ابو البقاء الرندي

 

هو صالح بن يزيد بن صالح بن شريف الرندي، أبو البقاء

من شعراء العصر الأندلسي

ولد سنة 601 هـ / 1204 م ـ توفي سنة 684 هـ / 1285 م

 

لِكُـلِّ شَـيءٍ إِذَا مَا تَـمَّ

لِكُـلِّ شَـيءٍ إِذَا مَا تَـمَّ نُقصَـانُ

فَلاَ يُغَـرَّ بِطِيـبِ العَيـشِ إِنسَـانُ

هِيَ الأُمُـورُ كَمَـا شَاهَدتُهـا دُوَلٌ

مَـنْ سَـرَّهُ زَمَـن سَاءَتـهُ أَزمَـانُ

وَهَذِهِ الـدَّارُ لاَ تُبقِـي عَلَـى أَحَـدٍ

وَلاَ يَـدُومُ عَلَى حَـالٍ لَهَـا شَـانُ

يُمَزِّقُ الدَّهرُ حَتـماً كُـلَّ سَابِغَـةٍ

إِذَا نَبَـت مَشـرَفِيَّـات وَخرصَـانُ

وَيَنتَضِي كُلَّ سَيـفٍ لِلفَنَـاءِ وَلَـو

كَانَ ابنَ ذِي يَزَن وَالغِمـدِ غمـدَانُ

أَينَ المُلوكُ ذَوِي التِيجَـانِ مِنْ يَمَـنٍ

وَأَيـنَ مِنهُـم أَكَـالِيـلٌ وَتيجَـانُ

وَأَينَ مَـا شَـادَهُ شَـدَّادُ فِـي إِرَمٍ

وَأينَ مَا سَاسَه فِي الفُـرسِ سَاسَـانُ

وَأَينَ مَا حَـازَهُ قَـارُونُ مِِنْ ذَهَـبٍ

وَأَيـنَ عَـادٌ وَشَـدَّادٌ وَقَحطَـانُ

أَتَى عَلَى الكُـلِّ أَمـرٌ لاَ مَـرَدَّ لَـهُ

حَتَّى قَضوا فَكَأَنَّ القَـومَ مَا كَانُـوا

وَصَارَ مَا كَانَ مِنْ مُلكٍ وَمِن مَـلِكٍ

كَمَا حَكَى عَنْ خَيالِ الطَيفِ وَسِنانُ

دَارَ الـزَّمَـانُ عَلَـى دَارا وَقَاتِلِـهِ

وَأَمَّ كِـسـرَى فَمَـا آوَاهُ إِيـوانُ

كَأَنَّمَا الصَعبُ لَمْ يَسهُـل لَهُ سَبَـبٌ

يَـوماً وَلاَ مَـلَكَ الدَّنيَـا سُلَيمَـانُ

فَجـائِـعُ الدَّهـرِ أَنـواعٌ مُنَوَّعَـةٌ

وَلِلـزَمـانِ مَـسـرّاتٌ وَأَحـزَانُ

وَلِلـحَـوادِثِ سَلـوانٌ يُهـوِّنُهَـا

وَما لِمَـا حَـلَّ بِالإِسـلامِ سَلـوانُ

دَهَى الجَزيـرَةِ أَمـرٌ لاَ عَـزَاءَ لَـهُ

هَوَى لَـهُ أُحُـدٌ وَانْهَـدَّ ثَهـلانُ

أَصَابَهَا العَينُ فِي الإِسلامِ فَارتَـزَأتْ

حَتَّى خَلَـت مِنـهُ أَقطَـارٌ وَبُلـدَانُ

فَاسـأَل بَلَنسِيـةً مَا شَـأنُ مرسِيَـةٍ

وَأَيـنَ شَاطِبـة أَم أَيـنَ جَـيّـانُ

وَأَيـنَ قُرطُبَـةُ دَارُ العُلُـومِ فَكَـم

مِنْ عالِـمٍ قَدْ سَمَا فِيهَـا لَهُ شَـانُ

وَأَينَ حِمصُ وَمَا تَحويِـهِ مِنْ نُـزَهٍ

وَنَهرُهَا العَـذبُ فَيَّـاضٌ وَمَـلآنُ

قَوَاعِدُ كُـنَّ أَركَـانَ البِـلادِ فَمَـا

عَسَى البَقَـاءُ إِذَا لَمْ تَبـقَ أَركَـانُ

تَبكِي الحَنيفِيَّةُ البَيضَـاءُ مِنْ أَسَـفٍ

