|
أطياف الود
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ، وعلى آله وصحـبه أجمعين .
وبعد ..
قال تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة ) (الحجرات: من الآية10) قالها سبحانه وتعالى في كتابه ، وأتى بها رسول الهدى ( صلى الله عليه وسلم ) في الأرض ، وآخى بين أصحابه ، فلا قبائل ولا حزبيات ولا عصبيات ولا ألوان ، ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات: من الآية13) فأكرمنا : أقربنا إلى الله ، وليس أكرمنا فلان بن فلان .
يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( لينتهين أقوام بآبائهم الذين ماتوا ، إنما هم فحم من جهنم ) .
لا تـقــل أصـلـي وفـصـلـي يـا فـتـى إنـمـا أصـل الـفـتـى مـا قـد حـصـل
لـيـس مـن يـقــطـع طـرقـاً بـطــلاً إنـمـــا مـن يـتـقـي الله الـبـطـــل
أبو جهل كان يقول : أنا من بني مخزوم ، وأنا سيد قريش ، وأنا .. ولكنه لما كفر بلا إله إلا الله ، أدخله الله على وجهه في النار فما نفعته أسرته .
أما بلال ، العبد الرقيق ، المولى ، الأسود ، فلما آمن بلا إله إلا الله ، وسجد لرب لا إله إلا الله أصبح سيداً من السادات .
يقول عمر رضي الله عنه وأرضاه : أبو بكر سيدنا ، وأعتق سيدنا يعني : بلالاً .
في الصحيحين أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال لبلال عند صلاة الفجر : ( يا بلال حدثني بأرجى عملٍ عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة ) .
قال : ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهوراً في ساعة ليل أو نهار ، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي .
وسلمان الفارسي أتى من أرض فارس ، فدخل في الدين ، فروي عنه( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال :( سلمان منا أهل البيت ) .
فالمؤمنون إخوة .. إخوة أعظم من إخوة النسب ، وأعظم من قرب الحسب ؛ لأنها إخوة تصلهم بالله عز وجل .
يقول عز من قائل للمؤمنين : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران:103) .
قيل في سبب الآية : أن الأوس والخزرج ، أنصار الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في المدينة تأخروا ، وتآلفوا ، وتحابوا حتى أصبحوا أعظم من الآباء والأمهات .. فغاظ هذا اليهود ، فأتى يهودي مجرم إلى المدينة ، فدخل على الأوس والخزرج وهو في المسجد ، فقال : أنسيتم حروب الجاهلية ؟ وأصبح يعيد ذكريات الحروب ، والثارات القديمة ، حتى أشعل الفتنة بينهم ، فنسوا ما اعتادوا عليه من الألفة والمحبة ، فقام شاب من الخزرج فسل سيفه ، وقال : يا للطيمة يا للطيمة .
وقام أوسي .
فتواعدوا في الحرة ، فخرجت القبيلتان ، والموت يقطر من سيوفهم ؛ لأن القبائل يوم تنسى لا إله إلا الله ، ويوم تنسى رسالة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، يوم تنسى الحب الذي أنزله الله في كتابه ، ويوم تنسى الجنة ، والنار ، والصراط ، والميزان ، تصبح كأنها قطيع من البهائم في الغابة .
فأخذوا السيوف ، وصفوا الصفوف ، وأرادوا أن يقتتلوا ، فسمع الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) الخبر ، فخرج من بيته ، وهو يقول : ( حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ) .
يقول أهل العلم : خرج بلا حذاء ، يجر إزاره ، فوصل بين الصفين ، والسيوف قد سلت ، والموت الأحمر يتقاطر من رؤوسها .
فوقف بين الصفين ، وقال : ( يا أيها الناس أما كنتم ضلالاً فهداكم الله بي ؟ أما كنتم متفرقين فجمعكم الله بي؟ أما كنتم متحاربين فآخى الله بينكم بي ؟ ) .
قالوا : بلى ، يا رسول الله .
قال : ( ألست فيكم ) .
قالوا : بلى .
قال : ( أما نزل الوحي عليّ وأنا بين أظهركم ) .
قالوا : بلى .
قال : ( فما هذا ؟) .
