يتصوّر بعض
الناس أن الرفق واللين هو الذي يجب أن يسود التعامل بين الناس عموما
بين
الداعـي والمدعـو
بين المُـنـكِـر وصاحب المُـنـكَـر
وتسمع
العتب على من اشـتـدّ في النَّـكير !
أو اللوم على من أغلظ في القول –
ولو كان لمرة واحدة –
فيقولون :
" إن منكم مُنفِّرين " ... لا
تنفِّـروا الناس !
ويستدلّون بـ ( أدْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) ويكتفون بهذا القدر من الآية
!
ومنهم من يستدل بقول الله عز وجل لموسى مع فرعون ( فَقُولا لَهُ
قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى )
والحقيقة
أن هذا خطأ في الاستدلال ، وقصور في التّـصوّر .
فلكل مقام مقال
ولكل حالة لباس
فالبس لكل حالة لبوسها *** إما نعيمها وإما
بؤسها
فلا تصلح الشدّة في موضع الرفق واللين
ولا يصلح اللين في
موضع الشدة والقوة
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا *** مُضِرٌّ
كوضع السيف في موضع الندى
أما استدلالهم بالآية ( أدْعُ إِلِى
سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) فإن الله
سبحانه وتعالى ختمها بقوله :
( وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ )
ثم قال سبحانه : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ
بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ
لِّلصَّابِرينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ
عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ
)
قال ابن القيم – رحمه الله –
:
جعل سبحانه مراتب الدعوة بحسب
مراتب الخلق ؛ فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يُدعى
بطريق الحكمة ، والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يُدعى بالموعظة الحسنة ،
وهي الأمر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة ، والمعاند الجاحد يجادل بالتي
هي أحسن . هذا هو الصحيح في معنى هذه الآية .
وقال أيضا : وأما
المعارضون المَدْعُوّون للحق فنوعان :
نوع يُدعون بالمجادلة بالتي هي
أحسن ، فإن استجابوا ، وإلا فالمجالدة ، فهؤلاء لا بُـدّ لهم من جدال أو
جلاد . انتهى .
وأما الاستدلال بقول الله عز وجل لموسى وهارون : (
فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى
)
فنقول : كيف فهم موسى عليه الصلاة والسلام هذا الأمر ؟
هل فهمه
على القول الليِّن مُطلقاً ، وعلى الرخاوة عموماً ؟
هذا ما لم يفهمه
موسى عليه الصلاة والسلام بدليل أنه أغلظ لفرعون في موطن الشدة والقوة
فلما قال له فرعون : ( إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا
)
ردّ عليه موسى بقوّة فقال : ( لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء
إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَا
فِرْعَونُ مَثْبُورًا )
مَثْبُورًا ؟
نعـم !
هالكاً مدحورا
مغلوبا !
وهذا مثله مثل الاستدلال بقول الله تبارك وتعالى لِنبيِّـه
صلى الله عليه على آله وسلم : ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ )
وسوف أستعرض معكم بعض المواقف التي
فيها شِدّة وقوّة في الإنكار ، ولا تعارض بينها وبين هذه الآية ، كما لا
تعارض بين أمر موسى – عليه الصلاة والسلام – بالقول الليّن ، وبين شدّته
على فرعون وقوّة لفظه وجزالة خطابه معه .
وهذه بعض المواقف من حياته
صلى الله عليه على آله وسلم
والشدّة تكون مع الكافر وتكون مع
المسلم .
اجتمع أشراف قريش يوما في الحجر ، فذكروا رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط !
سفّـه أحلامنا ، وشتم آباءنا ، وعاب ديننا ، وفرق جماعتنا ، وسب آلهتنا .
لقد صبرنا منه على أمر عظيم . فبينما هم كذلك إذا طلع عليهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن ، ثم مرّ بهم طائفا بالبيت ،
فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول قال عبد الله بن عمرو : فعرفت ذلك في
وجهه ، ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها ، فعرفت ذلك في وجهه ، ثم
مضى ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها ، فقال : تسمعون يا معشر قريش ، أما
والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح . فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل
إلا كأنما على رأسه طائر واقع ! حتى إن أشدهم فيه وَصَاة قبل ذلك ليرفأه
بأحسن ما يجد من القول ، حتى إنه ليقول : انصرف يا أبا القاسم ، انصرف
راشداً ، فو الله ما كنت جهولا ! قال : فانصرف رسول الله صلى الله عليه
وسلم . رواه الإمام أحمد بإسناد حسن .
