|
*2* 62 - باب الإيثار والمواساة
@قال اللَّه تعالى (الحشر 9): {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}.
وقال تعالى (الإنسان 8): {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} إلى آخر الآيات.
564 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فقال: إني مجهود. فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: <من يضيف هذا الليلة؟> فقال رجل من الأنصار: أنا يا رَسُول اللَّهِ. فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: أكرمي ضيف رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم.
وفي رواية قال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني. قال: علليهم بشيء، وإذا أرادوا العشاء فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل. فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين. فلما أصبح غدا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فقال: <لقد عجب اللَّه من صنيعكما بضيفكما الليلة> مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
565 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: <طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة> مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وفي رواية لمسلم عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: <طعام الواحد يكفي الاثنين ، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية> .
566 - وعن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: بينما نحن في سفر مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يصرف بصره يميناً وشمالاً. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: <من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، وما كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له> فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. رَوَاهُ مُسلِمٌ.
567 - وعن سهل بن سعد رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن امرأة جاءت إلى رَسُول اللّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ببردة منسوجة فقالت: نسجتها بيدي لأكسوكها. فأخذها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم محتاجاً إليها فخرج إلينا وإنها لإزاره. فقال فلان: اكسنيها ما أحسنها! فقال: <نعم> فجلس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه. فقال له القوم: ما أحسنت! لبسها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم محتاجاً إليها ثم سألته وعلمت أنه لا يرد سائلاً. فقال: إني والله ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنه. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
568 - وعن أبي موسى رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: <إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم> مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
<أرملوا> : فرغ زادهم، أو قارب الفراغ.
*2* 63 - باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به
@قال اللَّه تعالى (المطففين 26): {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}.
569 - وعن سهل بن سعد رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: <أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟> فقال الغلام: لا والله يا رَسُول اللَّهِ لا أوثر بنصيبي منك أحداً. فتله رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم في يده. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
<تله> بالتاء المثناة فوق: أي وضعه، وهذا الغلام هو ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما.
570 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: بينا أيوب عليه السلام يغتسل عرياناً فخر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثي في ثوبه. فناداه ربه عَزَّ وَجَلَّ: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟! قال: بلى وعزتك ولكن لا غنى لي عن بركتك> رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
*2* 64 - باب فضل الغني الشاكر وهو من أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بها
@قال اللَّه تعالى (الليل 5 - 7): {فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى}.
وقال تعالى (الليل 17 - 21): {وسيجنبها الأتقى، الذي يؤتي ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى}.
وقال تعالى (البقرة 272): {إن تبدوا الصدقات فنعما هي، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم، ويكفر عنكم من سيئاتكم، والله بما تعملون خبير}.
وقال تعالى (آل عمران 92): {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، وما تنفقوا من شيء فإن اللَّه به عليم}. والآيات في فضل الإنفاق في الطاعات كثيرة معلومة.
571 - وعن عبد اللَّه بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: <لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه اللَّه مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه اللَّه حكمة فهو يقضي بها ويعلمها> مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وتقدم شرحه قريباً (انظر الحديث رقم 544) .
572 - وعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: <لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه اللَّه القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه اللَّه مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار> مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
<الآناء> : الساعات.
573 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن فقراء المهاجرين أتوا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم. فقال: <وما ذاك؟> فقالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: <أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟> قالوا: بلى يا رَسُول اللَّهِ. قال: <تسبحون، وتحمدون وتكبرون، دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة> فرجع فقراء المهاجرين إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: <ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء> مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وهذا لفظ مسلم.
<الدثور> : الأموال الكثيرة، والله أعلم.
*2* 65 - باب ذكر الموت وقصر الأمل
@قال اللَّه تعالى (آل عمران 185): {كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}.
وقال تعالى (لقمان 34): {وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت}.
وقال تعالى (النحل 61): {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة، ولا يستقدمون}.
