عبد الله البردوني

سمي البردوني نسبة الى قرية البردون (اليمن)

ولد عام 1348هـ 1929 م وتوفي في 30 أغسطس 1999م

من شعراء العصر الحديث

 

أبو تمام وعروبة اليوم

ما أصدق السيف!إن لم ينضه الكذب

وأكذب السيف أن لم يصدق الغضب

بيض الصفائح أهدى حين تحملها

أيد إذا غلبت يعلو بها الغلب

وأقبح النصر .. نصر الأقوياء بلا

فهم .. سوى فهم كم باعوا  وكم كسبوا

أدهى من الجهل علم يطمئنّ إلى

أنصاف ناس طغوا بالعلم واغتصبوا

قالوا : هم البشر الأرقى وما أكلوا

شيئا .. كما أكلوا الإنسان أو شربوا

ماذا جرى .. يا أبا تمّام تسألي ؟

عفوا سأروي .. ولا تسأل .. وما السبب

يدمى السؤال حياء حين نسأله

كيف اختفت بالعدى ( حيفا) أو (النقب)

من ذا يلبي ؟ أمَّا إصرار معتصم

كلا وأخزى من (الأفشين) ما صلبوا

اليوم عادت علوج (الروم) فاتحة

وموطن العرب المسلوب والسّلب

ماذا فعلنا ؟ غضبا كالرجال ولم

نصدق .. وقد صدق التنجيم والكتب

فأطفأت شهب (الميراج) أنجمنا

وشمسنا … وتحدت نارها الحطب

وقاتلت دوننا الأبواق صامدة

أمّا الرجال فماتوا …ثمَّ  أو هربوا

حكامنا إن تصدوا للحمى اقتحموا

وإن تصدى له المستعمر انسحبوا

هم يفرشون لجيش الغزو أعينهم

ويدّعون وثوبا قبل أن يثبوا

الحاكمون و(واشنطن) حكومتهم

واللامعون .. وما شعّوا ولا غربوا

القاتلون نبوغ الشعب ترضية

للمعتدين وما أجدتهم القرب

لهم شموخ (المثنى) ظاهرا ولهم

هوى إلى ( بابك ألخرمي) ينتسب

ماذا ترى يا (أبا تمام ) هل كذبت

أحسابنا ؟ أو تناسى عرقه الذهب ؟

عروبة اليوم أخرى لا ينمّ على

وجودها اسم ولا لون … ولا لقب

تسعون ألفا (لعمّوريّة) اتقدوا

وللمنجم قالوا : إننا الشهب

قيل : انتظار قطاف الكرم ما انتظروا

نضج العناقيد .. لكن قبلها التهبوا

واليوم تسعون مليونا وما بلغوا

نضجا .. وقد عصر الزيتون والعنبُ

تنسى الرؤوس العوالي نار نخوتها

إذا امتطاها إلى أسياده الذنبُ

(حبيب) وافيت من صنعاء يحملني

نسر وخلف ضلوعي يلهث العربُ

ماذا أحدث عن صنعاء يا أبّتي ؟

مليحة عاشقاها : السُل والجربُ

ماتت بصندوق (وضّاح) بلا ثمن

ولم يمت في حشاها العشق والطربُ

كانت تراقب صبح البعث  فانبعثت

في الحلم .. ثم ارتمت تغفو وترتقبُ

لكنها رغم بخل الغيث ما برحت

حبلى وفي بطنها (قحطان) أو (كربُ)

وفي أمسى مقلتيها يغتلي (يمن)

ثان كحلم الصبا … ينأى ويقتربُ

(حبيب) تسأل عن حالي وكيف أنا ؟

شبّابّة في شفاه الريح تنتحبُ

كانت بلادك (رحلا) ، ظهر (ناجية)

أما بلادي فلا ظهر ولا غيبُ

أرعيت كل جديب لحم راحلةٍ

كانت رعتهُ وماء الروض ينسكبُ

ورحت من سفر مضن إلى سفر

أضنى .. لأن طريق الراحة التعبُ

لكن أنا راحل في غير ما سفر

رحلي دمي .. وطريقي الجمر والحطبُ

إذا امتضيت ركابا للنوى فأنا

في داخلي .. أمتطي ناري وأغتـربُ

قبري مأساة ميلادي على كتفي

وحـولي العدم المنفوخ والصخـبُ

(حبيب) هذا صداك اليوم أنشده

لكـن لماذا ترى وجهي وتكتئـبُ ؟

ماذا ؟ أتعجب من شيبي على صغري ؟

إني ولدت عجوزا .. كيف تعتجبُ؟

واليوم أذوي وطيش الفن يعزفني

والأربعـــون على خدي تلتهبُ

كذا إذا ابيضّ إيناع الحياة على

وجه الأديب أضاء الفكر والأدبُ

وأنت من شبت قبل الأربعين على

نار (الحماسة) تجلوها وتنتحبُ

وتجتدي كلذ لصّ مترف هبة

وأنت تعطيه شعرا فوق ما يهبُ

شرّقت غرّبت من (وال) إلى (ملك)

يحثك الفقر .. أو يقتادك الطلبُ

طوّفت حتى وصلت (الموصل) انطفأت

فيك الأماني ولم يشع لها أربُ

لكن موت المجيد الفذ بيدأه

ولادة من صباها ترضع الحقبُ

(حبيب) ما زال في عينيك أسئلة

تبدو .. وتنسى حكاياها فتنتقبُ

وما تزال بحلقي ألف مبكية

من رهبة البوح تستحيي وتضطربُ

يكفيك أن عدانا أهدروا دمنا

ونحن من دمنا نحسو ونختلبُ

سحائب الغزو تشوينا وتحجبنا

يوما ستحبل من إرعادنا السّحبُ ؟

ألا ترى يا ( أبا تمام ) بارقنا

( إن السماء ترجى حين تحتجبُ)

 


من أرض بلقيس

واحمل الذكرى من الماضي كما

يحمل أمانيه الجساما

هات ردّد ذكريات النور في

فنّك الأسمى و لقّنها الدّواما

ذكريات تبعث المجد كما

يبعث الحسن إلى القلب الغراما

فارتعش يا وتر الشعر وذب

في كئوس العبقريّات مداما

و تنقّل حول مهد المصطفى

وانشد المجد أغانيك الرّخاما

زفّت البشرى معانيه كما

زفّت الأنسام أنفاس الحزاما

و تجلّى يوم ميلاد الهدى

يملأ التاريخ آيات عظاما

واستفاضت يقظة الصحرا على

هجعة الأكوان بعثا وقياما

و جلا للأرض أسرار السما

و تراءى في فم الكون ابتساما

جلّ يوم بعث الله به

أحمدا يمحو عن الأرض الظلاما

و رأى الدنيا خصاما فاصطفى

أحمدا يفني من الدنيا الخصاما

" مرسل " قد صاغه خالقه

من معاني الرسل بدءا و ختاما

قد سعى – و الطرق نار و دم –

يعبر السهل و يجتاز الأكاما

و تحدّى بالهدى جهد العدا

و انتقضى للصارم الباغي حساما

نزل الأرض فأضحت جنّة

و سماء تحمل البدر التماما

و أتى الدنيا فقيرا فأتت

نحوه الدنيا و أعتطه الزّماما

و يتيما فتبنّته السّما

و تبنّى عطفه كلّ اليتامى

و رعى الأغنام بالعدل إلى

أن رعى في مرتع الحق الأناما

بدويّ مدّن الصحرا كما

علّم الناس إلى الحشر النظاما

و قضى عدلا و أعلى ملّة

ترشد الأعمى و تعمي من تعامى

نشرت عدل التساوي في الورى

فعلا الإنسان فيها و تسامى

يا رسول الحقّ خلّدت الهدى

و تركت الظلم و البغي حطاما

قم تجد الكون ظلما محدثا

قتل العدل و باسم العدل قاما

و قوى تختطف العزل كما

يخطف الصقر من الجوّ الحماما

أمطر الغرب على الشرق الشّقا

و بدعوى السلم أسقاه الحماما

فمعاني السلم في ألفاظه

حيل تبتكر الموت الزؤاما

يا رسول الوحدة الكبرى و يا

ثورة و سّدت الظلم الرغاما

خذ من الأعماق ذكرى شاعر

و تقبّلها صلاة و سلاما

 


فلسفة الفن

لا تقل ما دمع فنّي

لا تسل ما شجو لحني

منك أبكي و أغنّيك

فما يؤذيك منّي

سمّني إن شئت نوّحا

و إن شئت مغنّي

فأنا حينا أعزّيك

و أحيانا أهنّي

لك من حزني الأغاريد

و من قلبي التمنّي

أنا أرضي الفنّ لكن

كيف ترضي أنت عنّي

كلّ ما يشجيك يبكيني

و يضني و يعنّي

فاستمع ما شئت و اتركني

كما شئت أغنّي

لا تلمني إن بكى قلبي

و غنّاك بكايا

لا تسلني ما طواني

عنك في أقصى الزوايا

ها أنا وحدي و ألقاك

 هنا بين الحنايا

ها هنا حيث ألاقيك

طباعا و سجايا

حيث تهوي قطع الظلما

كأشلاء الضحايا

و تطلّ الوحشة الخرسا

 كأجفان المنايا

و الدجى ينساب في الصمت

كأطياف الخطايا

و السكون الأسود الغافي

 كأعراض البغايا

و أنا أدعوك في سرّي

و أحلامي العرايا

يا رفيقي في طريق العمر

في ركب الحياة

أنت في روحيّتي روح

و ذات ملء ذاتي

جمعتنا وحدة العيش

وتوحيد الممات

عمرنا يمضي و عمر

من وراء الموت آتي

نحن فكران تلاقينا

على رغم الشتات

نحن في فلسفة الفنّ

كنجوى في صلاة

أنا كأس من غنى الشوق

 ودمع الذكريات

فاشرب اللّحن ودع في

الكأس دمع الموجعات

هكذا تصبو كما شاءت

 و تبكي أغنياتي

يا رفيقي هات أذنيك

و خذ أشهى رنيني

من شفاه الفجر أسقيـك

 و خمر الياسمين

من معين الفنّ أرويـك

 ولم ينضب معيني

لك من أنّاتي اللّحن

و لي وحدي أنيني

و لك التغريد من فنّي

و لي جوع حنيني

هل أنا في عزلة الشعر

كأشواق السجين

حيث ألقاك هنا في خاطر

 الصمت الحزين

في أغاني الشوق في الذكرى

و في الحبذ الدفين

في الخيالات و في شكوى

الحنين المستكين

 


نحن و الحاكمون

أخي ؛ صحونا كلّه مآتم

و إغفاؤنا ألم أبكم

فهل تلد النور أحلامنا

كما تلد النور الزهرة البرعم ؟

و هل تنبت الكرم وديانا

و يخضرّ في كرمنا الموسم ؟

و هل يلتقي الريّ و الظامئون

 ؛ و يعتنق الكأس و المبسم ؟

لنا موعد نحن نسعى إليه

و يعاتاقنا جرحنا المؤلم

فنمشي على دمنا و الطريق ؛

يضيّعنا و الدجى معتم

فمنّا على كلّ شبر نجيع ؛

تقبله الشمس و الأنجم

سل الدرب كيف التقت حولنا

ذئاب من الناس لا ترحم

و تهنا و حكّمنا في المتاه

سباع على خطونا حوّم

يعيثون فينا كجيش المغول

و أدنى إذا لوّح المغنم

فهم يقتنون ألوف الألوف

و يعطيهم الرشوة المعدم

و يبنون دورا بأنقاض ما

أبادوا من الشعب أو هدّموا

أقاموا قصورا مداميكها

لحوم الجماهير و الأعظم

قصورا من الظلم جدرانها

جراحاتنا أبيض فيها الدم

أخي إن أضاءت قصور الأمير

فقل : تلك أكبادنا تضرم

وسل ؛ كيف لنّا لعنف الطغاة

فعاثوا هنا و هنا أجرموا ؟

فلا نحن نقوى على كفّهم

و لا هم كرام فمن ألوم ؟

إذا نحن كنّا كرام القلوب ؛

فمن شرف الحكم أن يكرموا

و إن ظلمونا ازدراء بنا

فأدنى الدناءات أن يظلموا

و إن أدمنوا دمنا فالوحوش

تعب النجيع و لا تسأم

و إن فخروا بانتصار اللئام

فخذلاننا شرف مرغم

و سائلنا فوق غاياتهم

و أسمى ، و غاياتنا أعظم

فنحن نعفّ و هل إن رأوا

لأدناسهم فرصة أقدموا

و إن صعدوا سلّما للعروش

فأخزى المخازي هو السّلّم

و ما حكمهم جاهليّ الهوى ؟

تقهقه من سخفه الأيّم

و أسطورة من ليالي " جديس "

رواها إلى " تغلب " " جرهم "

و مطمعهم رشوة و الذباب أكول

إذا خبث المطعم

رأوا هدأة الشعب فاستذأبوا

على ساحة البغي و استضغموا

و كلّ جبان شجاع الفؤاد ؛

عليك ؛ إذا أنت مستسلم

و إذعاننا جرّأ المفسدين

علينا و أغراهم المأثم

أخي نحن شعب أفاقت مناه

و أفكاره في الكرى تحلم

و دولتنا كلّ ما عندها

يد تجتني وحشى يهضم

و غيد بغايا لبسن النضار

كما يشتهي الجيد و المعصم

و سيف أثيم يحزّ الرؤوس

و قيد و معتقل مظلم

و طغيانها يلتوى في الخداع

كما يلتوي في الدجى الأرقم

و كم تدّعي عفّة والوجود

بأصناف خسّتها مفعم !

