أبن المعتز

 

هو عبد الله بن محمد المعتز بالله ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد العباسي، أبو العباس

من شعراء العصر العباسي

ولد سنة 247 هـ / 861 م ـ توفي سنة 296 هـ / 908 م

 

حُلـوُ الـدَّلال

وَحُلـوُ الـدَّلالِ مَليـحُ الغَضَـب

يَشـوبُ مَـواعيـدُهُ بِالـكَـذِب

قَصِـيـرُ الـوَفـاءِ لأَحـبـابِـهِ

فَهُـم مِـن تَلوُّنِـهِ فِـي تَعَـب

سَقانِي وَقَد سُلَّ سَيـفُ الصَّـبَاحِ

وَاللَّيـلُ مِن خَوفِـهِ قَـد هَـرَب

عُقـاراً إِذا مَـا جَلَتـها السُّقـاةُ

أَلبَسَـها الـماءُ تَـاجَ الحَـبَـب

فَأَصلَـحَ بَينِـي وَبَيـنَ الـزَّمـانِ

وَأَبـدَلَنِـي بِالـهُمـومِ الطَّـرَب

وَمَـا العَيـشُ إِلاَّ لِمُستَـهـتِـرٍ

تَظَـلُّ عَـواذِلُـهُ فِـي شَـغَـب

يَهيـمُ إِلَـى كُـلِّ مَـا يَشتَـهِي

وَإِن رَدَّهُ العَـذلُ لَـم يَنـجَـذِب

وَيَسخو بِمـا قَـد حَـوَت كَفُّـهُ

وَلا يُتبِعُ الـمَنَّ مَـا قَـد وَهَـب

فَكَم فِضَّـةٍ فَضَّـها فِـي سُـرورِ

يَومٍ وَكَـم ذَهَـبٍ قَـد ذَهَـب

وَلا صـيــدَ إِلاَّ بِـوَثَّـابَــةٍ

تَطيـرُ عَلَـى أَربَـعٍ كَـالعَـذَب

وَإِن أَطلَـقَـت مِـن قِـلادَتِهـا

وَطـارَ الغُبـارُ وَجَـدَّ الطَلَـب

فَـزَوبَعَـةٌ مِـن بَنـاتِ الرِّيَـاحِ

تُريكَ عَلى الأَرضِ شَـدّاً عَجَـب

تَضُـمُّ الطَّريـدَ إِلَـى نَحـرِهـا

كَضَمِّ المُحِبِّ لِمَـن قَـد أَحَـب

أَلا رُبَّ يَـومٍ لَـهـا لا يُــذَمُّ

أَراقَـت دَمـاً وَأَغابَـت سَغَـب

لَها مَجلِسٌ فِـي مَكـانِ الرَّديـفِ

كَتُـركِيَّـةٍ قَـد سَبَتـها العَـرَب

وَمُقلَـتُـهـا سـائِـلٌ كُحلُـها

وَقَد جُلِيَـت سَبَجـاً مِـن ذَهَـب

فَظَلَّـت لُحـومُ ظِبـاءِ الـفَـلاةِ

عَلَـى الجَمـرِ مُعجَلَـةً تُنتَهَـب

وَطـافَـت سُقاتُهُـمُ يَمزِجـونَ

بِمـاءِ الغَـديـرِ بَنـاتِ العِنَـب

وَحَثُّـوا النَّـدَامَـى بِمَشمـولَـةٍ

إِذا شـارِبٌ عَـبَّ فِيـهَا قَطَـب

فَرَاحُوا نَشَـاوَى بِأَيـدِي المُـدَامِ

وَقَد نَشَطُوا عَـن عِقَـالِ التَّعَـب

إِلَـى مَجلِـسٍ أَرضُـهُ نَرجِـسٌ

وَأَوتـارُ عِيـدَانِـهِ تَصطَـخِـب

وَحِيطـانُـهُ خَـرطُ كَـافُـورَةٍ

وَأَعـلاهُ مِـن ذَهَـبٍ يَلتَـهِـب

فَيَـا حُسنَـهُ يَـا إِمَـامَ الهُـدَى

وَخَيـرَ الخَـلائِـفِ نَفسـاً وَأَب

إِذا مـا تَرَبَّـعَ فَـوقَ السَّـرِيـرِ

وَبِالتَّـاجِ مَفـرِقُـهُ مُعتَـصِـب

لَـهُ راحَـةٌ يَـا لَـهـا راحَـةً

تَـرَى جَـدَّ نَائِلِـهَـا كَاللَّعِـب

وَأَهيَبَ مَا كَـانَ عِنـدَ الرِّضَـى

وَأَرحَمَ مَا كَـانَ عِنـدَ الغَضَـب

وَكَـم قَـد عَفـا وَأَقَـرَّ الحَيـاةَ

فِـي آيِـسٍ قَلـبُـهُ يَضـطَـرِب

عَلَى طَرَفِ العيـسِ قَـد حَدَّقَـت

إِلَيـهِ المَنَـايَـا وَكَـادَت تَثِـب

وَمَا زَالَ مُـذ كَـانَ فِـي مَهـدِهِ

مَلِيّـاً خَليقـاً بِأَعلَـى الـرُّتَـب

كَأَنَّا نَـرَى الغَيـبَ فِـي أَمـرِهِ

بِأَعيُـنِ ظَـنٍّ لَنـا لَـم تَخِـب

وَنَـسـتَـرزِقُ اللهَ تَملـيـكَـهُ

وَنَستَعجِلُ الدَّهـرَ فِيمَـا نُحِـب

وَيَبـدُو لَنـا فِـي المَنَـامِ الخَيـالُ

بِمَـا نَشتَهِيـهِ فَتُنفَـى الكُـرَب

بِـشـارَةُ رَبٍّ لَنـا بُـلِّـغَـت

وَكانَت لِتَعجيـلِ شُكـرٍ سَبَـب

إِلَـى أَن دَعَـتـهُ إِلَـى بَيـعَـةٍ

فَكَـم عَتـقَ رِقٍّ وَنَـذرٍ وَجَـب

وَرِثـتَ الخِـلافَـةَ عَـن وَالِـدٍ

فَأَحـرَزتَ مِيراثَـهُ عَـن كَثَـب

وَلَـم تَحـوِهَـا دُونَ مُستَوجِـبٍ

وَلا صَادَهَـا لَكَ سَهـمُ عَـزَب

فَـلا زِلـتَ تَبقَـى وَتوقَـى لَنـا

خُطوبَ الزَّمَانِ وَصَـرفَ النُّـوَب

 


