أبو الفضل الوليد

 

هو إلياس بن عبد الله بن إلياس بن فرج بن طعمة

من شعراء العصر الحديث

ولد سنة 1303 هـ / 1886م – توفي سنة 1360 هـ / 1941 م

 

قبَّلتُها فشَمَمتُ وَرداً

قبَّلتُـها فشَمَمـتُ وَرداً أحـمـرا

وضمَمتُها فهَصَرت غُصناً أخضـرا

لِتَنفُّسي ارتعَشت وحيـن تنفَّسـت

عَرفُ البنَفسجِ كُمَّ ثوبِـي عطَّـرا

فبقيتُ حتّـى اليـومَ من أنفاسِهـا

أَهوَى البنفسـجَ آمـلاً إن أزهـرا

وضَعَت على قلبِي اليَديـنِ فأثَّـرَت

فيـهِ وأرجَعـتِ البنـانَ مُحَمَّـرا

وعليهِ قد كتبـت وصايـا حبِّـها

عَشراً وصَيَّرَتِ الأصابـعَ أسطـرا

ورَنـت إِلَـيّ وأسبَلـت دَمعاتِهـا

نَجماً فأبصرتُ الثريَّـا فِي الثَّـرى

وعلى بقيَّـةِ حُمـرةٍ فِـي صفـرةٍ

دمعٌ يَسِيـل مُزَعفَـراً ومُعَصفَـرا

فرَأيتُ مُقلتَـها خِـلالَ دُمُوعِهـا

كالماسِ تَحتَ النُّورِ يَسطَـعُ أبـهرا

فغـدوتُ بالشَّفَتيـنِ أنهلُـهُ كمـا

تترَشَّفُ الشَّمسُ النَّـدى المُتَقطِّـرا

وغدَت تُخاطِبُنِي وتكسُـرُ جَفنَـها

فأرى فـؤادي بالكسيـر مُكسَّـرا

فتقولُ وَيلي من وداعِـكَ يا فتَـى

هلا ارعَوَيـتَ أوِ الرَّحيـلُ تأخـرا

يا ليتَ قلبِـي ما تفَتَّـحَ للهَـوَى

أو لَم يَكُن فِي الأرضِ ما شاقَ الورى

إذ لَم يَعُـد لِي بَهجـةٌ بِجمالِهـا

لغيابِ بدرٍ فِـي فـؤادي أسفَـرا

إنَّ الطبيعـةَ بالـحبيـبِ جَميلـةٌ

وأُحِبُّـها إذ منـهُ تَحـوي مَنظـرا

سَلبَ الفـراقُ على لقـاءٍ عاجـلٍ

نومي فكيفَ بآجلٍ يأتِـي الكَـرى

فأجَبتُها وجعَلـتُ باعـي طوقهـا

لا بدَّ لِي من أَن أخوضَ الأبـحُـرا

نفسي أبَت إلا العُلـى لا تَجزَعـي

مـن أمـرِ ترحـالٍ علـيَّ تقَـدَّرا

مهما يَطُل وَصـلُ الحبيـبِ وقربُـهُ

يـأتِ الزّمـانُ مُفَـرّقـاً ومُنَفِّـرا

سأسيـرُ مُهتَديـاً بِمـا زَوَّدتِنِـي

إن كنتُ أبغي السَّيرَ أو أبغي السُّرى

فتذكَّرينِـي فِي اللَّيالِـي وارفعـي

طرفاً إِلَى تِلكَ الكواكـبِ أحـوَرا

فهنـاكَ أرعـاهـا وآخـذُ قـوةً

مِنـها وأرجـعُ غانِمـاً ومظفَّـرا

فضَمَمتُها حتّـى غدَونـا واحـداً

فِي لـذَّةٍ ما ذاقهـا مـن أُسكِـرا

وبلـزَّةِ النَّهـدَيـنِ تَمّـت لذَّتِـي

وبلثمَةِ الشَّفَتَيـنِ ذُقـتُ الكوثـرا

واللهِ تلـكَ وقيعـةٌ الحـالِ الَّتِـي

أضحَت تفـوقُ تَخَيُّـلاً وتصَـوُّرا

فلـو اَنَّ رافائيـلَ صَوّرَنـا كمـا

كنَّـا لَمثَّلنـا الغــرامَ مُصَـوَّرا

 