و آثامها لم تسعها اللّغات

ولم يحو تصويرها ملهم

أنا لم أقل كلّ أوزارها

تنزّه قولي و عفّ الفم

تراها تصول على ضعفنا

و فوق مآتمنا تبسم

و تشعرنا بهدير الطبول

على أنّها لم تزل تحكم

و تظلم شعبا على علمه

و يغضبها أنّه يعلم

و هل تختفي عنه و هي التي

بأكباد أمّته تولم ؟

و أشرف أشرافها سارق

و أفضلهم قاتل مجرم

عبيد الهوى يحكمون البلاد

و يحكمهم كلّهم درهم

و تقتادهم شهوة لا تنام

و هم في جهالتهم نوّم

ففي كلّ ناحية ظالم

غبيّ يسلّطه أظلم

أيا من شعبتم على جوعنا

و جوع بنينا . ألم تتخموا ؟

ألم تفهموا غضبة الكادحين

على الظلم ؟ لا بدّ أن تفهموا ؟

 


أخر جديد

مولاتي ، يا أحلى الأحلى

عندي لك ، أخبار عجلى

قالوا عن ؟(حورية) أمتلئت

فتنا ، أغلى ما في الأغلى

نهداها : كبر شموخهما

خدّاها ، نظرتها ، النجلا

أنّى خطرت ، لبست حقلا

من غزل ، وانتعلت حقلا !

فهنا وهناك ، لمشيتها

تأريخ ، يستهوي النحلا

أملاه يوما منطعف

والريح ، اعادت ما أملى

(وثريا) اجنت ، وحواها

عشّ ، فاخضوضر واخضلا

وحكى عن(مريم)جيرتها

ميعادا ، ولقاء نذلا

حتى عرّاها إخوتها

من اكفان الحسب الأعلى

وانحلت عن ((يحى)) قمر

واستهوت مطلاقا كهلا

لكن ، أأقصّ لغاليتي

من آخر أخباري فصلا

إني وحدي ، والبرد على

أنقاضي ، يسقط كالقتلى

أجتر الطين ، وأعزفه

وأغنّي ، للريح الشكلى

بالأمس ، شدا المذياع ، هنا

فشممتك ، اغنية جذلى

وكزهر الرمّان اختلجت

شفتاك ، وخفّتك الخجلى

وتناغى الطيب ، كعزّاف

ولدت قيثارته الحبلى

وكأن لقاء يحضننا

أرجو ، فتجيدين البذل

واليوم ، تقمّصني قلق

مجنون، لم يعرف منهلا

فتقاذفني التّجوال كما

تستاق العاصفة الرملا

فعبرت زقاقا مأهولا

وزقاقا ، هرما منحلا

وترابا ينسج أقنعة

لوجوه لم تحمل شكلا

وطريقا سمحا أسلمني

لمضيق يلتحف الوحلا

وإلى سوق في آخره

منعطف ينشدني أهلا

وسـألت هنالك (فلفلة)

عن دارك فادّعت الجهلا

أولا تدرين ، تلقاني

عبق ، من شرفتك انهلا

وهناك جثوت ، أعبّ صدى

حيّا ، واعيد صدى ولى

وإخال الممشى يسترخي

ويلحن خطرتك الكسلى

فأصيخ ، إلى ما لا أدري

وأضم ، الهرة والطفلا

ورآني الباب ، فمد على

كتفيّ ، الخضرة والظّلاّ

وحكى لي ، كيف تلاقنا

في تلك الأمسية الكحلى

ومتى تأتين ؟ أيخبرني ؟

وتلعثم ، بالخبر الأجلى

والآن ، رجعت ، كما تسري

في الغاب ، القافلة العزلا

هذا ما جدّ ، ولا أدري

ماذا سيجدّ ، وما يبلى

 


بشرى النبوءة

بشرى من الغيب ألقت في فم الغار

وحيا و أفضت إلى الدنيا بأسرار

بشرى النبوّة طافت كالشذى سحرا

و أعلنت في الربى ميلاد أنوار

وشقّت الصمت و الأنسام تحملها

تحت السكينه من دار إلى دار

وهدهدت " مكّة " الوسنى أناملها

و هزّت الفجر إيذانا بإسفار

فأقبل الفجر من خلف التلال و في

عينيه أسرار عشاق و سمار

كأنّ فيض السنى في كلّ رابية

موج و في كلّ سفح جدول جاري

تدافع الفجر في الدنيا يزفّ إلى

تاريخها فجر أجيال و أدهار

واستقبلت طفلا في تبسّمه

آيات بشرى و إيماءات إنذار

و شبّ طفل الهدى المنشود متّزرا

بالحقّ متّشحا بالنور و النار

في كفّه شعلة تهدي و في فمه

بشرى و في عينه إصرار أقدار

وفي ملامحه وعد و في دمه

بطولة تتحدّى كلّ جبّار

وفاض بالنور فاغتم الطغاة به

و اللّصّ يخشى سطوع الكوكب الساري

والوعي كالنور يخزي الظالمين كما

يخزي لصوص الدجى إشراق أقمار

نادى الرسول نداء العدل فاحتشدت

كتائب الجور تنضي كلّ بتّار

كأنّها خلفه نار مجنّحة

تعدو قدّامه أفواج إعصار

فضجّ بالحقّ و الدنيا بما رحبت

تهوي عليه بأشداق و أظفار

وسار والدرب أحقاد مسلّخة

كأنّ في كلّ شبر ضيغما ضاري

وهبّ في دربه المرسوم مندفعا

كالدهر يقذف أخطار بأخطار

فأدبر الظلم يلقي ها هنا أجلا

و ها هنا يتلقّى كفّ .. حفّار

و الظلم مهما احتمت بالبطش عصبته

فلم تطق وقفة في وجه تيّار

رأى اليتيم أبو الأيتام غايته

قصوى فشقّ إليها كلّ مضمار

وامتدّت الملّة السمحا يرفّ على

جبينها تاج إعظام و إكبار

مضى إلى الفتح لا بغيا و لا طمعا

لكنّ حنانا و تطهيرا لأوزار

فأنزل الجور قبرا وابتنى زمنا

عدلا .. تدبّره أفكار أحرار

يا قاتل الظلم صالت هاهنا و هنا

فظايع أين منها زندك الواري

أرض الجنوب دياري و هي مهد أبي

تئنّ ما بين سفّاح و سمسار

يشدّها قيد سجّان و ينهشها

سوط .. ويحدو خطاها صوت خمّار

تعطي القياد وزيرا وهو متّجر

بجوعها فهو فيها البايع الشاري

فكيف لانت لجلّاد الحمى " عدن "

وكيف ساس حماها غدر فجّار ؟

وقادها وعماء لا يبرّهم

فعل و أقوالهم أقوال أبرار

أشباه ناس و خيرات البلاد لهم

يا للرجال و شعب جائع عاري

أشباه ناس دنانير البلاد لهم

ووزنهم لا يساوي ربع دينار

و لا يصونون عند الغدر أنفسهم

فهل يصونون عهد الصحب و الجار

ترى شخوصهم رسميّة و ترى

أطماعهم في الحمى أطماع تجّار

أكاد أسخر منهم ثمّ تضحكني

دعواهم أنّهم أصحاب أفكار

يبنون بالظلم دورا كي نمجّدهم

و مجدهم رجس أخشاب و أحجار

لا تخبر الشعب عنهم إنّ أعينه

ترى فظائعهم من خلف أستار

الآكلون جراح الشعب تخبرنا

ثيابهم أنّهم آلات أشرار

ثيابهم رشوة تنبي مظاهرها

بأنّها دمع أكباد و أبصار

يشرون بالذلّ ألقابا تستّرهم

لكنّهم يسترون العار بالعار

تحسّهم في يد المستعمرين كما

تحسّ مسبحة في كفّ سحّار

ويل وويل لأعداء البلاد إذا

ضجّ السكون وهبّت غضبة الثار !

فليغنم الجور إقبال الزمان له

فإنّ إقباله إنذار إدبار

و الناس شرّ و أخيار و شرّهم

منافق يتزيّا زيّ أخيار

و أضيع الناس شعب بات يحرسه

لصّ تستره أثواب أحبار

في ثغره لغة الحاني بأمّته

و في يديه لها سكّين جزّار !

حقد الشعوب براكين مسمّمة

وقودها كلّ خوّان و غدّار

من كلّ محتقر للشعب صورته

رسم الخيانات أو تمثال أقذار

وجثّة شوّش التعطير جيفتها

كأنّها ميته في ثوب عطّار

بين الجنوب و بين العابثين به

يوم يحنّ إليه يوم " ذي قار "

يا خاتم الرسل هذا يومك انبعثت

ذكراه كالفجر في أحضان أنهار

يا صاحب المبدأ الأعلى ، و هل حملت

رسالة الحقّ إلاّ روح مختار ؟

أعلى المباديء ما صاغت لحاملها

من الهدى و الضحايا نصب تذكار

فكيف نذكر أشخاصا مبادئهم

مباديء الذئب في إقدامه الضاري ؟ !

يبدون للشعب أحبابا و بينهم

و الشعب ما بين طبع الهرّ و الفار

مالي أغنّيك يا " طه " و في نغمي

دمع و في خاطري أحقاد ثوّار ؟

تململت كبرياء الجرح فانتزفت

حقدي على الجور من أغوار أغواري

يا " أحمد النور " عفوا إن ثأرت ففي

صدري جحيم تشظّت بين أشعاري

" طه " إذا ثار إنشادي فإنّ أبي

" حسّان " أخباره في الشعر أخباري

أنا ابن أنصارك الغرّ الألى قذفوا

جيش الطغاة بجيش منك جرّار

تظافرت في الفدى حوليك أنفسهم

كأنّهنّ قلاع خلف أسوار

نحن اليمانين يا " طه " تطير بنا

إلى روابي العلا أرواح أنصار

إذا تذكّرت " عمّارا " و مبدأه
فافخر بنا : إنّنا أحفاد " عمّار "
" طه " إليك صلاة الشعرر ترفعها
روحي و تعزفها أوتار قيثار
 

الغزو من الداخل

فظيع جهل ما يجري

وأفظع منه أن تدري

وهل تدرين يا صنعاء

من المستعمر السّري

غزاة لا أشاهدهم

وسيف الغزو في صدري

فقد يأتون تبغا في

سجائر لونّها يغري

وفي صدقات وحشي

يؤنس وجهه الصخري

وفي أهداب أنثى ، في

مناديل الهوى القهري

وفي سروال أستاذ

وتحت عمامة المقري

وفي أقراص منع الحمل

في أنبوبة الحبر

وفي حريّة الغثيان

في عبثيّة العمر

وفي عود احتلا الأمس

في تشكيله العصري

وفي قنيّنة الويسكي

وفي قارورة العطر

ويستخفون في جلدي

وينسلون من شعري

وفوق وجوههم وجهي

وتحت خيولهم ظهري

غزاة اليوم كالطاعون

يخفى وهو يستشري

يحجر مولد الآتي

يوشيّ الحاضر المزري

فظيع جهل ما يجري

وأفظع منه أن تدري

يمانيّون في المنفى

ومنفيّون في اليمن

جنوبيّون في (صنعاء)

شماليّون في (عدن)

كالأعمام والأخوال

في الإصرار والوهن

خطى (أكتوبر) انقلبت

حزيرانيّة الكفن

ترقّى العار من بيع

إلى بيع بلا ثمن

ومن مستعمر غاز

إلى مستعمر وطني

لماذا نحن يا مربى

ويا منفى بلا سكن

بلا حلم بلا ذكرى

بلا سلوى بلا حزن ؟

يمانيّون يا (أروى)

ويا (سيف بن ذي يزن)

ولكنّا برغمكما

بلا يمن بلا يمن

بلا ماض بلا آت

بلا سرّ بلا علّن

أيا (صنع) متى تأتين ؟

من تابوتك العفن

تسألني أتدري ؟ فات قبل مجيئه زمني

متى آتي ألا تدري

إلى أين انثنت سفني

لقد عادت من الآتي

إلى تاريخها الوثني

فظيع جهل ما يجري

وأفظع منه أن تدري

شعاري اليوم يا مولاي

نحن نبات إخصابك

لأن غناك اركعنا

على أقدام أحبابك

فألّهناك قلنا : الشمس

من أقباس أحسابك

فنم يا (بابك الحرمي)

على (بلقيس) يا (بابك)

ذوائبها سرير هواك

بعض ذبول أربابك

وبسم الله ـ جلّ الله ـ نحسو كأس أنخابك

أمير النّفط نحن يداك

نحن أحدّ أنيابك

ونحن القادة العطشى

إلى فضلات أكوابك

ومسئولون في (صنع)

وفرّاشون في بابك

ومن دمنا على دمنا

تموقع جيش إرهابك

لقد جئنا نجرّ الشّعب

في أعتاب أعتابك

ونأتي كلّما تهوى

نمسّح نعل حجابك

ونستجديك ألقابا

نتوجها بألقابك

فمرنا كيفما شاءت

نوايا ليل سردابك

نعم يا سيّد الأذناب

إنّا خير أذنابك

فظيع جهل ما يجري

وأفظع منه أن تدري

 


رائد الفراغ

طاو ، يريد بلا اراده

ظمآن ، يجترع اتّقاده

هيمان ، تركض فيه أشواق

الجنين ، إلى الولاده

فيفتّش الأطياف ، عن ايماء

قرط أو قلاده

عن وعد باذلة تجود

فيستزيد ألي الزّياده

لفتاتها لحنّ، تتوق اليه

أخيلة الأجاده

ويسائل الأشباح من أعصي، ومن أدنى قياده؟

من أملأ الجارات، من أشهى، يحوم بكل غاده

ويغيب في حمّى السّهاد، يعيد كارثة سعاده

وكما يقدّر يرتمي

في دفء(تقوى) أو(سعاده)

ويمد زنديه، ويهصر

من يظنّ بلا هواده

ويمور حتى يشتكي

قلق الفراش ألي الوساده

ويعود يغفو ، أو يحرّق

في ندامته ، سهاده

حتى أطلّت ليلة

معطأة الأيدي، جواده

منحّته من رعد المواسم

فوق أحلام الرّغاده

وعلى صبيحتها دهته

صيحة ، وأدت رقاده

ضاعف كراء البيت ، أودعته

… أتحرمني الإفاده ؟

ماذا يقول (لمدفن)