فُكَّ حُـرّاً لِلوَجـد

فُكَّ حُـرّاً لِلوَجـدِ قَيـدَ البُكـاءِ

فَاعذُرينِـي أَولا فَموتِـي بِدَائِـي

لَو أَطَعنـا لِلصَبـرِ عِنـدَ الرَزايـا

مَـا عَرَفنـاهُ شِـدَّةً مِـن رَخـاءِ

أَسرَعَ الشَّيبُ مُغرِيـاً لِـي بِهَـمٍّ

كَانَ يَدعُوهُ مِـن أَحَـبِّ الدُّعـاءِ

مَـا لِهَـذا المَـسـاءِ لا يَتَجَلَّـى

أَحَـيـاءً مِنـهُ سِـراجَ السَّمـاءِ

قَـرِّبـا قَـرِّبـا عِقـالَ المَطايـا

وَاحلُـلا غِبهـا عِقـالَ الـثَّـواءِ

تُسعِـدَنَّ الأَقـدارُ جُهـدي وَإِلاَّ

لَم أَمُت فِي ذَا الحَيَّ مَوتَ النِّسـاءِ

حُرَّةٌ قَد يَستَرعِـفُ المَـرءُ مِنـهَا

مَنسِمـاً أَو مُستَنعِـلاً بِالنَّـجـاءِ

أُنفِذَت فِي لَيـلِ التَّمـامِ وَحَنَّـت

كَحَنيـنٍ لِلصَّـبِّ يَـومَ التَّنائِـي

وَالدُّجَى قَد يَنهَـضُ الصُّبـحُ فِيـهِ

قَـائِمـاً يَنشُـرُ ثَـوبَ الضِّيـاءِ

مَن لِهَمٍّ قَد باتَ يُشجِـي فُـؤَادِي

مَا لَهُ حَالُ دَمعَتِـي مِـن خَفـاءِ

إِخوَةٌ لِي قَـد فَرَّقَتهُـم خُطـوبٌ

عَلَّمَـت مُقلَتِـي طَويـلَ البُكـاءِ

إِن أَهَاجُـوا بِـآلِ أَحْمَـدَ حَربـاً

بِبَنيكُـم لا تَحلُبـوا فِـي إِنائِـي

وَتَحَلُّـوا عِقـدَ التَّمَـلُّكِ مِنكُـم

بِأَكُـفٍّ قَـد خُضِّبَـت بِالدِّمـاءِ

وَخَليلٍ قَد كَانَ مَرعَـى الأَمَانِـي

وَرِضَى أَنفُـسٍ وَحَسـبِ الإِخـاءِ

غَرَّقَتنِي فِـي لُجَّـةِ البَيـنِ عَنـهُ

فَتَعَلَّقـتُ فِـي حِبـالِ الرَّجـاءِ

غَيرَ أَنَّا مِنَ النَّـوَى فِـي افتِـراقٍ

وَلِقـاءٍ لِذِكـرِنـا فِـي البَقـاءِ

وَفُـراقُ الخَليـلِ قَـرحٌ مُمِـضٌّ

وَبِـهِ يَعـرِفـونَ أَهـلَ الوَفـاءِ

حَاذِقُ الوُدِّ لِي بِمَـا سَـرَّ نَفسِـي

كَـانَ طَبّـاً وَعـالِمـاً بِالشِّفـاءِ

مُرسِلُ الجُودَ مِنهُ فِي كُـلِّ سُـؤلٍ

يَكلأُ المَجدَ بَيـنَ عَيـنِ السَّخـاءِ

يَعرِفَـنَّ المَعـرُوفَ طَبعـاً وَيُثنِـي

بِيَـدِ الجُـودِ فِـي عِنـانِ الثَّنـاءِ

يَخفِرَن عَزمَـهُ بِقَلـبٍ مُصِيـبٍ

يَتَلَظَّى مَـن فِيـهِ نَـارُ الذَّكـاءِ

يَكتُمَـنَّ الأَسـرارَ مِنـهُ وَفِـيـهِ

كَكُمونٍ لِلعُـودِ تَحـتَ اللِّحـاءِ

وَتُفَـلُّ الخُـطـوبُ مِنـهُ بِـرَأيٍ

قَـد جَـلاهُ بِالعَـزمِ أَيَّ جَـلاءِ

إِن يَحُل مِن بَينِـي وَبَينِـكَ بَيـنٌ

فَلَكَم مِـن نَـأيٍ سَريـعِ اللِّقـاءِ

رُدَّ عَنِّي تَفويقَ سَهمِـكَ حَسبِـي

فِيكَ أَقصِر تَفويقَ سَهـمِ الدُّعـاءِ

فَبِـهَا يُستَـحَـثُّ دُرُّ الأَمَـانِـي

وَبِهـا يُطلَقَـنَّ كَيـدُ العَـنـاءِ

رُبَّ يَـومٍ بِعامِـرِ الكَـأسِ ظَلنـا

نُفـرِغَـنَّ الـمُـدامَ فِيـهِ بِمـاءِ

فِي دُجَى لَيلِنـا وَطَـيِّ الحَوَاشِـي

مُدنَفُ الرِّيحِ فِـي قَصيـرِ النَّقـاءِ

تَسقُطَـنَّ الأَمطَـارُ حَتَّـى تَثَنَّـى

النُّورُ وَابتَلَّ فِـي جَنـاحِ الـهَوَاءِ

فَتَرَى لِلغُدرانِ فِـي كُـلِّ خَفـضٍ

مُستَقِـرّاً كَمُـزنَـةٍ فِـي سَمـاءِ

زَمَـنٌ مَـرَّ قَـد مَضَـى بِنَعيـمٍ

وَصَبـاحٌ أَسَـرَّنـا فِـي مَسـاءِ

وَاجتَمَعنـا بَعـدَ التَّنائِـي وَلَكِـن

لا يُرَي العَالَمِيـنَ عَيـنَ الرَّخـاءِ

أَنَا مُذ غِبـتَ قَـد أَرُوحُ وَأَغـدُو

مِن سُـرورِ الدُّنيـا بِـوُدٍّ خَـلاءِ

لا أَرَى فِي الأَنَـامِ جَمـعَ وَفِـيٍّ

وَغُـرورٍ مُخـاتِـلٍ فِـي وَفـاءِ

فَضَمانِـي إِلَيـكَ ذِكـرٌ وَشُكـرٌ

وَعَلَى رَبِّ العَرشِ حُسـنُ الجَـزاءِ

 


