ الثَّنَـاءِ وَجَمْعِـهِ

كَلِـفٌ بِبَـذْلِ المـالِ أَوْ تَبْديـدِهِ

مـا زَالَ يَشْمُـلُ حَاسِديـهِ نَوالُـهُ

حَتَّى أَقـرَّ بِـهِ لِسـانُ حَسْـودِهِ

سَلْ عَفْوَهُ وحُسَامُـهُ فِـي غِمْـدِهِ

وحَذَارِ ثُمَّ حَـذَارِ مِـنْ تَجْرِيـدِهِ

يَغْشَـى الوَغَـى مُتَلفِّعـاً بِرِدَائِـهِ

وَيَخُـوضُهَـا مُتَسَرْبِـلاً بِحَدِيـدِهِ

فَتَرى الشُّجَاعَ يَفِـرُّ مِنْـهُ مَهابـةً

وَالـمَوْتُ بَيْـنَ لُهَاتِـهِ وَوَريـدِهِ

يَتَقَهْقَـرُ الجَيْـشُ اللهـامُ مَخَافَـةً

مِنْـهُ إِذَا وَافَـى أَمـامَ جُـنُـودِهِ

وَتعـودُ مُخْفَقـةَ الرَّجَـاءِ عِدَاتُـهُ

وقُلـوبُهَـا خَـفَّـاقـةٌ كَبنُـودِهِ

فِي مَعْرَكٍ إِنْ كُسِّـرت فيـهِ القَنـا

وَصَلَ الحُسَـامُ رُكُوعَـهُ بِسُجـودِهِ

جَـارَى الغَمَـامَ فَفاتَـهُ بِنَـوالِـهِ

كَرمـاً وَفـاقَ كَثيـرَهُ بِـزَهيـدِهِ

وَالـدِّيـنُ أَثَّلَـهُ وَشَـادَ مَـنـارَهُ

حِينَ اعْتَنَـى بِحُقُوقِـهِ وَحُـدُودِهِ

وَالمُلْكُ لَـمْ يَنْفَـكّ يُعْمِـلُ عَزْمَـهُ

فِي نَصْرِ ظَاهِـرِهِ ونُصْـحِ سَعِيـدِهِ

إِنَّ المَنَـايَـا وَالأَمانِـي لَـمْ تَـزَلْ

طَوْعـاً لِسابِـقِ وَعْـدِهِ وَوَعِيـدِهِ

وَأَرَى الحَـيـاةَ لَذِيـذَةً بِحَيـاتِـهِ

وَأَرَى الوُجُـودَ مُشَرَّفـاً بِوُجُـودِهِ

هَـاجَـرْتُ نَحْـوَ مُحمَّـدٍ لَمَّـا

رَأَيْتُ العَالَمَ العُلْـوِيَّ فِـي تَأْييـدِهِ

وَثَنيـتُ أَعْنَـاقَ القَوافِـي نَحْـوَهُ

وَنَظَمْتُ دُرَّ مَدائِحِـي فِـي جِيـدِهِ

وَنَظَـرْتُ نُـورَ جَـلاَلِـهِ وَوَردْتُ

بَحْرَ نَوالِهِ وَلَبِسْتُ وشـيَ بُـرُودِهِ

وَمَلأْتُ عَيْنِي مِـنْ مَحَاسِنِـه الَّتِـي

مَلأَتْ عُيُـونَ عَـدُوِّهِ وَحَسُـودِهِ

وَجَلَسْتُ بَيْنَ يَـدَيْ أَجـلِّ زَمانِـهِ

قَـدْراً وَواحِـدِ عَصْـرِهِ وفَريـدِهِ

وَأَفَدْتُ سَمْعِي مِنْ فُكَاهَـةِ مُمْتِـع

الألفَاظ مَقْبُـولِ الكَـلام مُفِيـدِهِ

فَصَدَرْتُ عَنْ صَدَقاتِ مَشْكُورِ النَّدَى

وَالجُودِ مَشْكـورِ الفِعَـالِ حَمِيـدِهِ

فَلَوَ اَنَّنِي خُيِّرتُ منْ دَهـري المُنَـى

لاخْتَرْتُ طُـولَ بَقَائِـهِ وَخُلُـودِهِ

يا آلَ أَيُّـوبٍ جَـزَيْتُـمْ صَالِحـاً

عَنْ مُحْسِنٍ مَدحَ المُلُـوكِ مُجيـدِهِ

وَنعمْتُمُ ما افْتَرّ عَنْ ثَغْـرِ الضُّحَـى

صُبْحٌ وَما فَضَحَ الدُّجَـى بِعَمُـودِهِ

يا أَيُّها المَلِكُ الَّـذي حَـازَ العُلَـى

فَثَنَى عِنانَ الفِكْـرِ عَـنْ تَحْدِيـدِهِ

أَمَّـا الزَّمـانُ فَأَنْـتَ دُرَّةُ عِقْـدِهِ

وَسِنَـانُ صُعْدَتِـهِ وَبَيـتُ قَصِيـدِهِ

والشِّعْرُ أَنْـتَ أَحَـقُّ مَـنْ يَهْتَـزُّ

عِنْدَ سَماعِهِ وَيَمِيـلُ عِنْـدَ نَشيـدِهِ

فَاسْلَمْ لِمُلْكٍ بَلْ لِمَجْدٍ أَنْـتَ فِـي

تَأْسِـيـسِـهِ وَاللهُ فِـي تَأْيِـيـدِهِ

 