علَيك سلامُ الحب

علَيك سلامُ الحبّ يا أيُّهـا الـوادي

فمن نَهرِكَ الفيـاضِ تَبريـدُ أكبـادِ

ألا حبّذا نومي على جَوهَرِ الحَصـى

لأغفي على الألحانِ من طَيركَ الشادي

وقد خيّم الصّفصافُ للماءِ عاشقـاً

على ضفّةٍ خضراءَ فِي ظـلّ أطـوادِ

فما كان أحلـى ذلَّـه وخشوعَـهُ

لدى حـوَرٍ ريّـانَ أَهيـفَ ميّـادِ

ترنَّـحَ مُختـالاً فكـانَ خفيفُـهُ

صدَى زفراتِ الصبّ أو نغَمَ الحادي

فكَم فيكَ أيامـاً تولّـت سريعـةً

وكم فيكَ أصواتاً ورنـات أعـوادِ

وكم فيكَ من حلمٍ ولَهـوٍ ونُزهـة

وسلمى لتسليمٍ وسعـدى لإسعـادِ

رَعـى اللهُ أيامـي عليـكَ منعّـماً

بعشرةِ خـلاَّنٍ على خيـرِ مِيعـادِ

وقد مرّتِ اللذاتُ سربـاً فصدتـها

بأشـراكِ حـظّ للأمانِـيّ منقـادِ

فأجمـل بيـومٍ فيهِ طـالَ خُمارُنـا

بإطلاقِ بنتِ الحانِ من دَيـرِ زهـادِ

ويومَ تغَنَّينـا علـى جـسّ مزهـرٍ

يُهَيِّجُ تذكارَ الهوى والورى هـادي

هلِ الضّفـةُ الغنـاءُ بعـدَ تفـرُّقٍ

ترانـا جَميعـاً مـن نيـامٍ وورّادِ

نَحنُّ إِلَى نعمـاكَ يا واديَ الـهوَى

ولَسنـا على ظنـي إليـكَ بعـوّادِ

حبيـبٌ إِلينـا من مغارَتِـكَ الَّتِـي

غدَت منتدَى أنسٍ وكَعبـةَ قصّـادِ

نَميـرٌ وظلٌّ من صخـورٍ وجـدولٌ

ونـارُ شـواءٍ أُوقِـدَت أيَّ إيقـادِ

أواديَ نَهرِ الكلبِ لا زلـتَ حافـلاً

بِمبيَـضّ أمـواه ومُخضَـرّ أعـوادِ

فَأسْمعُ فِي لَيلِ الشتـاءِ وقـد صفـا

دويَّ هديـرٍ بعـدَ تَجليـلِ رعّـادِ

 


رَجِّعي يا ميُّ

رَجِّعـي يـا مـيُّ ذيّـاكَ الغِنـاءْ

فهوَ تذكـارُ نعيـمٍ فِـي الشَّقـاءْ

وامزُجـي الأنغـامَ بالألحـانِ فِـي

هذهِ الليلـةِ كَـي يَحلـو البُكـاءْ

مثلَ عصفورَينِ عِشنا فِـي الحِمـى

وتنـاجَينـا صَباحــاً ومســاءْ

فقِفي نرثي ونبكـي فِـي الدُّجـى

بعدَ أن كنّـا نُغنّـي فِـي الضِّيـاءْ

فعلـى الأوتـارِ لَحـنٌ مُحــزنٌ

بعـدَ لَحـنٍ مُفـرحٍ يـومَ الهنـاءْ

وتعـالِـي ودِّعينِــي واذرُفِــي

دمعـةً تُـذبـلُ أزهـارَ الحيــاءْ

وازفـرُي بعـدَ غيـابِـي زفـرةً

تُلهبُ الرّيحَ وتَدوي فِـي الفضـاءْ

وإذا مـا سـرتُ وحـدي طامعـاً

بـأمــــورٍ هــي داءٌ ودواءْ

سامـري ذيّالِـكَ النَّجـمَ الـذي

كانَ خفّاقاً كقَلبِـي فِـي السمـاءْ

ليـلَ قبَّـلـتُـكِ قبـلاتٍ فَمـا

كانَ لِي مِنـها اشتِفـاءٌ واكتِفـاءْ

فلقد أخرَجتُ روحـي من فمـي

لفـمٍ فيـهِ التقَـت نـارٌ ومـاءْ

لامست نفسُـكِ نَفسـي فهـوَت

شعـلٌ ليـسَ لَهـا فينـا انطِفـاءْ

وتَجـاذَبنـا بِهـا فانـتَـثـرت

قُبَلـي مثـلَ شـرارِ الكهـربـاءْ

تلكَ ذكرى تَطـرَبُ النفـسُ لَهـا

وترى زهـرَ ربيـعٍ فِـي الشتـاءْ

فاصبـري صبـراً جَميـلاً هكـذا

عيـشُـنـا بيـن وداعٍ ولـقـاءْ

فعَلى رغم النّـوى يَبقـى الـهوى

فـامـلأي قلبـكِ حبّـاً ورجـاءْ

واذكُـرينِــي للصَّبــايـا وإذا

كَثـرَت فينـا أحاديـثُ النسـاءْ

فـاخِـريهِـنَّ بِحُبِـيِّ وخُـذي

فِي حديثِ الفخرِ عنّـي الكبريـاءْ

 