فوضعوا السيوف على التراب ، وقالوا نستغفر الله ، وأخذوا يتباكون ويتعانقون .
إذا اقـتـتـلـت يـومـاً فـفـاضـت دمـاؤها تـذكـر الـقـربـى فـفـاضـت دمـوعـها
فأنـزل الله أو الآية : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ (آل عمران: 101) أي : كيف تقتتلون ؟ كيف تتباغضون ؟ كيف تتناحرون ؟ كيف تتقاطعون ؟ كيف تسري فيكم الفتنة ؟ (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ) أليس فيكم القرآن؟ أليست فيكم الرسالة الخالدة ؟ ( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (آل عمران:101) .
والاعتصام بالله ، هو أن تتوجه إلى الكتاب والسنة ، وأن تخلص قلبك لله ، وأن تطهر قلبك ، وعينك ، وسمعك، ويدك ، ورجلك لتكون عبداً لله .
كان عمر يبكي في ظلام الليل ، وهو ساجد في البيت ، ويقول : اللهم اجعلني عبداً لك وحدك .
قال أهل العلم : أي : عبداً لله لا عبداً لغيره ، لأن بعض الناس عبد لله وعبد لوظيفته ، وعبد لمنصبه ، وعبد لماله ، وعبد للناس ، ولكن المؤمن عبد لله وحده .
يقول ( صلى الله عليه وسلم ) كما في الصحيح : ( تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلة ، تعس وانت-، وإذا شيك فلا انتقش ) .
ثم قال سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران:102) كان سفيان الثوري إذا قرأ هذه الآية ، بكى حتى تكاد أضلاعه تختلف .
فيقولون : ما لك ؟ .
فيقول : أخشى أن أموت على غير الإسلام .
لأن الخاتمة عند الله عز وجل ، والخاتمة أمرها خطير .
قال ابن القيم : من شب على شيء شاب عليه ، ومن عاش على شيء توفاه الله عليه ، ومن أسعد شبابه ، وأسعد حياته ، بتقوى الله سلمه الله حتى يلقي الله على لا إله إلا الله .
ثم قال سبحانه بعدها : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّه)(آل عمران: من الآية103) قال مجاهد : حبل الله الإسلام .
وقال غيره : حبل الله : الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
وقال الثالث : حبل الله : القرآن .
والصحيح أن حبل الله الإسلام والرسول والقرآن .
أيها الإخوة الكرام !! أيها الأماجد !! يا حملة لا إله إلا الله !! كانت الجزيرة قبل مبعث الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) جزيرة فقيرة ، جزيرة مظلمة ، لكل قبيلة صنم من الأصنام تعبده ، وقد انتشر فيها السلب والنهب والزنا والكذب والغش والخيانة .
فكان الأخ يقتل أخاه على مورد الشاة .
فلما أراد الله أن يحيي هذه الأمة ، أرسل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأخرجهم من الظلمات إلى النور .. ، يقول سبحانه ممتناً على الناس : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الجمعة:2) .
فأخرجهم الله بهذا الرسول الأمي ( صلى الله عليه وسلم ) من تلكم الظلمات ، إلى هذا النور والفضل ، وإلى قيادة البشرية بعد سنين معدودة .
وعلمهم ( صلى الله عليه وسلم ) الإخاء والتواد بعد أن كانوا متناحرين متباغضين .
يقول عمر ، رضي الله عنه : والله ، إنه ليطول على الليل إذا تذكرت أخي في الله ، فأتمنى الصباح لأعانقه شوقاً عليه .
يقول الله سبحانه وتعالى لرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لأنفال:63) أي : والله لا إله إلا هو لو أنفقت الدنيا ذهباً وفضة ، ما ألفت بين قلوبهم ، ولا آخيت بينهم ؛ لأن القلوب لا تلقى إلا على دين الله .
فنحن نرى اليوم : أن من يصطلح صلحاً على الدين ، وعلى غير لا إله إلا الله ، يجعل الله صلحهم دماراً وخراباً ، ويجعل اجتماعهم فتنة ويجعل عزتهم ذلة ، ويجعل غناهم فقراً لأنهم اجتمعوا على غير طاعة الله .