خُذُوا قَودِي

خُذُوا قَودِي مِـنْ أَسيـرِ الكِلَـلْ

فَـواعَجـبـاً لأَسـيـرٍ قَـتَـلْ

وَقُـولـوا عَلـيّ إذا نُـحْـتـمُ

قَتيـلَ العيُـونِ جَريـحَ المُـقَـلْ

وَلِي جَلـدٌ عِنْـدَ بِيـضِ الظُّبَـى

وَبِالأعْيُـنِ النُّجْـلِ ما لِـي قِبـلْ

وَلِي قَمـرٌ ما بَـدا فِـي الدُّجَـى

وَأَبـصـرَهُ الـبَـدْرُ إلاَّ أَفــلْ

فَيـا خَجْلـةَ الظَّبْـي لَمَّـا بَـدا

شَبيهاً لَهُ فِـي اللَّمَـى وَالكَحَـلْ

وَيا خَجْلةَ الشَّمْـسِ لَمَّـا بَـدتْ

أَلَم تَـرَ فِيهَـا احْمِـرارَ الخَجـلْ

يُضِـلّ بِطُـرَّتِـهِ مَـنْ يَـشـا

وَيْهـدِي بِغُـرَّتِـهِ مَـنْ أضَـلْ

وَقَدْ عَـدَلَ الحُسْـنُ فِـي خَلْقـهِ

عَلـى أَنَّـهُ جَـارَ لَمَّـا عَـدَلْ

فَعُمَّـتْ مَعـاطِفـهُ بالنَّـشـاطِ

وَخُـصَّـتْ رَوادِفُـه بِالكـسَـلْ

وَقَـدْ عَلِـمَ النَّـاسُ أَنِّـي امْـرُؤٌ

أحِـبُّ الغَـزالَ وَأهْـوَى الغَـزلْ

فَـلا تُنْكِـرُ اليَـوْمَ يـا عَاذِلِـي

فَلسْتُ أميـلُ إِلَـى مَـنْ عَـذَلْ

فَألحَـفْـتُ قامَـتَـهُ بالعـنـاقِ

وَأَذْبلـتُ مَـرْشـفـهُ بِالقُـبَـلْ

وَكمْ تُهْت فِي غَـوْرِ خَصْـرٍ لَـهُ

وَأَشْرَفْتُ مِـنْ فَـوْقِ ذَاكَ الكَفَـلْ

وَأذَّنْـتُ حِيـنَ تَجَلَّـى الصَّبـاحُ

بِحيّ علـى خَيْـرِ هَـذا العَمـلْ

وَها أثَـرُ المِسْـكِ فِـي رَاحَتِـي

هَدَاه فَمِـي فِيـهِ طَعْـمُ العَسَـلْ

دَعانِي إِلَى رَشْـفِ تِـلْكَ القُبـلْ

غَـرامٌ صحيـحٌ وَمـا لِـي قِبَـلْ

إذا فَـتـكـتْ فِـيَّ ألحـاظُـهُ

بِقَـدٍّ يَقُـدُّ فكـيـفَ العَـمـلْ

هُنـاكَ تَـرَى أَدمُعِـي المنُحْنِـي

وَقلْبِـي بِرَمْـي الجِمـارِ اشْتعَـلْ

وَدْمعِي مِنَ الشَّـوْقِ يا ما جَـرَى

عَقيقـاً وَبالله عَـقْـلِـي ذَهـلْ

فَمَا ضَـرَّهُ لَـو سَمـح بِالكَـرَى

وَلَوْ ساعةً بَعْـدَ مَـا قَـدْ فَعـلْ

وَسَكَّنْتَـهُ فِـي لَظَـى مُهْجَتِـي

وَذاكَ لَعَمْـرِي جَـرا مَـنْ قَتـلْ