سَيفي عشقت

سَيفي عشقتُ كما عشقتُ الحاجبا

وخَبـرتُ من هذا وذاكَ مضاربـا

فعلمتُ أن السيفَ أهـونُ وقعُـهُ

من حاجبٍ غلبَ الشجاعَ الغالبـا

فإذا فتحتُ القلبَ أُبصـرُ حاجبـاً

وإذا فتحتُ الثوبَ أُبصـرُ قاضبـا

وأخو المروءَةِ والشهامـةِ هكـذا

يَقضي الحيـاةَ مُغـازلاً ومُحاربـا

طوراً يذودُ عـن الديـارِ وتـارةً

بِحسامهِ يَحمـي الفتـاةَ الكاعبـا

المَجدُ عندَ الأكرمينَ أخو الـهَوَى

من لَم يحبَّ قضى حَزينـاً خائبـا

واحسرتاه على فـؤادٍ لَـم يكـن

يوماً ليعرفَ وعـدَ حـبٍّ كاذبـا

عبثَ الشقاءُ بـه وهل من راحـةٍ

لِفتَـى تـراهُ للفضائـلِ صاحبـا

نفسي تـذوبُ على فتـاةٍ ثغرُهـا

بــردٌ أراه كـلَّ يـومٍ ذائبــا

بسماتُـهُ لقلـوبنـا كغمـامـةٍ

لزروعِنـا المتموِّجـاتِ كتـائبـا

وكما بزهرِ الرَّوضِ تلعبُ نفحـةٌ

ما انفكَّ مبسمُـها بقلبِـي لاعبـا

ولقد لَهَـوتُ بعقدهـا فكأننـي

نلـتُ الثريَّـا والشهـابَ الثاقبـا

وَشَممتُ زنبقَ نَحرها فِي خدرِهـا

فغدوتُ عن زهرِ الحديقـةِ راغبـا

ذيالِـكَ النـحـرُ الـذي قبَّلتُـهُ

كنزُ السعادةِ لِي وكنـتُ الناهبـا

لَمَّا مَدَدتُ يدي إليـه كسـارقٍ

زَحزَحتُ عن صبحِ اليقينِ غياهبـا

وأعَدتُها وأعَـدتُ أنفاسـي إِلـى

صَدري لأوقِفَ فيهِ قلبـي الهاربـا

 


إذا البَدر

إذا البَدرُ زار الأفـقَ وهُـو بَهيـجُ

إِلَى الشّعرِ أصبُو والشجُـونُ تُهِيـجُ

وقد أَهجرُ الشِعرَ اللّطيـفَ مَلالـةً

وعلماً بأنّ الصّنـفَ ليـسَ يَـرُوجُ

ولكنّما الشـوقُ القديـمُ يهزُّنِـي

فألقِي القَوافِي فِي البُحـورِ تَمـوجُ

فما الشّعرُ فِي صَدري سِوى السّيـلِ

جارفاً أو النَّارِ تذكو والشّعورُ أجيـجُ

فقل للَّذي يَلقـى المَحاسـنَ هادئـاً

لَحَى اللهُ علجـاً ما رَأتـهُ عُلـوجُ

على اللّيلةِ القمراءِ طـالَ تَسهُّـدي

وحلَّ سُكوتٌ حيثُ كان ضَجيـجُ

فبتُّ وقد هاجَت غَرامـي سَكِينـةٌ

ونشّطنِي تَحـتَ الغُصـونِ أَريـجُ

أَرَى البدرَ لِي من جانِبِ السَّهلِ طالعاً

وكـم أطلَعتـهُ لِـي ذُرىً وثلـوجُ

كما أشرَقت من قَصرِها ذات عفّـةٍ

على رَوضـةٍ فيـها الربيـعُ نَسيـجُ

فخلتُ فؤادي طائـراً من صَبابَتِـي

ولَيسَ لِمَا بيـنَ الضّلـوعِ خـروجُ

أَحَـبَّ الَّتِـي أحبَبتُـها ولأجلِـها

أطلَّ فضـاءَت من سنـاهُ مـروجُ

فأوشكَ أن يَهوي إِلَى الأرضِ قائـلاً

إِلَى الحبِّ فِي أَعلى السَّماءِ أحـوجُ

 


رشيقاتِ القـدود

مَرَرنَ وقـد مرَرنَ على فـؤادي

رشيقاتِ القـدودِ علـى الجيـادِ

أوانـسُ ضاحكـاتٌ هـازلاتٌ

يعلّمـنَ الفَتَـى حقـرَ الرّشـادِ

رواتـعُ فِـي الحريـرِ مُنَعَّمـاتٌ

كغيضـةِ زنبـقٍ فِـي ظـلِّ وادِ

حَمَلنَ الزهرَ فِي شعـرٍ وصـدرٍ

فاخرجـنَ الشعـورَ من الجمـادِ

ورحنَ على السُّروج إِلَى مـروجٍ

كأنَّ السـرجَ أنعـمُ من وسـادِ

فسِرتُ وراءهـنّ علـى جـوادٍ

يُـرى فِي عينـهِ قـدحُ الزّنـادِ

وحينَ سَمِعنَ من مهري صَهيـلاً

رَنونَ بأعيُـنٍ خَلبَـت فـؤادي

فقلتُ لَهـنَّ لا تَخشَيـنَ ضَيـماً

فإنِّي فِي الخطـوبِ لكُـنَّ فـادِ

وَإنِّـي كـي أُمثِّلكـنَّ لَيــلاً

بِتذكـارٍ رغِبـتُ عـنِ الرقـادِ

فقلنَ نـراكَ ذا لطـفٍ وظـرفٍ

فلسـتَ إذاً غريبـاً فِي البـلادِ

فَقلتُ الحسـنُ هذَّبنِـي وقلبِـي

يَحـنُّ إِلَى الأزاهـرِ والغـوادي

ألا ياصـاحِ قُل لِي هَـل تُلاقِـي

أحبَّ من الفتـاةِ عَلَـى الجـوادِ

ألا يـا حبَّـذا فَتيـاتُ قَومـي

عَلَـى خيـلِ التنَـزُّهِ والطِّـرادِ

 


