العكوك

 

هو علي بن جَبلة بن مسلم بن عبد الرحمن الأبناوي، والعَكَوَّك هو القصير السمين

من شعراء العصر العباسي

ولد سنة 160 هـ / 776 م ـ توفي سنة 213 هـ / 828 م

 

أَلِلدَّهرِ تَبكي

أَلِلدَّهرِ تَبكي أَم عَلى الدَّهرِ تَجـزَعُ

وَما صاحِـبُ الأَيَّـامِ إِلاَّ مُفَجَّـعُ

وَلَو سَهَّلَت عَنـكَ الأَسَـى كـانَ

فِي الأَسَى عَزاءُ مُعزٍّ لِلَّبيبِ وَمَقنَـعُ

تَعَزَّ بِمـا عَزَّيـت غَيـرَكَ إِنَّهـا

سِهـامُ المَنايـا رائِحـاتٌ وَوُقَّـعُ

أُصِبنا بِيَومٍ فِـي حَميـدٍ لَـوَ أَنَّـهُ

أَصابَ عَروس الدَّهرِ ظَلَّت تَضَعضَعُ

وَأَدَّبنـا مـا أَدَّبَ النَّـاسَ قَبلَنـا

وَلكِنَّهُ لَم يَبـقَ لِلصَبـرِ مَوضِـعُ

أَلَم تَرَ لِلأَيَّـامِ كيـفَ تَصَرَّمَـت

بِـهِ وَبِـهِ كانَت تُـذادُ وَتُدفَـعُ

وَكَيفَ التَقَى مَثوىً مِنَ الأَرضِ ضَيِّقٌ

عَلى جَبَل كانَت بِهِ الأَرضُ تُمنَـعُ

وَلَمَّا انقَضَت أَيَّامَهُ انقَضـى العُـلا

وَأَضحى بِهِ أَنفُ النَّدَى وَهوَ أَجدَعُ

وَراحَ عَدُوُّ الدينِ جَـذلانَ يَنتَجـي

أَمانِي كانَت فِـي حَشـاهُ تَقَطَّـعُ

وَكانَ حَميدٌ مَعقِـلاً رَكَعَـت بِـهِ

قَواعِدٌ ما كانَت عَلى الضَيمِ تَركَـعُ

وَكُنـتُ أَراهُ كَالـرَّزايـا رَزَئتُهـا

وَلَم أَدرِ أَنَّ الخَلقَ تَبكيـهِ أَجْمَـعُ

حِمامٌ رَمـاهُ مِـن مَواضِـعَ أَمنِـهِ

حِمامٌ كَذاكَ الخَطبُ بِالخَطبِ يُدفَعُ

وَلَيـسَ بِغَـروٍ أَن تُصيـب مَنِيَّـةٌ

حِمَى أُختِهـا أَو أَن يَـذِلَّ المُمَنَّـعُ

لَقَد أَدرَكَت فينـا المَنايـا بِثَأرِهـا

وَحَلَّت بِخَطبٍ وَهيُهُ لَيـسَ يُرفَـعُ

نَعاءِ حَميـداً لِلسَرايـا إِذا غَـدَت

تُذادُ بِأَطـرافِ الرِّمـاحِ وَتـوزَعُ

وَلِلمُرهَقِ المَكروبِ ضاقَـت بِأَمـرِهِ

فَلَم يَدرِ فِي حَوماتِها كَيفَ يَصنَـعُ