وَمِـنْ عَـجـبٍ زارَ فِـي لَيْلـةٍ

وَعمَّـا جَـرى بَيْننَـا لا تَـسـلْ

فَصِرْتُ أشاهِـدُ تِـلْكَ الرِّيـاضِ

عَلَـى وَجْنَتَيْـهِ أنا فِـي خَجَـلْ

وَأَقْـطـفُ وَرْداً بـأغْـصـانِـه

وَلَـم يَـكُ هـذَا بغَيْـرِ المُقَـلْ

فَلِلَّــه دَرَّك مِــنْ لَـيْـلَــةٍ

تُعـادِلُ أَرْواحَـنـا بَـلْ أجـلْ

تُـريـكَ إِذَا أَسْفَـرتْ بَهْـجَـةً

وَرَوْض السُّرورِ بِهـا قَـدْ حَصَـلْ

وَلا عَيْـبَ فِيهـا سِـوَى أَنَّهـا

خَلتْ مِنْ رَقيـبٍ لنَـا أَو عَـذلْ

أَلاَ فَلِلَّـه سَـيْـف الـمُـقـلْ

فَكَـمْ ذَا تَعـدَّى وَكَـمْ ذَا قَتـلْ

وَما مِـنْ قتيـلٍ لأَهْـلِ الهَـوى

سِوى أَلْف راضٍ بِمَـا قَـدْ فَعـلْ

لَقَـدْ نَصَـرَ اللهُ جَيْـشَ المـلاحِ

بِبـدْرٍ لَنَـا حُسْنُـه قَـدْ كَمـلْ

ومَا بَطـلٌ فِـي الوَغَـى فَـارِسٌ

إذا قـابـلَ الـغِـيـدَ إلاَّ بَطـلْ

إِذَا قَـاتلـتْـنِـي عُيـونُ الظِّبَـا

فَوا فَرحِـي لَـوْ بَلغْـتُ الأَمـلْ

رَعَـى اللهُ لَيلـةَ زَارَ الحَبـيـبُ

وَغَابَ الرَّقِيـبُ إِلَـى حَيْـث أَلْ

فَخَبـأْتُـه فِـي سَـوادِ العُيـونِ

وَقْد غَسـلَ الدَّمْـعُ ذَاكَ المَحَـلْ

وَأَلصَـقْـتُ خَـدّي بِأَقْـدامِـه

وَأَذْبـلْـتُ أخْمَصـهُ بِالقُـبَـلْ

فَــرَقَّ وَمـالَ بِأَعْـطَـافــهِ

فَـدبَّـتْ بِـرُوحِـي ذَاكَ الميَـلْ

وَعَانَـقْـتُـهُ وَخَلعْـتُ العِـذارَ

وَمزَّقْتُ ثَـوْبَ الحيَـا وَالخَجـلْ

وَمـا زلْـتُ أُشْغِلـهُ بِالحديـثِ

وَسِتْـرُ الظـلامِ عَليْنـا انْسَـدلْ

إِلَـى أنْ غَفـا جَفْنـهُ بالمـنـامِ

وَعـنِّـي تَغافـل أَو قَـدْ غَفَـلْ

وَخلَّـيْـتُ عَـنْ خَصْـرِه بَنْـدَهُ

وَأَجْفَيْـتُ عَـنْ مِعْطَفيْـهِ الحُلَـلْ

وَبـتُّ أُشاهِـدُ صُـنْـعَ الإلـهِ

تَـبـاركَ رَبُّ البَـرَايـا وَجَـلْ

فَظُـنَّ بِنَـا الخَـيْـرَ أَوْ لا تَظُـنَّ

فَلا تَسْـأَلِ اليَـوْمَ عَمَّـا حَصَـلْ

 