أليست هـذه شِـدّة وغِلظـة
؟
ولو قيلت اليوم لكافر لعُـدّ ذلك من الغِلظة والتنفير !
ومن
أشد ما رأيت مواقف الصحابة يوم الحديبيبة مع أنهم ليسوا في موقف قوة ، ولكن
ردودهم وأقوالهم كانت هي القويّـة .
في يوم الحديبية أرسلت قريش
رُسلها لمفاوضة النبي صلى الله عليه على آله وسلم ، فلم تُفلح تلك الجهود
قام عروة بن مسعود الثقفي – وكان مشركا - فقال : أي قوم ! ألستم بالوالد
؟
قالوا : بلى .
قال : أوَ لست بالولد ؟
قالوا : بلى .
قال :
فهل تتهمونني ؟
قالوا : لا .
قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل
عكاظ فلما بلّحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟
قالوا : بلى
.
قال : فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آتيه .
قالوا :
ائته ، فأتاه فجعل يُكلم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم نحوا من قوله لِبُدَيْل ، فقال عروة عند ذلك : أي محمد أرأيت إن
استأصلت أمر قومك ، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك ؟ وإن تكن
الأخرى فإني والله لأرى وجوها وإني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن
يَفِرُّوا ويدعوك !
فقال له أبو بكر : امصص ببظر اللات ! أنحن نفرّ عنه
وندعه ؟
فقال عروة : من ذا ؟
قالوا : أبو بكر .
قال عروة : أما
والذي نفسي بيده لولا يَـدٌ كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك .
وجعل
عروة يُكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما تكلم أخذ بلحيته والمغيرة بن
شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر ،
فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بِنَعْـلِ
السيف ، وقال له : أخِّـرْ يَدَكَ عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فرفع عروة رأسه فقال : من هذا ؟
قالوا : المغيرة بن شعبة .
فقال : أي
غدر ! ألست أسعى في غدرتك ؟
وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم
وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما الإسلام
فأقبل ، وأما المال فلست منه في شيء . ثم إن عروة جعل يرمق أصحابَ النبي
صلى الله عليه وسلم بعينيه .
.....
فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي
قوم والله لقد وَفَدْتُ على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله
إن رأيت ملِكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
محمدا ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فَدَلَكَ بها وجهه
وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه ،
وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيماً له ،
وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ... الحديث . رواه البخاري
.
أليست هـذه أيضا شِـدّة وغِلظـة وقـوّة ؟
ولو قيلت اليوم لكافر
لعُـدّ ذلك من الغِلظة والتنفير !
ومع هذه الشِّدة رجع إلى قومه
بهذه الصورة المشرقة التي نقلها بكل صدق وأمانة لقومه ، وعرض عليهم ما
عَرَضَه عليه رسول الله صلى الله عليه على آله وسلم .
كان هذا مع
أئمة الكفر
فماذا كان مع أئمة النفاق ؟!
لما كان في غزوة تبوك
قال النبي صلى الله عليه على آله وسلم : إنكم ستأتون غداً إن شاء الله عين
تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتى يُضحي النهار ، فمن جاءها منكم فلا يمسّ من
مائها شيئا حتى آتي . فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان والعين مثل الشراك
تَـبِـضّ بشيء من ماء . قال فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل
مسستما من مائها شيئا ؟ قالا : نعم . فسبهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال
لهما ما شاء الله أن يقول . رواه مسلم .
يحتاج المُعاند إلى أن
يُعامل بشيء من الشدة والغلظة .
وروى مسلم عن سلمة بن الأكوع – رضي
الله عنه – أن رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله ، فقال :
كُـلْ بيمينك . قال : لا أستطيع ! قال : لا استطعت . ما منعه إلا الكبر .
قال : فما رفعها إلى فيه .