وَلِلبيضِ خَلَّتها البعولُ وَلَـم يَـدَع

لَها غَيرَهُ دَاعِـي الصَّبَـاحِ المُفَـزَّعُ

كَأَنَّ حَميداً لَم يَقُد جَيشَ عَسكَـرٍ

إِلَى عَسكَـرٍ أَشياعُـهُ لا تُـرَوَّعُ

وَلَم يَبعَثِ الخَيلَ المُغيـرَةَ بِالضُّحَـى

مِراحاً وَلَم يَرجِع بِها وَهـيَ ظُلَّـعُ

رَواجِعُ يَحمِلنَ النِّهابَ وَلَـم تَكُـن

كَتائِبُهُ وَحاميهـا الكَمِـيُّ المُشَيَّـعُ

هَوى جَبَلُ الدُّنيـا المَنيـعُ وَغَيثُهـا

المَريعُ وَحامِيهـا الكَمِـيُّ المُشَيَّـعُ

وَسَيفُ أَميـرِ المُؤمِنيـنَ وَرُمْحُـهُ

وَمَفتاحُ بابِ الخَطبِ وَالخَطبُ أَفظَعُ

فَأَقنَعَـهُ مِـن مُلكِـهِ وَرِبـاعِـهِ

وَنائِلِـهِ قَفـرٌ مِـنَ الأَرضِ بَلقَـعُ

عَلى أَيِّ شَجو تَشتَكِي النَّفسُ بَعدَهُ

إِلى شَجوِهِ أَو يَذخُرُ الدَّمعَ مَدمَـعُ

أَلَم تَرَ أَنَّ الشَّمسَ حـالَ ضِياؤُهـا

عَلَيهِ وَأَضحَى لَونُها وَهـوَ أَسفَـعُ

وَأَوحَشَتِ الدُّنيـا وَأَودَى بَهاؤُهـا

وَأَجدَب مَرعاها الَّذِي كَانَ يُمـرِعُ

وَقَد كانَتِ الدُّنيـا بِـهِ مُطمَئِنَّـةً

فَقَـد جَعَلَـت أَوتادُهـا تَتَقَطَّـعُ

بَكَى فَقدَهُ رُوحُ الحَياةِ كَما بَكَـى

نَدَاهُ النَّدَى وَابنُ السَّبِيـلِ المُدَفَّـعُ

وَفارَقَتِ البِيضُ الخُـدورَ وَأُبـرِزَت

عَواطِلَ حَسـرى بَعـدَهُ لا تَقَنَّـعُ

وَأَيقَظَ أَجفاناً وَكانَ لَهـا الكَـرَى

وَنامَت عُيونٌ لَم تَكُن قَبـلَ تَهجَـعُ

وَلكِنَّـهُ مِقـدارُ يَـومٍ ثَـوَى بِـهِ

لِكُلِّ امرِىءٍ مِنـهُ نِهـالٌ وَمشـرَعُ

وَقَـد رَأَبَ اللهُ المَـلا بِمُحَـمَّـدٍ

وَبِالأَصلِ يَنمَـى فَرعُـهُ المُتَفَـرِّعُ

أَغَـرُّ عَلـى أَسيـافِـهِ وَرِماحِـهِ

تُقَسَّم أَنفـالُ الخَميـس وَتُجمَـعُ

حَوَى عَن أَبِيهِ بَذلَ راحَتِـهِ النَّـدَى

وَطَعنَ الكُلَـى وَالزَّاعِبِيَّـةُ شُـرَّعُ

 