رَأَى الحُسْنَ فِي العُشَّاق

رَأَى الحُسْنَ فِي العُشَّاقِ مُمتَثلَ الأَمْـرِ

فَجارَ وَنابتْ عَنْهُ عَيْنَاهُ فِـي الغَـدْرِ

وَقال خُذِ الهَجْـرَ المُبـرِّحَ بِالحَشَـا

فَقُلْتُ خُذ الصَّبْـرَ المُبـرِّحَ بالهَجْـرِ

وَلِي فِيكَ بَيْنَ القُرْبِ وَالبُعْدِ مَشْهـدٌ

يُرِينِي صِدْقَ الهَجْرِ فِي كَذِبِ السِّـرِّ

أُمَثِّلُ ما أَخْتَـارُ مِنْـكَ بِخاطِـري

فَيَمْنَحُنِي وَصْلاً وَإِنْ كُنْتَ لا تَـدْرِي

أَأَحْبابَنـا بِنْتُـمْ وَخَلَّفْتُـمُ الهَـوَى

يُملل حَرَّ الشَّوْقِ مِنَّا عَلَـى الجَمْـرِ

هَلُمَّ إِلَـى العَهْـدِ القَديـمِ نُجِـدُّهُ

وَنُنْشِي بِهِ مَيْتَ الهَوَى طَيب النَّشْـرِ

فَنَحْنُ قَبِلناكُمْ عَلَـى كُـلّ حَالَـةٍ

أَحبَّاءَ لا نَسْلوكُـمْ آخِـرَ الدَّهْـرِ

وَنَحْنُ فَعَلْنَـا مَا يَليـقُ مِـنَ الوَفَـا

فَلا تَفْعَلُوا مَا لا يَلِيـقُ مِـنَ الغَـدْرِ

وَإِنَّا وَإِنْ أَغْرَى بِنَا الحُسْـنُ عَامِـداً

نُؤَمِّلُ أَنْ يُجْرِي بِنَا اليُسْرُ مَا يُجْـرِي

أُسائِلُكُمْ هَلْ رَوَّضَ الشِّعْـبُ بَعْدَنَـا

وَهَلْ سَحَّ فِي سَاحَاتِهِ وَابِـلُ القَطْـرِ

وَهَلْ سَنَحَتْ فِيـهِ جَـآذِرُهُ الَّتِـي

تُعوِّضُ بالأَلْبابِ مَرْعىً عَـن الزَّهْـرِ

كَواكِبُ قالَ النَّاسُ هُـنَّ كَواعِـبٌ

تَقَلَّـدْنَ بَالأَحْـدَاقِ مِنَّـا وَبِالـدُّرِّ

نَحرْنَ جُفُونِـي بالدُّمُـوعِ وإِنَّمـا

سَلَبْنَ عُقُودَ الدُّرِّ مِنْ ذَلِـكَ النَّحْـرِ

رَعَى اللهُ نَفْساً كَم أُكَلِّفُـهَا الهَـوَى

وَأَجْنِي بِها حُلْوَ الأُمُـورِ مِـنَ المُـرِّ

وَأَلْقَى صُرُوفَ الدَّهْرِ مُسْتَقْبِـلاً لَهـا

فَلسْتَ تَرَى تَأْثِيرَها فِي سِوَى صَدْرِي

وَقَدْ شَابَ فَوْدِي قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِي لَـهُ

سِوَى الخَمْسِ والعِشْرِينَ مِنْ مُدَّةِ العُمْرِ

أُحِبُّ ورُودَ المَـاءِ يُحْـرَسُ بالظُّبَـى

وَأَهْوَى ازْدِيارِ الحَيِّ يُمْنَـعُ بالسُّمْـرِ

وَلِي بِابْنِ عَبْدِ الظَّاهِـرِ الهِمَّـةُ الَّتِـي

أَجَادَ بِهَا جَدِّي وأَعْلَى بِهَـا قَـدْرِي

هُـوَ البَـرُّ إِلاَّ أَنَّـه إِنْ قَصَـدْتَـهُ

تَيَقَّنْتَ أَنَّ البَحْرَ مِـنْ ذَلِـكَ البَـرِّ

يُقـاسِمنِـي قَلْبِـي إِلَيْـهِ اشْتِياقُـهُ

فَيَرْجَحُ شَطْرَ الشَّوْقِ مِنْهُ عَلَى الشَّطْـرِ

 