أَلا مَـن لِـعَيـن

أَلا مَـن لِـعَيـنٍ وَتَسكـابِهـا

تَشَكَّـى القَـذَى وَبُكَاهَـا بِهـا

تَمَنَّـتْ شُـرَيـرَ عَلَـى نَأيِهـا

وَقَد سَاءَهَا الدَّهـرُ حتَّـى بَهَـا

وأمسَـتْ بِبغْـدادَ مَحجُـوبـةً

بِـرَدِّ الأسُــودِ لـطُـلاَّبِهـا

تَرامَتْ بِنـا حَادِثـاتُ الزَّمـانِ

تَـرَامِـي القَسِـيِّ بِنُشَّـابِهـا

وظـلَّـتْ بغيـرِكَ مشغـولَـةً

فَهيـهاتَ مَا بِـكَ مِمَّـا بِهـا

فَمـا مُغـزِلٌ بِأقَاصِـي البِـلادِ

تَفـزَعُ مـن خَـوفِ كَلاَّبِهـا

وَقَد أشبَهَتْ فِي ظِـلال الكِنـاس

حُـورِيَّـةٌ وَسـطَ مِحـرابِهـا

بـأبعـدَ مِنـها ، فخَـلِّ المُنَـى

وقَـطِّـعْ عَـلائـقَ أسْبـابِهـا

ويـا رُبَّ ألسِنَـةٍ كالسُّـيـوفِ

تُقَطِّـعُ أعـنَـاقَ أصحـابِهـا

وَكَمْ دُهِـيَ المـرْءُ مِـن نَفسِـهِ

فَـلا تَـأكُـلَـنَّ بِـأَنيَـابِهـا

فَإِن فُرصَةٌ أَمكَنَـت فِـي العَـدُو

وِ فَـلا تَـبـدِ فِعـلَكَ إِلاَّ بِهـا

فَإِن لَـم تَلِـجْ بَابَهـا مُسرعـاً

أَتَـاكَ عـدُوُّك مِـن بَـابِهـا

ومَا ينتقِصْ من شَبـابِ الرِّجـالِ

يَـزِد فِـي نُهاهـا وألْبـابِهـا

وقد أُرحِلُ العِيـسَ فِـي مَهمـهٍ

تَغَـصُّ الـرِّحـالُ بأصْـلابِهـا

كَمَا قَد غَـدَوْتُ عَلـى سابِـحٍ

جَـوادِ المـَحَـثَّـةِ وَثَّـابِهـا

تُبـارِيـهِ جَـرداءُ خَيْـفَـانَـةٌ

إِذَا كَـادَ يَسبُـقُ كِدنَـا بِهـا

كَـأَنَّ عِــذاريهِمـا واحِـدٌ

لَجوجانِ تَشقَـى ويَشقَـى بِهـا

كَحَـدَّيـنِ مِـن جَلَـمٍ مُعلَـمٍ

فَلا تِـلكَ كَلَّـت ، ولا ذَا بِهـا

وَطارا مَعاً فِـي عِنـانِ السَّـواءِ

كَـأنَّـا بِـهِ ، وكَـأَنَّـا بِهـا

تَخالُهُما، بَعـدَ مَـا قَـد تَـرَى

نَجِـيَّ أَحَـادِيـثَ هَمَّـا بِهـا

فَرَدَّا عَلـى الشَـكِّ لَـم يَسبُقـا

عَلـى دَأبِــهِ وَعَلـى دَأبِهـا

وَقـالَ أَنــاسٌ فَـهَـلا بِـهِ

وَقـالَ أَنــاسٌ فَـهَـلا بِهـا

نَصَحتُ بَنِي رَحِمي، لَـو وعَـوا

نَصِـيـحَـةَ بَـرٍّ بِأنْسـابِهـا

وَقَد رَكِبـوا بَغيَهُـم، وارتَقـوا

بِـزلاَّءَ تُــردَي بـرُكَّـابِهـا

ورامُوا فرائِـسَ أُسـدِ الشَّـرَى

وَقَـد نَشِـبَـتْ بَيـنَ أَنيابِهـا

دَعوا الأُسدَ تفرِسُ، ثُـمَّ أشبَعـوا

بِما تـدَعُ الأُسـدُ فِـي غَابِهـا

قَتَلـنَـا أُمَـيَّـةَ فِـي دَارِهَـا

وَنَـحـنُ أَحَـقُّ بِأسـلابِهـا

وَكَم عُصبَةٍ قَد سَقَـت مِنكُـمُ

الخِـلافَـةَ صَابـاً بِأكـوابِهـا

إِذَا مَـا دَنَـوتُـم تَلَقَّـتـكُـمُ

زَبـونـاً، وَقـرَّت بِحَـلاَّبِهـا

وَلَمَّـا أَبَـى اللهُ أَن تَملِـكُـوا

نَهَضْنَـا إِلَيهَـا، وقُمـنَـا بِهـا

وَمَـا رَدَّ حُـجَّـابُهـا وَافِـداً

لَنَـا، إِذ وَقَفـنـا بِـأبـوَابِهـا

كَقُطبِ الرَّحَى وافَقَـت أُختَـها

دَعـونـا بِهـا وَغَلَبـنـا بِهـا

وَنَحـن وَرِثْنـا ثِيـابَ النَّبِـيَّ

فَلِـمْ تَجـذِبُـونَ بِأهْـدابِهـا

لَكَـم رَحِـمٌ يَـا بَنِـي بِنتِـه

وَلَكِن بَنُـو العـمِّ أَولَـى بِهـا

بِـهِ غَسَـلَ اللهُ مَحْـلَ الحِجـازِ

وَأَبـرَأَهَـا بَـعـدَ أَوصَـابِهـا

وَيـومَ حُنَـيـنٍ تَـداعيـتُـمُ

وَقَد أَبدَتِ الحَـربُ عَـن نَابِهـا

وَلَمَّـا عَـلا الحَبـرُ أَكفَـانَـهُ

هَـوَى مَـلِـكٌ بَيـنَ أَثوَابِهـا

فَمَـهـلاً بَـنِـي عمِّنـا إِنَّهـا

عَطِـيَّـةُ رَبٍّ حَـبـانَـا بِهـا

وَكَانَت تَزَلْـزَلُ فِـي العَالَمِيـنَ

فَـشَـدَّتْ إِلَيـنَـا بِأَطنـابِهـا

وَأُقـسِـمُ أَنَّـكُـمُ تَعلَـمُـون

بِـأَنَّـا لَهَـا خَيـرُ أَربـابِهـا

 