هَـل بِالطُـلـول

هَـل بِالطُـلـولِ لِسـائِـلِ رَدُّ

أَم هَـل لَهـا بِتَكَـلُّـم عَـهـدُ

دَرَسَ الجَديـدُ جَديـدَ مَعهَدِهـا

فَكَـأَنَّمـا هِـيَ رَيـطَـةٌ جَـردُ

مِن طولِ ما يَبكـي الغِنـامُ عَلـى

عَرَصـاتِهـا وَيُقَهقِـهُ الـرَّعـدُ

وَتُـلِـثُّ سـارِيَـةٌ وَغـادِيَـةٌ

وَيَكُـرُّ نَحـسٌ خَلفَـهُ سَـعـدُ

تَلقـى شَـآمِـيَـةٌ يَمـانِـيَـةً

لَهُمـا بِمَـورِ تُـرابِـهـا سَـردُ

فَكَسَـت بَواطِنُهـا ظَواهِـرَهـا

نَـوراً كَــأَنَّ زُهــاءَهُ بُـردُ

يَغـدو فَيَسـري نَسجَـهُ حَـدَبٌ

وَاهِـي العـرَى وَنَثـيـرُهُ عِقـدُ

فَوَقَفـت أَسأَلَهـا وَلَيـسَ بِهـا

إِلاَّ الـمَهـا وَنَـقـانِـقٌ رُبـدُ

وَمُكَـدَّمٍ فِـي عـانَـةٍ خَفَـرَت

حَتّـى يُهَيِّـجَ شَـأوَهـا الـوِردُ

فَتَبـادَرَت دِرَرُ الشُّـؤونِ عَلـى

خَـدِّي كَمـا يَتَنـاثَـرُ العِقـدُ

أَو نَضحُ عَـزلاءِ الشَعيـبِ وَقَـد

رَاحَ العَسِـفَ بِمـائِهـا يَعـدو

لَهَفي عَلى دَعـدٍ وَمـا خُلِقَـت

إِلاَّ لِطـولِ بَـلِـيَّـتِـي دَعـدُ

بَيضاءُ قَـد لَبِـسَ الأَديـمُ بَهـاءَ

الحُسـنِ فَهُـوَ لِجِلدِهـا جِلـدُ

وَيَـزيـنُ فَودَيهـا إِذا حَسَـرَت

ضافِـي الغَدائِـرِ فاحِـمٌ جَعـدُ

فَالوَجـهُ مِثـلُ الصُّبـحِ مُنبَلِـجٌ

وَالشَعـرُ مِثـلُ اللَّيـلِ مُـسـوَدُّ

ضِـدَّانِ لِمـا اِستَجمِعـا حَسُنـا

وَالضِـدُّ يُظهِـرُ حَسنَـهُ الضِـدُّ

وَجَبينُهـا صَلـتٌ وَحـاجِبهـا

شَخـتُ المَـحَـطِّ أَزَجُّ مُمتَـدُّ

وَكَأَنَّـهـا وَسنَـى إِذا نَـظَـرَت

أَو مُـدنَـفٌ لَمَّـا يُفِـق بَعـدُ

بِفتـورِ عَـيـنٍ مـا بِهـا رَمَـدٌ

وَبِهـا تُـدَاوى الأَعيُـنُ الرُّمـدُ

وَتُـريـكَ عِـرنينـا يُـزَيِّـنُـهُ

شَـمَـمٌ وَخَـدّا لَـونُـهُ الـوَردُ

وَتُجـيـلُ مِسـواكَ الأَراكِ عَلـى

رَتـلٍ كَـأَنَّ رُضـابَـهُ الشَهـدُ

وَامتَـدَّ مِـن أَعضادِهـا قَصَـبٌ