ورث الغبارة والسّياده

ذهبت ملامح وجهه

وتجلمدت فيه البلاده

من أين يعطي من قطعت

سبيله ، وحكرت زاده

حسنا ، سأتركه ، أضفه

إلى مبانيك المشاده

وانجز يرتاد الفراغ

ويطعم الشوك ارتياده

والريح تبصقه ، وتصفع

في ملامحه بلاده

 


أسمار القرية

من صدى البيد ، والشعاب الحواشد

بالمهاوي والضاربات السواهد

من مدى الموت حين تحمرّ فيها

شهوة الدود والقبور الزوارد

من لياليه حين مس( عليا)

ليلة العرس أنه شرّ وافد

أو أتى مرشدا فأومى إليه

صاحباه أن الضحيّة راشد

من صخور جلودهن حراب

وكهوف عيونهن مواقد

حيث للريح والتلال عروق

من أفاع من سواعد

وعلى المنحنى تمدّ ((صياد))

للأذلاء حائطا من أساود

ولها حافرا حمار وتبدو

مرأة ، قد تزوجت ألف مارد

من ركوب السّرى على كل قفر

لم ترده حتى خيالات رائد

والليالي على اكف العفاريت

نعوش ، ذوا هب وعوائد

من قوى البأس قصة تلو أخرى

تصرع الوحش قبل نهضة قاعد

من سؤال عن الحجاز وردّ

عن غلاء الكساء و((التبن)) كاسد

من خصام بين الأقارب في الوادي،

وحرب في التلّ بين الأباعد

من تثني المراتع الخضر تومي

بالأغاني للراعيات النواهد

من متاه الظنون تستجمع الأسمار،

شعث الرؤى وفوضى المشاهد

بين جدرانها ركام الحكايا

من جديد القرى وأكفان تالد

وتجاعيد الشعوذات عليها

كرفاة تقيأتها الوراقد

وعلى كل بوحها وصداها

تتنادى زواحف ورواكد

تجمع القرية الشتات فتحوي

أمسيات من عاصفات الفدافد

وسيولا من الفراغ المدوّي

أسهلت فوقها بطون الروافد

وغناء كخفق بيت من القش

تعاوت فيه الريّاح الشدائد

وبخورا وشاديا من جليد

ونداء : كم في الصلاة فوائد

يحشر السّمّر الضجيع عليها

من شظايا نعش السنين البوائد

يتلاقيان كلّما حشرج الطبل

وأعلى الدخان ريح الموائد

فيقصّون كيف طار ( بن علوان)

وماذا حكى ( علي بن زائد) ؟

عن مدار النجوم وهي وعيد

عن فم الغيب أو بريق المواعد

عندما تسبل الثريّا عشاء

عقدها تحبل السحاب الخرائد

وإذا الغرب واجه الصيف بالأرياح

باعت عيالها ( أمّ قائد)

ويعودون يغزلون من الرمل ،

ودود البلى ، علاوق المحامد

فيلوكون معجزات (فقيه)

يحشد الجنّ والظلام يشاهد

ومزايا قوم يصلّون في الظهر

وفي الليّل بسرقون المساجد

وحكايا تطول عن بائعات الخبز

كم في حديثهن مكايد

عن بنات القصور يقطرن طيبا

كرواب من الورود الفرايد

أو كصيف أجاد نضج العطايا

أو ربيع في البرعم الطفل واعد

شعرهن انثيال فجر خجول

ظلّه في عيونهن مراود

كلّهن استمحنهم فتأبّت

حكمة الطين فيهم أن تساعد

ويتوبون يستعذبون بالله

لأن الإناث نبع المفاسد

ويودّون لو يعود زمان

كان ثرّ الجنى عميم الموارد

ويسبّون حجة طوت الزاد

فلاك الفراغ جوع المزاود

وتناءت أسمارهم وتدانت

مثلما تختفي الرؤى وتعاود

والتقو ليلة عجوزا توارت

في أخاديدها النجوم الخوامد

فابتدوا ثرثراتهم وأعادوا

ما ابتدوا من رواسب وزوائد

وعلى صمتهم تهيأ شيخ

مثلما تخفق الطيوف الشوارد

فحكى قصة تململ فيها

كل حرف ، كأنه قلب حاقد

وتعالى فيها النجح بالثأر

فهاجت مستنقعات العوائد

وتنادوا .. لبّيك يا عم هيّا

كلنا سائرون لا عاد واحد

انها ساعة اليهم فكرّوا

عميت عنكمو العيون الحواسد

واشرابت بيوتهم تلمح الشهب

دما في ملامح الأفق جامد

وتعايا فيها النعاس تعابي

طائر موثق الجناحين بارد

ومع الفجر ساءل السفح عنهم

جدولا ، في ترقب الفجر ساهد

فرآه يهفو ، يمد ذراعيه

ويومي لها بأهداب عابد

وارتمى يحتسي عبير خطاها

ويعاني وخز الحصى ويكابد

ودنت فالتوى على صبح ساقيها

يناغي ويجتدي ويراود

من أتته ؟ فلاحة مشطها الشّمس

عليها من الشروق قلائد

وقميص من النّدى ماج فيه

موسم ، نابض الأفانين مائد

وانثنت مثلما يميس عمود

زنبقي تشتمّ أخبار (قائد)

وعلى فجأة تلقت خطاها

من غبار الصدى ، غيوم رواعد

أي شيء جرى ؟ وتصغي وتعدو

وتداري ، نشيجها فيعاند

وترامت مناحة القرية الثكلى

كما يزخر انفجار الجلامد

ودنت من ترى ؟ أبا طفلتيها

وهو جذع من الجراحات هامد

وعجوزا تبكي وحيدا وأطفالا

كزغب الحمام يبكون والد

وجريحا يصيح أين يدايا ؟

أين رجلايا ؟ هنّ ما كنت واجد

وشقيقاته يمتن النياعا

ويهن له القلوب ضمائد

يرتمي يرتمين يجثو فينصبن

له من صدورهن وسائد

وعواء النجيع في السّاح يدوي

يذهب الحاقدون والحقد خالد

أحمق الحمق أن تصير الكرهات

تراثا ، أو يستحلن عقائد

وعلى إثر من مضواعات الأسمار

تحيا على أصول القواعد

وتباهي : أردوا صغيرين منّا

وقتلنا منهم ثلاثين ماجد

وتعيد الذي اعادت دهورا

من صدى البيد الشعاب الحواشد

 


إبن السبيل
سار والدرب ركام من غباء

كل شبر فيه شيطان بدائي

كان يرتد ويمضي مثلما

تخبط الريح ، مضيقا من عناء

بين جنبيه ، جريح هارب

من يد الموت ، ومسلول فدائي

يصلب الخطو على ذعر الحصى

وعلى جذع مديد من شقاء

وعلى منعطف أو شارع

من دم الذكرى وأنقاض الرجاء

من يعي يسأله : أين أنا؟

ضاع قدامي ، كما ضاع ورائي

والى لا منتهى هذا السرى

في المتاهات ، ومن غير ابتداء

انني أخطو على شلوى وفي

وهوهات الريح ، أشتم دمائي

من يؤاويني ؟ ايصغي منزل

لو أنادي ، أو يعي أي خباء ؟

الممرات مغارات لها

وثبة الجن، وإجفال الظباء

وهناك الشهب غربان ، بلا

أعين ، تجتاز غيما لا نهائي

وهنا الشمس عجوز ، تحتسي

ظلّها ، تصبو إلى تحديق رائي

من دنا منسّي ؟ وكالطيف النوى

ونأى ، خلف خيالات التنائى

من وراء التلّ عنّت غابة

من أفاع ، وكهوف من عواء

وعيون ، كالمرايا ، لمعت

في وجوه ، من رماد وانحناء

انه حشد ، بلا اسم وجهه

خلفه مرآه تزوير الطلاء

من يرى ؟ أي زحام ودرى

انه يرنو إلى زيف الخواء ؟

وبلا زاد ولا درب مضى

كالخيالات الكسيحات الظماء

تخفق الأحزان ، في أهدابه

وتناغي ، كعصافير الشتاء

ينحني، يستفسر الاطراق من

وجهه الذاوي ، وعن باب مضاء

عن يد ، صيفية اللّمس وعر شرفة

جذلى ، وعن نبض غناء

وتأنت نجمة أرسى على

جفنها طيف ، خريفيّ الرّداء

فتملاها مليّا وارتدى

جوّ عينيه ، أصيلا من صفاء

والتظى برق ، تضنّى خلفه

ألف دنيا ، من ينابيع السخاء

وبلا وعي دنا ، من كوخه

كغريق ، عاد من حلق الفناء

فأحسّ الباب يلوي حوله

ساعدي شوق ، وحضنا من بكاء

اين من يسأله ، يخبره

عن مآسيه فيحنو أو يرائي؟

وجثا ، يحنو عليه منزل

سقفه الثلج ، وجدران المساء

وكما تنجرّ أمّ ضيّعت

طفلها ، يبحث عن أدنى غذاء

يجتدي الصمت نداء أو يدا

أو فما يفترّ ، أو رجع نداء

ويداري السّهد أو يرنو الى

ظلّه ، يختال في ثوب نسائي

فتعاطيه مناه أكؤسا

من دخان ، واحتضانا من هباء

تحتسي أنفاسه أمسية

عاقر ، تمتص ألوان الهواء

هل هنا لابن سبيل الريح من

موعد ؟ أو ها هنا دفء لقاء ؟

عاد من قفر دخاني ، الى

عامر ، أقفر من ليل العراء

وغدا يبتديء الأشواط من

حيث أنهاها ، إلى غير انتهاء

يقطع التيّه ، إلى التيه ، بلا

شوق أسفار ، ولا وعد انثناء

وبلا ذكرى ، ولا سلوى رؤى

وبلا أرض ، ولا ظل سماء

عمره دوّامة من زئبق

وسهاد ، وطريق من غباء

 


أثيم الهوى

جريح الإبا صامت لا يعي

و في صمته ضجّة الأضلع

و في صدره ندم جائع

يلوك الحنايا و لم يشبع

تهدّده صيحة الذكريات

 كما هدّد الشيخ صوت النعي

و يقذفه شبح مفزع

إلى شبح موحش مفزع

و يصغي و يصغي فلم يستمع

سوى هاتف اللإثم في المسمع

ولم يستمع غير صوت الضمير

يناديه من سرّه الموجع

فيشكو إلى من ؟ و ما حوله

سوى اللّيل أو وحشة المخدع

كئيب يخوّفه ظلمه

فيرتاع من ظلّه الأروع

و في كلّ طيف يرى ذنبه

فماذا يقول و ما يدّعي

فيملي على سرّه قائلا

أنا مجرم النفس و المطمع

أنا سارق الحبّ وحدي ! أنا

خبيث السقا قذر المرتع

هوت إصبعي زهرة حلوة

فلوّثت من عطرها إصبعي

توهّمتها حلوة كالحياة

 فكانت أمرّ من المصرع

أنا مجرم الحبّ يا صاحبي

فلا تعتذر لي فلم تقنع

و لا ، لا تقل معك الحبّ بل

جريمته و الخطايا معي

و مال إلى اللّيل و اللّيل في

نهايته و هو لم يهجع

و قد آن للفجر أن يستفيق

و ينسلّ من مبسم المطلع

و كيف ينام " أثيم الهوى "

و عيناه و السهد في موضع

هنا ضاق بالسهد و الذكريات

وحنّ إلى الحلم الممتع

فألقى بجثّته في الفراش

 كسير القوى ذابل المدمع

ترى هل ينام وطيف الفجور

 ورائحة الإثم في المضجع ؟

و في قلبه ندم يستقي

دماه و في حزنه يرتعي

و في مقلتيه دموع و في

حشاه نجيب بلا أدمع

فماذا يلاقي و ماذا يحسّ

و قد دفن الحبّ في البلقع

و عاد و قد أودع السرّ من

حناياه في شرّ مستودع

فماذا يعاني ؟ ألا إنّه

جريح الإبا صامت لا يعي

 


أحزان.. وإصرار

شوطنا فوق احتمال الاحتمال

فوق صبر الصبر .. لكن لا اتخذال

نغتلي .. نبكي .. على من

سقطوا إنما نمضي لإتمام المجال

دمنا يهمي على أوتارنا

ونغنّي للأماني بانفعال

مرة أحزاننا .. لكنهـا

 يا عذاب الصبر .. أحزان الرجال

نبلّع الأحجار .. ندمى إنما

نعزف الأشواق … تشدو للجمال

ندفن الأحباب … نأسى إنما

نتحدى … نحتذي وجه المحال

مذّ بدأنا الشوط .. جوهرنا الحصى

بالدم الغالي وفردسّنا الرمال

وإلى أين .. ؟ غرفنا المبتدى

والمسافات ـ كما ندري ـ طوال

وكنيسان انطلقنا في الذّرى

نسفح الطيب يمينا وشمال

نبتي لليمين النشود من

سهدنا جسرا وندعوه : تعال

وانزرعنا تحت أمطار الفناء

شجرا ملء المدى … أعيّا الزوال

شجرا يحضن أعماق الثرى

ويعير الريح أطراف الظّلال

واتّقدنا في حشى الأرض هوى

وتحوّلنا حقولا … وتلال

مشمشا .. بنا .. ورودا .. وندى

وربيعا … ومصيفا وغلال

نحن هذي الأرض .. فيها نلتظي

وهيّ فينا عنفوان واقتتال

من روابي لحمنا هذي الربى

من ربى أعظمنا هذي الجبال

ليس ذا بدء التلاقي بالردى

قد عشقناه وأضنانا وصال

وانتقى من دمنا عمتّه

واتخذنا وجهه الناري نعال

نعرف الموت الذي يعرفنا

مسنّا قتلا … ودسناه قتال

وتقحمنا الدّواهي صورا

أكلت منّا … أكلناها نضال

موت بعض الشّعب يحيي كلّه

إنّ بعض النقص روح الاكتمال

ها هنا بعض النّجوم انطفأت

كي تزيد الأنجم الأخرى اشتعال

تفقد الأشجار من أغصانها

ثمّ تزداد اخضرارا واخضلال

إنما … يا موت .. هل تدري متى

ترتخي فوق سرير من ملال ؟

في حنايانا سؤال … ما له

من مجيب … وهو يغلي في اتصال

ولماذا ينطفي أحبابنا

قبل أن يستنفد الزيت الذبال ؟

ثمّ نسى الحزن بالحزن ومن

يا ضياع الردّ ـ ينسينا السؤال ..؟

 