يَا لَيالِيَّ القَدِيْمات

يَا لَيـالِـيَّ القَدِيْمـاتِ ارجِعـي

قَـد تَخَلَّفـتِ بِلَيـلاتٍ شِـدَادِ

نَبَـأٌ خُـبِّـرتُـهُ مِـن مَعـشَـرٍ

أَخرَجَـت أَضغَانُهُـم حَيَّـاتِ وَادِ

إِنَّنِـي ذَاكَ الَّـذِي جَـرَّبتُـهُـم

لَم يَطُل عَهدِي بِإِرغـامِ الأَعـادِي

فَمِـنَ الآنَ فَكُـرّوا وَارجِـعـوا

فَالَّذِي تَخشَونَ أَحلَى فِـي فُـؤَادِي

وَلَحا الرَحْمَنُ مِنَّا طَالِـبَ الصُّلـحِ

وَالأَطـوَعَ فِـي حَبـلِ القِـيـادِ

وَعَلَى الأَظلَـمِ مِنَّـا سَخَـطَ اللهُ

وَالأَنكَـبِ عَـن سُبُـلِ الرَّشـادِ

أَقدِمـوا قَبـلَ رِمـاحٍ أُشرِعَـت

وَسُـيـوفٍ ذَاتِ عَـصٍّ وَصِعـادِ

ثُـمَّ إِيَّـايَ وَأُخـرَى مِـثـلَـها

تَكحَلُ العَيـنَ بِمَملـولِ السُّـهادِ

وَخُذُوا عَفوِيَ مَـا دُمـتُ لَكُـم

يَدَ أَخـذٍ وَالحَقـوا بَعـضَ وِدَادِي

لا تَـعـودوا فَيَعُـد إِسخـاطُـهُ

وَاترُكوا سَيفِيَ فِي بَعـضِ الغِمـادِ

أَو فَـإِنِّـي مُسـرِعٌ إِن شِئـتُـمُ

بِحُسـامٍ مَـشـرَفِـيٍّ وَجَـوادِ

وَقَـنـاةٍ فَـوقَهـا كَـوكَبُـها

وَمِجَنٍّ كُـلُّ هَـذا فِـي بِـلادِي

وَإِذَا قُلتُ اركَبـوا قَـد حَضَـروا

جُملَـةُ النَّـاسِ بِأَسيَـافٍ حِـدادِ

وَلَقَـد ضَاعَـت أَيَـادٍ عِندَكُـم

غُرِسَت فِي تُـرَبٍ غَيـرِ جِيـادِي

أودِعَـت قَمحـاً فَلَمَّـا نُثِـرَت

كُلُّ أَرضٍ أَنبَتَـت شَـوكَ القَتـادِ

فَجَـزاهـا لَعـنَـةً لِصـاحِـبٍ

لَيسَ لِلـزَرَّاعِ أَصـلاً مِـن مَعـادِ

حِيـنَ وَتَّـرتُ لَكُـم أَقواسَكُـم

قُمتُـمُ بِالنَّبـلِ تَرمُـونَ سَـوادِي

أَيُّهـا المَـوعِـدُ قَـد أَسْمَعتَنِـي

ثُمَّ لَم يَثبُـت مِـنَ الهَـمِّ وِسـادِ

سَوفَ تَجنِي أَنتَ مَا تَغـرِسُ لِـي

وَتَمَسُّ النَّارَ مِـن قَـرعِ زِنـادِي

رَبُّ مَن قَـد كَادَنِـي فِـي لَيلَـةٍ

وَهوَ فِي يَومِ الوَغَى بِاسْمِي يُنـادِي

حِيـنَ خَلَّـى رَسَنِـي جـاذِبُـهُ

وَامَّحَى قُرطَاسُ شَيبِي مِن مِـدادِي

ثُـمَّ يَغـدُوا مَرِحـاً إِن سَبَّـنِـي

وَيَـرَى لَحمِـيَ مِـن أَطيَـبِ زَادِ

وَيَظُـنُّ الـدَّهـرَ نَقـداً كُـلَّـهُ

ثُمَّ يَلقانِـي عَلَـى طُـولِ البُعـادِ

كَيفَ يَرجُـونَ اهتِضَامِـي بَعدَهـا

طَالَ بَاعِـي وَرِدائِـي وَنِجـادِي

وَلِعُـذرٍ لَـهُـمُ لَـو قَبـلَـهـا

لَـم يَـروا إِلاَّ قِداحِـي وَزِنـادِي

أَن يَكُونُوا قَد نَسَـوا تِـلكَ فَلِـي

عَـودَةٌ تُذعِرُهُـم حَـرَّ جِـلادِي

طَالَ حِلمِـي عَنهُـمُ فَاستَحدَثـوا