وقال تعالى (المنافقون 9 - 11): {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر اللَّه، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون، وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول: رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين، ولن يؤخر اللَّه نفساً إذا جاء أجلها، والله خبير بما تعملون}.
وقال تعالى (المؤمنون 99 - 115): {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت. كلا إنها كلمة هو قائلها، ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون، فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون. فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، تلفح وجوههم النار، وهم فيها كالِحُون. ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون!} إلى قوله تعالى {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم فاسأل العادين. قال: إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون، أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون؟!}.
وقال تعالى (الحديد 16): {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر اللَّه وما نزل من الحق، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم، وكثير منهم فاسقون}. والآيات في الباب كثيرة معلومة.
574 - وعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: أخذ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم بمنكبي فقال: <كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل> وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
575 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: <ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده> مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. هذا لفظ البخاري.
وفي رواية لمسلم <يبيت ثلاث ليال> قال ابن عمر: ما مرب علي ليلة منذ سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال ذلك إلا وعندي وصيتي.
576 - وعن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: خط النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم خطوطاً فقال: <هذه الأمل وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاء الخط الأقرب> رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
577 - وعن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: خط النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم خطاً مربعاً، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه، وخط خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط فقال: <هذا الإنسان، وهذا أجله محيطاً به، أو قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض؛ فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا> رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
578 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: <بادروا بالأعمال، سبعاً: هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر؟!> رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
579 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: <أكثروا ذكر هاذم اللذات> يعني الموت. رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
580 - وعن أبي بن كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: <يا أيها الناس اذكروا اللَّه، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه!> قلت: يا رَسُول اللَّهِ إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: <ما شئت> قلت: الربع؟ قال: <ما شئت فإن زدت فهو خير لك> قلت: فالنصف؟ قال: <ما شئت فإن زدت فهو خير لك> قلت: فالثلثين؟ قال: <ما شئت فإن زدت فهو خير لك> قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: <إذاً تكفى همك، ويغفر لك ذنبك> رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
*2* 66 - باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر
581 - عن بريدة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: <كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها> رَوَاهُ مُسلِمٌ.
582 - وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنها قالت: كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم كلما كان ليلتها من رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: <السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد> رَوَاهُ مُسلِمٌ.
583 - وعن بريدة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: <السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء اللَّه بكم للاحقون، أسأل اللَّه لنا ولكم العافية> رَوَاهُ مُسلِمٌ.
584 - وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: مر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم بقبور بالمدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: <السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر اللَّه لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر> رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
*2* 67 - باب كراهة تمني الموت بسبب ضر نزل به ولا بأس به لخوف الفتنة في الدين
585 - عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: <لا يتمنى أحدكم الموت؛ إما محسناً فلعله يزداد، وإما مسيئاً فلعله يَسْتَعْتِبُ> مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وهذا لفظ البخاري.
وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة رَضِيّ اللَّه عَنْهُ عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: <لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه؛ إنه إذا مات انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً> .
586 - وعن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: <لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه. فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحييني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي> مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
587 - وعن قيس بن أبي حازم قال دخلنا على خباب بن الأَرَثّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ نعوده وقد اكتوى سبع كَيَّاتٍ فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعاً إلا التراب، ولولا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به. ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطاً له فقال: <إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب> مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وهذا لفظ رواية البخاري.
*2* 68 - باب الورع وترك الشبهات
@قال اللَّه تعالى (النور 15): {وتحسبونه هيناً وهو عند اللَّه عظيم}.
وقال تعالى (الفجر 14): {إن ربك لبالمرصاد}.
588 - وعن النعمان بن بشير رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما قال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم يقول: <إن الحلال بين، وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس. فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه؛ ألا وإن لكل ملك حمىً، ألا وإن حمى اللَّه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب> مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وروياه من طرق بألفاظ متقاربة.
589 - وعن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وجد تمرة في الطريق فقال: <لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها> مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
590 - وعن النواس بن سمعان رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: <البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس> رَوَاهُ مُسلِمٌ.