أما الإسلام فقد ألف بينهم ، فقبائل العرب كانت أكثر من ثلاثين قبيلة ، فلما آخى ( صلى الله عليه وسلم ) بينهم أصبحوا أمة واحدة ن يقاتلون في صف واحد ، ويصلون في صف واحد .
وأيـنـمـا ذكـر اسـم الله فـي بـلـدٍ عـددت ذاك الحـمـى مـن صـلـب أوطـانـي
عند البخاري في ( الصحيح ) أن الصحابة اجتمعوا في مجلس يتشاورون في أمر الحرب ، وكان معهم : سيف الله خالد بن الوليد أبو سليمان ، ومعهم : بلال بن رباح المولى العبد الذي رفعه الإسلام حتى أصبح سيداً من السادات ، ومعهم أبو ذر .
فتكلم بلال
فرد عليه أبو ذر ، قال : يا أبن السوداء .
فقال بلال : والله ، لأرفعنك إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، فذهب إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبره ، وقال : يا رسول الله !! أبو ذر تكلمت ، فقال لي كذا وكذا .
فاحمر وجهه ( صلى الله عليه وسلم )، واستدعى أبا ذر ، فقال له:( أعيرته بأمه ، إنك امرؤ فيك جاهلية).
قال : يا رسول الله ، أعلى كبر سني وشيبتي .
قال : ( نعم ، إنك أمرؤ فيك جاهلية ) .
فخرج أبو ذر وقال : لا جرم ، والله ، لأنصفن بلالاً من نفسي ، فوضع أبو ذر رأسه على التراب ، وقال : طأ بلال رأسي برجلك ، والله لا أرفع رأسي حتى تطأ برجلك .
هذا هو التآلف ، وهذا هو الحب الذي يمحي كل خطأ ، وكل ذنب .
يقول سبحانه عن المؤمنين : ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (المائدة: من الآية54) أذلة : جمع ذلول، أي : مع إخوانه ، وأما مع الكفار : فعزيز قوي .
لكن الجاهلية جعلت من الإنسان أسداً جسوراً على جيرانه وأرحامه وقبيلته ، وذليلاً مخادعاً جباناً أما الكفار والأعداء ، فنسأل الله أن يصلح الحال .
ويقول سبحانه في أصحاب الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ )(الفتح: من الآية29) .
وعند البخاري في (الصحيح) : أن رجلاً من الأعراب جاء إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكان على الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بردة نجـرانية غليظة الحاشية ، فجذبها الإعرابي ، حتى أثر في عنق المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) .
فلما التفت إليه ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال الإعرابي : يا محمد ، أعطني من مال الله الذي عندك ، لا من مال أبيك ، ولا من مال أمك .
فتبسم ( صلى الله عليه وسلم ) وأمر له بعطاء ، ولقد أنزل الله عز وجل في نبيه : ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4) .
يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ، أفشوا السلام بينكم ) معنى ذلك : أن تبسم في وجوه الناس ؛ لأن تبسمك في وجه أخيك صدقة .
يقول سبحانه : ( وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر:3) .
يقول أحد المفسرين : كان الصحابة إذا اجتمعوا ، لا يتفرقون حتى يقرأوا هذه السورة ؛ لأنها تذكرهم بالتواصي في ما بينهم بالحق والصبر .
وورد أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) كان جالساً في مسجده عند الصحابة ، رضوان الله عليهم ، فقال لهم: ( يدخل عليكم الآن رجل من أهل الجنة ) .
فطلع رجل يقطر ماء الوضوء من لحيته ، فصلى ركعتين وجلس .
فلما أتى اليوم الثاني قال ( صلى الله عليه وسلم ) مثل ما قال ، فخرج هذا الرجل .
وهكذا في اليوم الثالث .
فتبعه ابن عمرو ، فبات عنده ليرى صيامه وقيامه .. ، فلم يجد من ذلك شيئاً فسأله عن ذلك .
فقال : إني أبيت وليس في قلبي غش ، أو غل لأحد من المسلمين .
فقال : هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق .
هذا هو الإيمان .. فلا غل ، ولا حقد ، ولا حسد .