خُلُقـاً مَكرُوهَـةً عُريـانَ بـادِي

خَلَقـاً يَخضِـبُ أَطـرَافَ القَنـا

وَمُتونَ النَّبلِ وَالبِيـضِ الصَّـوادِي

بِطِعـانٍ نافِـذٍ يَفـري الحَـشـا

وَبِـضَـربٍ مِثـلِ أَفـواهِ المَـزادِ

 


لا بُدَّ لِلشَّيب

لا بُدَّ لِلشَّيبِ أَن يَبـدُو وَإِن حُجِبـا

عُذراً بِرَأسِي وَذَا شَيبِي وَإِن خُضِبـا

مَضَى الشَّبَابُ وَإِنِّي كُنـتُ لاقِيَـهُ

إِستَخلَفَ اللهُ صَبراً مِنـهُ إِذ ذَهَبـا

لَولا المُدامَةُ وَالنُّدمَـانُ فِـي لَسَـنٍ

وَدَّعتُ مِن بَعدِهِ اللَّذَاتِ مُحتَسِبـا

لا تَسقِها المَاءَ وَاِترُكها كَمَا تُرِكَـت

فَحَسبُها مِنهُ مَا قَد أَخرَجَـت عِنَبـا

عَـرُوسُ دَسكَـرَةٍ تِيجَانُهـا دُرَرٌ

قَد رَضَّعَت نَفسَها فِي دَنِّهـا حَقِبـا

زُرنَا بِقُطرَبُّلٍ إِن كُنـتَ مُسعِدَنـا

تَنعَم وَلا تَستَمِع عَـذلاً وَلا صَخَبـا

وَلا تَزَالُ بِكَـأسِ الشُّـربِ دائِـرَةً

تَبولُ هَمّاً وَتَحسُو اللَّهـوَ وَالتَّرَبـا

حَتَّى تَعودَ حَبيباً بَعدَمـا سَخِطَـت

مِنكَ المَفارِقُ تَهوَى الغَـيَّ وَاللَّعِبـا

وَكَيفَ أَنتَ إِذَا مَا طَافَ يَحمِلُـها

ظَبيٌ يُسَقِّيكَ فَضلَ الكَاسِ إِن شَرِبـا

وَقَـد تَـرَدَّت بِمِندِيـلٍ عَواتِقُـهُ

يُقَطِّبُ الوَجهَ مِن تيهٍ وَمَـا غَضِبـا

وَناقَلَت تَحتَـهُ النُّدمـانَ صَافِيَـةً

كَأَنَّـهُ إِذ حَسَاهَـا نَافِـخٌ لَهَبـا

تَرَاكَ تُعرِضُ عَـن هَـذَا وَتَهجِـرُهُ

مَن قَالَ غَيرُكَ مَن أَهوَى فَقَد كَذَبـا

 


أَخَذَت من شَبابِي

أَخَـذَت مِـن شَبابِـيَ الأَيَّـامُ

وَتَوَفَّـى الصِّـبَا عَلَيـهِ السَّـلامُ

وَارعَوَى باطِلِـي وَبَـرَّ حَدِيـثُ

النَّفسِ مِنِّـي وَعَفَّـتِ الأَحـلامُ

وَنَهانِي الإِمَامُ عَن سَفَـهِ الكَـأسِ

فَـرُدَّت عَلَـى السُّقـاةِ المُـدَامُ

عِفتُهَا مُكرَهـاً وَلَـذَّاتِ عَيـشٍ

قَـامَ بَينِـي وَبَينَـهُـنَّ الإِمَـامُ

وَلَقَـد حَـثَّ بِالمُدَامَـةِ كَفَّـي

غُصنُ بَـانٍ عَلَيـهِ بَـدرٌ تَمَـامُ

عَجَباً يَنهَـبُ العُيـونَ وَيَشتَـاقُ

إِلَيـهِ التَقـبـيـلُ وَالإِلـتِـزَامُ

وَنَدَامـيَّ فِي شَبَـابٍ وَحُسـنٍ

أَتلَفَت مَا لَهُـم نُفُـوسٌ كِـرَامُ

بَينَ أَقدَاحِهِـم حَدِيـثٌ قَصيـرٌ

هُوَ سِحـرٌ وَمَـا سِـوَاهُ كَـلامُ

وَغِناءٌ يَستَعجِـلُ الـرَّاحَ غَـضٌّ

وَكَمَا نَاحَ فِي الغُصُـونِ الحَمَـامُ

وَكَـأَنَّ السُّقـاةَ بَيـنَ النَدَامَـى

أَلِفـاتٌ عَلَـى السُّطـورِ قِيَـامُ

 