أصيل القرية

تدلّى كمزرعة من شرر

معلقة ، بذيول القمر

وحسام ، كغاب من الياسمين ،

تندّى على ظلّه واستعر

فمالت تودّعه ، ربوة

وتهتز ، كاللهب المحتضر

كحسناء عرّى العتاب الخجول ،

هواها وبالبسمات استتر

تعابثه ، وتباكى الطيور

وتستعبر الرابيات الأخر

ومدّت له القرية الهينمات

كلغو الرؤى كاصطخاب (التّتر)

وأعلت له ، جوفة من دخان

ومعزوفة ، من خوار البقر

فرفّ ، كأجنحة ، من نضّار

كأردية ، من دموع النهر

وعرّاء ، صحو المدى ، فارتدى

لهيب ذوائبه ، واتّزر

تهادي ، يجمع من كلّ أفق

صدى عمره ، ولهاث البشر

ويحبو كموج يمد … يديه

إلى شاطىء من مزاح القدر

وأرسى على كتفيّ شاهق

كأرجوحة ، من ذهول الفكر

يلملم من جمرتي مقلتيه

حبالا ، يخيط شراع السّفر

ويجبل آثار أقدامه

أباريق حب ، ونجوى سهر

واغضى ، فمنادى الرواح الرعاة ،

فعادوا اثنى ، وتوالو ا زمر

وناشت خطاهم هدوء التراب

ورعش الكلا ، وسكون الحجر

ونقّر خطو القطيع الحصى

كما ينقر السقف وقع المطر

وشدّ الرعاة ، إلى الراعيات

شباب المنى ، وملاهي الصغر

وكانت (غزال) غناء الرعاة

وصيف الربى ، وشذا المنحدر

مآرزها ، من رنوّ الحقول

إليها ، ومن قبلات النّهر

وقامتها ، من عمود الصبّاح

ذوائبها ، من خيوط السّحر

وكانت تماشي (مثنّى صلاح)

وتقرأ في وجه (تقوى) الأثر

ولمّا دنا الحيّ ضجّت (سعاد)

أضاع (حسين) الخروف الأغر

فمن من رآه ؟ تعالوا نعد

مواشينا ، قبل تيه النظر

ولما أتمّوا ، حكت (وردة)

و(فرحان) عن كل واد خبر

فأخبر : أين ذوى مرتع ؟

وأين زكا مرتع وازدهر؟

وفي أي شعب ، تمدّ الذئاب

حلاقمها ، من وراء الحذر

ومرّوا كحقل ، تلم الريّاح

وريقاته ، وتميل الثّمر

كقيثار هاو ، دؤوب ، يلحّ

على وتر ، ويدمّي وتر

وأدمى الوداع ، نداء العيون

ولوّن ظلّ الغروب الخفر

وحيّا فم القرية العائدين

ونادى ممرّ ، ولبّى ممر

وأخفى (عليا) مضيق طويل

ووراى (ثقى) شارع مختصر

ودارت ثوان ، فران السكون

ينوع ، بالذكريات السّمر

ففي مسمر ، ذكريات (مريم)

أباها ، وناحت كيوم انتحر

وفيمسمر بث ( سعد) أباه

شجون الزواج ، وأغضى البصر

وثرثر في كل بيت حديث

وأحزن كلّ حديث وسر

(فأم ثريا) تفوق الرجال

وتوجى أمرّ … وأحلى الذكر

فكيف تجلّت مساء الزفاف

وفي الصبح ، مات أبوها الأبر

(وأم علي) تربّي الدّجاج

تكدح خلف ارتعاش الكبر

ترقع أسمال أطفالها

وتحسو عروق يديها … الإبر

(وحسّان) خان غرور البنات

به ، وانتقى : أمّ إحدى عشر

وباع (رجا) اخته في (الرياض)

بألفين ، للتاجر المعتبر

ومات (ابن سرحان) يوما وعاد

يخبر جيرانه ، عن سقر

وأصغى السكون ، إلى كل بيت

كحيران ، ينوى وينسى الوطر

وأغفى رفاق الهوى والقطيع

على موعد الملتقى ، المنتظر

وليلتهم ذكريات وحلم …

كلمع الندى ، في اخضرار الشجر

طيوف ، كما حثّ سرب الحمام

قوادمه ، خلف سرب عبر

وكلّت رياح ،وجنّت رياح

ونجم تأنّى ، ونجم طفر

وفتّش عن قدميه الدّجى

ودبّ ، كأعمى يجوس الحفر

فأذكى هنا جمرات السهاد

وأعطى هناك الرؤى والخدر

وأفنى هزيعا وأدهى هزيعا

فعاد الأصيل المولّي سحر

 


اعتيادان

حان لي أن أطيق عنك ابتعادا

والتهابي سيستحيل رمادا

وتجيئين تسألين كلهفى

عن غيابي ، وتدّعين السّهادا

وتقولين : أين أنت ؟ أتنسى ؟

وتعيدين لي زمانا مبادا

أو ما كنت أغتلي وأرجي

قطرات ، فتبذلين اتّق

نزرعين الوعود في جدب عمري

وتدسيّن في البذور الجرادا

كان لا بدّ أن أقول : وداعا

وبرغمي لا أستطيع ارتدادا

غير أنّي أودّ أن لا تظنّي

إني خنت أو أسأت اعتقادا

ربما تزعمين أن ابتعادي

عنك أدنى (رضية) أو (سعادا)

أو تقولين : إن جوع احتراقي

عند أخرى لاقى جنى وابترادا

اطمئي … لديّ غير التسلّي

ما أعادي من أجله وأعادى

قد أنادي نداء (قيس) ولكن

كل (قيس) وكل (لبنى) المنادى

لي نصيبي من التفاهات ، لكن

لن تريـبي .. أريد منها ازديادا

لم أكن (شهريار) لكن تمادت

عشرة صوّرتك لي (شهرزاد)

كان حبّي لك اعتيادا وإلفا

وسأنساك إلفة واعتيادا

 


اعتراف بلا توبة

غابت هذه القصيدة عن الدواوين
السابقة إجابة لرغبة أستاذنا الذي وجهت
إليه … ولمّا أصبح بلا رغبة لدخوله
عالم الصمت رغبت القصيدة أن تخرج من
مخبأيها كصورة لتحدي الصبا ..
وكصورة لأفكار بعض أساتذة الجبل
الماضي:

أن يدّع العلم فلا فرية

فالصّدق كلّ الصدق فيما ادّعى

لكنّ سرّ العلم في نفسه

كالعسل الصافي خبيث الوعا

يقول : شيطان وشيطانة

دعت .. قلبّى … أو هفت إذ دعا

ولم يقل : إلف ومألوفة

تجمعا … سبحان من جمّعا

لأنّني استحليت أمسية

يردّني عن درسه موجعا

إن كنت ألقى نادرا حلوة

فهو يلاقي … دائما أربعا

أريد أنسا مثله … أشتهى

كالناس أن أروى … وأن أشبعا

يا سيدي المفضال : قالوا : ترى

تعليم مثلي قطّ لن ينفعا

أغلقت باب البيت والدرس في

وجهي … سألقى الدرس والموضعا

يا (لطف) … مهما لمتي لم أدع

هذا السلوك الشائن الممتعا

ولتمنع التعليم عني كما

تهوى … فخير منك لن يمنعا

أبصرتي من بيتها خارجا

كالكلب … أمشي واجفا مسرعا ؟

نعم … جرى هذا وإن تبتغي

شهادة أقوى سل المضحعى

تقول : انّي منكسر بعدما

ألقت لديك التهمة البرقعا

فالاعترف … لا ناويا توبة

إني ومن سميت بتنا معا

 


إلاّ أنا وبلادي

تسلياتي كموجعاتي ، وزادي

مثل جوعي ، وهجعتي كسهادي

وكؤوسي مريرة مثل صحوي

واجتماعي بإخوتي كانفرادي

والصداقات كالعداوت تؤذي

فسواء من تصطفي أو تعادي

إن داري كغربتي في المنافي

احتراقي كذكريات رمادي

يا بلادي ! إلّي يقولون عنها :

منك ناري ولي دخان اتّقادي

ذاك حظّي لأن أمي (سعود)

وأبي (مرشد) وخالي (قمادي)

أو لأنّي أطعت أولاد جاري

ورفاقي دفاتري زمدادي

أو لأنّي دفعت عن طهر أختي

وبناتي مكر الذئاب العوادي

أو لأنّي زعمت أن لديهم

لي حقوقا من قبل حق (ابن هارون)

يا بلادي هذي الرّبى والسواقي

في ضلوعي تنهّدات شوادي

إنما من أنا وليس بكفي

مدفع والتراب بعض امتدادي !

ربما كنت فارسا لست أدري

قبل بدء المجال مات جوادي

العصافير في عروقي جياع

والدّوالي والقمح في كلّ وادي

في حقولي ما في سواها ولكن

باعت الأرض في شراء السماد

يا ندى … يا حنان أم الدوالي

وبرغمي يجيب من لا أنادي !!

هذه كلّها بلادي … وفيها

كل شيء … إلاّ أنا وبلادي !!

 


أعنية من خشب

لماذا العدوّ القصي اقرب ؟

لأن القريب الحبيب اغترب

لأن الفراغ اشتهى الامتلاء

بشيء فجاء سوى المرتقب

لأنّ الملقّن واللاعبين

ونظّارة العرض هم من كتب

لماذا استشاط زحام الرماد ؟

تذكر أعراقه فاضطرب

لأن (أبا لهب) لم يمت

وكلّ الذي مات ضوء اللهب

فقام الدخان مكان الضياء

له ألف رأس وألفا ذنب

لأنّ الرياح اشترت أوجهها

رجالية والغبار انتخب

أضاعت (أزل) بنيها غدت

لكلّ دعي كأم وأب

وأقعت ، لها قلب فاشيّة

ووجه عليه سمات العرب

فهل تلك صنع ؟ يفرّ اسمها

أمام التحرّي ، ويعوي النّسب

وراء الستار الظفاري عيون

صليبية ، وفم مكتسب

عجوز تئنّ بعصر الجليد

وتلبس آخر ما يجتلب

لماذا الذي كان ما زال يأتي ؟

لأنّ الذي سوف يأتي ذهب

لأنّ الوجوه استحالت ظهورا

تفتّش عن لونها المغتصب

لأنّ المغني أحبّ كثيرا

كثيرا ، ولم يدر ماذا أحب

لماذا تمنّى الظروف الحنين

فتغري وتعرض غير الطلب

تغلّ العواسج في كلّ آن

وفي كلّ عام يغلّ العنب

لماذا ، لماذا ركام يمرّ

ركام يلي دون أدنى سبب ؟!

ويستنفر الغضب الحمحمات

قليلا ، ويعتاد يعيى الغضب

ويحصى الطريق … جدار مشى

جدار سيمشي ، جدار هرب

ولا شيء غير جدار يقوم

بوجهي … وثان يعدّ الركب

وتحكي ـ أعاجيب من أدبروا

وجاؤوا ـ شبابيك (بئر العزب)

ولم يمض شيء يسمّى غريبا

ولم يأت شيء يسمّى عجب

لأن الصباح دجى ، والدّجى

ضحى ، ليس يدري لماذا غرب

فلا الصدق يبدو كصدق ولا

أجاد أكاذيبه من كذب

لماذا ؟! ويمحو السؤال

وينسى الجواب اسمه واللّقب

ويضي المغنّى يديه وفاه

وشيء يجلمد حسّ الطرب

فتمضي القوارب مقلوبة

وتأتي وينسى المحيط الصخب

ويصحو الغرام يرى أنّه

على ظهر أغنية من خشب

 


الارتداد

الدرب شياطين فرحي

زمر تهذي مرحي مرحي

و تخوض الدرب فتسلبه

رؤيا أعينه القرحى

و تحوّل هجعه .. تربته

تسهيدا ، و لياليه .. جرحى

و تعبّ دما و تمجّ دما

و مداها ترتجل .. الذبحا

و الشهب حنين مصلوب

ظمآن يجترع " الملحا "

فتئن الريح .. تمازحه

و تلوّن أذناه المزحا

و الآفاق الوسنى ورق

محيت ، أو أوراق .. تمحي

و الحيّ سكون مصفرّ

كخطايا تستجدي الصفحا

و تموت الشكوى في فمه

فيكلّف رعشته البوحا

إصغاء لم يسمع شدوا

غنّاه و لم يذكر .. نبحا

صمت ؛ إغفاء ؛ ثلجي

لم يلمح في الحلم الصبحا

فتثاءب حوليه جبل

و تنهّد غاجترّ السفحا

و تلظّى دمه فامتدّت

كالجذوة قامته السمّحا

و تسلّقت الأطياف إلى

عينيه تقتبس اللّمحا

***

فرنا و الظلمة مشنقة

بجراح الأنجم مبتلّة

و دخان عملاق يرخى

فوق التيه العاني ظلّه

ويروع الحلم فباغته

تيّار الصحو على غلفه

وتلوّى حينا في دمه

و هوى أشلاء منحلّه

و تعالت أحلام الوادي

تومي كعناقيد النخلة

و أفاق ثراه كموعود

بالموت : أبلّ من العلّة

وتمطّى يبدأ ميلادا

خصبا نيسانيّ الحلّه

واهتزّ كأسخى مزرعة

حبلى تتمخّض بالغلّة

وافترّ و باحت شفتاه

للبيدر بشرى مخصّلة

و منى كتبسّم زنبقه

فتحت شفتيها للنحلة

و أعاد الجوّ حكايته

كحديث الطفل إلى الطفله

وكغنج الوعد على ثغر

خمريّ يستهوي القبلة

وأسال الجوّ مبهجه

كالشلالات المنهلّة

وغلا في الثلج دم حيّ

فأحال برودته شعله

***

وامتدّ عمودا جمريّا

واحمرّ بعينيه الأرق

ماذا ؟ من أذكى الرمل هنا ؟

فهفا يخضر و ينطلق

و تنادى الترب فمقبرة

تدوي ورماد يحترق

و هنا احتشد العدم الغافي

كالصيف يفوح و يأتلق

يلد الميعاد بجبهته

تاريخا يبدعه العرق

ويوشّحه أفق صحو

بالدّفء ، و يحضنه أفق

و توالى موكبه الشادي

فتغنّت وازدهت الطرق

و تعنقدت الشهب السكرى

بيديه واخضرّ الشفق

يمضي يجترّ مواسمه

و يزغرد حوليه العبق

ويجنّح فجرا معطاء

ينصبّ و فجرا .. ينبثق

فتغيم هنالك أسئلة

" تلغو " هل يرتدّ الغسق ؟

و تهزّ بقيّة أشباح

تطفو فيرسّبها الغرق

و تزوّر بوحا مسلولا

بسعال الدعوى يختنق

فتضجّ الربوات الجذلى

لم يخفق في الموتى الرمق

 