فَـعـمٌ تَـلَـتـهُ مَـرافِـقٌ دُردُ

وَالمِعـصـان فَمـا يُـرَى لَهُمـا

مِـن فَعمَـةٍ وَبَضـاضَـةٍ زَنـدُ

وَلَـهـا بَـنـانٌ لَـو أَرَدتَ لَـهُ

عَقـداً بِكَفِّـكَ أَمكَـنَ العَقـدُ

وَكَأَنَّمـا سُقِيَـت تَـرائِـبُـهـا

وَالنَحـرُ مـاءَ الحُسـنِ إِذ تَبـدو

وَبِصَـدرِهـا حُـقَّـانِ خِلتُهُمـا

كـافـورَتَيـنِ عَـلاهُمـا نَـدُّ

وَالبَطـنُ مَطـوِيٌّ كَمـا طُوِيَـت

بيـضُ الرِيـاطِ يَصونُهـا المَلـدُ

وَبِخَصـرِهـا هَيَـفٌ يُـزَيِّـنُـهُ

فَـإِذا تَـنـوءُ يَكـادُ يَـنـقَـدُّ

وَلَهـا هَـنٌ رابٍ مَـجَـسَّـتُـهُ

ضَيـقُ المَسـالِـكِ حُـرَّهُ وَقـدُ

فَكَـأَنَّـهُ مِـن كَـبـرِهِ قَـدَحٌ

أَكـلَ العِيـال وَكَـبَّـهُ العَبـدُ

فَإِذا طَعَنـتَ طَعَنـتَ فِـي لَبـدٍ

وَإِذا سَلَلـتَ يَكـادُ يَـنـسَـدُّ

وَالتَـفَّ فَخـذاهـا وَفَـوقَهُمـا

كَفَـلٌ يُجـاذِبُ خَصرَهـا نَهـدُ

فَقِيـامُهـا مَثنـىً إِذا نَهَـضـت

مِـن ثِقلَـةٍ وَقُـعـودهـا فَـردُ

وَالسَّـاقِ خَـرعَبَـةٌ مُنَـعَّـمَـةٌ

عَبِلَـت فَطَـوقُ الحَجـلِ مُنسَـدُّ

وَالكَعـبُ أَدرَمُ لا يَـبـيـنُ لَـهُ

حَجـمً وَلَيـسَ لِـرَأسِـهِ حَـدُّ

وَمَشَت عَلـى قَدمَيـنِ خُصِّرتـا

وَالتَـفَّـتـا فَتَكـامَـلَ الـقَـدُّ

مـا شَأنَهـا طـولٌ وَلا قِـصَـرٌ

فِـي خَلقِهـا فَقَـوامُهـا قَصـدُ

إِن لَم يَكُـن وَصـلٌ لَدَيـكِ لَنـا

يَشفـي الصَّبَابَـةَ فَليَكُـن وَعـدُ

قَد كـانَ أَورَقَ وَصلَكُـم زَمَنـاً

فَـذَوَى الوِصـال وَأَورَقَ الصَـدُّ

للهِ أَشـواقِــي إِذا نَـزَحَــت

دارٌ بِـنـا وَنَـأى بِكُـم بُـعـدُ

إِن تُتهِمـي فَتَـهـامَـةٌ وَطـنُ

أَو تُنـجِـدي إِنَّ الهَـوى نَجـدُ

وَزَعَمـتِ أَنَّـكِ تُضمِريـنَ لَنـا

وُدّاً فَـهَـلاَّ يَـنـفَـعُ الــوُدُّ

وَإِذا المُحِبُّ شَكَا الصُّـدودَ وَلَـم

يُعطَـف عَلَـيـهِ فَقَتلُـهُ عَمـدُ

تَختَصُّهـا بِالـوُدِّ وُهـيَ عَلـى