أَعَاذِلُ دَعْ لَومِـي

أَعَاذِلُ دَعْ لَومِـي وَهَـاكَ وَهَـاتِ

هَلِ العَيشُ فَاصدُق غَيرَ ذَا بِحَياتِـي

تَصَدَّق عَلَى المِسكِينِ مِنـكَ بِقُبلَـةٍ

فَإِنِّي أَرَاهَـا أَصـدَقَ الحَسَنـاتِ

يُعَاطِيكَ خَمراً مِن فَمٍ قَد شَرِبتَهـا

هِيَ الخَمرُ حَقّاً لا ابنَـةُ الكَرَمـاتِ

أَعَـاذِلُ إِنِّـي لا أُعاجِـلُ تَوبَـةً

وَلَسـتُ أُلاقِـي تَـوبَـةً بِأَناتِـي

وَرَاحٍ تَلَقَّيـتُ الصَّبِيـحَ بِكَأسِهـا

وَقَد سَارَ جَيشُ الصُّبحِ فِي الظُّلُماتِ

وَنَادَيتُ يَحيَى فَاستَجابَ وَطالَمـا

كَسَا جِسمَها مِن فَضَّـةٍ حَلَقـاتِ

سُلافَةُ كَرمٍ فُجِّرَت فِـي عُروشِهـا

جَداوِلُ مَاءٍ مِـن خَليـجِ فُـراتِ

فَلَمَّا تَدَلَّت كَالثُّـدَيِّ وَأَصبَحَـت

عَلَى القَصَبِ المَعـرُوشِ مُنبَعِثـاتِ

أُضيفَـت إِلَـى قَارِيَّـةٍ خَـزَفِيَّـةٍ

مُصَبَّغَـةٍ بِالطِـيـنِ مُعتَـجِـراتِ

 


فَكَم يَصبِرُ الصَّبـر

أَلا أَيُّها الرَّبعُ الَّذِي عَطَّـلَ الدَّهـرُ

عَفَاكَ بُكَائِي فِيكَ لَم يَعفُكَ القَطـرُ

خَليلَيَّ إِن لَم تُسعِدَانِي عَلَى البُكَـا

فَلا تُكثِرا لَومي فَكَم يَصبِرُ الصَّبـرُ

سَقَى اللهُ شَمساً بِالمُخَـرَّمِ دَارُهَـا

يَهُونُ عَلَيها مِنِّيَ العَتـبُ وَالهَجـرُ

جَلَتها عَلَينا الرِّيحُ بَيـنَ كَوَاعِـبٍ

وَقَـد كَتَمَتهُـنَّ المَقـانِـعُ وَالأُزرُ

فَأَبدَت لَنا كَشحاً هَضِيماً عَلَى نَقـاً

وَرُمَّانَ صَدرٍ مَـا لِيانِعِـهِ هَصـرُ

أَبَى اللهُ إِلاَّ كُلَّ مَـا سَـرَّ أَحْمَـداً

وَلِلحَاسِدِينَ الرُّغمُ وَالجَدعُ وَالعَثـرُ

بِهِ قَرَّتِ الدُّنيـا وَفَـاضَ خَراجُهـا

عَلَى المَلكِ فَاستَغنَى وَأَمكَنَهُ القَهـرُ

وَلَـولاهُ دَرَّت بِالسُّيـوفِ وَبِالقَنـا

لِقاحٌ مَعَ الهَيجـاءِ أَطيَارُهَـا حُمـرُ

 


أَمَا تَرَى يَومَنا

أَمَا تَرَى يَومَنا قَد جَـاءَ بِالعَجَـبِ

فَلا يُعَطِّلُ مِن لَهـوٍ وَمِـن طَـرَبِ

فَقامَ مِثلَ قَضيـبٍ حَرَّكَتـهُ صَبـاً

حُلوُ الشَّمائِلِ مَطبُوعٌ عَلَـى الأَدَبِ

يَـزِفُّ كَأسـاً بِمِنديـلٍ مُتَوَّجَـةٍ

وَرَأسُها فَضَّةٌ وَالجِسمُ مِـن ذَهَـبِ

لا تَخلُنا صِحَّـةٌ مِـن أَن نَنَعَّمَهـا

أَو فَاِتَّقِ اللهَ وَاِعمَل صالِحـاً وَتُـبِ

عِدنِي بِشَرٍّ وَلا أَلحَاكَ فِـي خُلُـفٍ

فَرُبَّمـا نَفَـعَ التَّعلِيـلُ بِالكَـذِبِ

مَن لِي بِساكِنَةِ الأَصدافِ مِن لُجَـجٍ

يَعومُ غَوّاصُها فِي غَمـرَةِ العَطَـبِ

أَستَغـفِـرُ اللهَ مِـن لَحـظٍ أُرَدِّدَهُ

مُفَرَّغٍ مِن جَمِيعِ القَـرفِ وَالرِّيَـبِ

كَمَا تَحَكَّمَ فِـي العُنـوَانِ قـارِءُهُ

وَلا يُفَضُّ خَواتيمـاً عَـنِ الكُتُـبِ

 