الأيام الخضر

يا رفاقي … إن أحزنت أغنياتي

فالمأسي … حياتكم وحياتي

إن همت أحرفي دما فلأنّي

يمنّي المداد … قلبي دواتي

أمضغ القات كي أبيت حزينا

والقوافي تهمي أسّى غير قاتي

أنا أعطي ما تمنحون احترافي

فالمرارات بذركم ونباتي

غير أنّى ـ ومدية الموت عطشى

في وريدي ـ أشدو فألغي وفاتي

فإذا جئت مبكيا فلأنّي

جئتكم من مماتكم ومماتي

عاريا … ما استعرت غير جبيني

شاحبا … ما حملت غير سماتي

جائعا .. من صدى (ابن علوان) خبزي

ظامئا من ذبول (أروى) سقاتي

ربما أشتهي وأنعل خطوي

كلّ قصر يومي إليك فتاتي

أقسم الجدّ … لو أكلنا بثدي

لقمة من يد … أكلت بناتي

قد تقولون ذاتي الحسّ … لكن

أيّ شيء أحسّ ..؟ من أين ذاتي ؟

كلّ هذا الركام جلد عظامي

فإلى أين من يديه انفلاتي ؟

يحتسي من رماد عينيه لمحي

يرتدي ظلّ ركبتيه التفاتي

تحت سكيّنة تناءى اجتماعي

وإلى شدقه تلاقي شتاتي

آخر الليل … أولّ الصبح .. لكن

هل أحسّت نهودها أمسياتي

هل أداري أحلامكم فأغنّي ؟

للأزاهير واللّيالي شواتي 

عندما يزهر الهشيم سأدعو :

يا كؤوس الشذى خذيني وهاتي

الشتاء الذي سيندى عفيفا

يبتدي موسم الورود اللواتي …

ليس قصدي أن تيأسوا ، لحطاكم

قصة من دم الصخور العواتي

يا رفاقي في كلّ مكسر غصن

 إن توالى الندى ـ ربيع ، مواتي

يرحل النبع للرّفيف ويفنى

وهو يوصي : تسنبلي يا رفاتي

والروابي يهجسن : في ما وقوفي

هل هنا يا مدى … سأرمي ثباتي ؟

سوف تأتي أيامنا الخضر لكن

كي ترانا نجيؤها قبل تأتي

 


البعث العربي

وحدة المجد و الفخار التليد

زعزعت مرقد الصباح الجديد

واستطارت تحثّ قافلة الفتح

و تطوي الحدود بعد الحدود

و تناجي العدا بألسنة النار

 و بالموت من شفاه الحديد

وحدة يعربيّة و انطلاق

عربيّ يهزّ صمت اللّحود

إنّما العرب ثورة وحّدتها

يقظة البعث وانتفاض الوجود

فابن " يحيى " مؤزّر " بجمال "

" و جمال " مؤزّر " ط بسعود "

وحّدت شملهم كبار الأماني

و الدم الحرّ واعتزاز الجدود

قد تلاقى الحجار واليمن الميمون

 و النيل في اتّحاد الجهود

و استفاقت مواطن العرب الشـمّ

 فعودي يا راية العرب عودي

واذكري في المعارك الحمر " سعدا "

و" عليا " و " خالد بن الوليد "

تأنف العرب أن تدوس حماها

الحرّ شرّ العبيد أدنى العبيد

آن آن الفدى و ثار الدم الحرّ

يذيب القيود إثر القيود

يا نفوس اليهود ذوبي ، و ذوبوا

من لظى الغيظ يا عبيد اليهود

فجيوش الجهاد تزحف للثأر

 و تهفو إلى الحمى المنشود

يا فلسطين حقّقت وحدة العرب

 أمانيك فاطمحي و استزيدي

وانفضي عن رباك سود اللّيالي

واستفيقي على زئير الأسود

هذه " غزّة " تفيض التهاما

و الجنود الأباة تلو الجنود

وعلى " جدّة " تجدّد عهد

العرب و اهتاج للوثوب المجيد

يا بريطانيا و قد هيّىء الميـ

دان هيّا إلى العراك العنيد

إنّما نحن أمّة تبذل الأر

واح في ذمّة العلا و الخلود

تفتدي المجد بالنفوس و تشفى

غلّه التأر من جراح الشهيد

فتخلّي عن الجنوب و خلّي

" كمران " المصون حرّ البنود

دون ما تبتغين صاعقة الموت

 و برق القنا و قصف الرعود

ويل من يعمر القصور على النـار

 و لا يتّقي حماس الوقود

أمّة العرب ضمّها الجرح

 المدمي و كبرياء الحقود

كلّها أقسمت بأن تثير الأر

واح دون الحقوق نثر الورود

و تروّي صدر الجهاد و تمحو

عن جباه الأباة ذلّ السجود

و ترى مجدها البعيد بعيدا

و لواها يرفّ خلف البعيد

جدّدت بالي العهود و أحيت

ميّت المجد و الإبا من جديد

وتسامت تشيد مستقبل العرب

 علّ زهوة الصباح الوليد

 


الجناح المحطم

خطرة وانبى النذير وصاحا

الحريق الحريسق يطوي الجناحا

و تعالى صوت النذير و ألوى

آمل العمر وجهه و أشاحا

و دنا من هنا الحريق و أومى

بارق الموت من هناك و لاحا

ورنا السفر حوله ليس يدري

هل يرى الجدّ أم يحسّ المزاحا ؟

تارة يرقب الخلاص و أخرى

يرقب اليأس و الهلاك المتاحا

و تعايا حينا يقلّب كفّيـه

 و حينا يشدّ بالرّاح راحا

و إذا النار تحتوي مارد الجوّ

ويجتاحه الحريق اجتياحا

خطوة في الرحيل و اختصر الموت

مسافاته الطوال الفساحا

و أطاح الجناح بالركب في الجوّ

و أودي الجناح فيه و طاحا

من رآه في الهوّة الحيرى ؛

و يستجدّ الربى و البطاحا

من رآه على الصخور رفاتا

و شظايا تعطي الرّماد الريّاحا

من رأى الصقر حين مدّ إلى النا

ر جناحا و للفرار جناحا

وهوى الطائر الكسير ودوّى

موكب الرعب ملأه و تلاحى

وارتمى يطرح الجناح المدمّى

مثلما يطرح القتيل السلاحا

وانطوى الركب في السكون و أطفت

هجعة الرمل عزمه و الطّماحا

و انتهى عمره و هل كان إلاّ

في مدى النفس غدوة أو رواحا

خلع العمر فاطمأنّ و أغفى

واستراحت جراحة و استراحا

مات ، و الشعب بين جنبيه قلب

خافق يطعم الحنين الجراحا

و يضمّ البلاد خلف الحنايا

أمنيات و ذكريات ملاحا

لم يكد شعبه يذوق هناء

منه حتّى بكى و أبكى و ناحا

أيّها الركب ! يا شهيد المعالي !

هل رأيت الحياة شرّا صراحا !

أم فقدت النجاح في العمر حتّى

رحت تبغي عند الممات النجاحا

عندما قبّل الثرى منك جرحا

أوراق الترب من دماه و فاحا

هكذا المجد تضحيات ؛ و غبن

عمر من لم يخض إلى المجد ساحا

إنّما الموت و الحياة كفاح

يكسب النصر من أجاد الكفاحا

لا استراح الجبان لا نام جفناه

و لا أدركت خطاه الفلاحا

إنّما الموت مرّة و الدم المهدور

يبقى على الزمان وشاحا

كم جبان خاف الردى فأتاه

و تخطّى ستاره واستباحا

ونفوس شحّت على الموت لكن

أيّ موت صان النفوس الشحاحا ؟

كم مليك يأوي إلى القصر ليلا

ثمّ يأوي إلى التراب صباحا

شرعه المجد أن تصارع في المجـد

 ؛ و تستلّ للصفاح صفاحا

أيّها الركب ! نم هنيئا ودعنا

نعتسف بعدك الخطوب الجماحا

ووداعا يا فتية اليمن الخضـرا

 وداعا بحرقة الصدر باحا

 


الحب القتيل

يا حيرتي أين حبّي أين ماضية

و أين أين صباه أو تصابيه

قتلت حبّي و لكنّي قتلت به

قلبي و مزّقت في صدري أمانيه

و كيف أحيا بلا حبّ و لي نفس

في الصدر أنشره حيّا و أطويه

قتلت حبّي و لكن ! كيف مقتله ؟

بكيت حتّى جرى في الدمع جارية

أفرغت من حدق الأجفان أكثره

دمعا و ألقيت في النسيان باقية

ما كنت أدري بأنّي سوف أقتله

أو أنّني بالبكا الدامي سأفنيه

وكم بكيت من الحبّ العميق إلى

أن ذاب دمعا فصرت اليوم أبكيه

وكم شدوت بواديه الوريف وكم

أفعمت كأس القوافي من معانيه

وكم أهاب بأوتاري و ألهمني

وكم شربت الأغاني البيض من فيه

و اليوم واريت حبّي و التفتّ إلى

ضريحة أسأل الذكرى و أنعيه

قد حطّم اليأس مزمار الهوى بفمي

و قيّد الصمت في صوتي أغانيه

إنّ الغرام الذي قد كنت أنشده

أغاني الروح قد أصبحت أرثيه

ويلي وويلي على الحبّ القتيل و يا

لهفي على عهده الماضي و آتيه

ما ضرّني لو حملت الحبّ ملتهبا

يميت قلبي كما يهوى و يحييه

 


الحريق والسجين

هناك وراء الأنين

أنين التراب

حريق سجين

يهدهد خلف امتداد

الغيوم صباحا دفين

يمدّ نهود أغانيه ؛

يرضعن حلم الأنين

و تخضرّ بين جناحي

صداه رمال السنين

على وجهه من سهاد

اللّيالي ذهول حزين

وجوع إلى لا مدى

حنين ينادي حنين

***

و شوق يفتّش في كلّ طيف

عن الجنّة الضائعة

و ينهض من عثرات التراب

منى ضارعة

و يحسو الفراغ ويسقيه

أغنية رائعة

و يستودع الريح أنفاس

رغبته الجائعة

***

و يوقد أشلاءه للرؤى

و الصدى العـ

و يطمع أن يستفزّ ضمير

الدجى … الحاقد

و حشرجة الشهب فيه

بقايا دم جامد

و يعطي عيون الجليد

رؤى الموسم الواعد

و تعوي الرياح فيخفق

كالطائر البارد

و يعيا جناح فيسمو

على جانح واحد

يدلّل فوق انتظار

الربى منية كادحة

و يسقى الحنان قبورا

هناك معذّبة صائحة

تعالج أوجاعها المعضلات " بياسين " و " الفاتحة "

و تخشى خيال الشروق فتغلق حفرتها النازحة

 


الحكم للشعب

لن يستكين و لن يستسلم الوطن

توثب الروح فيه و انتحى البدن

أما ترى كيف أعلا رأسه

و مضى يدوس أصنامه

و هبّ كالمارد الغضبان متحشا

بالنار يجتذب العليا و يحتضن

فزعزعت معقل الطغيان ضربته

حتّى هوى و تساوى التاج و الكفن

وأذّن الفجر من نيران مدفعه

والمعجزات شفاه و الدنا أذن

تيقّظت كبرياء المجد في دمه

واحمرّ في مقلتيه الحقد و الإحن

يا صرعة الظلم شقّ الشعب مرقده

و أشعلت دمه الثارات و الضغن

ها نحن ثرنا على إذعاننا و على

نفوسنا واستثارت أمنا " اليمن "

لا لا(البدر)لا (الحسن)السجّان يحكمنا

الحكم للشعب لا (بدر) و لا(حسن)

نحن البلاد و سكّان البلاد و ما

فيها لنا ، إنّنا السكان و السكن

اليوم للشعب و الأمس المجيد له

له غد و لهع التاريخ … و الزمن

فليخسأ الظلم و لتذهب حكومته

ملعونة و ليوليّ عهدها النتن

كم كابد الشعب في أشواطه محنا

ماذا ترى ؟ أنضجته هذه المحن !