الحبُّ علَّمنِي

الحـبُّ علَّمنِـي ما لـذَّة الأرقِ

تَحتَ الغصونِ الَّتِي تلتفُّ بالوَرقِ

لا آلفَ النومُ أجفاناً على سَمـرٍ

سَل القلوبَ من الأفواهِ والحَـدَقِ

يا حبَّذا ليلـةٌ أرخَـت ستائرهـا

على المنازلِ والجنَّـاتِ والطُّـرُقِ

كنَّا نبوحُ بأسرارٍ وتَكتُمُها وَنَحنُ

فِي الروضِ كالنجمينِ فِي الأُفـقِ

وللنَّسيم على الأغصـانِ هَينَمَـةٌ

وهي التحيَّةُ بالأزهـارِ والعبـقِ

لَهت بشعري يَداها مدَّةً ويَـدي

تلهو بِخاتَمها والعقـدِ والحلـقِ

حتَّى اعتَنَقنا فأغضَت طَرفها خَجَلاً

من النُّجومِ الَّتِي تَرنُو من الغَسَـقِ

ظَلت معانِقَتِي حتَّى إذا غمضـت

أجفانها وسَناً أغفَت على عنُقـي

فبتُّ أحبسُ أنفاسي وأنشقُ مـن

أنفاسِها مسكناً ما بِي من القلـقِ

ما كان أسعدَنِي فِي ضمِّها أبـداً

بينَ الذراعينِ لولا طلعـةُ الفلـقِ

فقمت أسحـبُ أذيـالاً مبلَّلـةً

من النّدى ومُوَشَّـاةً مِنَ الشَّفَـقِ

وقُلتُ يا أيُّها النـوّامُ أرحَمُكـم

هلا عَشِقتُـم وذقتم لـذَّةَ الأرقِ

 


لَمَّا وَرَدتُ الماء

لَمَّـا وَرَدتُ المـاءَ صـارَ لَهيبـا

وبِحُبِّـها أستَعـذِبُ التّعـذيبـا

لَم أنسَ ليلاً فيـه حلَّـت شَعرَهـا

فشَمَمتُـهُ زهـراً تضـوَّعَ طِيبـا

وفمي بفيـها لاصـقٌ وأضالعـي

كادت تشـقُّ ضلوعَهـا تقريبـا

فرنت إِلَيَّ وأغمَضـت أجفانـها

ففَتَحـتُ قلبِـي للنّعيـمِ رَحيبـا

وهَـوايَ أنسانِـي البـريَّةَ كلَّهـا

وجَـوايَ ذوَّبَ مُهجتِـي تذويبـا

وكأن أنفـاسَ الخميلـةِ حَولنـا

سـارت تُرَجِّـعُ زَفـرةً ونَحيبـا

أكذا نَمـوتُ لكي نفـوزَ بقبلـةٍ

كانت على ظمـأ الغـرامِ لَهيبـا

الغانياتُ ضَحِكـنَ من شُهَدائنـا

وأرَينهُم يـومَ الوصـالِ عَصيبـا

وزَعمنَ هـزءاً أنَّهـنَّ رَحَمنَهُـم

ولَهم جَعَلنَ من الخصـورِ نصيبـا

ذاك النصيبُ هو النحولُ وهكـذا

نُعطي خَصيبـاً آخذيـن جَديبـا

فَوَرحْمةِ العشَّاقِ لسـتُ براجـعٍ

حتَّى أَرَى عِنـبَ الخـدودِ زَبيبـا

 


جيشِ الجمال

جرَّدتِ من تلكَ الجفـونِ سُيوفـا

وحَشدتِ من جيشِ الجمالِ صُفوفا

فتساقطَ العشَّاقُ صَرعَى فِي الوَغى

أو ما اشتَفَيتِ وقد قتَلـتِ ألوفـا

إِنِّي لأعجَـبُ للجمـالِ وفِعلِـهِ

منهُ الحياةُ وقـد يكـونُ حُتوفـا

ولقد أقولُ وراحتايَ على الحَشـى

رِفقـاً بقلـبٍ لا يـزالُ ضَعيفـا

باللهِ إن تُعطـي الأمـانَ لعاشـقٍ

لا تُسمِعيـهِ من الحريـرِ حَفيفـا

هذا الفـؤادُ إذا رَفعـتِ شغَافـهُ

أبصرتِ فيهِ من الجمـالِ صُنوفـا

وقرأتِ آيـاتٍ من التَّنـزيلِ لَـم

تُكتَب فكانَ لَها الخفوقُ حُروفـا

أما جَمالُكِ فَهُـو نـارٌ طهَّـرت

دَنسَ القلوبِ لذاكَ صرتُ عفيفـا

فبوجنـةٍ رَيّـا وجفـنٍ ذابـلٍ

ومُقبّـلٍ نَشـرَ الأريـجَ لطيفـا

وبِخصرِك الفانِي وصَبري المُنقضي

لا تَمنعـي من قُبلتَيـنِ ظريفـا

وخُذي لقلبكِ من قوامـكِ رقـةً

وصِلي فربُّـك يَحفـظُ المعروفـا

 