يقول ( صلى الله عليه وسلم ) كما في ( الصحيح ) : ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ...) ، وفي رواية عند مسلم : ( المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، التقوى هاهنا ـ ويشير إلى صدره ثلاث مرات ـ بحسـب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه ) .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يطوف بالكعبة ويقول : ( ما أطيبك وأطيب ريحك ، ما أعظمك وأعظم حرمتك ، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ) ، وورد موقوفاً على ابن عمر قال : ( ما أعظمك وأعظم حرمتك ، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك ) .
أيها المسلمون الفضلاء !! يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) فهذا معنى ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة) (الحجرات: من الآية10) .
كيف تحب لأخيك ما تحب لنفسك ؟
قال أهل العلم : أن تحب له أن يستقيم ، وأن يهتدي ، وأن يصلي الصلوات الخمس في جماعة ، وأن يتفقه في الدين .
سب أعرابي ابن عباس .
فقال ابن عباس : أتسبني وفي ثلاث خصال !!.
قال الناس : ما هي يا ابن عباس ؟
قال : والذي نفسي بيده ، ما نزل القطر في أرض إلا حمدت الله وسررت ، وليس لي في الأرض ناقة ولا جمل .
ووالله ، ما سمعت بقاضٍ يحكم بكتاب الله إلا دعوت له ، وليس لي عنده قضية .
ووالله ، ما فهمت آية من كتاب الله ، إلا تمنيت على الله أن يفهم الناس مثل ما فهمني هذه الآية .
وكانوا يقولون عن ابن سيرين ، أنه إذا أقبل إلى فراشه ، نفضه ، ثم قرأ سورة الإخلاص ثلاثاً والمعوذات ثلاثاً ثم قال : اللهم اغفر لمن شتمني ، ولمن ظلمني ، ولمن سبني ، اللهم أغفر لمن فعل ذلك بي من المسلمين .
وعند أبى داود بسند مرسل أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قال للصحابة : ( أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم ) .
وأبو ضمضم هذا رجل من الصحابة ، كان فقيراً لا يملك حفنة من التمر ، دعا ( صلى الله عليه وسلم ) للصدقة ، فالتمس في البيت صدقة من دراهم ، أو دنانير ، فما وجد شيئاً ، فقام ، وصلى ركعتين في ضلال الليل ، وقال : يا ربي !! يا الله !! إن أهل الأموال تصدقوا بأموالهم ، وأهل الخيول جهزوا خيولهم ، وأهل الجمال جهزوا جمالهم ، اللهم إنه لا مال لي ولا جمال ولا خيول .
اللهم إني أتصدق إليك بصدقة فاقبلها : اللهم كل من ظلمني ، أو سبني أو شتمني ، أو اغتابني من المسلمين فاجعلهم في عافية ، وفي حل ، وفي عفو .
فقبل الله صدقته ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: من الآية27) .
· أسباب الفرقة :
1ـ أيها الفضلاء ، إن البغضاء من أسباب التفرقة بين الأسر والقبائل والشعوب ، وهي الحالقة .. لا تحلق الشعر ولكن تحلق الدين .
البغضاء هي التي تفسد ذات البين .
البغضاء هي التي تشعل في القلوب ، وتقطع الأرحام ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) (محمد:23) .
وبعض الجهلة ـ للأسف ـ يغذي هذه البغضاء في قلوب أبنائه ، فيخبرهم بعداء القبائل ، ويذكر لهم تاريخ الجاهلية ، وكيف تحاربت القبائل فيما بينها ، وماذا فعل بنو فلان ببني فلان ، وما هو موقف القبيلة هذه منا ومن أحلافنا ، ومن أصدقائنا ، ومن أعدائنا .
وهذا كله عداء جاهلي ، وثني ليس في الكتاب ، ولا في السنة ، بل هو حرب للإسلام .
يقول ( صلى الله عليه وسلم ) فيما صح عنه : ( لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر ) .
هذه البغضاء ، يا عباد الله ، هي التي تأكل الحسنات ، كما تأكل النار الحطب .
2ـ ومن أسباب التفرقة أيضاً : الحسد ، والعياذ بالله ، فسبب تقاتل أبناء آدم ، إنما هو : الحسد .
