صفي الدين الحلي

 

  هو عبد العزيز بن سرايا بن علي بن أبي القاسم ، السنبسي الطائي

من شعراء العصر المملوكي

ولد سنة 675 هـ / 1276 م - توفي سنة 750 هـ / 1349 م

 

تَراءَت لَنا

تَراءَت لَنا بَيـنَ الأَكِلَّـةِ وَالحُجـبِ

فَتاهَ بِها طَرفِـي وَهـامَ بِهـا قَلبِـي

وَأَعجَبُ شَىءٍ أَنَّهـا مُـذ تَبَرَّجَـت

رَأَت حُسنَها عَينِي وَلَم يَرَها صَحبِـي

تَلَقَّيتُهـا بِالرَّحـبِ مِنّـي كَرامَـةً

وَمِنهـا تَعَلَّمنـا التَلَقِّـيَ بِالرَّحـبِ

عَجِبتُ لِمَسراهـا وَأَعجَـبُ بِاللِّقـا

فَيا عَجَبِي مِمّا رَأَيـتُ وَيا عُجبِـي

غَزالَةُ سِربٍ كُنتُ أَخشـى نِفارَهـا

فَأَصبَحتُ مَع فَوزي بِها آمِنَ السَّربِ

خَفَضتُ جَناحَ الذُّلِّ رَفعـاً لِقَدرِهـا

فَأَوجَبَ ذاكَ الخَفضُ رَفعي عَنِ النَّصبِ

وَناجَيتُهـا فيمـا أُحِـبُّ سَماعَـهُ

مُشـافَهَـةً لا بِالتَرَسُّـلِ وَالكُتـبِ

لَقَد أَصبَحَتنا مِـن مُـدامِ خِطابِهـا

وَما قُلـتُ إِلحاحـاً عَلَيـهِ أَلا هُبّـي

حَمَلتُ الظَّما شَوقاً إِلَيهـا فَساقَنِـي

إِلى عَينِ تَنسيمٍ أَدَمـتُ بِهـا شُربِـي

عَلِمتُ بِها ما كُنتُ أَجهَـلُ عِلمَـه

وَكُنتُ بِها أُنبا فَصِـرتُ بِهـا أُنبِـي

كَسَتنِي مِنَ العِـزِّ المُقيـمِ مَلابِسـاً

حِساناً وَلَم تَقصِد بِذاكَ سِوى سَلبِـي

وَأَصبَحَ مَوتِـي كَالحَيـاةِ بِوَصلِهـا

فَإِن غِبتُ كانَ البُعدُ فِي غايَةِ القُـربِ

وَكَم جَعَلَـت مِنّـي عَلَـيَّ طَليعَـةً

فَعَينِي لَها فِي ذاكَ عَينٌ عَلـى قَلبِـي

فَكُلٌّ يَرى شَمساً مِنَ الشَّرقِ أَشرَقَت

وَتُشرِقُ شَمسُ العارِفينَ مِنَ الغَـربِ

فَيا حَضرَةَ القُدسِ الَّتِي مُذ شَهِدتُهـا

تَيَقَّنَ قَلبِـي بِالوُصـولِ إِلَـى رَبِّـي

حَنانيكِ قَد أَشهَدتِنِي كُـلَّ واجِـبٍ

عَليَّ فَلي مِن ذاكَ شُغلٌ عَنِ النَّـدبِ

فَأَنتِ لَنـا قُطـبٌ عَلَيـهِ مَدارُنـا

وَأَيِّ رَحىً أَضحَت تَدورُ بِلا قُطـبِ

 