أَضْحَـى لَه

أَضْحَـى لَهُ فِي اكْتِئابِـهِ سَبَـبُ

بِمَبْسَـمٍ فِـي رُضَابِـهِ شَنَـبُ

قَلْبٌ كَما يُفْهَـمُ السُّلـوُّ جَـرَى

فِيهِ كَمَـا يُعْلَـمُ الهَـوَى لَهَـبُ

لا يَدَّعِـي العاشِقُـونَ مَرْتَبتِـي

مَتَى تَساوَى التُّـرابُ والذَّهـبُ

أَبكي إِذَا مَا شَكَـوْا وَأَنْـدُبُ إِنْ

بَكَوْا وأَقْضِي نَحْبِـي إِذَا انْتَحَبُـوا

فيمَـنْ بِأَعْطـافِـهِ وَأَعْـيُـنِـهِ

جُرَّ قَضِيـبٌ وَجُـرِّدَتْ قُضُـبُ

مُنْتَـقِـمٌ بِالصُّـدُودِ مُنْتَـقِـلٌ

عَـنْ ودِّهِ بِالجَمَـالِ مُنْتَـقِـبُ

مُعْـرِضٌ بِالـوِدَادِ مُـعْـتَـرِضٌ

مُحْتَجِـرٌ فِي الغَـرَامِ مُحْتَجِـبُ

يـا حَـبَّـذا دَارهُ وَإِنْ بَعُـدَتْ

وَحَـبَّـذَا أَهْلَـهُ وَإِنْ غَضِـبُـوا

وَحَبَّذا الشَّام إِنْ سَمـتْ بِحُسـامِ

الدّين مِنْهـا البِطَـاحُ والكُثُـبُ

لا أَخْتَشِـي الحادِثـاتِ وَالحَسَـنُ

المُحْسِـنُ لِي فِـي جَنابِـهِ أَرَبُ

مِنْ مَعْشَرٍ قَدْ سَموْا وَقَـدْ كَرُمُـوا

فِعْلاً وَطابُـوا أَصْـلاً إِذَا انْتَسبُـوا

إِنْ أَظْلَمَ الدَّهْـرُ ضَـاءَ حُسْنُهُـم

وَإِنْ أُمِـرَّت أَيَّامُـنَـا عَـذُبُـوا

وَإِنْ أَرادُوا مَكـارِمـاً بَلَـغُـوا

وَإِنْ أَرادُوا مَكَـارِهـاً غَلَـبُـوا

مَا إِنْ سَعَوْا فِي مَحامِـدٍ رَفَعُـوا

لَهـا بِنـاءً فَعـاقَهُـمْ نَصَـبُ

قَوْمٌ يَشُقُّونَ كُلَّما شَعَب الخَطْـبُ

ومَـنْ ذا يَشُـقُّ مـا شَعَـبُـوا

وَتَسْتَـقِـرُّ العُـيُـونُ إِنْ نَزَلُـوا

وتَسْتَـقِـرُّ القُلُـوبُ إِنْ رَكِبِـوا

وَتَخْجَلُ السُّحْـبُ مِـنْ أَكُفِّهِـمِ

مِنْ أَجْلِ هَذَا تُبْدِي الحَيَا السُّحُـبُ

مِنْ فِضَّـةٍ عِرْضُهُـم ونَشْرُهُـم

يُعـطَّـرُ الكَـوْنُ أَيَّـةً ذَهَبُـوا

ما أَشْرَقُـوا فِـي ذُكـاء مَعْرِفَـةٍ

إلاَّ ذَكَـا مِـنْ ذُكائِهـم غُـرُبُ

إِنْ حَضَرُوا فِي مَجَالـسٍ خَطَبـوا

وَإِنْ نأَوْا عَـنْ مُجالـسٍ خُطِبُـوا

وَكَمْ عُـدَاةٍ أَقْوالـهـم كَتَبُـوا

وَكَمْ عِـداةٍ وَفـوا بِهـا كَتَبُـوا

سَابَقَهُـمْ فِـي عُلُومِهِـمْ نَفَـرٌ

فَمـا لَقـوْا شأْوَهُـمْ وَلا قَرُبُـوا

قُلْ لأَجَـلِّ الـوَرَى إِذَا انْتَسَبُـوا

حَسْبُكَ مَا يَقْتَضِي لَكَ الحَسَـبُ

يَا ضَـاحِكـاً وَالحَيَـاةُ عَابِسَـةٌ

وَثَابِـتـاً وَالجِـبَـالُ تَضْطَـرِبُ

الدَّهْرُ دَوْحٌ وأَنْتَ فِيـهِ قَضِيـبُ

البَانِ غُصْنـاً وَغَيْـرُكَ الحَطَـبُ

خُذْ مِدحاً لَـمْ أُرِدْ بِهَـا مِنَحـاً

حَسْبِـيَ أَنِّـي إِلَيْـكَ أَنْتَسِـبُ

 