كم خادعته بزيف الوعد قادته

هيهات أن يخدع الفهّمة الفطن

لن ينثني الشعب هزّ الفجر غضبته

فانقضّ كالسيل لا جبن و لا وهن

حنّ الشمال إلى لقيا الجنوب و كم

هزّت فؤاديهما الأشواق و الشحن

و ما الشمال ؟ و ما هذا الجنوب ؟ هما

قلبان ضمّتهما الأفراح و الحزن

ووحّد الله و التاريخ بينهما

و الحقد و الجرح و الأحداث و الفتن

(شمسان) سوف يلاقي صنوة (نقما)

و ترتمي نحو(صنعاء) أختها (عدن)

المجد للشعب و الحكم المطاع له

والفعل و القول و هو القائل اللّسن

 


الربيع والشعر

وافاك مجتمع البلاد فرنّما

وصبا إليك مسبّحا و متيّما

و تدافعت ( صنعاء ) إليك كأنّها

حسناء مغرمة تغازل مغرما

وهفت إليك كأنّها مسحورة

ملتاعة الأعصاب ملهبة الدما

ورأت ولي العهد فازدانت به

فكأنّها قبس يسيل تضرّما

و ترقّصت ربواتها الفرحى كما

رقصت على الأفلاك أقمار السماء

لقيت وليّ العهد دنياها كما

لقي العطاش الجدول المترنّما

وصبت نواحيها وجنّ جنونها

فرحا و كاد الصمت أن يتكلّما

و تجاذبتك هضابها و سهولها

شغفا كما جذب الفقير الدرهما

نظرت بنور البدر فجر حياتها

ورأت به الأمل الحبيب مجسّما

بدر مطالعه القلوب و نوره

يوحي إلى الأوطان أن تتقدّما

فكأنّه فجر يفيض أشعة

جذلا و فردوس يفيض تبسّما

و كأنّه وهج إلاهيّ السنا

و منابر تمحو دياجير العمى !

و كأنّه بفم الربيع نشيده

خضراء نقّشها الصباح و نمنما

وروى فم التاريخ سحر جمالها

فكرا مجنّحة ووحيا محكما

وكأنّه قلب يذوب تأوّها

للبائسين و يستفيض ترحّما

فإذا رأى متألّما شاهدته

متوجّعا ممّا به متألّما

حتّى تراه لكلّ عين ماسحا

عبراتها و لكلّ جرح بلسما

و أحقّ أبناء البسيطة بالعلا

من شارك العاني و آسى المعدما

و أذلّ أهل الأرض قلبا من رأى

عبث الظلوم و ذلّ عنه و أحجما

و إذا تسامى طأطأ رأسه

متهيّبا و كفاه أن يتظلّما

أمحمد من أنت ؟ أنت عدالة

و صبابة حرّى باحشاء الحمى

و عواطف تندى و إنسانية

عصما توشّجت السمو الأعصما

ولدتك آفاق المعالي و العلا

شعلا كما تلد السماء الأنجما

غنّاك شعري و الربيع و صفوة

أهدي إليك زهوره و العندما

حيّاك ميلاد الربيع بطيّه

و شدتك أشعاري نشيدا ملهما

فاسلم تقبّلك القلوب و ترتوي

من فيض بهجتك الأماني و الظّما

 


السفر إلى الأيام الخضر

إهداء

لها..

لتلك التي تفى وأخلق وجهها

وأرفع نهديها وأبدع فاها

أذوب وأقسو كي أذوب لعلّي

أوجج من تحت الثلوج صباها

وأنسج للحرف الذي يستفزّها

دمي أعينا جمريّة وشفاها

أذكر مرآسها ؛ عرق مأرب

وأنّ لها فوق الجيوب جباها

وأنّ اسمها بنت الملوك وأنّها

تبيع بأسواق الرقيق أباها

وأنّ لها طيش الفتاة وأنها

عجوز … لعنّين تبيع هواها

أغني لمن ؟ . للحلوة المرّة التي

أبرعم من حزن الرماد شذاها

لصنعاء التي تردي جميع ملوكها

وتهوى وتستجدي ملوك سواها

لصنعاء التي تأتي وتغرب فجأة

لتأتي ويجتاز الغروب ضحاها

 


الشاعر

طائر عشّه الوجود و قلب

ملهم عاشق وروح نبيلة

ركّب الله في طبيعته الفنّ

وفي فكره طموح الفضيلة

ينشر اللّحن في الوجود و يطوي

بين أضلاعه الجراح الدّخيلة

يفعم الكون من معانيه شهدا

ورحيقا حلوا و يطفي غليله

ويوشّي الحياة سحرا كما و شّت

 خيوط الصباح زهر الخميلة

وفنونا ألذّ من بسمة الطفل

و من نسمة الصباح العليلة

و حوارا أرقّ من قبل الحبّ

على وجنه الفتاة الجميلة

أنت – يا شاعر الحياة – حياة

و " كمنج " حيّ و دنيا ظليلة

تعشق النور و الندى و سموّ الـروح

 في النشّ و العقول الجليلة

و تحبّ الطموح في الأنفس العظمى

و تحنو على النفوس الضئيلة

تستشفّ الجمال من ظلم اللّيل

و من زهرة الربيع البليله

من سكون الدّجا و من هجهة

 الصحراء وحشة القفار المهيلة

و ترى الورد في الغصون خدودا

قانيات و اللّيل عينا كحيلة

قد عرفت الجمال في كلّ شيء

و تغنّيت همسة وهديله

و توحّدت للجمال تناجيه

وللفنّ تستقي سلسبيله

ورفضت النفاق و الزور و الزلـ

فى و خلّيت للورى كلّ حيله

و نبذت الرواغ و الملق المخزي

 و أعباءه الجسام الثقيلة

لم تحاول وظيفة المنصب العالي

 و لا تبتغي إليه وسيلة

لا و لا تعشق النقود اللّواتي

نقشتها يد الحياة الذليلة

قد تخلّيت للجمال تناجي

هالة الوحي و السماء الصقيلة

فرأيت الفضائل البيض في الدنـ

يا و لم تلمح الحنّى و الرذيلة

عشت في الطهر للخيال توفيه

 كما وافت الخليل الخليله

طائرا عن عوالم الشر لما

أودع الله فيك روحا غسيله

 


الشمس

أطلّت من الأفق بنت السماء

مغلّفة بالشعاع الندي

ووشّت بساط الفضا بالسنا

و باللّهب البارد العسجدي

و بالوهج الدافيء المشتهي

وبالمنظر السحري الأجود

فجنّت بها نشوات الصبا

و فاضت بصدر الضحا الأمرد

و أهدت سناها السماوي إلى

رءوس الربا و اثرى الأوهد

إلى الطود و السهل و المنحنى

إلى الماء و الطين و الجلمد

إلى الكوخ و القصر مهد الغنى

إلى السوق و السجن و المعبد

ووزّعت النور في العالمـ

ين و جادت على العبد و السيّد

على المترفين على البائـ

سين على المجتدى و على المجتدي

و أدّت رسالتها حرّة

إلى أقرب الكون و الأبعد

جرى عدل بنت السما في الوجود

 حفيا بجيّده و الردي

و أنفقت النور أمّ الضحا

فزادت ثراء إلى سؤدد

و أربت جمالا وزادت سنا

ونورا إلى نورها السرمدي

و طالت حياة فما تنتهي

من العمر إلاّ لكي تبتدي

و أعطت فدام سنا ملكها

جديد الصبى دائم المولد

و ما زادها كثر إنفاقها

سوى الترف الأكثر الأخلد

لقد ضرب الله أمثاله

و من يضلّل الله لا يهتدي

 


الطريق الهادر

هتاف هتاف و ماج الصدى

و أرغى هنا و هنا أزبدا

وزحف مريد يقود السنا

و يهدي العمالقة المرّدا

تلاقت مواكبه موكبا

يمدّ إلى كلّ نجم يدا

عمائمة من لهيب البروق

و أعينه من بريق الفدا

أفاق فناغت صبايا مناه

على كلّ أفق صبا أغيدا

و هبّ ودوّى فضجّ السكون

ورجّعت الريح ما ردّدا

و غنّى على خطوه شارع

ودرب على خطوه زغردا

و منعطف لحّنت صمته

خطاه و منعطف غرّدا

مضى منشدا و ضلوع الطريق

صنوع توقّع ما أنشدا

وأقبل يسترجع المعجزات

و يستنهض الميت و المقعدا

و يبدو مداه فيمضي العنيد

يحاول أن يسبق الأعندا

فتطغى مشاهده كالحريق

و يقتحم المشهد المشهدا

ويرمي هنا و هناك الدخان

و يوحي إلى الجوّ أن يرعدا

هو الشعب طاف بإنذاره

على من تحدّاه و استعبدا

وشقّ لحودا تعبّ الفساد

و تنجرّ تبتلع المفسدا

و أوما بحبّات أحشائه

إلى فجره الخصب أن يولدا

أشار بأكباده فالتقت

حشودا مداها وراء المدى

وزحفا يجنّح درب الصباح

و يستنفر الترب و الجلمدا

و ينتزع الشعب من ذابحيه

و يعطي الخلود الحمى الأخلدا

و يهتف : يا شعب شيّد على

جماجمنا مجدك الأمجدا

وعش موسما أبديّ الجنى

و عسجد بإبداعك السرمدا

و كحّل جفونك بالنيّرات

وصغ من سنى فجرك المرودا

لك الحكم أنت المفدى العزيز

علينا و نحن ضحايا الفدا

ودوّى الهتاف : " اسقطوا يا ذئاب "

و يا راية الغاب ضيعي سدى

وكرّ شباب الحمى فالطريق

ربيع تهادى و فجر بدا

ومرّ يضيء الحمى كالشموع

يضيء توهجها معبدا

ويزجي عذارى بطولاته

فيشحّ الجرح و السؤددا

و يغشى على الظلم أبراجه

فيزري به و بما شيذدا

و يكسر في مفّ طاغي لبحمى

حساما بأكباده مغمدا

و تندى خطاه دما فائرا

يذيب دما كاد أن يجمدا

و يلقي على كلّ درب فتى

دعته المروءات فاستشهدا

يدني إلى الموت حكما يخوض

من العار مستنقعا أسودا

و يجترّ أذيال " جنكيزخان "

و يقتات أحلامه الشردا

و يحدو ركاب الظلام الأثيم

فيبلغ الصمت رجع الحدا

و يحسو النّجيع و لا يرتوي

فيطغى ؛ و يستعذب الموردا

رأى الشعب صيدا فأنحى عليه

وراض مخالبه واعتدى

فهل ترتجيه ؟ و من يرتجي

من الوحش إصلاح ما أفسدا ؟

وهل تجتدي ملكا شرّه

سخيّ اليدين .. عميم الجدا ؟

و حكما عجوزا حناه المشيب

و ما زال طغيانه أمردا

تربّى على الوحل من بدئه

و شاخ على الوحل حيث ابتدا

فماذا يرى اليوم ؟ جيلا يمور

و يهتف " لا عاش حكم العدا "

زحفنا إلى النصر زحف اللّهيب

و عربد إصرارنا عربدا

و دسنا إليه عيون الخطوب

و أهدابها كشفار المدى

طلعنا على موجات الظلام

كأعمدة الفجر نهدي الهدى

و نرمي الضحايا و نسقي الحقول

دما يبعث الموسم الأرغدا

لنا موعهد من وراء الجراح

و ها نحن نستنجز الموعدا

وهل يورق النصر إلاّ إذا

سقى دمنا روضه الأجردا

أفقنا فشبت جراحاتنا

سعيرا على الذلّ لن يخمدا

رفعنا الرؤوس كأنّ النجوم

تخرّ لأهدابنا سجّدا

و سرنا نشقّ جفون الصباح

و ننضج في مقلتيه الندى

فضجّ الذئاب ، من الطافرون ؟

و كيف ؟ و من أيقظ الهجذدا

و كيف استثار علينا القطيع ؟

و من ذا هداه ؟ و كيف اهتدى ؟

هنا موكب أبرقت سحبه

علينا وحشد هنا أرعدا

وهزّ القصور فمادت بنا

و أشغل من تحتنا المرقدا

و كادت جوانحنا الواجفات

من الذعر أن تلفظ الأكبدا

فماذا رأت دولة المخجلات ؟

قوى أنذرت عهدها الأنكدا

بمن تحتمي ؛ واحتمت بالرصاص

و عسكرت اللّهب الموقدا

و لحّنت الغدر أنشودة

من النار تحتقر المنشدا

و نادت بنادقها في الجموع

فأخزى المنادي جواب الندا

و هل ينفد الشعب إن مزّقته

قوى الشر ؟ هيهات أن ينفدا

فردّت بنادقها و الحسيس

إذا ملك القوّة استأسدا

و جبن القوى أن تعدّ القوى

لتستهدف الأعزل المجهدا

و أردى السلاح لأردى الأنام

و أجوده ينصر الأجودا

و يوم البطولات يبلو السلاح

إا كان وغدا حمى الأوغدا

فأيّ سلاح حمى دولة

تغطّي المخازي بأخزى ردا ؟

و تأتي بما ليس تدري الشرور

و لا ظنّ " إبليس " أن يعهدا

لمن وجدت ؟ من أشذّ الشذوذ

 و من أغبن أن الغبن أن توجدا

بنت من دم الشعب عرشا خضيبا

ورضّت جماجمه مقعدا

و أطفت شبابا أضاءت مناه

فأدمى السنا حكمها الأرمدا

وسل كيف مدّت حلوق الردى

إليه فأعيا حلوق الردى ؟

و كم فرشت دربه بالحراب

فراح على دمه .. واغتدى

وروّى التراب المفدّى دما

مضيئا يصوغ الحصى عسجدا

و عاد إلى السجن يذكي النجوم

على ليلة فرقدا فرقدا

و يرنو فينظر خضر لالرؤى

كما ينظر الأعزب الخرّدا

فتختال في صدره موجة

من الفجر تهوى المدى الأبعدا

و يهمس في صمته موعد

إلى الشعب لا بدّ أن تسعدا 

سينصبّ فجر و يشدو ربيع

و يخضوضر الجدب أنّى شدا

فهذي الروابي و تلك السهول

حبالى و تستعجل المولدا

 