لِـدوا لِلمَـوت

لِـدوا لِلمَـوتِ وَابنـوا لِلخَـرابِ

فَما فَـوقَ التُّـرابِ إِلَـى التُّـرابِ

كَذَلِكَ قـالَ خَيـرُ الخَلـقِ طُـرّاً

رَسـولُ اللهِ ذو الأَمـرِ المُجـابِ

فَمَـرجِـعُ كُـلِّ حَـيٍ لِلمَنايـا

وَغـايَـةُ كُـلِّ مُـلكٍ لِلذَّهـابِ

بَنـو الـدُّنيـا فَرائِـسُ لِلمَنايـا

وَنابُ المَـوتِ عَنهـا غَيـرُ نـابِ

وَمَن يَغتَـرُّ فِـي الدُّنيـا بِعَيـشٍ

فَقَد طَلَبَ الشَـرابَ مِنَ السَّـرابِ

دَعا ابنَكَ لِلرَّدى مَن لَيسَ يُعصـى

وَداعي المَـوتِ مَمنـوعُ الجَـوابِ

أَرانـا فَـقـدُهُ الأَيَّـامَ ســوداً

وَنـادي الأُنـسِ مُغبَـرَّ الجَنـابِ

وَما طيـبُ الحَيـاةِ بِغَيـرِ بِشـرٍ

وَلا حُسنُ السَّمـاءِ بِـلا شِهـابِ

فَلُذ بِالصَّبـرِ فِي اللأئـي وَأَحسِـن

عَزاءَكَ وَاِغتَنِـم حُسـنَ الثَّـوابِ

فَإِنَّكَ مِـن أُنـاسٍ لَيـسَ يَخفَـى

عَلـى آرائِهِـم وُجـهُ الصَّـوابِ

 


أَنِفَ الخِمارُ

أَنِفَ الخِمارُ مِـن فَـرطِ خِباهـا

وَرَأى الصَّونَ احتِكـاراً فَسَباهـا

قَهوَةٌ لَو قيلَ لِلشَّمـسِ اِسجُـدوا

وَبَدَت حُقَّت عَلى النَّاسِ اشتِباهـا

جَـرَّدَ المَـزجُ عَلَيهـا سَيـفَـهُ

عِندَما سَلَّت عَلى اللَّيـلِ ظُباهـا

وَأَباهـا المَـزجُ لَمَّـا مُزِجَـت

وَإِذا مـا انتَسَبَـت كـانَ أَباهـا

فَرَأَينـا اللَّيـلَ صُبحـاً عِندَمـا

بَرَزَت تُجلى عَلينـا مِـن خِباهـا

هَتَكَت أَنوارُهـا سِتـرَ الدُّجـى

بِصِفـاحٍ خَـرَّقَ اللَّيـلَ سَناهـا

قـابَلَتنـا فَسَجَـدنـا هَيـبَـةً

لِمُحَيّـاهـا وَعَفَّرنـا الجِبـاهـا

فِـي رِيـاضٍ عَطَّـرَت أَنفاسُهـا

سائِرَ الآفـاقِ إِذ هَبَّـت صَباهـا

أَلبَسَتها الصُحُبُ مِن وَشيِ الكَـلا

حُلَلاً مُـذ بَلَـغَ السَّيـلُ رُباهـا

فَقَضَينـا لَـذَّةَ النَّـفـسِ بِهـا

فِي صَفا عَيشٍ بِهِ الدَّهـرُ حَباهـا

 