مـا لا تُحِـبُّ فَهكَـذا الوَجـدُ

إِمَّـا تَـرَى طِـمـرَيَّ بَينَهُمـا

رَجُـلٌ أَلَـحَّ بِـهَـزلِـهِ الجِـدُّ

فَالسَّيفُ يَقطَـعُ وَهُـوَ ذو صَـدَأٍ

وَالنَصـلُ يَعلُـو الهـامَ لا الغِمـدُ

هَـل يَنفَعَـنَّ السَّـيـفَ حِليَتُـهُ

يَـومَ الجِـلادِ إِذا نَـبـا الحَــدُّ

وَلَقَـد عَلِـمـتُ بِأَنَّنِـي رَجُـلٌ

فِـي الصَّالِحـاتِ أَروحُ أَو أَغـدو

سِلـمٌ عَلـى الأَدنَـى وَمَرحَمَـةٌ

وَعَلى الحَـوادِثِ هـادِيءٌ جَلـدُ

مُتَجَلبِـبُ ثَـوبَ العَفـافِ وَقَـد

غَفَـلَ الرَّقيـبُ وَأَمكُـنَ الـوِردُ

وَمُجانِـبٌ فِعـلَ القَبيـحِ وَقَـد

وَصَلَ الحَبيـبُ وَساعَـدَ السَّعـدُ

مَنَـعَ الـمَطـامِـعَ أن تُثَلِّمَنِـي

أَنِّـي لِمَعـوَلِهـا صَفـاً صَلـدُ

فَـأَروحُ حُـرّاً مِـن مَـذّلَّتِهـا

وَالحُـرُّ حيـنَ يُطيعُهـا عَـبـدُ

آلَيـتُ أَمـدَحُ مـقـرفـاً أبَـداً

يَبقَـى المَديـحُ وَيَذهَـبُ الرفـدُ

هَيهـاتَ يأبَـى ذاكَ لِـي سَلَـفٌ

خَمَدوا وَلَم يَخمُـد لَهُـم مَجـدُ

وَالجَـدُّ كِـنـدَةٌ وَالبَنـون هُـمُ

فَزَكـا البَنـون وَأَنْجَـبَ الجَـدُّ

فَلَئِـن قَفَـوتُ جَميـلَ فَعلِهِـمُ

بِـذَميـم فِعلـي إِنَّـنِـي وَغـدُ

أَجمِـل إِذا حاوَلـتَ فِـي طَلَـبٍ

فَالجِـدُّ يُغنِـي عَـنـكَ لا الجَـدُّ

لِيَكُـن لَدَيـكَ لِسـائِـلٍ فَـرَجٌ

إِن لِـم يَكُـن فَليَحـسُـن الـرَدُّ

وَطَـريـدِ لَيـلٍ ساقَـهُ سَغَـبٌ

وَهـنـاً إِلَــيَّ وَقــادَهُ بَـردُ

أَوسَعتُ جُهـدَ بَشاشَـةٍ وَقُـرىً

وَعَلـى الكَريـمِ لِضَيفِـهِ الجُهـدُ

فَتَصَـرَّمَ الـمَشـتِـى وَمَنـزِلُـهُ

رَحـبٌ لَـدَيَّ وَعَيـشُـهُ رَغـدُ

ثُـمَّ اغـتَـدى وَرِداوُّهُ نـعِـمٌ

أَسـدَيتُهـا وَرِدائِـيَ الـحَمـدُ

يـا لَيـتَ شِعـري بَعـدَ ذَلِكُـمُ

وَمَصيـرُ كُـلِّ مُـؤَمِّـلٍ لَحـدُ

أَصَريـعٌ كَلـمٍ أَم صَريـعُ ضَنـىً

أَودَى فَلَيـسَ مِـنَ الـرَّدَى بُـدُّ

 