صَبَا وَهَزَّتهُ

صَبَا وَهَزَّتهُ أَيْـدِي شَوْقِـه طَرَبـا

وَجَدَّ مِنْ بَعْدِمَا كَانَ الهَـوَى لَعِبَـا

لا تَعْتِبوهُ فَمَـا أَبْقَـى الغَـرامُ لَـهُ

مِنْ سَمْعِه مَا بِهِ يُصْغي لِمَـنْ عَتِبـا

وَلا ثَناهُ وَأَمْـرُ الحُـبِّ فِـي يَـدِهِ

عَذْلٌ فَكَيْفَ وأَمْرُ الحُبِّ قَـدْ غَلَبَـا

يَهْوَى بُروقَ الحِمَى لَكِـنْ يُخَالِفُهـا

فَكُلَّمَا ابْتَسَمَت مِنْ جَوِّهَـا انْتَحَبـا

يَا قَلبُ حَتَّام تَهْوَى مَنْ سَلاكَ وَيـا

جَفْنَيَّ كَمْ تَبْكِيـانِ الجيـرةَ الغَيَبـا

أعِيذُ قَلْباً ثَوَى حُـبُّ الأَميـرِ بِـهِ

مِنْ أنْ يَرَى بِسَوَى حُبَّيْـهِ مُلْتَهبـا

لا تَنْظُر العَيْنُ مِنْهُ السَّيْـفَ مُنْصَلِتـاً

إنْ فَارَقَ الغِمْدَ حَلَّ الهَامَ فَاحْتَجَبَـا

لَوْ أَقْسَم المُدْلِجُ السَّارِي عَلَى قَمَـرٍ

باسْمِ الأميرِ دَعَاهُ قَـطُّ مَـا غَرَبـا

وَلَوْ وَضَعْتَ عَلَى الهِنْـدِيِّ سَطْوَتَـهُ

طَاحَتْ رُؤوسُ الأَعَادِي وَهْوَ مَا ضَرَبا

وَلوْ وَضَعْتَ الَّذِي تُبْـدِي فُكَاهَتـهُ

لِلعَلْقَمِ المُرِّ أضْحَـى طَعْمُـه ضَرِبـا

وَلَوْ تَلـوْتَ عَلَـى مَيْـتٍ مَناقِبَـهُ

رَدّ الإلـهُ لَـهُ الـرُّوحَ الَّتِي سَلَبـا

وَلوْ مَزجْتَ بِماءِ المُزْنِ مَا اكْتَسَبـتْ

مِنْ لُطْفِهِ شِيَمي مَا غَصَّ مَنْ شَرِبَـا

مِـنَ الأَكـارِم أَبْـنـاءِ الأَكَـارمِ

آبَـاءِ الأكـارِم لا زُوراً وَلا كَذِبَـا

يَسْعَى لِنَيْلِ العُلَى مِنْ مَعْشَـرٍ وَهُـمُ

تَسْعَى المعَالِي إِلَـى أبْوابِهِـمْ أدَبَـا

يُعلّمُـونَ الـوَرَى آدابَهُـم وَلَهُـمْ

بِيضٌ إِذَا غَضِبُوا لا تَعْـرِفُ الأَدَبـا

لَوْ لُقّبُوا بِالغُصُونِ السُّمْـرِ صَدَّقهُـمْ

جَعْلُ الرُّؤُوس لَهَا يَوْمَ الوَغَى كُثَبـا

المُنْجدِيـنَ أَخَـا المُوجِديـنَ سَخـاً

وَالمَاجِدِيـن أَبـاً والوَاجِدِيـن إِبـا

لَمَّا انْتَسَبتُ إِلَـى أَبْوابِـهِ كَبُـرَتْ

بِي هِمَّةٌ صَغُرتْ فِي عَيْنِـي الرُّتَبـا

لَوْ رُمْتُ أَسْحَبُ أَذْيالِي عَلَى فَلَـكٍ

لَمدَّ لِي سَببٌ مِـنْ جُـودهِ سَبَبـا

 


لا تُخْفِ مَا صَنَعَت

لا تُخْفِ مَا صَنَعَتْ بِكَ الأَشْـوَاقُ

وَاشْـرَحْ هَـوَاكَ فَكُـلُّنَا عُشَّـاقُ

قَدْ كَانَ يُخْفِي الحُبَّ لَوْلاَ دَمْعُـكَ

الجَـارِي وَلَـوْلا قَلْبُـكَ الخَفَّـاقُ

فَعَسَى يُعِينُكَ مَنْ شَكَوْتَ لَهُ الهَـوَى

فِـي حَمْلِـهِ فَالعَاشِـقُونَ رِفَـاقُ

لاتَجْـزَعَـنَّ فَلَسْـتَ أَوَّلَ مُغْـرَمٍ

فَتَكَـتْ بِهِ الوَجْنَـاتُ وَالأَحْـدَاقُ

وَاصْبِرْ عَلَى هَجْرِ الحَبِيـبِ فَرُبَّـمَا

عَادَ الوِصَـالُ وَلِلهـَوَى أَخْـلاقُ

يَـارَبّ قَدْ بَعـُدَ الـذينَ أُحِبُّـهُمْ

عَنِّـي وَقَد أَلِـفَ الرِّفَـاقَ فـِرَاقُ

وَاسْـوَدَّ حَظِّـي عِنْدَهُمْ لَمَّا سَـرَى

فِيـهِ بِنَـارِ صَبَـابَتِـي إِحْــرَاقُ

 