يقول الله : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء: من الآية54) ويقول الشاعر :
ألا قـل لـمـن بـات لـي حـاسـداً أتـدري عـلى مـن أســأت الأدب
أســأت عـلـى الله سـبـحـانـه لأنـك لـم تـرض لـي مـا وهـب
فـجـــزاك عـنـي بـأن زادنـي وســد عـلـيـك وجـوه لطـلـب
والحسد في القلب شعلة من نار ، يأكل الحسنات ويدمر الصالحات ، ويفني القبائل والأسر ، ويعدم الإخاء بين الناس ، وهو كثير في الناس اليوم بسبب حب الدنيا .
3ـ وأما السبب الثالث من أسباب الفرقة فهو : حب الدنيا ، وحبها رأس كل خطيئة .
يقول سبحانه عن الدنيا : ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد:20) .
وصف بعض الصالحين الحياة فقال : هي حلم مثل أحلام النوم .
وقالوا لنوح ، عليه السلام ، وقد عاش أكثر من ألف سنة : كيف رأيت الحياة ؟
قال : رايتها كبيت له بابان ، دخلت من هذا ، وخرجت من ذاك .
وقالوا لأحد الصالحين : : صف لنا الدنيا .
قال : هي عجوز شمطاء ، قبيحة التقبيل والشم .
وقال آخر : الدنيا سارقة مارقة ، حية رقطاء .
وقال الإمام أحمد : عجباً للدنيا ، بينما نحن مع أبنائنا إذ تفرقنا .
ولذلك يقول المتنبي :
أيـن الجــبـابـرة الأكــاســـرة الآلي كـنزوا الكـنوز فلا بقـيـنا ولا بقـوا
مـن كـل مـن ضـاق الفـضـاء بجـيشـه حـتـى ثـوى فـحـواه لحـد ضـيق
يقولون : إن هارون الرشيد الخليفة ، لما حضرته الوفاة ، قال : اجمعوا لي الجيش .. فجمعوا الجيش والقادة .
فخرج على الجيش ، وقال : يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه .
ثم قال : اللهم إني لست مصلحاً فأعتذر ، ولست قوياً فانتصر ، اللهم فاقبلني فيمن قبلت .
وكان الوليد بن عبد الملك ، أحد الخلفاء ، يتقلب ظهراً لبطن على التراب وهو يبكي في سكرات الموات ، ويقول : ( مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ) (الحاقة:29) .
فحب الدنيا هو : الذي قطع بين الأرحام ، والأحباب ، والأقارب .
وحب الدنيا ، هو : الذي جعل الناس يتخلفون عن صلاة الجماعة والندوات ، وعن ذكر رب الأرض والسماوات .
وحب الدنيا ، هو : الذي أقسى القلوب ، وضيع الوقت في غير طاعة الله عز وجل .
وإلا ... فليس لك من دنياك إلا ما أكلت فأبليت ، أو تصدقت فأعطيت ، أو لبست فأفنيت .
فاعلم علم اليقين : أن أحسن ما تقدمه ، هو : العمل الصالح ، وأن كل شيء سوف يزول ، إلا ما أبقاه العبد لأخرته .
4ـ ومن أسباب الفرقة : العصبية الجاهلية القبلية ، وقد أشرت إليها ، وهي : التحزبات ، وجعل بعض القبائل لها على بعض منزلة أو درجة .. وهذه من الشيطان ، وهذه حرب للإسلام ، وحرب للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
ومن افتخر بآبائه ، فهو أولهم إلى النار ، وهو معهم يحشر ؛ لأن المرء يحشر مع من أحب .
· أسباب الإخاء :
ومن أسباب الإخاء أمور :
أولها : السلام والابتسام : بأن تسلم على من عرفت ، ومن لم يعرف .
يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( يا أيها الناس أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ؛ تدخلوا الجنة بسلام ) .
وتحيتنا هي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، لا نستبدل بها غيرها ، لا أهلاً ولا مرحباً ، ولا كيف أصبحت ، ولا أهلاً وسهلاً ، ولا صباح الخير ، قال تعالى : (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلام) (الأحزاب: من الآية44).
والابتسام لقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( تبسمك في وجه أخيك صدقة ) ، فعلى المسلم أن يتبسم للمسلمين ، وأن يعانقهم إذا أتى من غيبة ، وأن يعلم أن مصافحته للمسلم تحط الخطايا كما تحط الشجرة ورقها في شدة الشتاء .