لعمـرُ أبيـك

لعمـرُ أبيـك ما نفـعُ الحيـاةِ

إذا لَم يَعلُـها شـرفُ الممـاتِ

لقد أفنيـتُ فِي طمعـي شبابِـي

وفِي وطنِي لقد أنكـرتُ ذاتِـي

وقد أجـرى دُموعـي دَمـعُ أُمٍّ

لَها قلبٌ حَكَـى خَيـطَ الحيـاة

بكت وَلداً نأى عنـها فأمسـى

قذيفَ هوى بأقصـى المملكـات

يذوبُ تشوُّقـاً وتـذوبُ وجـداً

وبينهمـا هديـرُ الـزّاخِـرات

هنا أطوي المُنَـى وهنـاكَ أُمِّـي

إِلَى القـدَّاسِ تذهـبُ والصَّـلاة

فقلـتُ لَهـا ألا يا أمِّ كفِّــي

فمـا صَـلواتُنـا بالنَّـافِعـات

تقـيُّ القـومِ مظلـومٌ فقيــرٌ

وكلُّ الخيـرِ فِي أيـدي البُغـاة

شقـاءُ الـمـرءِ تقـواهُ فإنّـي

رأيـتُ السَّعـدَ عندَ السِّئيـات

تَسَلّـي فِي الهمـومِ ولا تُصَلّـي

لعـلَّ الصبـرَ يأتِـي بالنَّجـاة

لك الفضلُ العظيـمُ على وَليـدٍ

يُكـرِّمُ صـالحـاتِ الأمَّهـات

 


مـرَّت فَحيَّتنِـي

مـرَّت فَحيَّتنِـي وقـد حَيَّيتُـها

وبراحتِي فَـوقَ الفُـؤادِ فَدَيتُـها

إنَّ التحيَّــةَ بيننــا إيـمـاءةٌ

وإشـارةٌ فعَلــيَّ حُـرِّمَ بَيتُـها

لكنَّها فِي الحلـمِ لبّـت دَعوتِـي

وإذا دَعَتنِـي ليلـةً لـبَّـيـتـها

بيـنَ الخَياليـنِ الوصـالُ وإنَّمـا

ذاكَ الجمـالُ يـزولُ إن ناديتُـها

أحببتُها عَرَضـاً ومـا عرَّضتُـها

وذكرتُها طربـاً ومـا سَمَّيتُـها

بـأريضـةٍ ومـريضـةٍ لقّبتُـها

وبأمِّ خَشـفٍ للنَّديـمِ كنَيتُـها

هي طفلةٌ بكـرٌ ألذُّ من الكَـرى

فلكم رأيتُ السَّعدَ منـذُ رأيتُـها

مـا قلبُـها إلا كبُـرعـمِ وَردَةٍ

مـرَّ النسيـمُ بـهِ إذا ناجَيتُـها

الحبُّ نـوَّرَ مُقلتيـها بعـدَ مـا

صارت سِراجاً لِي وحبّي زَيتُـها

يا ليتَـها زهـرٌ وليتِـي كمُّـهُ

أوليتَـها كفَـنٌ وليتِـي مَيتُـها

 


تعـالَ نفـرح

تعـالَ نفـرح فالشتـاء هـربـا

وفَـرَّتِ الشّمـأل قـدّام الصبـا

والربـعُ بالـربيـع قـد تَجَلبَبـا

وصار بعدَ العُريِ يُكسـى قَشبـا

كأنَّـه الفتَـى الـذي تعـذَّبـا

فِي حبّـهِ حتَّـى غـدا مهذَّبـا

للطيـرِ تـرنيـمٌ يهيـجُ الطربـا

والزَّهرُ ينمو فِي المـروج والرُّبَـى

فتَنثُـرُ الشمـسُ عليـهِ الذهبـا

وحـرُّهـا ثَلـجَ الجبـال ذوَّبـا

فصيّرَ الـوادي جَميـلاً مُخصبـا

والظلُّ فِي الغاب يشـوقُ المُتعَبـا

يا أيها الفصلُ اللطيـف مرحبـا

العيشُ أضحى فيك رغـداً طيّبـا

إليكَ قلبِي فِي الشتاءِ قـد صبـا

كصبوةِ السَّاري إِلَى نـورٍ خبـا

إذا الصِّبَـى أو الـرَّبيـعُ ذَهبـا

لا خَيرَ فِي العيشِ فقـل مُكتَئبـا

 


بلاغةُ الشعـر

بلاغةُ الشعـرِ إنشـادٌ وإطـرابُ

وأفصَحُ النّطقِ والتعبيـرِ إعـرابُ

قد كان أطربنـا للشعـرِ أعربنـا

إنَّ للسـانَ لـهُ روحٌ وأعصـابُ

وأعذَبُ الشعرِ إن مَحَّضتَ أصدَقُهُ

ضلَّ الذي قالَ عَذبُ الشعرِ كذّابُ

هـو الممثّـلُ لـلأرواحِ صابيـةً

إِلَى رؤىً دوَنـها سترٌ وحجَّـابُ

لكنَّ من خَفِيَـت عنـه حقيقتُـهُ

يقـولُ ذاكَ معـالاةٌ وإطنــابُ

زهدتُ فِي الشعرِ يأتينِي مساهلـةً

ولا يلذُّ سـوى ما فيـهِ أتعـابُ

أو جئتُ أجعلهُ شغلاً أهيـمُ بـهِ

لَم يبقَ حبـرٌ وأقـلامُ وكتَّـابُ

بعد الثلاثينَ لا نَظـمٌ ولا غَـزَلٌ

وقد أعودُ فـإن الطَّبـعَ غـلاَّبُ

 