ريعَـت لِمَنشـور

ريعَـت لِمَنشـورٍ عَلـى مَفرِقِـهِ

ذَمَّ لَها عَهـدَ الصِباحيـن انتَسَـب

أَهدامُ شَيـبٍ جُـدُدٌ فِـي رَأسِـهِ

مَكروهَةُ الجِـدَّةِ أَنضـاءُ العُقُـب

أَشرَقنَ فِـي أَسـوَدَ أَزريـنَ بِـهِ

كانَ دُجاهُ لِهَوى البيـضِ سَبَـب

وَاعتَقـنَ أَيَّـامَ الغَوانِـي وَالصِّـبَا

عَن مَيِّـتِ مَطلَبُـهُ حُـبُّ الأَدَب

لَم يَزدَجِر مُرعَوِياً حيـنَ ارعَـوى

لكِن يَـدٌ لَـم تَتَّصِـل بِمُطَّلَـب

لَم أَرَ كَالشَّيـبِ وَقـاراً يُجتَـوى

وَكَالشَّبَابِ الغَضِّ ظِـلاًّ يُستَلَـب

فَـنـازِلٌ لَـم يُبتَهَـج بِقُـربِـهِ

وَذاهِبٌ أَبقَى جَوىً حيـنَ ذَهَـب

كانَ الشَّـبَابُ لِمَّـةً أُزهـى بِهـا

وَصاحِباً حُرّاً عَزيـزاً المُصطَحَـب

إِذ أَنا أَجـرى سـادِراً فِـي غَيِّـهِ

لا أُعتِبُ الدَّهرَ إِذا الدَّهـرُ عَتِـب

أُبعِدُ شَـأوَ اللَّهـوِ فِـي إِجرائِـهِ

وَأَصِـدُ الخَـودَ وَراءَ المُحتَجَـب

وَأَذعَـرُ الرَبـرَبَ عَـن أَطفالِـهِ

بِأَعـوَجِـيٍّ دُلَفـي المُنتَـسَـب

تَحسَبُـهُ مِـن مَـرَحِ العِـزِّ بِـهِ

مُستَنفِـراً بِـرَوعَـةٍ وَمُلتَـهَـب

وَهُـوَ عَلـى إِرهافِـهِ وَطَـيِّـهِ

يَقصُرُ عَنـهُ المُحزَمـانِ وَاللُّبَـب

تَقـولُ فِيـهَ جَنَـبٌ إِذا انتَحَـى

وَهُوَ كَمَتنِ القِدحِ ما فِيـهِ جَنَـب

يَخطو عَلى عوجٍ تَناهَبـنَ الثَّـرَى

لَم يَتَواكَل عَن شَظىً وَلا عصَـب

تَحسَبُـها ثابِـتَـةً إِذا خَـطَـت

كَأَنَّهـا واطِئَـةٌ عَلـى الرُّكَـب

شَتـا وَقـاظَ بُـرهَتَيـهِ عِندَنـا

لَم يُؤتَ مِن بَـرٍّ بِـهِ وَلا حَـدَب

يُصـانُ عَـصـرَي حَـرِّهِ وَقَـرِّهِ

وَتَقصُـرُ الخـورُ عَلَيـهِ بِالحَلَـب

حَتَّـى إِذا تَمَّـت لَـهُ أَعضـاؤُهُ

لَم تَنحَبِس واحِـدَةٌ عَلـى عَتَـب

رُمنـا بِـهِ الصَيـدَ فَرادَينـا بِـهِ

أَوابِدَ الوَحشِ فَأَجـدى وَاكتَسَـب

مُحتَـدِمَ الجَـري يُبـارى ظِلَّـهُ

وَيُعرِقُ الأَحقَبَ فِي سَوطِ الخبـب

إِذا تَظَـنَّـيـنـا بِـهِ صـدّقنـا

وَإِن تَظَنِّـي نَوتَـهُ العيـرُ كَـذَب

لا يَبلُـغُ الجَهـدَ بِـهِ راكِـبُـهُ

وَيَبلُغُ الرِّيـحَ بِـهِ حَيـثُ طَلَـب

ثُمَّ اِنقَضى ذاكَ كَـأَن لَـم يُعنِـهِ

وَكُلُّ بُقيـا فَإِلَـى يَـومٍ عَطَـب

وَخَلـفَ الدَّهـرُ عَلـى أَبنـائِـهِ

بِالقَدحِ فيهِم وَاِرتِجاعِ مـا وَهَـب

فَحَمِّلِ الدَّهرَ ابنَ عِيسَـى قاسِمـاً

يَنهَض بِهِ أَبلَـجَ فَـرَّاجَ الكُـرَب

كَرَونَقِ السَيفِ انبِلاجـاً بِالنَّـدَى

وَكَغِرارَيـهِ عَلـى أَهـلِ الرِّيَـب

مـا وَسِنَـت عَيـنٌ رَأَت طَلعَتَـهُ

فَاستَيقَظَـت بِنَوبَـةٍ مِـنَ النُّـوَب

لَولا ابنُ عِيسى القَرمُ كُنَّـا هُمَـلاً

لَم يُؤتَثَل مَجدٌ وَلَ يُـرعَ حَسَـب

وَلَم يُقَم فِي يَـوم بَـأسٍ وَنَـدىً

وَلا تَلاقَـى سَبَـبٌ إِلَـى سَبَـب

تَكادُ تبـدي الأَرضُ مـا تُضمِـرُهُ

إِذا تَداعَـت خَيلُـهُ هَـلاَّ وَهَـب

وَيَستَهِـلُّ أَمَــلاً وَخـيـفَـةً

جـانِبُهـا إِذا استَهَـلَّ أَو قَطَـب

وَهوَ وَإِن كانَ ابـنَ فَرعَـى وائِـل

فَبِمَساعيـهِ تَرَقَّـى فِـي الحَسَـب

وَبِعُـلاهُ وَعُـلا آبـائِـهِ تُحـوَى

غَـداةَ السَبـقِ أَخطـارُ القَصَـب

يا زَهرَةَ الدُنيـا وَيا بـابَ النَّـدَى

وَيا مُجيرَ الرُّعبِ مِن يَومِ الرَّهَـب

لَولاكَ ما كانَ سَـدىً وَلا نَـدىً

وَلا قُرَيـشٌ عُرِفَـت وَلا العَـرَب

خُذها إِلَيـكَ مِـن مَلـىءٍ بِالثَنـا

لكِـنَّـهُ غَيـرُ مَلـيءٍ بِالنَشَـب

وأَثوِ فِي الأَرضِ أَو اِستَفـزِز بِهـا

أَنتَ عَلَيها الرَّأسُ وَالنَّـاسُ الذَّنَـب

 