كَمَا بَكَى لِفِـراقِ الإِلـفِ هَيـمَانُ

عَلَى دِيـارٍ مِـنَ الإِسـلامِ خَالِيَـةٍ

قَدْ أَقفَـرَت وَلَها بالكُفـرِ عُمـرَانُ

حَيثُ المَسَاجِدُ قَدْ صَارَت كَنائِـسَ

مَـا فِيهِـنَّ إِلاَّ نَواقِيـسُ وَصلبَـانُ

حَتَّى المَحَارِيبُ تَبكِي وَهيَ جَامِـدَةٌ

حَتَّى المَنَابِرُ تَبكِـي وَهـيَ عِيـدَانُ

يَا غَافِـلاً وَلَهُ فِي الدَّهـرِ مَوعِظَـةً

إِنْ كُنتَ فِي سنَةٍ فَالدَّهـرُ يَقظَـانُ

وَمَـاشِيـاً مَرِحـاً يُلهِيـهِ مَوطِنُـهُ

أَبَعدَ حِمـص تَغُـرُّ المَـرءَ أَوطَـانُ

تِلكَ المُصِيبَـةُ أَنسَـت مَا تَقَدَّمَهـا

وَمَا لَهَا مِنْ طِـوَالِ المَهـرِ نِسيـانُ

يَـا أَيُّهَـا المَـلكُ البَيضَـاءُ رَايَتُـهُ

أَدرِك بِسَيفِكَ أَهلَ الكُفرِ لاَ كَانُـوا

يَا رَاكِبينَ عِتَـاقَ الخَيـلِ ضَامِـرَةً

كَأَنَّهَا فِي مَجَـالِ السَبـقِ عُقبَـانُ

وَحَامِليـنَ سُيُوفَ الـهِندِ مُرهَفَـةً

كَأَنَّهَـا فِي ظَـلامِ النَقـعِ نِيـرَانُ

وَراتِعيـنَ وَراءَ البَحـرِ فِـي دعـةٍ

لَهُـم بِأَوطَانِهِـم عِـزٌّ وَسلطَـانُ

أَعِندكُم نَبَـأُ مِـنْ أَهـلِ أَندَلُـسٍ

فَقَد سَرَى بِحَدِيثِ القَـومِ رُكبَـانُ

كَم يَستَغيثُ بِنَا المُستَضعَفُونَ وَهُـم

قَتلَـى وَأَسـرَى فَمَا يَهتَـزَّ إِنسَـانُ

مَاذَا التَقَاطِـعُ فِي الإِسـلامِ بَينَكُـمُ

وَأَنـتُـم يَـا عِـبَـادَ اللهِ إِخـوَانُ

أَلاَ نُفـوسٌ أَبـيَّـاتٌ لَهَـا هِمَـمٌ

أَمَا عَلَـى الخَيـرِ أَنصَـارٌ وَأَعـوَانُ

يَا مَن لِذلَّـةِ قَـوم بَعـدَ عِزَّتِهِـم

أَحَـالَ حَـالَهُـم كُفـرٌ وَطُغيـانُ

بِالأَمسِ كَانُوا مُلُوكـاً فِي مَنَازِلِهِـم

وَاليَومَ هُم فِي بِلادِ الكُفـرِ عُبـدَانُ

فَلَو تَرَاهُم حَيَـارَى لاَ دَلِيـلَ لَهُـم

عَلَيهِـم مِنْ ثِيـابِ الـذُّلِّ أَلـوَانُ

وَلَو رَأَيـتَ بُكَاهُـم عِنـدَ بَيعهـمُ

لَهَالَكَ الأَمـرُ وَاِستَهوَتـكَ أَحـزَانُ

يَـا رُبَّ أُمٍّ وَطِفـلٍ حِيـلَ بَينَهُـمَا

كَـمَـا تُـفَـرَّقُ أَروَاحٌ وَأَبـدَانُ

وَطفلَة مِثلَ حُسنِ الشَّمسِ إِذْ بَـرَزَت

كَأَنَّمَـا هِـيَ يَاقُـوتٌ وَمُرجَـانُ

يَقُودُهَا العِلـجُ لِلمَكـرُوهِ مُكرَهَـةً

وَالعَيـنُ بَاكِيَـةٌ وَالقَلـبُ حَيـرَانُ

لِمِثلِ هَذا يَبكِي القَلـبُ مِنْ كَمَـدٍ

إِنْ كَانَ فِي القَلبِ إِسـلامٌ وَإِيْمَـانُ

 