 رَحَيلَ الأحبَّةُ

ما الـدارُ إن رَحَـلَ الأحبَّـةُ دارُ

فالقلبُ حيثُ الحـبُّ والأوطـارُ

والنفسُ فِي نفسِ الحبيبِ مقرُّهـا

وكـذلكَ الأنسـامُ والأسحـارُ

والطيـرُ يتبـعُ إلفـهُ وفِراخَـهُ

ولـهُ بكـلِّ خَميلـةٍ أوكــارُ

إِنَّ القُلوبَ هِي النجـومُ تَجاذُبـاً

ولكلِّ قلـبٍ كوكـبٌ سيّـارُ

واحَسرتاه علـى الحبيبـةِ إِنَّهـا

رَحَلَت فَغَارَت بَعدهـا الأَنـوارُ

غدَتِ الرياحُ تسوقُها وتسوقنِـي

سوقَ الغيـومِ ودمعُـها مِـدرارُ

لَم أنسَ يـومَ وداعِهـا نظراتِهـا

فعلمتُ ما الأشجـارُ والأذكـارُ

وإذا القلوبُ تناثـرت أزهارُهـا

لا تُشتَهـى فِي رَوضـةٍ أزهـارُ

 


لِصَوتِكِ فِي قَلبِي

لِصَوتِـكِ فِي قَلبِـي دَويٌّ ورنّـاتُ

كما ردَّدَت صوتَ البلابـلِ جنّـاتُ

على المزهَرِ الشاكي وأنشودةِ الهـوى

يُهيِّجُ ذكـراً منهُ للنفـسِ حنّـات

جَسَستِ من الأوتارِ ألطفَـها كَمَـا

جَسَستِ فؤادي وهو بالحبِّ يقتـات

فأخرَجت من ألحانِهـا كلَّ مُطـربٍ

وأخرَجتِ منهُ شِعـرَهُ وهو أبيـات

وغنَّيتِـهِ حينـاً فذابـت حشاشتِـي

ألا فلتَذُب فِي مِثلِ هذا الحشاشـات

ونقّلتِ قَلبِـي حيثُ نقَّلـتِ أنـملاً

كطيرٍ على غصـنٍ تُثنِّيـهِ هبّـات

فأجـمِل بتلحيـنٍ وشعـرٍ ترافقـا

وفِي طرَبِي العلويِّ صوتُكِ أصـوات

 


دَع أيها العربِـي

دَع أيها العربِـيُّ سُـوقَ عكـاظِ

وزخـارفَ الأشعـارِ والألفـاظِ

وارجع إلَى عهـدِ الفتـوحِ فإنـهُ

أَولَى بِحفـظِ كرامـةٍ وحفـاظِ

لا خيرَ فِي القـرآنِ مَا لَم يَحمِـهِ

سَيفٌ يـرقُّ على رقـاب غـلاظِ

تَشكُو الـهَوانَ ولا تَثـورُ حَميَّـةً

وتَليـنُ دُونَ الـحـقِّ للأفظـاظِ

حتَّـامَ ترقـدُ غافـلاً مُستَسلِمـاً

وتقولُ تلكَ من الزمـانِ أحاظـي

فبـدارِ ما للمـرءِ إلا ما سَعَـى

والعصــرُ للتنبيــهِ والإيقـاظِ

هَلاَّ اتَّعظتَ أَو افتَدَيـت بِمعشـرٍ

يَلتـفُّ حَـولَ مَنابـرِ الوعَّـاظِ

 


يا أيهـا العربِـي

يا أيهـا العربِـيُّ فِـي التاريـخِ

مَجـدٌ لِقومـكَ ذَاعَ فِي المرِّيـخِ

فاشتمَّ ريحَ المسـكِ من صفحاتـهِ

فالطِّيبُ بالتذكيـرِ لا التَّضميـخِ

واحفظ بقلبـكَ ما تـراهُ بِمقلـةٍ

خشعـت من التغـريمِ والترنيـخِ

وأضف إِلَى المَجدِ القـديمِ حديثَـهُ

واحرص على شـرفٍ بلا تلطيـخِ

واحذر من الـرومِ الخلاعـةَ إِنَّهـا

لأشـدُّ إضـراراً مـن الزرنيـخِ

هَل أنـتَ راضٍ بالمهانـةِ والأذى

بَعـدَ العُلـى والفتـحِ والتدويـخِ

هذا ضميرُكَ صارخٌ فأصـخ إِلَـى

صَوتِ الضميرِ وخَف من التوبيـخِ

 


يا ابن الوليـد

يا ابن الوليـدِ أفِق ويا ابنَ العـاصِ

هـل فتكـةٌ أو حيلـةٌ لِخـلاصِ

الرومُ قد ملكـوا الثغـورَ وهيّـأوا

أغـوالَ فـولاذٍ لشعـبٍ عـاصِ

سحقت قذائفُها القلـوبَ ومزَّقـت

تـاجَ العـروسِ ودرَّةَ الغــوّاصِ

بَرَدى ودجلـةُ والفـراتُ مياهُنـا

وكـذلك الأردنُّ ثُـمَّ العـاصـي

لكن بنو التاميـزَ والسـانَ ادَّعـوا

حقّـاً وَنَحـنُ طرائـدُ القنَّـاصِ

واحسرةَ الغربـاءِ فِـي أوطانِهـم

أن يُصبحـوا كالطيرِ فِي الأقفـاصِ

دَاءُ الشعـوبِ تباغـضٌ وتَخـاذلٌ

وشفاؤهـا بالحـبِّ والإخـلاصِ

 