أَبَـيـتَ فَمَـا

أَبَـيـتَ فَمَـا تُـسـعِـفُ

وَجُـرتَ فَـمَـا تُنـصِـفُ

وَتَـحـلِـفُ لِـي بِالهَـوَى

وَتَـنـكُـثُ مَـا تَحلِـفُ

حِـبـالُـكَ مُـنـحَـلَـةٌ

وَوُدُّكَ مُـسـتَـطـــرَفُ

وَتَـهـجُـرُنِـي واثِـقـاً

فَـثِـق فَـأَنـا المُـدنَـفُ

سَأَعطِـفُ مِـن حَـيـثُ لا

تَـلـيـنُ وَلا تَـعـطِـفُ

وَأَسـكُـت لا أَشـتَـكِـي

وَأَعــرِفُ مــا تَـعـرِفُ

تَجـاوَزتَ أَقصَـى المُـنَـى

فَخَـلـقُـكَ لا يُـوصَـفُ

فَمَـا تَـحـتَـهُ مُـثـقَـلٌ

وَمـا فَـوقَــهُ أَهـيَـفُ

حُـمَـيـدٌ أَبـو غـانِـمٍ

لَـهُ الـشَّـرَفُ الأَشــرَفُ

مَـكـارِمُـهُ تَـنـتَـمِـي

وَأَمـوالُــهُ تَـتـلَــفُ

شَحِـيـحٌ عَلـى عِـرضِـهِ

وَفِـي مـالِـهِ مُـسـرِفُ

لَـهُ كَـنَــفٌ ضـامِـنٌ

عَلـى الأَرضِ مَـن يَكنُـفُ

وَقَحـطـانُ تَـبـهـى بِـهِ

وَتَـبـهَـى بِـهِ خِـنـدِفُ

وَتُضـحـى بِـهِ طَـيـىءٌ

عَلـى غَيـرِهـا تَـشـرُفُ

 


بِطاعَةِ اللهِ

بِطاعَةِ اللهِ طُلـتَ النَّـاسَ كُلَّهُـمُ

وَنُصحِ هادٍ أَميـنِ المُـلكِ مَأمـونِ

حُمَيـدُ يا قاسِـمَ الدُّنيـا بِنائِلِـهِ

وَسَيفِهِ بَينَ أَهلَ النُكـث وَالدِّيـنِ

أَنتَ الزَّمانُ الَّذِي يَجـري تَصَرُّفُـهُ

عَلـى الأَنـامِ بِتَشديـدٍ وَتَلييـنِ

لَو لَم تَكُن كانَتِ الأَيَّام قَد فَنِيَـت

وَالمَكرُماتُ وَماتَ المَجدُ مُذحيـنِ

لَقَد مَنَنتَ عَلى الدُّنيـا وَساكِنِهـا

بِظِلِّ أَمـنٍ بَسيـطٍ غَيـر مَمنـونِ

طَوَيتَ كُلَّ حَشاً مِنها عَلـى أَمَـلٍ

إِلَى قَرينَةِ خَـوفٍ مِنـكَ مَقـرونِ

مَن لَم يَكن مِنكَ مَوصولاً إِلَى سَبَب

لَم يَنزِلُ الأَرضَ إِلاَّ مَنـزِلَ الهـونِ

صَوَّرَكَ اللهُ مِن مَجدٍ وَمِـن كَـرَمٍ

وَصَوَّرَ النَّاسَ مِن ماءٍ وَمِـن طيـنِ

أَصبَحتَ لِلمُلكِ عِرنيناً تَقـومُ بِـهِ

يَـومَ الكَريهَـةِ جَـدَّاعَ العَرانيـنِ

نُهدِي لَكَ المَدحَ مَوزونـاً مُحَبَّـرُهُ

وَتُكسِبنـا عَطـاءً غَيـرَ مَـوزونِ

 