إِشرَب بِكَأس

إِشرَب بِكَأسٍ مِن كَـفِّ طـاوُوسِ

مُـدَلَّلٍ فِـي النَّعيـمِ مَغـمـوسِ

طَـالَ وُقُـوفِـي عَلَيـهِ مُنتَظِـراً

لِمَوعِـدٍ فِـي المِطـالِ مَحبـوسِ

مَا فِي يَدي مِنهُ غَيرُ عَـضُّ يَـدي

وَرُبَّ بَختٍ فِي الحُـبِّ مَنحـوسِ

لَم تَخـلُ فِـي خَصـرِهِ مَناطِقُـهُ

مِن جَذبِ سَيفٍ وَحَمـلِ دَبـوسِ

ظَبـيٌ يَـرَى طَرفَـهُ فَيَـرجُمُـهُ

وَهوَ سِـوَى ذاكَ لَيـثُ عِرِّيـسِ

لا يَطمَعُ الصَّـبُّ فِيـهِ فِـي دَرَكٍ

وَلَـو حَـبـاهُ بِـعَـرشِ بَلقِيـسِ

يَا رَبِّ عَجِّل مِمَّـا تَـرَى فَرَجِـي

وَاقـضِ لِكَربِـي مِنـهُ بِتَنفِيـسِ

وَكَم وَحَتَّـى أَهِيـمُ مِـن وَلَـهٍ

كَذي جُنـونِ الخَبـالِ مَمسُـوسِ

 


ذَهَبَ الشَّـبَاب

ذَهَبَ الشَّـبَابُ وَكُـدِّرَ العُمـرُ

فِـي صَبـوَةٍ وَعَلَـى لَكَ الأَمـرُ

حَتَّى بَلَغتَ السُّـؤَلَ مِنـهُ فَهَـل

حَانَ التَقَى لَكَ وَانْجَلَـى الشُّكـرُ

وَلَـرُبَّـمـا رَوَّاكَ مِـن قُـبَـلٍ

ظَبـيٌ مُجَاجَـةُ ريقِـهِ خَمـرُ

مُتَلَـفِّـتٌ حَتَّـى أَتَـاكَ وَقَـد

خَافَ الرَّقِيـبَ وَهَـزَّهُ الذُّعـرُ

إِسلَـم أَمـيـرَ المُـؤمِنيـنَ وَدُم

فِـي غِبطَـةٍ وَلِيَهنِـكَ النَّصـرُ

فَلَـرُبَّ حَادِثَـةٍ نَهَضـتَ بِهـا

مُتَقَـدِّمـاً فَتَـأَخَّـرَ الـدَّهـرُ

لَيـثٌ فَرائِـسُـهُ الكُمـاةُ فَمَـا

يَبيَـضُّ مِـن دَمِهَـا لَـهُ ظِفـرُ

سَحبَ الجُيوشِ فَكَم بِهَا فُتِحَـت

بَعـدَ التَّـمَـنُّـعِ بَلـدَةٌ بِكـرُ

مَـا رَدَّ عَـن مُتَحَـصِّـنٍ يَـدَهُ

إِلاَّ وَقَـلـعَـتُـهُ لَـهُ قَـبــرُ

مُستَأسِـدٌ فِـي الحَـربِ هِمَّتُـهُ

قُـدَّامَـهُ وَالـقَـتـلُ وَالأَسَـرُ

وَعِقـابُـهُ عَـدلٌ وَعَـزمَـتُـهُ

كَالمَـشـرِفِـيِّ وَوَعـدُهُ نَـذرُ

 


مَـا لِلعَاشِقِيـنَ عَـزَاء

أَبَـى اللهُ مَـا لِلعَاشِقِيـنَ عَـزَاءُ

وَمَـا لِلمِـلاحِ الغَانِيـاتِ وَفَـاءُ

تَرَكنَ نُفوسـاً نَحوَهُـنَّ صَوادِيـاً

مُـسِـرَّاتِ دَاءٍ مـا لَهُـنَّ دَوَاءُ

يَرِدنَ حِياضَ المَـاءِ لا يَستَطِعنَهـا

وَهُنَّ إِلَى بَـردِ الشَّـرابِ ظِمَـاءُ

وَجُنَّت بِأَطـلالِ الدُّجَيـلِ وَمائِـهِ

وَكَم طَلَلٍ مِـن خَلفِهِـنَّ وَمَـاءُ

إِذَا مَا دَنَت مِن مَشرَعٍ قَعقَعَت لَهـا

عِصِـيٌّ وَقـامَـت زَأرَةٌ وَزُقَـاءُ

خَليلَـيَّ بِاللهِ الَّـذِي أَنتُمـا لَـهُ

فَمَـا الحُـبُّ إِلاَّ أَنَّـةٌ وَبُـكَـاءُ

كَما قَد أَرَى قَالا كَـذاكَ وَرُبَّمـا

يَكُونُ سُرورٌ فِي الهَـوَى وَشَقَـاءُ

لَقَد جَحَدَتنِي حَقَّ دَينِـي مَواطِـلٌ

وَصَـلـنَ عُـداةً مَـا لَهُـنَّ أَدَاءُ

يُعَلِّلُنِـي بِالـوَعـدِ أَدنَيـنَ وَقتَـهُ

وَهَيهَـاتَ نَيـلٌ بَعـدَهُ وَعَطَـاءُ

فَدُمنَ عَلَى مَنعِي وَدُمـتُ مُطالِبـاً

وَلا شَـيءَ إِلاَّ مَـوعِـدٌ وَرَجَـاءُ

حَلَفتُ لَقَد لاقَيتُ فِي الحُبِّ مِنهُـمُ

أَخَا المَـوتِ مِـن دَاءٍ فَأَيـنَ دَوَاءُ

 