2ـ ومن أسباب الألفة : الدعاء بظهر الغيب ، وأجمل الدعاء ح دعاء غائب لغائب .
يقول الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، لابن الشافعي بعد ما توفى الشافعي : أبوك من السبعة الذين أدعو الله لهم وقت السحر .
واعلم أنك إن دعوت لأخيك المسلم ، فإن ملكاً يقول لك : ولك بمثل .
3ـ ومن أسباب الحب والوئام : الزيارة في الله ، فإنها هي الباقية عند الله عز وجل .
ففي الحديث الصحيح : ( أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى ، فارصد الله له على مدرجته ملكاً ، فلما أتى عليه ، قال : أين تريد ؟
قال : أريد أخاً لي في هذه القرية .
قال : هل لك عليه من نعمة تربها ؟؟ أي تحفظها .
قال : لا ، غير أني أحببته في الله عز وجل .
قال : فإني رسول الله بأن الله قد أحبك كما أحببته ) .
وأما زيارة المريض ، فهي من أعظم القربات عند الله ، ففي الحديث أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال: ( من عاد مريضاً لم يزل في خرافة الجنة حتى يرجع ) .
وفي حديث آخر قال فيه ( صلى الله عليه وسلم ) : ( ما من مسلم يعود مسلماً غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي ، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح ، وكان له خريف في الجنة ) .
وفي الحديث الصحيح أن الله يقول للعبد وهو يحاسبه : ( يا أبن آدم جعت فلم تطعمني !!.
قال : كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟
قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان جاع فما أطعمته، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟!.
يا أبن آدم ظمئت فلم تسقني !!.
قال : كيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟
قال : أما علمت أن عبدي فلان بن فلان ظمئ فلم تسقه ، أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي ؟!.
ابن آدم مرضت فلم تعدني !!
قال : كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟
قال : أما علمت أن عبدي فلان بن فلان مرض فلم تعده ، أما إنك لو عدته لوجدت ذلك عندي ) .
4ـ ومنها : صلة الرحم ، وهي : من أعظم الأمور التي تزيد في العمر ، وتبارك في الحياة .
وأعظم ما يكدر الحياة ، ويعكر الوداد ، ويقسي القلوب ، ويضيع الأوقات : قطيعة الرحم ، والعياذ بالله .
أتى رجل إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني ، وأحسن إليهم ويسيئون إلي ، وأحلم عنهم ويجهلون علي ، فماذا أفعل ؟
قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( لئن كنت كما قلت ، فكأنما تسفهم المل ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك ) ، والمل : الرماد الحار .
قال المقنع الكندي :
وإن الـذي بـيـنـي وبـيـن بـنـي أبـي وبـيـن بـنـي عـمـي لمـخـتـلف جـدا
وإذا أكـلـوا لـحـمـي زفـرت لحـومـهم وإن هـتـكـوا مجـدي بـنـيـت لهم مجـدا
ولا أحـمـل الـحـقـد القـديـم عـليهـمو وليـس رئيـس القـوم مـن يحـمـل الحقـدا
أما قرابة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، فاسمع ماذا فعلوا : لقد أخرجوه من داره وضربوا بناته ، وأخرجوه من مكة ، وحاربوه في أكثر من سبع عشرة عزوة ، وكسروا ثنيته ، وأسالوا دمه ، وما تركوا مكيدة في الدنيا إلا دبروها له .
فلما انتصر عليهم وطوقهم بالجيش ، وهم جلوس في الحرم ، قال : ( ماذا ترون أني فاعل بكم ؟ ).
قالوا : خيراً ، أخ كريم وابن أخ كريم .
قال : ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) .
5ـ ومما يؤلف القلوب : تذكر الموت .
هـو المـوت مـا مـنـتـه مـلاذ ومـهـرب مـتى حـط ذا عـن نـعـشـه ذاك يـركـب
فمن الذي هرب من الموت ؟
ومن الذي اعتصم بالقصور ، فما أخرجه الموت بقاصمة الظهور ؟
لا أحد .
يقول سبحانه وتعالى : ( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) (الجمعة: من الآية8) فأنتم تفرون منه ولكنه أمامكم !