لِطَلعةِ حُسنِـها

لِطَلعةِ حُسنِـها انـهزَمَ الإيـاسُ

فقلبِــي كلُّـه أمـلٌ وبـاسُ

أماطـت عـن مُحيَّاهـا نقابـاً

وقلبِـي فِيـهِ للحـبّ انبجـاسُ

فبـتُّ كـأنَّنِـي صنـمٌ لأنِّـي

فَتَى فِي الحـبِّ ليـسَ له مِـراسُ

فَقَالـت وَهِي باسِمـةٌ أَتَخشَـى

مهـاةً ضَمَّـها هَـذا الكنـاسُ

لبسمَتِـها رَأيـتُ فمـاً صغيـراً

كخاتِمـها الذي فصّـاهُ مـاسُ

وَفِي أنفاسِهـا نفَـسُ النّعامَـى

بِــروضٍ كـلُّــهُ وَردٌ وآسُ

فطاوَعنا الهـوى حتَّـى عَصَتنـا

جوارحُنـا وأخضَعنـا النُّعـاسُ

 


مَن لِي سواك

مَن لِي سواكَ إذا تَحكَّـم ضيـقُ

إن الكريـمَ على الكريـمِ شفوقُ

إنِّي عَهدتُـكَ بالعِـدى مترفّقـاً

أَوَ لستَ ترفَقُ بِي وأنتَ صديـقُ

وإذا الزمـانُ عليَّ قسَّـى قلبَـهُ

ما رَاعَنِي والقلبُ منـكَ رقيـقُ

إِنَّ الكريـمَ لَـهُ علـى أمثالـهِ

حقُّ الإخاءِ فلي عليـكَ حقـوقُ

هذا القليـلُ من الكـلامِ وإنـهُ

يَحوي الكثيـرَ وما بـهِ تلفيـقُ

والحرُّ يدعوهُ الضميرُ إِلَى النَّـدى

ماذا تقـولُ وفِعـلُكَ التَّصديـقُ

 


مِـن مُقلتَيـك

مِـن مُقلتَيـكِ الغـرامُ يَنبعِـثُ

فـلا تقولِـي إنَّ الـهوى عَبَـثُ

قساوةُ اللّحـظِ دَمَّثـت خُلُقـي

فإنَّنِـي منـهُ عـاشـقٌ دَمِـث

لَم أنسَ قولِي فِي بسمـةِ عذبـت

مـن شفَتيـكِ العبيـرُ مُنبعـث

فقلـتِ واللّثـغُ منـكِ يَلسَعُنـي

الـوردُ ثغـري ودُونَـهُ حَـرَث

نشأتُ بينَ الأزهـارِ من صِغـري

حَتَّى تسـاوى الأريـجُ والنفـث

أَبِـي وأُمِّـي ورَثـتُ حُسنهـما

وكـلُّ فـرعٍ من أصلـه يَـرِث

 


أُعاتِبُـها والحـب

أُعاتِبُـها والحـبُّ من طبعـهِ العتـبُ

وفِي مُقلتِي غيـظٌ وفِي مُهجتِي حـبُّ

وأُسْمِعُها ما يَجـرحُ السَّمـعَ لفظُـهُ

فَترضى بمغـزاهُ ويَشفَـعُ لِي القلـبُ

سلامـي عَليـها بسمـةٌ ثـم قبلـةٌ

كذلك حيّا الزهرَ دَمعُ النَّدى العـذبُ

مع النورِ والأنسامِ روحـي تزورُهـا

وفِي روحِها الأزهارُ والماءُ والعشـبُ

فتجنِي الذي تَجنيه فِي الرَّوضِ نَحلـةٌ

وما الشعرُ إِلا الشَّهـدُ يخزنُه الصـبُّ

 


يا جنَّةَ الحسن

يا جنَّةَ الحسن حرُّ الصيفِ أمحـلَكِ

وقامةَ الغصنِ ضمُّ الطيـفِ أنحـلكِ

الدَّهرُ قبلَ اشتِفاءِ النفـسِ رَحَّلنـي

حتَّى إذا عدتُ أرجو الوصلَ رحَّلكِ

أكحّلتـكِ الَّتِـي ربّتـكِ ناعمـةً

أَم الغزالُ الـذي رَبَّيـتِ كحّـلكِ

أرخي النقابَ فنعمايَ الحنيـنُ إلَى

ذَيَّالِكَ الفلكِ البـادي من الحَـلكِ

الحبُّ ما كـان إيثـاراً وتفديـةً

يهنئكِ إن شحَّ لِي دَمعي وسَحَّ لكِ

 


قَبـرِ الحَبيب

وَقَفتُ عَلَى قَبـرِ الحَبيبِ مُسلِّمـا

فأطرَبَنِـي طَيـرٌ عليـهِ تَـرنَّمـا

فقلتُ له هَل أنتَ بالمـوتِ ساخـرٌ

وقد جئتُ أجثو باكيـاً مترحِّمـا

تُغنِّي وأبكي أيهـا الطيـرُ فاعتبـر

بدارِ سكونٍ فوقها الحـزنُ خيَّمـا

فجاوَبَنِـي هَـذي تَحيّـةُ عابـرٍ

تُحرِّكُ أغصانـاً ولَحـداً وأعظُمـا

بُكاؤك هذا كان صدقـاً ورحـمةً

وكـان غنائـي للعـزاءِ تبسُّمـا

 


