|
وصايا مهمة من نبي الأمة
الحمد لله ولي الصالحين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، وحجة على الخلائق أجمعين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد:
ومن عجيب حفظ الله لمن حفظ أوامره أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له من الأذى؛ كما جرى لسفينة مولى النبي -صلى الله عليه وسلم-حيث كُسر به المركب، وخرج إلى جزيرة، فرأى الأسد، فجعل يمشي معه حتى دله على الطريق، فلما أوفقه عليها، جعل يهمهمُ كأنّه يودّعه، ثم رجع عنه. ورؤي إبراهيم بن أدهم نائماً في بستان وعنده حبة في فمها طاقة نرجس فما زالت تذب عنه حتى استيقظ.....والخلاصة: أن من حفظ أوامر الله واجتنب نواهيه، فإن الله يكرمه بكرا مات عظيمة، فيحفظه في نفسه وأهله، ويجعل الحيوانات المؤذية لا تؤذيه، بل يحفظه الله من كل من يتربص به؛ كما حفظ نبيه محمداً- صلى الله عليه وسلم- في الغار، ومؤامرات المنافقين والكفار، وحفظ إبراهيم-عليه السلام- عندما ألقي في النار، وجعلها عليه برداً وسلاماً، وحفظ يونس في لجج البحار، وحفظ سائر الموحدين من مؤامرات المنافقين والكافرين. وعلى الع-من ذلك فأن من ضيع أوامر الله، وارتكب نواهيه؛ فإن الله يضيعه، ويجعل ضرره وأذاه من أحب الناس إليه، ومن الأقربين إليه؛ كما قال بعض السلف: إني لأعصي الله، فأعرف ذلك في خلق خادمي ودابتي4. فعلى المسلم أن يكون دائماً مع الله، في حله وترحاله، ووفي حال صحته ومرضه، وفي حال شدته ورخائه، قال ابن رجب -رحمه الله-: فمن ذكر الله في حال صحته ورخائه، واستعد حينئذٍ للقاء الله بالموت وما بعده، ذكره الله عند هذه الشدائد، فكان معه فيها، ولطف به، وأعانه، وتولاَّه، وثبته على التوحيد، فلقيه وهو عنه راض، ومن نسي الله في حال صحته ورخائه، ولم يستعد حينئذ للقائه، نسيه الله في هذه الشدائد5. وليحذر المسلم أن يكون حاله كحال أولئك الذين إذا أصابتهم سراء عصو وكفروا، وإذا أصابتهم البأساء والضراء تابوا وعادوا إلى الله؛ كما قال الله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} سورة العنكبوت:65 . وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا} سورة الإسراء: 67. ولكن نقول:
يا رب عفوك لا تأخـذ بزلتنـا *** وارحـم أيـا ربّ ذنباً جنيناه
كم نطلب الله في خير يحل بنـا *** فإن تولـت بـلايانـا نسـيناه
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا *** فإن رجعنا إلى الشاطئ عصيناه
ونركب الجو في أمن وفي دعـة *** فمـا سـقطنا لأن الحـافظ الله
فعلى المسلم أن يتعرف إلى الله في وقت الرخاء؛ حتى يعرفه في وقت الشدة، فقد جاء في حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: "من سره أن يستجيب الله له عن الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء"6. فهذا نبي الله يونس -عليه السلام- لماَّ كان من المؤمنين الذاكرين لله في حال الرخاء استجاب لله له في حال الشدة، وأخرجه من ظلمات ثلاث: ظلمة الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل، قال الله-عز وجل-: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} سورة الصافات:143- 144. وقال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} سورة الأنبياء: 87- 88. وعلى الع-من ذلك فإن من نسي الله نسيه الله وأنساه نفسه؛ قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} سورة الحشر:19. فهذا عدو الله اللدود فرعون اللعين لماَّ كان من الكافرين الجاحدين أرداه الله في الهالكين، وجعله عبرة للمعتبرين، فلما أدركه الغرق، قال: آمنت، فقال الله -عز وجل-: {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} يونس:91-92. نسأل الله أن يحفظنا من كل سوء ومكروه.
|