عاطِنيها مَمزوجَةً

عاطِنيهـا مَمـزوجَـةً بِالنَبـاتِ

مِن فَمِ الكيسِ لا مِـنَ الكاسـاتِ

خَنـدَريـسـاً دِنانُهـا حُـقَـقُ

العاجِ وَراحاً كُؤوسُهـا راحاتِـي

لَم تُدَنَّـس بِمَـزجِ مـاءٍ وَلَكِـن

رُبَّمـا أُتبِعَـت بِـمـاءِ فُـراتِ

لا خُمارٌ لَها سِوى لُطـفِ فِكـرٍ

يَبسِطُ النَفـسَ آخِـرَ النَّسَمـاتِ

نَشـوَةٌ لَـم تَفُـز بِهـا نَشـوَةُ

الرَّاحِ وَهَل لِلعَجوزِ لُطـفُ الفَتـاةِ

ما عَلَيها فِـي الشَّـرعِ حَـدٌّ وَلا

جاءَ بِتَحريمِهـا حَديـثُ الثِّقـاتِ

عَـرَفَتهـا النُسَّـاكُ فَاِتَّخَذوهـا

فِـي المَعاجيـنِ وَالجَـواراشـاتِ

لَقَّبـوهـا طَــوراً بِبـاعِـثَـةِ

الفِكرِ وَطَـوراً بِهاضِـمِ الأَقـواتِ

قُلتُ لَمّا تَضَـوَّعَ المِسـكُ مِنهـا

وَانْجَلَت فِـي ثِيابِهـا الخَفِـراتِ

حُقَّ مَن بـاتَ خاطِبـاً لَـكِ أَن

يُعطِيَ بِنتَ الكُـرومِ خَـطَّ بَـراةِ

 


راقَنِي مِن لَفظِكَ

راقَنِـي مِـن لَفظِـكَ المُستَطـابِ

حِكمَـةٌ فيـهِ وَفَصـلُ الخِطـابِ

وَمَعـانٍ مُشـرِقـاتٌ حِـسـانٌ

ما تَوارَت شَمسُها فِـي حِجـابِ

هِـيَ لِلـوارِديـنَ مــاءٌ زُلالٌ

وَسِـواهـا لامِـعٌ كَـالسَّـرابِ

جالَ ماءُ الحُسنِ فيهـا كَمـا قَـد

جالَ فِي الحَسنـاءِ مـاءُ الشَّبَـابِ

مـا رَأَينـا قَبلَـهـا عِـقـدَ دُرٍّ

ضَممَهُ فِي الطِـرسِ سَطـرُ كِتـابِ

صَدَرَت عَنِ لَفظِ صاحِـبِ فَضـلٍ

هُوَ عِندي مِـن أَكبَـرِ الأَصحـابِ

فَتَـأَمَّلـتُ وَأَمَّلـتُ مِنـهُ جَمـعَ

شَملـي فِـي عاجِـلٍ وَاقتِـرابِ

ثُـمَّ قـابَـلـتُ أَيـادي ثَـنـاهُ

بِـدُعـاءٍ صـالِـحٍ مُستَـجـابِ

يـا أُهَيـلَ الـوُدِّ أَنتِـم مُـرادي

وَإِلَيكُـم فِـي العَـلاءِ انتِسابِـي

ذِكرُكُم لِي شاغِلٌ فِـي حُضـوري

وَثَناكُـم مُؤنِسـي فِـي اغتِرابِـي

 


شُمطَ الذَّوائِب

أَهلاً بِها شُمطَ الذَّوائِبِ وَالـذُرى

تَعشو إِلَى نيـرانِها نـارُ القِـرى

شُهُبـاً إِذا مَـدَّ الظَـلامُ رِواقَـهُ

جَعَلَت ظَلامَ اللَّيـلِ صُبحـاً نَيِّـرا

تُذكى لَدى مَلِكٍ يُرَجّـى جـودُهُ

وَتَخافُ مِن سَطَواتِهِ أُسدُ الشَّـرى

الصالِحِ المَـلِكِ الَّـذي بِسَماحِـهِ

أَمسى الثَرا وَطأً لِمَن وَطِىءَ الثَّـرى

لا زالَ شَملُ المُـلكِ مُنتَظِمـاً بِـهِ

وَالعِزُّ مُمتَدُّ الـرَواقِ كَمـا تَـرى

 