الشهيدة

كرجوع السنى لعيني كفيف

بغتة كاخضرار نعش جفيف

وكما مدّت الحياة يديها

لغريق ، على المنيّة موفي

وكما ينثني إلى خفق شيخ

عنفوان الصّبا الطليق الخفيف

رجعت فجأة رجوع وحيد

بد شك إلى أبيه اللهيف

كابدت دربها الى العودة الجذلى

وأدمت شوط الصراع الشريف

حدّقت من ترى ومن ذا تنادي ؟

أين تمضي : إلى الفراغ المخيف؟

وأرتها خوالج الذعر وجها

بربريّا ، كباب سجن كثيف

وجذوعا ، لها وجوه ، وأذقان

وإطراقة الحمار العليف

فتنادت فيها الظنون وأصغت

لحفيف الصّدى ووهم الحفيف

وكما يرتمي على قلق السّمع

هدوء بعد الضجيج العنيف

سرّحت لمحة ، فطالعها شيء

كأيماءة السراج الضعيف

كان بعطي حياته للحيارى

وعلى وجهه اعتذار الأسيف

فأحسّت هناك حيّا مهيضا

يتلوّى تحت الشتاء الشفيف

قرى ، بعن عمرهن على أدنى

الخصومات والهراء السخيف

واشرأبت ثقوبهن الى الريح

يسائلن : عن شميم الرغيف

فدنت تنظر الحياة عليهنّ

بقايا من الغثاء الطفيف

والدوالي هناك أشلاء قتلى

جمدت حولها ، بقايا النزيف

وتجلّت أما تجعّد فيها

عرق الصيف وارتعاش الخريف

سألتها عن اسمها فتبدّى

من أخاديدها حنان الأليف

واستدارت تقص : إن أباها

من (زبيد) وامهّا من (ثقيف)

فأعادت لها الربيع فماست

في شبابين تالد وطريف

نزلت ضيفة الحنان فكانت

لديار الضياع ، أسخى مضيف

نزلت في مواكب من شروق

وحشود من اخضرار الرّفيف

في إطار من انتظار العصافير

ومن لهفة الصباح الكفيف

وتهادت على الرّبى فتلظّى

في عروق الثلوج ،دفء الصيف

وأجادت من الفراغ وجودها

وجبالها ، من الشموخ المنيف

رجعت فانثنى اصفرار التوابيت

الى خضرة الشباب الوريف

 


الفاتح الأعزل

كسؤال ينسى أن يسأل

ساه … في مقعده المهمل

فيه عن وقدته يذهل

كحريق يبحث عن نار

لهفى تتمنى أن تحبل

كجنين في نهدي أم

توّاق في قفص مقفل

يطفو ويقرّ كعصفور

ويحدّق كالطيف الأحول

يستسقي كالحلم الظامي

في منتصف اللّيل الأليل

فيشمّ خطى الفجر الآتي

وأصيلا ورديا أكحل

ويصوغ الصمت ضحى غزل

في الكشف عن العدم الأجمل

ويضيع جمالا مبذولا

ويصيخ إلى الركن الأكسل

يشدو للزاوية الكسلى

ويحنّ إلى فمه الأوّل

ويفتش عن فمه الثاني

عينيه تصغي … تتأمل

والأربعة الجدران إلى

غزلا … وإذا ابتسمت تخجل

ترنو كفتاة تستجدي

في كفّ العاصفة المشعل

يغلي ويمور كما يعدو

وإلى كلّ الدّنيا يرحل

مرمّي كالقبر المنسي

ويخوض البحر ولا يبتل

يغزو الأقمار ولا يعيى

من قصته الفصل الأطوّل

في كل راوية فنّان

أنّى لهواه تتجمل

في كل تثبي أغنية

أخبار عنه لم تنقل

في كل كتاب عن بطل

في الكثبان العطشى يخضل

يحيا في التاريخ الفاني

يجترّ الزق مع (الأخطل)

يقتاد الحيل (كعنترة)

(كسبرتاكوس) ولا يفشل

ويناضل (قيصر) في (روما)

ويجول على كتفي (أخيل)

يطوي (الاسكندر) في يده

ويعيد الماضي مستقبل

ويرد اليوم إلى الماضي

لحظات تعرف ما تجهل

ويلمّ الأزمنة الشتى

تستأني(تعدو) تتخيّل

تنشهّى (( تنوي)) تتحدّى

عيني (سينا) بدم المحتل

فيعفّر (ابرهة) .. يذكي

يرمي (بالشمر) عن المنهل

يهمي فوق (الجولان) لظى

ويمزّق (خيبر) بالمنجل

يمحو (سابجون) بإصبعه

ويقاتل في (حيفا) أعزل

يلقي عن صهوته (كسرى)

يرديه القتل ولا يقتل

يدميه القصف ولا يدمى

اعتاب الميلاد الأحفل

يهفو من حلق الموت إلى

أسخى ويشكله أفضل

يجتثّ الكون ليبدأه

أو يأمره أن يتحوّل

ويصوغ العالم ثانية

كالهول إلى البعد الأهول

مرمي يرحل من بعد

في كلّ حريق يتغسّل

في كلّ متاه يستهدي

ويعي لا يدري ما يفعل

يغزو المجهول بلا وعي

أو يمضي يمحو ما شكّل

فيعود يشكل ما ألغى

 


شاعر الكأس و الرشيد

لو تسامت عقولنا عن هوانا

لهدينا و قدنا الزمانا

و لسرنا و خطونا يلد الفجر

المغنّي .. و ينبت الريحانا

لو تلظّت قلوبنا بسنى الحبّ

لما عانت العيون الدخانا

لو كبحنا غرورنا لملأنا

من عطايا الوجود وسع منانا

فعطايا الحياة أوسع من

آمال أبنائها و أسخى حنانا

لو ملكنا الهدى لمل سلّ كفّ

خنجرا راعفا و أدمى سنانا

كيف يستلّ روح بعض

ألنحيى مآتما واضطغانا ؟

و نسمّي لصّ الحياة شجاعا

و نسمّي عفّ اليدين جبانا

نحن غرس الإله يحصده الله

لماذا تعيث فيه .. يدانا ؟

ما لنا نسبق الحمام إلينا

و هو أمضى يدا و أحنى بنانا ؟

و نخاف العدى وحين نعادي

هل درينا أنّا خلقنا عدانا ؟

لو نفضنا شرورنا لرأينا

أوجه الخير في الضّياء عيانا

نحن نبدي عيوبنا حين نرمي

بالخطايا فلانة أو فلانا

نحن لو لم نكن أصول الخطايا

ما رأينا ظلالها في سوانا

كم سألنا التفتيش عن جبفة الأثـم

 و سرنا و الإثم يحدو خطانا !

و هتكنا مخابيء الإثم في الحيّ

و عدنا نفتّش الأكفانا

***

لا تنم : يا " أبا نواس " أما

كنت أثيما في لهوة .. يتفانى ؟

أوما كنت أظرف الناس في القصـف

 و أعلى . الغواة فنّا و شانا ؟

فهتكنا عنك الستار كأنّ لم

يخطر الإثم بيننا عريانا

هل تخوّفت غضبة السوط في الدنـ

يا و هل ذقت في القبور الأمانا ؟

لست أدري . ماذا لقيت ، لماذا

غبت في الصمت لم تحرّك لسانا ؟

إن تمت هيكلا فقد عشت أفـ

كارا و أورقت في الشفاه بيانا

أين منك الردى ؟ و أقوى من الأحـ

ياء ميت يسهد .. الأذهانا

عشت عصرا و لم يزل كلّ عصر

يتساقى فجورك الفنّانا

تلك ألحانك الظوامي كؤوس

تتغنّى فتكسر الندمانا

لكأنّي ألقاك في لحنك الظمآن

روحا ملحّنا .. و كيانا

و ذهول الإلهام يرعش عينيك

كما ترعش الصبا الأقحوانا

و أحسّ " الرشيد " ينزل دنياه

كما ينزل الصباح الجنانا

و تغنّيه و هو ينتزف الكأس

و يسقي المدلّلات الحسانا

و الندامى الصباح بين يديه

و كؤوس تنأى و أخرى تدانى

و المليحات مهرجان من الحسن

يغنّي من الهوى مهرجان

و هو يلهو لهو الشجيّ و يمضي

في جنون الهوى يعرّي القيانا

فترى في النديّ ألف ربيع

ينثر العطر و السنى ألوانا

و صباحا من الحسان العرايا

مغرما يعزف الهوى ألحانا

و خصورا تميد بين زنود

بضّة الخصورر اللّدانا

و صدورا نهدى تضمّ صدورا

واحتضانا غضّا يلفّ احتضانا

و الجمال العريان يطغي المحبّين

و يهوى الجنون و الطغيانا

ما ترى يا " أبا نوّاس " ؟ ترى

الأكواب ملأى و تحتسي الحرمانا

تتشهّى مدامة … لم تجدها

فتغنّي خيالها الفتّانا

لو وجدت الرحيق ما ذبت شجوا

و تحرّقت في المنى أشجانا

شاعر الحبّ يهجره المحـ

بوب يفتنّ في الحنين افتنانا

عشت تبكي على المدام وتذرو

في هوى الكأس دمعك الهتّنا

و تنادي الهناء في كلّ وهم

و تهنّي البساط و الصولجانا

بدعة الذلّ أن تحنّ و تبكي

و تغنّي " الرشيد " و " و الخيزرانا "

ملك يرضع الدنان كما يهوى

و أنت الذي تغنّي الدنانا

و " الأمين " النديم يمنعك الخمر

و يحسو و تنحني ظمآنا

و هو في القصر يحتسي عرق الشعب

و يروي القيان و الغلمانا

يملأ من دموع اليتامى

و يغنّي على نشيج الحزانى

و يرى أنّه أمين على الدين

و إن ضيّع الرشاد و خانا

كيف دين الإله ظلوم

يتحدّى الإله و الإنسانا ؟

يدّعي عصمة الملائكة الطهر

و يأتي ما يخجل الشّيطانا

هكذا يا " أبا نواس " تلوّى

حولك الشعب في الجراح وهانا

كيف مرّغت وجهك الحرّ في الذّلّ

و أسلست للطغاة العنانا ؟

و تغنّيت " للأمين " فأصغى

و تراخى في غيّه و توانى

و تخيّرت " للرشيد " بحورا

قلّدت جيده الغلظ جمانا

و هززت " الخصيب " فاهتزّ جنـ

باه و ذوّبت مقلتيك فلانا

و تباكيت بين كفّيه كالطفل

فيا للشموخ كيف استكانا ؟ !

كيف ألقاك يا أخا الكأس في

المدح ذليلا و مطرقا خجلانا ؟

تسأل الصمت كيف حلّت قوا

فيك من الذلّ و لانفاق مكانا ؟

أفترضى للفنّ أخزى مكان ؟

إنّ للفنّ حرمة وصيانا

و ألاقيك في ترنّمك الخمري

ربيعا مرنّما .. جذلانا

تعزف العطر و الفتون المندّى

و تهزّ الشباب و العنفوانا

لا تقل لي : كيف القينا ؟ و قل لي :

بارك الفنّ و الخيال لقانا !

شاعر الكأس قرّب الطيف عهدينا

فكيف اتّفاقنا ؟ كيف كانا ؟

بعد العهد بيننا فادّكرنا

واختصرنا بالذكريات الزمانا

واعتنقنا على النوى و التقينا

نتشاكى من الأسى ما عنانا

أنا أشقى كما شقيت و لكن :

لا تتمتم .. و أيّنا أشقانا ؟

لا تسلني : فمحنتي أن لي في الـ

يأس أهلا و في الأسى إخوانا

نحن من نحن ؟ مزهران من

الشوق كلانا العذاب كلانا

" شاعر الكأس و الرشيد " وداعا

وسلاما يشذيك آنا فآنا

 


اللّيل الحزين

كئيب بطيء الخطا مؤلم

يسير إلى حيث لا يعلم

و يسري و يسري فلا ينتهي

سراه و لا نهجه المظلم

و تنساب أشباحه في السكون

حيارى بخيبتها تحلم

هو اللّيل في صمته ضجّة

و في سرّه عالم أبكم

كأنّ الصبابات في أفقه

تئنّ فترتعش الأنجم

حزين غريق بأحزانه

كئيب بآلامه مفعم

كأنّ النجوم على صدره

جراح يلوح عليها الدم

هو اللّيل يطوي بأعطافه

قلوبا بأشواقها تضرم

تساهر أعين الساهرين

و تقتات أحلامه النوم

و يشكو إلى جوّه عاشق

و يشدو على صمته ملهم

يناجي المعنّى المعنّي به

و يهفو إلى المغرم المغرم

و يبتهج القصر في ظلّه

و ينتحب الكوخ و المعدم

ففيه التآويه و الأغنيات

و في طيّه العرس و المأتم

و في صدره سرّ هذا الوجود

فماذا يذيع و ما يكتم ؟

 


المنتحر

لفظ الروح فاطمأنّت ضلوعه

وانطفى شوقه و نام ولوعه

وقع المتعب الكئيب على الموت

فماذا جرى وكيف وقوعه ؟

جفّت الكأس في يديه و أشتى

فيه وادي المنى و مات ربيعه

حار في الموت و الحياة .. كراع

ضاع تحت الدجى و ضاع قطيعه

كلّما ساءل الدجى أين يمضي

لجّ في الصمت واستفاض خشوعه

وانحنى كالعجوز وانساق كالمخـ

مور و امتدّ في السكون هزيعه

***
لا تسل ذلك الفتى : كيف صاح

الجرح فيه ؟ و كيف صمّ سميعه

كيف أسرار قلبه أيّ سرّ

كان يطوي و أيّ سرّ يذيعه ؟

همّ بالموت و الظنون توارى

حوله الخوف تارة و تشيعه

و تلكّا فدار في ذهنه " سقراط "

هذا اسمه و هذا لموعه

ذلك الفيلسوف لم يدر هل أحأ

سن صنعا أم كيف ساء صنيعه ؟ !

