إقامة الصلاة لغير المؤذن

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإن هناك مسالة مهمة في الآذان والإقامة، ألا وهي حكم إقامة الصلاة لغير المؤذن، وهذه مسألة تنازع فيها الفقهاء في أيهما أولى بالإقامة من أذن أو غيره، ولكنهم اتفقوا على جواز إقامة الصلاة لغير المؤذن(1) وكما قلنا؛ أن العلماء قد اختلفوا فيمن هو أولى وأفضل على قولين(2) القول الأول: أنه لا فرق، وأن الأمر فيه متسع، فلا بأس أن يؤذن رجل ويقيم غيره، وهذا قول متقدمي المالكية، ورواية عند الحنابلة، إلا أن الحنفية قيدوه بعدم تأذي المؤذن من إقامة غيره.

القول الثاني: أنه يستحب أن يتولى الإقامة من تولى الآذان، وهو قول متأخري المالكية، ومذهب الشافعية، والصحيح عند الحنابلة، ووافقهم الحنفية على هذا الرأي إذا كان المؤذن يتأذى من إقامة غيره. فلو أقام غير المؤذن فقد كرهه الشافعية في الوجه الصحيح، وهو رواية عند الحنابلة، ورأي لبعض الحنفية إذا تأذى المؤذن من ذلك.

وسبب خلاف الفقهاء في هذه المسألة يعود على أنه قد ورد حديثان ظاهرهما التعارض، أحدهما حديث الصدائي وفيه: (من أذن فهو يقيم)(3) والثاني حديث عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - حين رأى الأذان : (أمر رسول الله بلالاً فأذن، ثم أمر عبد الله فأقام)(4)، فمن ذهب مذهب النسخ قال: حديث عبد الله بن زيد متقدم وحديث الصدائي متأخر، ومن ذهب مذهب الترجيح قال: حديث عبد الله بن زيد أثبت؛ لأن الصدائي انفرد به عبد الرحمن بن زياد الأفريقي وليس بحجة عندهم(5). ولعل الراجح في هذه المسألة- والله أعلم- أن يقال: إن الأصل جواز الأمرين: (أي أن يقيم غير المؤذن، وأن يقيم المؤذن نفسه) إلا أن الأفضل والأولى أن يتولى الإقامة من تولى الأذان إذا تيسر ذلك(6). فهذا هو السنة وذلك لما يلي:

أولاً: أن حديث عبد الله بن زيد إنما فوض الأذان إلى بلال لأنه كان أندى صوتاً من عبد الله على ما ذكر في الحديث، والمقصود من الأذان الإعلام ومن شرطه: الصوت، وكلما كان الصوت أعلى كان أولى، وأما زياد بن الحارث فكان جهوري الصوت ومن صلح للأذان كان للإقامة أصلح(7)

ثانياً: قد يكون هذا الحديث خاصاً بعبد الله بن زيد، وتكون الأولوية باعتبار غيره من الأمة، والحكمة في التخصيص هي رؤيا الأذان(8).      ثالثاً: أن السابق بالإعلام الأول وهو الأذان أحق بالإعلام الثاني وهو الإقامة(9)

رابعاً: القول بحديث الصدائي أولى لأنه نص في موضع الخلاف(10). لذلك فقد قال الحكيم الترمذي - رحمه الله-: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن من أذن فهو يقيم(11).

أما القول بكراهة أن يقيم غير من أذن فبعيد؛ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج على دليل(12). والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 

 


 

1 - انظر الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة(1/151) والمجموع(3/128). ونيل الأوطار(2/58).

2 - راجع المبسوط (1/132). وبدائع الصنائع(1/151). والمدونة(1/180) والأم(1/86) والمغني(2/71) والإنصاف(1/389). نقلاً عن أحكام النداء والآذان والإقامة، إعداد سامي بن فراج الحازمي صـ(281).

3- أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم(17678، و17679)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب الرجل يؤذن ويقيم آخر( سنن أبي داود (1/252 حديث(512))، والترمذي في أبواب الصلاة، باب من أن من أذن فهو يقيم( جامع الترمذي(1/240) حديث(199)، وابن ماجه في السنن(1/237 برقم(717). وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (1/50) رقم(102). وضعيف ابن ماجه(152).

4- أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم(16590)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب الرجل يؤذن ويقيم آخر( سنن أبي داود (1/252 برقم(512).

5- بداية المجتهد(1/147، 148). ومن أراد الاستزادة من أدلة كل قول في هذه المسألة، ومناقشة أدلة كل قول، وردود أصحاب كل قول على الآخر فليراجع: " أحكام النداء والآذان والإقامة" إعداد سامي بن فراج الحازمي صـ(282- 287).

6- فتاوى اللجنة الدائمة(6/77).

7- الاعتبار صـ(52).

8- نيل الأوطار(2/58).

9- البحر الزخار صـ(196).

10 - الجامع لأحكام القرآن (6/113).

11- جامع الترمذي(1/241).

12- انظر إعلاء السن للتهانوي (1/113). راجع :" أحكام النداء والآذان والإقامة" إعداد سامي بن فراج الحازمي، صـ(287- 288).