شــفَّ عَـنْ وَرد

أَلـثَـامٌ شــفَّ عَـنْ وَردٍ نَـدِ

أَمْ غمَـامٌ ضَحَكَـت عَـن بَـرَدِ

أَمْ عَلَـى الأَزرَارِ مِـنْ حُـلَّتـهَا

بَـدرُ تَـمٍّ فِـي قَضيـبٍ أَملَـدِ

بِـأَبِـي لِيـنٌ لَـهُ لَـوْ أَنَّــهُ

نُقِلَـت عِـطـفَـتُـه للخَـلَـدِ

لاَ وَأَلـحـاظٍ لَـهَـا سَـاحِـرَة

نَفَثَـت فِي القَلـبِ لاَ فِي العُقـدِ

لاَ طَلَبـتُ الثَـأرَ مِنـهَا ظالِمـاً

وَأَنَـا القَـاتِـلُ نَفسِـي بِيَـدِي

نَظَـرَتْ عَينِـي لِحَينـي نَظـرةً

أَخَذَتْ رُوحِي وَخلَّـت جَسَـدِي

هَـاتِهَـا بِالله فِـي مَرَضَـاتِهَـا

قَهـوةً فِيـهَا شِفَـاءُ الكَـمَـدِ

عُصِرَت بِاللُطفِ فِي عَصـرِ الصِّـبَا

فَـرمَـت بِالمِسـكِ لاَ بِالـزبَـدِ

مَـا دَرَى مديرُهـا فِـي كَأسِهَـا

وَهِـيَ مِثـلُ البَـارِقِ الـمُتَّقـدِ

دُرّةٌ ضَمَّـت عَلَـى يَـاقُـوتـةٍ

أَمْ لُجَيـنٌ فِيهِ ثَـوبٌ عَسجَـدِي

سقّنِـي غَـيـرَ مُلِيـمٍ إِنَّـنِـي

حَنفـيُّ الـرَأي وَالمُـعـتَـقَـدِ

لاَ أَرَى بالسُكـرِ إِلاَّ مـن هَـوَى

أَوْ هِبَـات الـمَـلِك الـمُؤيَّـدِ

مَـلِكُ الـعَليَـا وَلَـوْ أَنصَفتُـهُ

فَفَـتَـحـتُ الـلام لَـمْ أُفنَّـدِ

 


يَا سَالِبَ القَلبِ

يَا سَالِبَ القَلبِ مِنِّي عِندَمَـا رَمَقَـا

لَمْ يُبقِ حُبُّكَ لِي صَبـراً وَلاَ رَمَقَـا

لاَ تَسألِ اليَومَ عَمَّا كَابَدَت كَبـدِي

لَيتَ الفِرَاقَ وَلَيتَ الحُبَّ مَا خُلِقَـا

مَا باِختِيَاريَ ذُقـتُ الحُـبَّ ثَانِيـةً

وَإِنَّمَـا جَـارَتِ الأَقـدَارُ فَاتَّفََقَـا

وَكُنتُ فِي كَلَفِي الدَّاعِي إِلى تَلَفِـي

مِثلَ الفِراشِ أَحَبَّ النَّـارَ فَاِحتَرَقَـا

يَا مَنْ تَجَلَّى إِلـى سرّي فَصَيَّرنِـي

دَكَّاً وَهزَّ فُـؤَادي عِندَمَـا صعِقَـا

انظُر إِلَيَّ فَإِنَّ النَفـسَ قَـدْ تَلِفَـتْ

وَارفُق عَلَيَّ فَإِنَّ الرُوحَ قَـدْ زَهِقَـا