جرعة الكأس أنهت العمر فيه

فانتهى أصل شرّه و فروعه

و تلكّا الفتى و حار ، أيشري

من يد الموت عمره أم يبيعه ؟

أومأت كفّه إلى خنجر الموت

و أومى إلى الحياة نزوعه

ليس يدري أيّ الأمرّين أحلى

سعيه نحو حتفه أم رجوعه ؟

طاوع الخنجر الأصمّ يديه

حين كادت يمينه لا تطيعه

و توارى في صدره خنجر الموت

فضجّ الحشا وفارت صدوعه

و التوى حوله الردى كالأفاعي

وتلوّى كالأفعوان صريعه

و تراخت على الفراش يداه

ثمّ أغفى و في يديه نجيعه

متعب طال عمره و شقاه

و تمادت جراحة و دموعه

طالما شبّ من دماه شموعا

للهوى فانطفى الهوى و شموعه

حين لم يستطع بلوغ مناه

مات : و الموت كلّ ما يستطيعه

وانطوى عمره الطويل فألقى

قيده و انتهى شقاه و جوعه

وانزوى حيث لا يحسّ صديقا

يجتبيه و لا عدوّا يروعه

نول المضجع الأخير فلانت

قسوة الشرب و استراح ضجيعه

أسكت القبر فيه كلّ ضجيج

واحتواه سكونه و هجوعه

إنّما القبر مضجع يستوي

العالم فيه رفيعه ووضيعه

نافقت بيننا الحياة فهذا

حلّ كوخا و ذاك طالت ربوعه

يا ظالم الحياة ما أعدل القبر

تساوى فيه الوجود جميعه !

لا تلم ذلك الفتى حين أردى

نفسه فالشقا الطويل شفيعه

و انتحار المضيم أخصر للضيّم

و أجدى من أن يطول خضوعه

مزّق العمر ضيّعه العمر

و حمق حفظ الفتى ما يضيعه

كم شوت روحه الضلوع ويوما

لفظ الروح فاطمأنّت ضلوعه

 


إلى قارئي

من القبر من حشرجات التراب

على الجمر من مهرجان الذباب

و من حيث كان يدقّ القطيع

طبول الصلاة أمام الذئاب

و يهوي كما يرتمي في الصخور

قتيل على كتفيه .. مصاب

و من حيث كانت كؤوس الجراح

تزغرد بين شفاه الحراب

و من حيث يحسو حنين الربى

غبار المنى و نجيع السراب

و من حيث يتلو السؤال السؤال

و يبتلع الذعر وهم الجواب

عزفت اصفرار الرماد العجوز

ليحمرّ فيه طفور الشباب

و حرّقت أنفاسي المطفئات

و أطفأتها بالحريق المذاب

أتشتمّ يا قارئي في غناي

دخان المغنّي و شهق الرباب ؟

و تسمع فيه أنين الضياع

تبعثره عاصفات الضباب

فإنّ حروفي اختلاج السهول

و شوق السواقي ، و خفق الهضاب

و شوق الرحيق بصدر الكروم

إلى الكأس و الثلج في كلّ باب

و خوف المودّع غيب النوى

و سهد المنى في انتظار الإياب

أنا من غزلت انتحار الحياة

هنا شفقا من زفير العذاب

و لحّنته سحرا يحتسي

رؤى الفجر بين ذراعي كتاب

و تنبض فيه عروق السكون

و يمتدّ في ثلجة الالتهاب

و يتّقد الشوق في مقلتيه
و يظمأ في شفتيه العتاب

 


اليوم الجنين

على الدرب والمرتع

يجود ، ولا يدّعي

يوشّي غناء الحقول

وأنشودة المصنع

ويعطي حياة .. بلا

نيوب ولا مصرع

يشد أبضّ الخصور

إلى أعطش الأذرع

ويسخو سخاء المصيف

على الطير والضّفدع

على السفح والمنحنى

على السهل والأرفع

أتشتمّ أنفاسه

طيوف الربى الهجّع

هناك رؤى مهده

نبيذيّه المنبع

حمام من الأغنيات

على جدول ممرغ

مرايا هوائية

سرابية المخدع

وغيب وراء القناع

ووعد بلا برقع

هناك انتظار يحسّ

خطاه وحلم يعي

ودفء صريع يحن

إلى لمسه المبدع

وواد يصيخ إلى

تباشيره اللّمع

فأحلم أن الجنين
وليد بلا مرضع
فألوي زنود الحنان
على خصره الطيّع

ويحبو على ساعديّ

فأرضعه أدمعي

وينأى ، فترنوا الكوى

يفتّشن عنه معي

ويرتد ، حلم مضى

ويمضي ، بلا مرجع

وتحتشد الأمسيات

على العامر البلقع

فأرجوه أن يشرئب

إلى شرفة المطلع

أمدّ له سلمّا

إلى النور من أضلعي
وأشدو لميلاده
ويصغي بلا مسمع
فأبكيه في مقطع
وألقاه في مقطع

 


أم العرب

حيث الغبار الأهوج

على الرياح ينشج

وحيث تشمخ الدمى

ويستطيل العوسج

هناك ، حيث يدّعى

على القشور البهرج

جزيرة ، تطفو على

صحو الربى ، وتدلج

مطلة ، كأنها

نعش أشمّ أبلج

تمضي به ، حنية

جرحى ، وتلّ أعرج

سمراء ، حلمها على

أيدي الرياح ، خودج

ومرود ، من الهوى

ومرتع ، مضرج

نجثو كذاهل إلى

ما لا يرى يحدج

كجائع يشتم من

حوليه لحما ينضج

تسهوى ، وظل نفسها
يخفيها ، ويزعج
فتحبل الرّؤى على

أهدابها، وتخدج

على الفراغ ، تنطفي

وللفراغ تسرج

على اصفرار وجهها

تعملق التشنج

فبعضها ، لبعضها

توحش ، مهيج

يومي إلى ركامها

ركامها المدجّج

فترجع (البسوس) في

أحشائها تهملج

ويعصر التحامها

دماءها ، ويمزج

وتنثني يهزها

تبجح ، محشرج

تقص عن جدودها

كم أخمدوا ، وأججوا

وأبدعوا ، مقابرا

وأسقطوا ، وتوّجوا

وأتخموا سوق الرّدى

وأكسدوا ، وروّجوا

وأين صال (جرهم)

وأين جال ((جزرج))

فيشرئب (هاشم)

من رملها (ومذحج)

فتغزل الحياة من

ثلج البلى ، وتنسج

سل الرياح : هل لها

خلف الرؤى ، توهج

هل يستفز وجهها

إلى الضحى ، التبرج

هناك ذرّ برعم

فأوما التأرج

إلى تثير موعدا ، على

عينيه ، طيف ادعج

هناك : نبض مولد

فافصح التلجلج

وكرمة ، عيونها

أحلام انثى ، تزوج

ومنحنى ، يخضر في

حروفه ، التهدج

وواحة ، حلبى تعي :

متى ؟ وكيف تنتج ؟

فتبتدي جزيرة

أخرى أجدّ أبهج

لها طفولة ، على

ركض البزوغ ، تدرج

على امتداد حضنها

تندى الحصى ، وتهزج

وينتشي (عرارها)

ويفرح البنفسج

فللكوى ، تلفت

وللربى تموج

 


أمّ الكرم

نشوة النور و أحلام الجنان

و شذا الأنسام و الجوّ الجماني

رقصت في الروضة الغنّا كما

ترقص الحور على شدو المثاني

و صبت معجزة الحسن بها

صبوة السكر بأعطاف الغواني

بلدة الفن و " أمّ الكرم " في

حضنها الحاني صبت أمّ الدنّان

نسّق الفن حواشي كرمها

فتعانقن على بعد المكان

و طلى بهجتها صفو الندى

و الصباح الطفل وردي البنان

و العناقيد على أغصانها

كالنهود العاطفيّات الحواني

و تدلّت كالقروط البيض من

أذن الغيد المليحات الحسان

روضة فوحاء فردوسيّة

تلد اللّذّات آنا بعد آن

كلّها راح وروح عبق

و ظلال و تثنّي غصن بان

وزهور تبعث العطر كما

تبعث السكر العناقيد الدواني

تفرش الجوّ جمالا و شذا

و الثرى ظلا نديّ العطف هاني

الهوى الممراح فيها و الصبا

و حوار الوصل فيها و التداني

و فنون الحسن فيها و الغنا

مهرجان يرتمي في مهرجان

و العصافير على أدواحها

كالقياثير على أيدي القيان

تسكب اللّحن على مرقصها

فتشّي الجو رقصا و أغاني

و كأنّ النهر في أحضانها

شاعر ذوّبه فرّط الحنان

و محبّ كلّما ناجى الهوى

طلمست نجواه " فوضاء " الزمان

فتحال النهر محموم الغنا

مطربا هيمان معقود اللّسان

و كأنّ الروضة الغنّا على

مائه فجر الهوى طفل الأماني

بلد توحي مجاليه إلى

مزهر الفنان أبكار المعاني

قلت للشعر و قد ساجله

نغم الفنّ و سحر الإفتنان

أتراه سرق الفردوس أم

هو فردوس بحضن الأرض ثاني

 


امرأة الفقيد

لم لا تعود ؟ وعاد كل مجاهد

يحلى ( النقيب ) أو انتفاخ (الرائد)

ورجعت أنت ، توقعا لملمته

من نبض طيفك واخضرار مواعيدي

وعلى التصاقك باحتمالي أقلقت

عيناي مضطجع الطريق الهامد

وامتدّ فصل في انتظارك وابتدا

فصل ، تلفّح بالدخان الحاقد

وتمطّت الربوات تبصق عمرها

دمها وتحفر عن شتاء بائد

وغداة يوم ، عاد آخر موكب

فشممت خطزك في الزحام الراعد

وجمعت شخصك بنية وملا محا

من كل وجه في اللقاء الحاشد

حتى اقتربت وأمّ كلّ بيته

فتّشت عنك بلا احتمال واعد

من ذا رآك وأين أنت ؟ ولا صدى أو مي اليك ، ولا اجابة عائد

والي انتظار البيت ، عدت كطائر

قلق ينوء على جناح واحد

لا تنطقي يا شمس : غابات الدجى

يأكلن وجهي يبتلعن مراقدي

وسهدت والجدران تصغي مثلما

أصغي ، وتسعل كالجريح الساهد

والسقف يسأل وجنتيّ لمن هما ؟

ولمن فمي ؟ وغرور صدري الناهد؟

ومغازل الأمطار تعجن شارعا

لزجا حصاه من النحيع الجامد

وأنا أصيخ إلى خطاك أحسّها

تدنو ، وتبعد ، كالخيال الشارد

ويقول لي شيء ، بأنك لم تعد

فأعود من همس الرجيم المارد

أتعود لي ؟ من لي ؟ أتدري أنني

أدعوك إنك مقلتاي وساعدي

إني هنا أحكي لطيفك قصّتي

فيعي ، ويلهث كالذبال النافد

خلّفتني وحدي ، وخلّفني أبي

وشقيقتي ، للمأتم المتزايد

وفقدت أمّي : آه يا أمّ افتحي

عينيك ، والتفتي إليّ وشاهدي!

وقبرت أهلي ، فالمقابر وحدها

أهلي ، ووالدتي الحنون ووالدي

وذهلت أنت أو ارتميت ضحيّة

وبقيت وحدي ، للفراغ البارد

أتعود لي ؟ فيعبّ ليلي ظلّه

ويصيح في الآفاق . أين فراقدي؟

 


أمّي

تركتني ها هنا بين العذاب

و مضت ، يا طول حزني و اكتئابي

تركتني للشقا وحدي هنا

و استراحت وحدها بين التراب

حيث لا جور و لا بغي و لا

ذرّة تنبي و تنبي بالخراب

حيث لا سيف و لا قنبلة

حيث لا حرب و لا لمع حراب

حيث لا قيد و لا سوط و لا

ظالم يطغى و مظلوم يحابي

***

خلّفتني أذكر الصفو كما

يذكر الشيخ خيالات الشباب

و نأت عنّي و شوقي حولها

ينشد الماضي و بي – أوّاه – ما بي

و دعاها حاصد العمر إلى

حيث أدعوها فتعيا عن جوابي

حيث أدعوها فلا يسمعني

غير صمت القبر و القفر اليباب

موتها كان مصابي كلّه

و حياتي بعدها فوق مصابي

***

أين منّي ظلّها الحاني و قد

ذهبت عنّي إلى غير إياب

سحبت أيّامها الجرحى على

لفحة البيد و أشواك الهضاب

ومضت في طرق العمر فمن

مسلك صعب إلى دنيا صعاب

وانتهت حيث انتهى الشوط بها

فاطمأنّت تحت أستار الغياب

***

آه " يا أمّي " و أشواك الأسى

تلهب الأوجاع في قلبي المذاب

فيك ودّعت شبابي و الصبا

وانطوت خلفي حلاوات التصابي

كيف أنساك و ذكراك على

سفر أيّامي كتاب في كتاب

إنّ ذكراك ورائي و على

وجهتي حيث مجيئي و ذهابي

كم تذكّرت يديك وهما

في يدي أو في طعامي و شرابي

كان يضنيك نحولي و إذا

مسّني البرد فزنداك ثيابي

و إذا أبكاني الجوع و لم

تملكي شيئا سوى الوعد الكذّاب

هدهدت كفاك رأسي مثلما

هدهد الفجر رياحين الرّوابي

***

كم هدتني يدم السمرا إلى

حقلنا في ( الغول ) في ( قاع الرحاب )

و إلى الوادي إلى الظلّ إلى

حيث يلقي الروض أنفاس الملاب

و سواقي النهر تلقي لحنها

ذائبا كاللطف في حلو العتاب

كم تمنّينا و كم دلّلتني

تحت صمت اللّيل و الشهب الخوابي

***

كم بكت عيناك لمّا رأتا

بصري يطفا و يطوي في الحجاب

و تذكّرت مصيري و الجوى

بين جنبيك جراح في التهاب

***

ها أنا يا أمّي اليوم فتى

طائر الصيت بعيد الشهاب

أملأ التاريخ لحنا وصدى

و تغني في ربا الخلد ربابي

فاسمعي يا أمّ صوتي وارقصي

من وراء القبر كالحورا الكعاب

ها أنا يا أمّ أرثيك و في

شجو هذا الشعر شجوي و انتحابي