<حاك> بالحاء المهملة والكاف أي: تردد فيه.
591 - وعن وابصة بن معبد رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: أتيت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فقال: <جئت تسأل عن البر؟> قلت: نعم. فقال: <استفت قلبك. البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب. والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك> حديث حسن رواه أحمد والدارمي في مسنديهما.
592 - وعن أبي سِروعة - بكسر السين المهملة ونصبها - عقبة بن الحارث رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز فأتته امرأة فقالت: إن قد أرضعت عقبة والتي قد تزوج بها. فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني. فركب إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم بالمدينة فسأله، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: <كيف وقد قيل؟> ففارقها عقبة ونكحت زوجاً غيرها. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
<إهاب> بكسر الهمزة، و <عزيز> بفتح العين وبزاي مكررة.
593 - وعن الحسن بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: حفظت من رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: <دع ما يريبك إلى ما لا يريبك> رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح.
معناه: اترك ما تشك فيه وخذ ما لا تشك فيه.
594 - وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنها قالت: كان لأبي بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوماً بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ فقال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني لذلك هذا الذي أكلت منه. فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
<الخراج> : شيء يجعله السيد على عبده يؤديه إلى السيد كل يوم وباقي كسبه يكون للعبد.
595 - وعن نافع أن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، وفرض لابنه ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين فلم نقصته؟ فقال: إنما هاجر به أبوه. يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
596 - وعن عطية بن عروة السعدي الصحابي رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيهِ وَسَلَّم: <لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به بأس> رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
*2* 69 - باب استحباب العزلة عند فساد الزمان أو الخوف من فتنة في الدين ووقوع في حرام وشبهات ونحوها
@قال اللَّه تعالى (الذاريات 50): {ففروا إلى اللَّه إن لكم منه نذير مبين}.
597 - وعن سعد بن أبي وقاص رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم يقول: <إن اللَّه يحب العبد التقي الغني الخفي> رَوَاهُ مُسلِمٌ.
والمراد بـ <الغني> : غني النفس. كما سبق في الحديث الصحيح (انظر الحديث رقم 522) .
598 - وعن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رجل: أي الناس أفضل يا رَسُول اللَّهِ؟ قال: <مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل اللَّه> قال: ثم من؟ قال: <ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه> وفي رواية <يتقي اللَّه ويدع الناس من شره> مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
599 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: <يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن> رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
و <شعف الجبال> : أعلاها.
600 - وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: <ما بعث اللَّه نبياً إلا رعى الغنم> فقال أصحابه: وأنت؟ قال: <نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة> رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
601 - وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم أنه قال: <من خير معاش الناس رجل ممسك عنان فرسه في سبيل اللَّه يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل أو الموت مظانه، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف، أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ليس من الناس إلا في خير> رَوَاهُ مُسلِمٌ.
<يطير> : أي يسرع.
و <متنه> : ظهره.
و <الهيعة> : الصوت للحرب.
و <الفزعة> : نحوه.
و <مظان الشيء> : المواضع آلتي يظن وجوده فيها.
و <الغنيمة> بضم الغين : تصغير الغنم.
و <الشعفة> بفتح الشين والعين: هي أعلى الجبل.
*2* 70 - باب فضل الاختلاط بالناس وحضور جمعهم وجماعاتهم ومشاهد الخير ومجالس الذكر معهم وعيادة مريضهم وحضور جنائزهم ومواساة محتاجهم وإرشاد جاهلهم وغير ذلك من مصالحهم لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقمع نفسه عن الإيذاء وصبر على الأذى.
@اعلم أن الاختلاط بالناس على الوجه الذي ذكرته هو المختار الذي كان عليه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وسائر الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم، وكذلك الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين وأخيارهم، وهو مذهب أكثر التابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم أجمعين.
@قال اللَّه تعالى (المائدة 2): {وتعاونوا على البر والتقوى}. والآيات في معنى ما ذكرته كثيرة معلومة.
|