طلعتِ من القدّاسِ

طلعتِ من القدّاسِ مثـلَ الملائـكِ

وأنتِ ضحوكٌ للعذارى الضواحـكِ

فأصبَحتُ مدهوشاً على باب بيعـةٍ

تذكّرُنِي أهـوالَ حـرب الملائـكِ

وضوّعتِ طيباً من غلائـلَ تَحتَـها

خَمائلُ يُجنَى زَهرُهـا فِي المعـاركِ

وما كنتِ فِي الصفَّيـنِ إلا مليكـةً

وأفئـدةُ العشـاقِ مثـلُ الأرائـكِ

لكِ اللهُ خصـمٌ فالقلـوبُ ضعيفـةٌ

عَليها من العينيـنِ وقـعُ السنابـكِ

 


جُودي بوَصل

جُودي بوَصلٍ فالـهوى غـلاَّبُ

حتَّـامَ قلبُـك خافـقٌ هيّـابُ

الوقتُ يذهبُ يا مليحةُ مُسرِعـاً

الوَقتُ لا بل عمرُنـا الذهّـاب

ما كان أجمَلَ روضـةً أزهارُهـا

فِي وَجنَتيكِ وفِي الفمِ الأطيـاب

فيها تناثـرَ مثلَ عقـدِكِ دَمعُنـا

فتناثـرَ النسـريـنُ والعنّـاب

ما نلـتُ إلا نظـرةً أو بسمـةً

قد يدَّعيـها العاشـقُ الكـذاب

 


وقَفتُ على الأمواجِ

وقَفتُ على الأمواجِ أبكي وأشتـاقُ

وقلبِي كأعـلامِ المراكـبِ خفَّـاقُ

لقد غابَ عن عينـيَّ نـورٌ ألِفتُـهُ

وظلَّ لِذاكَ النورِ فِي القلبِ إشـراقُ

فقلبِي سَماءٌ ليـسَ يأفـلُ نَجمُـها

وفيها لأحبابِـي ثغـورٌ وأحـداقُ

فكم بسمـةٍ فيهِ وكـم فيهِ نظـرةٍ

أرى بِهما ما فيـهِ للعُـودِ إيـراقُ

 


إذا جئتِ ليلـى

إذا جئتِ ليلـى حلِّفيـها برَبِّهـا

لِكي تَعلمـي ماذا تُريـدُ بصبِّـها

وإن سألت عَنها وعنِّـي نِساؤنـا

أجِيبِي الفَتَى هذا يَمـوتُ بِحبِّـها

وإن قُلنَ ماذا يَبتغي من وِصالِـها

فقُولِي أحبُّ الوَصلِ تقبيلُ تربـها

بِها ولَها أحيا فروحـي لروحِـها

وعَينِي لِعَينيـها وقلبِـي لِقَلبِـها

 


وضَعتُ يدي حينا

وضَعتُ يدي حيناً على العين والقلبِ

لأعلمَ ما فيها وفيـهِ مـن الحـبّ

فعينِي بكت ماءً وقلبـي بَكى دمـاً

وما حبُّ ذياكَ الفريدِ سِوى حبّـي

تَجمَّدَ ما قد سالَ منّي فليـتَ مـا

تَجمَّد مِنها سالَ وجداً على الصـبّ

إذا كان هذا الـدُّر مِنّـي وهبتُـهُ

لناهبةٍ ما فِي الشغافِ وفِي الـهدب

 


قَلبِي وقَلبُكَ

قَلبِي وقَلبُكَ فِـي المَحبَّـةٍ واحـدُ

وأنا الذي يَرضـى وأنتَ الحاقـدُ

ليسَ اللّسانُ على الصداقةِ شاهـداً

إن القلوبَ على القلوبِ شَواهـدُ

لا تفقـدنَّ صداقـةً بل كن لَهَـا

مُتفقِّـداً فلكَـم بَكاهـا الفاقـدُ

واحْمَد مقالَ الحاسديـنَ فطالَمـا

عاشَ الودادُ بـهِ ومـاتَ الحاسـدُ

 


الغرامَ هَـلاكا

قالت ألستَ ترى الغرامَ هَـلاكا

فأجَبتُ قلبِي يعشـقُ الأشـراكا

حَمَّلتُ أنفاسَ الصَّبـاحِ تَحيـةً

لَمَّا طلعتِ من السجوفِ هُنـاكا

تلك التحيّـةُ غـردةٌ من طائـرٍ

يَهوَى الضِّياءَ ويَمـلكُ الأفـلاكا

وكأن هينمةَ النَّسيمِ تقـولُ لِـي

تلكَ المليحـةُ يا فَتَـى تَهـواكا

 


العربيـةِ الفُصحـى

فدَى العربيـةِ الفُصحـى اللغـاتُ

إذا نطَقَـت من العـربِ البنـاتُ

وفيهـنَّ الخصـالُ مـن اللواتِـي

طلعـنَ من المضـاربِ والضفـاتُ

لَهـنَّ أَعـدَّتِ الزبّـاءُ عـرشـاً

فعـزَّ بِهـنَّ دجلــةُ والفـراتُ

وشيَّدنَ القصـورَ علـى ضفـافٍ

وهنَّ المـحسنـاتُ المـحصنـاتُ