بِعَيْنَيْكَ هَذِي الفَاتِرات

بِعَيْنَيْكَ هَذِي الفَاتِراتِ الَّتِي تَسْبِـي

يَهُونُ عَليَّ اليَوْمَ قَتْلِـيَ يـا حُبِّـي

إِذَا ما رَأَتْ عَيْنِي جَمـالَكَ مُقْبِـلاً

وَحَقِّكَ يا رُوحِي سَكِرْتُ بِلاَ شُرْبِ

وَإِنْ هَزَّ عِطْفَيْـكَ الصِّـبَا مُتمايِـلاً

أَضَاعَ الهَوى نُسْكِي وغُيِّبْتُ عَنْ لُبِّـي

فَدعْنِي وَهَذا الخَدَّ أَعْصِـرُ فِي فَمِـي

عَنَاقِيدَ صُدْغَيْهِ وَحَسْبِـي بِهِ حَسْبِـي

لَوَ أَنَّ تُجَارَ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ شَاهَـدُوا

ثَنايَاكَ ما عَنّوُا على اللُّؤْلُـؤِ الرَّطْـبِ

أَيَا سَاقِيَ الكَأْسِ الَّـذي زَادَ خَـدُّهُ

عَليهَا احْمِراراً عدِّ بالكَأْسِ عَنْ صَحْبِي

وَمَـا ذَاكَ بُخْـلاً بِالمُـدامِ وَإِنَّمـا

إِذا لُحْتَ لَم آمنْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّلْـبِ

وَبالله قُلْ لِي أَيُّها الظَّبِي كَيـفَ قَـدْ

تَعَلّمت صَيد الأُسْد فِي شَرَكِ الهُـدْبِ

وماذا الَّذِي قَدْ بِعْتَ فاسْتَرهَنَت بِـه

لَدَيْكَ الرُّبَى رَهْناً كَثِيباً مِنَ الكُثـبِ

فَخُذْ قِصَّةَ الشَّكْوَى مِنَ الأَعْيُنِ الَّتِـي

نَفَيْتَ لَذِيذَ النَّوْمِ عَنْـهَا بِـلا ذَنـبِ

وَلاَ تَعْتَبـنْ صَـبّـاً تَهتَّـكَ سِتْـرُهُ

عَلَيْكَ فَهَتْكُ السّتْرِ أليـق بالصَّـبِّ

 


أَنُوحُ إِذَا الحَادِي

أَنُـوحُ إِذَا الحَـادِي بِذِكْرِكُـمُ غَنَّـى

وأَبْكِـي إِذَا مَا البَـرْقُ مِنْ نَحْوِكُمْ عَـنَّا

بِكُـمْ وَلَهِـي ، لا بِالعُـذَيْبِ وبِالنَـقَا

وأَنْتُــمْ مُـرَادِي لا سُعَـادٌ ولا لُبْنَـى

يَلَـذُّ لِيَ اللَّيْـلُ الطَّـوِيلُ بِذِكْـرِكُـمْ

فَمَا أَطْيَـبَ اللَّيْـلَ الطَّـويلَ إِذَا جَـنَّا

أَحِبَّـتَـنَـا ، أَيْـنَ المَـوَاثِيـقُ بَيْنَـنَا

زَمَـانَ خَلَـونَا بِالحِمَـى وتَعَـاهَـدْنَا

ظَنَنَّـاكُـمُ لِلْعُمْـرِ ذُخْـراً وَعُــدَّةً

فَيَـا قُـرْبَ مَا خَيَّبْـتُمُ فِيكُـمُ الظَـنَّا

وأَقْسَمْتُمـوا أَلاَّ تَحُـولُوا عَـن الـوَفَـا

فَحُلْتُـمْ عَن العَهْـدِ القَدِيـمِ وَمَا حُلْـنَا

لَئِـنْ عَادَ ذَاكَ العَيْـشُ يَا سَادَتِي ، بِكُـمْ

وَعُـدْنَا إِلَى تِـلْكَ الدَّيَـارِ كَمَـا كُـنَّا

غَفَـرْتُ ِلأَيَّامِـي جَمِيـعَ ذُنُـوبِهَــا

وقُلْـتُ : لَكِ الإِنْعَامُ عِنْـدِي والحُسْنَـى

 