وَلَيلَةٍ طالَ سُهادي

وَلَيلَـةٍ طـالَ سُـهـادي بِهـا

فَزارَنِـي إِبليـسُ عِنـدَ الرُّقـاد

فَقالَ هَـل لَـكَ فِـي شَقفَـةِ

كَبشِيَّـةٍ تَطـرُدُ عَنَّـا السُّهـاد

قُلتُ نَعَـم قـالَ وَفِـي قَهـوَةٍ

عَتَّقَها العاصِرُ مِـن عَهـدِ عَـاد

قُلتُ نَعَـم قـالَ وَفِـي مُطـرِبٍ

إِذا شَدا يَطـرَبُ مِنـهُ الجَمـاد

قُلتُ نَعَـم قـالَ وَفِـي طَفلَـةٍ

فِـي وَجنَتَيهـا لِلحَيـاءِ اِتِّقـاد

قُلتُ نَعَـم قـالَ وَفِـي شـادِنٍ

قَد كُحِلَـت أَجفانُـهُ بِالسَّـواد

قُلـتُ نَعَـم فَقـالَ نَـم آمِنـاً

يا كَعبَةَ الفُسقِ وَرُكـنَ الفَسـاد

 


هُنِّئتَ بِالعيد

هُنِّئتَ بِالعيدِ بَل هُنِّيَ بِـكَ العيـدُ

فَأَنتَ لِلجودِ بَل إِرثٌ لَكَ الجـودُ

يا مَن عَلى النَّاسِ مَقصورٌ تَفَضُّلُـهُ

وَظِلُّ رَحمَتِـهِ فِي الأَرضِ مَمـدودُ

أَضحَت بَدَولَتِكَ الأَيَّـامُ مُشرِقَـةً

كَأَنَّهـا لِخُـدودِ الدَّهـرِ تَوريـدُ

أُعطيتَ فِي المُلكِ مالانَ الحَديدُ لَـهُ

حُكمـاً فَأَنـتَ سُلَيمـانٌ وَداودُ

لَكَ اليَدانِ اللَّتـانِ امتـاحَ بِرَّهُمـا

بَنو الزَّمانِ وَريعَت مِنهُمـا الصَّيـدُ

قَضى وُجودُهُما فِينَـا وَجودُهُمـا

تَكذيبَ مَن قالَ إِنَّ الجودَ مَفقـودُ

ماذا أَقولُ وَمَدحي فيكَ ذو قِصَـرٍ

وَأَنتَ بِالفِعلِ مَمـدوحٌ وَمَحمـودُ

إِذا نَظَمتُ بَديـعَ الشِّعـرِ قابَلَنِـي

مِنَ السَّماحِ بَديـعٌ مِنـكَ مَنقـودُ

فَلا مَعانيهِ فِـي الحُسنَـى مُغَلغَلَـةٌ

وَلا بِأَلفاظِـهِ فِـي البِـرِّ تَعقيـدُ

فَعِشتَ يوليكَ طَيبَ العَيشِ أَربَعَـةٌ

عِـزٌّ وَنَصـرٌ وَإِقـبـالٌ وَتَأيِيـدُ

وَلا خَلَت كُلَّ عامٍ مِنـكَ أَربَعَـةٌ

نِسكٌ وَصَـومٌ وَإِفطـارٌ وَتَعيِيـدُ

 


طَلَبتُ نَديماً

طَلَبتُ نَديماً يوجِـدُ الـرَّاحَ راحَـةً

إِذا الرَّاحُ أَودَت بِالكَثيرِ مِـنَ العَقـلِ

يُشارِكُنِي فِـي سِرِّهـا وَسُرورِهـا

فَيَملأُ أَو يَحسو وَيَكتُـبُ أَو يُملـي

وَيَشرَبُها بِالكَيفِ وَالأَيـنِ وَالمَتَـى

وَيَعرِفُها بِالجِنسِ وَالنَـوعِ وَالفَصـلِ

فَلَمَّـا أَبَـى الحِرمـانُ إِلاَّ لَجاجَـةً

وَأَعوَزَنِي خِلاًّ يُناسِبُ فِـي الفَضـلِ

خَلَوتُ بِها وَهدي كَما قالَ شَيخُنـا

وَذاكَ لأَنّي ما وَجَدتُ لَهـا مِثلـي