إِن توطَنِي العَجز

إِن توطَنِي العَجزَ فَحَزمـى عِنـدي

قَد يَطرُقُ المَـوتُ حَليـفَ الرَّقـدِ

وَالرِّزقُ حَتمٌ وَهُوَ حِلـفُ الجُهـدِ

وَالطَـلـبِ المُسَـبِّـبِ المُـؤَدّي

وَالدَلوُ لا يَجـي حِيـاضَ الـوِردِ

إِلاَّ بِـفَـتـلِ مَـرسٍ وَحَـصـدِ

ما الـمالُ إِلاَّ مِقدَحـي وَزَنـدي

وَعَلَلي مِـنَ السُّـرَى وَوَخـدي

إِلَـى حُمَيـدٍ مُستَـراحِ الرِّفـدِ

مُحرِزِ إِرثِ الحمدِ وَاسـمِ الحَمـدِ

إِلَـى الَّـذِي سَـنَّ بِنـاءَ المَجـدِ

بِـكُـلِّ غَـورٍ وَبِـكُـلِّ نَجـدِ

أَفنَـت مَساعيـهِ حِسـابَ العَـدِّ

لَـهُ بِـكُـلِّ أَكـمَـةٍ وَوَهـدِ

سَحابَةٌ تُغنَـى وَأُخـرى تُـردَى

كَالدَّهـرِ يَعـدو مَـرَّةً وَيُعـدي

 


جِـلالُ مَـشِـيـب

جِـلالُ مَـشِـيـبٍ نَـزَل

وَأُنـسُ شَـبـابٍ رَحَــل

طَـوى صاحِـبٌ صاحِبـاً

كَـذاكَ اختِـلافُ الـدُّوَل

شَبـابُ كَـأَن لَـم يَكُـن

وَشَيـبٌ كَـأَن لَـم يَـزَل

كَـأَنَّ حُـسـورَ الصِّـبَـا

عَن الشَّيـبِ حيـنَ اشتَعَـل

زُهـا أَمَــل مـونِــقٍ

أَطَـلَّ عَـلَـيـهِ أَجَــل

أَعـاذِلَـتِـي أَقـصِــري

كَفـاكِ المَشِـيـبُ العَـذَل

بَـدا بَـدَلاً بِـالشَّـبَـابِ

لَيـتَ الشَّـبَـابَ الـبَـدَل

جَـــلالٌ وَلـكِـنَّــهُ

تَحـامـاهُ حـورُ المُـقَـل

 


 أَرَّقَهـا الدَّهُـر

وَشَمـولٍ أَرَّقَهـا الدَّهُـر حَتَّـى

مـا تُـوارى قَـداتُهـا بِلَبـوسِ

وَردَةُ اللَّونِ فِي خُـدودِ النَّدامـى

وَهيَ صَفراءُ فِي خُدودِ الكُـؤوسِ

وَكَـأَنَّ الشُّـعـاعَ مِنـهَا عَلـى

الكفَْفِ جِسادٌ عَلى مَداكِ عَـروسِ

لَطُفَـت فَاغتَـدَت تَحِـلُّ فِـي

الأَجسادِ مِن لُطفِها مَحَلَّ النًّفـوسِ

 


راعَـهُ الشَّـيـب

راعَـهُ الشَّـيـبُ إِذ نَـزَل

وَكَـفـاهُ مِـنَ الـعَـذَل

وَانقَـضَـت مُـدَّةُ الصِّبَـا

وَانقَضـى اللَّـهـوُ وَالغَـزَل

قَـد لَعـمـري دَمَـلـتُـهُ

بِخَضـابٍ فَمـا انـدَمَـل

فَابـك لِلشَّـيـبِ إِذ بَـدا

لا عَلـى الرَبـعِ وَالطَـلَـل

وَصَــلَ اللهُ لِلأَمـيـــرِ

عُـرى المُـلـكِ فَاِتَّـصَـل

مَلِـكٌ عَـزمُـهُ الـزَّمـانُ

وَأَفَـعــالُــهُ الــدُّوَل

كِـسـرَوىٌّ بِـمَـجـدِهِ

يَضـرُبُ الضـارِبُ المَـثَـل

وَإِلَــى طِـــلِّ عِــزِّهِ

يَلجَـأُ الخائِـفُ الـوَجـل

كُـلُّ خَـلــقٍ سِــوى

الإِمـامِ للأَنعـامِـهِ خَـوَل

لَيـتَـهُ حيـنَ جـادَ لِـي

بِالغِـنَـى جـادَ بِالقَـفَـل