مَن عَائِدِي

مَن عَائِدِي مِنَ الهُمـومِ وَالحَـزَنِ

وَذِكرِ ما قَد مَضَـى مِـنَ الزَّمَـنِ

وَشُربِ كَأسٍ فِي مَجلِـسٍ بَهِـجٍ

لَم أَرَ فِيـهِ هَمّـاً وَلَم يَـرَنِـي

مِن كَفِّ ظَبـيٍ مُقَرطَـقٍ غَنِـجٍ

يَعشَقُـهُ مَـن عَلَيـهِ يَعـذُلُنِـي

تَلُـوحُ صُلبـانُـهُ بِـلَـبَّـتِـهِ

كَنُـورِ زَهـرِيَّـةٍ بِـلا غُصُـنِ

يَـا لَيـتَ مَـن جائَـهُ يُقَرِّبُـهُ

مِـن فَضـلِ قُربانِـهِ يُقَـرِّبُنِـي

جَـاءَ بِهـا كَالسِّـرَاجِ ضافِيَـةً

سُـلافَـةً لَم تُـدَس وَلَم تُهَـنِ

مِن مَاءِ كَرمٍ قَـد عُتِّقَـت حِقَبـاً

فِي بَطنِ أَحوَى الضَّمِيرِ مُختَـزَنِ

كَأَنَّـهُ مُنـذُ قَـامَ مُعـتَـمِـداً

بِعَظـمِ سَـاقٍ مُثَـقَّـلِ البَـدَنِ

مَيـتٌ وَفِيـهِ الحَـيـاةُ كامِنَـةٌ

بِرُوحِها العَنكَبـوتِ فِـي كَفَـنِ

مَـا لِـي وَلِلبَاكِـراتِ وَالظُّعـنُ

وَمُقفِـراتِ الطُّلـولِ وَالـدِّمَـنِ

شُغلِيَ عَنهَا بِالـرَّاحِ فِـي غَلَـسٍ

وَوَضـعِ رَيْحانَـةٍ عَلَـى أُذُنِـي

وَلَحـظِ عَيـنٍ يُـرِيـدُ ذَاكَ وَذَا

خِوانَـةٌ تُجـرَى عَلَـى العَيَـنِ

 


مَـن مُعِينِـي

مَـن مُعِينِـي عَلَـى السَّهَـر

وَعَلَـى الغَـمِّ وَالـفِـكَـر

وابـلائِـي مِـن شــادِنٍ

كَـبَّـرَ الحُـبَّ إِذ كَـبِـر

قـامَ كَالغُصـنِ فِـي النَّقـا

يُتـبِـعُ الشَّمـسَ بِالقَـمَـر

غَافِـلاً عَـن بَـلِـيَّـتِـي

قَـائِـلاً لِـي وَمَـا شَعَـر

شَاطِـرٌ لِـي مُـقَـطِّـبٌ

فَـاسِـقُ الفِعـلِ وَالنَّـظَـر

خَـنـجَـرِيُّ اليَمِـيـنِ إِن

سِمـتَـهُ قُـبـلَـةً نَـفَـر

قَـد سَـقـانِـي المُــدَامَ

وَاللَّيـلُ بِالصُّبـحِ مُـؤتَـزِر

وَالثُّـرَيَّـا كَـنـورِ غُصـنٍ

عَلَـى الغَـربِ قَـد نُـثِـر

صَـاحِ إِن أَمـكَـنَـتـكَ

لَـذَّةُ عَـيـشٍ فَـلا تَـذَر

وَتَـقَــدَّم وَلا تَـقِــف

فَـازَ بِالحُـبِّ مَـن جَسَـر

كَــم عَــذُولٍ عَـلَـى

الخَطيـئَـةِ وَاللهُ قَـد غَفَـر

 


وَفِتيَةٍ لا يَخـوض

وَفِتيَةٍ لا يَخـوضُ الشَـكُّ أَنفُسَهُـم

مُؤَيِّـديـنَ لِعَـزمٍ غَيـرِ مَنكـوثِ

لَمَّا طَفا النَّجمُ فِي بَحرِ الدُّجَى وَصَلوا

حَبلَ السُّرى بِذَميـلٍ غَيـرِ تَلبيـثِ

حَتَّـى إِذَا هَـزَمَ الإِصبَـاحُ لَيلَهُـمُ

بِعَسكَرٍ مِن جُنـودِ النُّـورِ مَبثـوثِ

وَصَفَّقَ الدِّيكُ مِن وَجدٍ وَمِن أَسَـفٍ

عَلَـى الظَّـلامِ وَنادَاهُـم بِتَغويـثِ

تَمِيلُ مِـن سَكَـراتِ النَّـومِ قامَتُـهُ

كَمِثلِ مـاشٍ عَلَـى دُفٍّ بِتَحثيـثِ

وَفَضَّ خاتَمَـهُ عَـن رَأسِ مُدَّخِـرٍ

مِنَ الدِّنَانِ قَديـمِ العَهـدِ مَـوروثِ

تُحيِـي زُجَاجَتُـهُ هَـذا وَتَقتُـلُ ذَا

فَالنَّاسُ مَا بَيـنَ مَقتـولٍ وَمَبعـوثِ

أَستَرزِقُ اللهَ عَطفَ الحُبِّ مِـن رَشَـإٍ

يَشُـوبُ تَذكِيـرَ عَينَيـهِ بِتَأنيـثِ

وَقَد بَدا الحُبُّ فِي دَمعِي وَفِي نَظَـري

فَلا تَسَل غَيـرَ مَا بِي مِن أَحَادِيـثِ