فقوله : لا استطعت . من باب الدعاء عليه
.
فما فعها إلى فيه : أي ما رفع يده إلى فمِـه .
أليست هذه
شِـدّة في الإنكار ؟
وثمة مواقف أُخـر ظهرت فيها الشِّـدّة في
التعامل مما يدلّ على أن الرفق واللين ليس هو التعامل السائد أو الحل
الدائم .
حَـدّث أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم دفع إلى حفصة ابنة عمر رجلاً فقال : احتفظي به . قال :
فَغَفَـلَـتْ حفصة ، ومضى الرجل ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال
: يا حفصة ما فعل الرجل ؟ قالت : غفلت عنه يا رسول الله فخرج . فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : قطع الله يدك . فَرَفَـعَـتْ يديها هكذا ، فدخل
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما شأنك يا حفصة ؟ فقالت : يا رسول
الله قلت قبل لي كذا وكذا ! فقال لها : ضعي يديك ، فإني سألت الله عز وجل
أيما إنسان من أمتي دعوت الله عليه أن يجعلها له مغفرة . رواه الإمام أحمد
بإسناد صحيح .
وروى البيهقي مثل هذه القصة وأنها قعت لعائشة – رضي
الله عنها –
والرجل المدفوع إلى حفصة – رضي الله عنها – إما كان
أسيراً أو محبوساً ولم يكن له قيد .
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس –
رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتما من ذهب في يد
رجل ، فنزعه فطرحه ، وقال :يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده .
فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم : خُـذ خاتمك انتفع به
. قال : لا والله لا آخذه أبدا ، وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم
.
والنّـزع يدل على الشِّـدّة .
وعلى هذا سـار أصحاب النبي
صلى الله عليه على آله وسلم في التعامل بقوّة وشِـدّة فيما يحتاج إلى
الشدّة .
روى مسلم عن عمارة بن رؤيبة – رضي الله عنه – أنه رأى بشر
بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال : قـبّـح الله هاتين اليدين ! لقد
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا ، وأشار
بإصبعه المسبحة .
وكان حذيفة بالمدائن فاستسقى ، فأتاه دهقان بقدح
فضة ، فرماه به ، ثم قال : إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته ، وإن النبي
صلى الله عليه وسلم نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب والفضة
وقال : هن لهم في الدنيا ، وهي لكم في الآخرة . متفق عليه .
وهذا
عبد الله بن عمر يُحدّث فيقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنوكم إليها .
فقال بلال بن عبد الله
بن عمر : والله لنمنعهن !
قال سالم بن عبد الله بن عمر : فأقبل عليه
عبد الله فسبّه سبّـاً سيئا ما سمعته سبه مثله قط ، وقال : أخبرك عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم وتقول : والله لنمنعهن ؟! متفق عليه
.
ما رأيكم :
لو جاء مُدخِّـن تفوح منه روائح التدخين
أو جاء
عامل ملابسه كلها زيوت أو دهانات
فأمسك بهم إمام المسجد أو
المُحتَسِب ( رجل الهيئة ) ثم طردوا عن المسجد أو من المسجد !
ماذا
يكون موقف المُشاهِد لذلك الموقف ؟؟؟
سيقول :
ما بالكم تُنفِّرون
الناس !
إن منكم مُنفّرين
تعاملوا بلطف !
لا تُضيّـقوا على عباد
الله !
ما كان الرفق في شيء إلا زانه .
وربما تلا الآية ( وَلَوْ
كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ )
لكن
هذا الفعل أو التصرف هو ما كان يحدث في زمن النبي صلى الله عليه على آله
وسلم .
قال عمر – رضي الله عنه – : لقد رأيت رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع ،
فمن أكلهما فليمتهما طبخا . رواه مسلم .
يعني البصل والثوم .
قال
بعض أهل العلم : وإنما يُخرجون إلى البقيع لأنه جهة المقبرة ، والموتى لا
يتأذّون بتلك الروائح !
وينبغي التفريق في التعامل بين الجاهل الذي
يحتاج إلى تعليم ، وبين المُعاند .
وما هذه إلا
أمثلة لم أُرِد بها الحصـر .