قُلْ لِي وَلَو كَذِبا

قُلْ لِي وَلَو كَذِباً ، كَلاماً نَاعِمـاً

قَدْ كَـانَ يَقْتُلَـنِي بِكَ التمْثَـالُ

مَا زِلْتِ فِي فَنّ المَحَـبَّةِ .. طِفْلـَةً

بَيْنِـي وَبَيْنِـكِ أبْحُـرٌ وَجِبَـالُ

لَمْ تَسْتَطِيـعِي بَعْـدُ أَنْ تَتَفَهَّـمِي

أنَّ الرِجَـالَ جَمِيعَـهُمْ .. أطفَـالُ

إنِّي لأرْفُـضُ أَنْ أكُـوْنَ مُهَرِّجـاً

قَـزْمـاً عَلَى كَلِمَـاتِهِ يَحْتَـالُ

فَإذَا وَقَفـْتُ أمَامَ حسْنِكِ صَامِتـاً

فَالصَّمْتُ فِي حَرَم الجَمَالِ .. جَمَالُ

كَلِمَتُنَا فِي الحُّـبِّ .. تَقْتُلُ حُبَّنَـا

إنَّ الحُروفَ تَمُوتُ حِيـنَ تُقَـالُ

 


آيَاتُ كُتْبِ الغَرَام

آيَـاتُ كُـتْـبِ الـغَـرَامِ أَدْرُسُهَـا

وَعَبْـرَتِــي لاَ أُطِـيْـقُ أَحْبِسُهَـا

لَبِسْتُ تَـوْبَ الضَّنَـى عَلَى جَسَـدِي

وَحُلَّـةُ الـصَّبْـرِ لَـسْـتُ أَلبِسُهَـا

وَشَـــادِنٍ مَـا رَنَــا بِمُقْلَتِــهِ

إِلاَّ سَبَــى العَـالَمِيـنَ نَـرْجِسُهَـا

فَـوَحْـهُـهُ جَـنَّـةٌ مُـزَخْـرَفَـةٌ

لَكِـنْ بِنَبْـلِ الحُـتُـوفِ يَحْرُسُهَـا

وَرِيـقُـهُ خَـمْـرَةٌ مُـعَـتّـَقَــةٌ

دَارَتْ عَلَيْنَـا مِـن فِيـهِ أَكْـؤُسُهَـا

يَـا قَـمَـراً أَصْبَحَـتْ مَـلاحَتُــهُ

لا يَـعْتَـرِيهَـا عَيْـبٌ يُـدَنِّـسُهَـا

صِـلْ هَائِمـاً إِنْ جَـرَتْ مَـدَامِعُـهُ

تَـلْحَقُهَــا زَفْــرَةٌ تُيَبِّسُهَـــا

 


مَا بَيْنَ هَجْرِك

مَـا بَيْـنَ هَجْـرِكَ والنَّـوَى

قَدْ ذُبْتُ مِـنْ أَلَـمِ الجَـوَى

وَحَـيـاةِ حُـبِّـك لا سَـلا

قَلْـبُ الـمُحـبِّ وَلا نَـوَى

يَـا مَـنْ حَكَـى بِقَـوامِـهِ

قَـدَّ القَضِيـبِ مُـذِ الْتَـوَى

لِـي نَـاظِــرٌ ظَـامٍ إِلَـى

لُقْـيَـاكَ بِالـدَّمْـعِ ارْتَـوَى

يـا أَحْــوَراً عُـلِّـقْـتُـهُ

أَحْـوى لِرقِّـي قَـدْ حَـوَى

يـا فَـاتِـنِـي بِمَعـاطِـفٍ

سَجَدتْ لَها قُضُـبُ اللِّـوَى

كَـمْ لِـي دُيـونٌ عِـنْــدَ

صُدْغِكَ قَـدْ لَواهَـا وَالْتَـوَى

مَنْ قـاسَ قَـدَّكَ بِالقضيـبِ

رَشَـاقَـةً فَـلَـقَـدْ غَـوَى

ما أَنْـتَ عِنْـدِي وَالقَضيـبُ

اللَّـدْنُ فِـي حَـدٍّ سَـوَى

هَـذاك حَـرَّكَــهُ الهَـواءُ

وأَنْـتَ حَـرَّكْـتَ الهَـوَى