ويقول سبحانه وتعالى : ( أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) (النساء: من الآية78) سبب نزول هذه الآية أن أحد الكفار قال : يزعم محمد أنه لابد أن أموت ، لبنين لي قصراً شاهقاً فلا يدخل علي ملك الموت .
فقال سبحانه : ( أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ )(النساء: من الآية78) .
قال سفيان الثوري ، رحمة الله : حق لمن بلغه الله ستين سنة ، أن يشتري له كفناً .
وكان الإمام أحمد ، إذا رأى المقابر انقطع ، وجلس مبهوتاً .
وكان عثمان ، رضي الله عنه وأرضاه ، إذا رأى المقبرة بكى حتى يغمى عليه .
نـؤمـل آمـالاً ونـرجــوا نـتـاجـها وعـل الـردى مـمـا نـرجـيـه أقــرب
ونبني القـصور المشـمخرات فـي الهـوا وفـي عـلـمـنا أنـا نـمـوت وتـخـرب
6ـ ومن أسباب الألفة : العفو ، قال تعالى : ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: من الآية134) ، فمن عفا عن مظلمة ، أورثه الله عزاً في الدنيا والآخرة .
والعفو هو : أن تعفو عمن ظلمك ، كما عفا ( صلى الله عليه وسلم ) عمن ظلمه وقال لهم : ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) .
يذكر ابن كثير وغيره ، من المؤرخين : كان لابن الزبير مزرعة في المدينة ، ولمعاوية مزرعة بجانب مزرعة ابن الزبير .
فدخل عمال معاوية مزرعة ابن الزبير ، فغضب وكتب رسالة إلى معاوية يقول فيها : يا أبن آكلة الأكباد ! إما أن تمنع عمالك من دخول مزرعتي ، أو ليكونن لي ولك شأن .
فقرأ معاوية الرسالة ، وإذا هي حارة من رجل من الرعية وهو ملك .
فقال لابنه يزيد : ماذا ترى ؟
قال يزيد : أرى أن ترسل له جيشاً ، أوله في المدينة ، وآخره عندك حتى يأتوا لك برأسه !
قال : بل أقرب من ذلك صلة وأقرب رحماً .
فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم .. من معاوية بن أبي سفيان إلى ابن حواري الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وابن ذات النطاقين ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد ، فو الله الذي لا إله إلا هو لو كانت الدنيا بيني وبينك لهانت علي ، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ عمالي إلى عمالك ، ومزرعتي إلى مزرعتك .
فقرأها ابن الزبير ، فبكى ، حتى بلها بالدموع ، وذهب إلى دمشق ، فقبل رأس معاوية ، وقال : لا أعدمك الله عقلاً أحلك من قريش هذا المحل .
فانظر كيف صنع العفو .. وكيف قلب العدو صديقاً ، وبدل الحق بالحب ، وقد قال تعالى لرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( فَاعْفُ عَنْهُم ْ) (آل عمران: من الآية159) فأمره بالعفو مع المؤمنين .
فينبغي علينا اخوة الإيمان : أن نحيي معاني العفو في حياتنا ، بأن نتنازل قليلاً لإخواننا ، عن بعض الأشياء ، التي تقربنا بهم ، وتزيدنا تماسكاً وترابطاً معهم .
هذه بعض الأمور التي تعين ، وتقرب الألفة والأخوة بين المسلمين ، ذكرتها لكم لعل امرؤ ناصحاً لنفسه أن يحاول امتثالها في حياته .
والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
مفهوم الحب في الإسلام
إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا .. من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد .
فقد جاء الإسلام فقنن ، وحدد العقائد ، والأفكار ، والتصورات ، والأخلاق ، وضبطها ، ووجهها إلى الواحد الأحد .
ومن هذا المنطلق سوف أكتب عن الحب ، وكيف وجهه الإسلام ، والرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يتركه ؛ لأن كثيراً من الناس ظنوا أنهم يحبون من شاؤوا ، في أي وقت شاؤوا .
وقف الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) على المنبر يتحدث في الناس ، وإذا بأعرابي يقاطعه .. فالتفت إليه ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ( ما لك ) ؟
قال : متى الساعة ؟
فسكت عنه ( صلى الله عليه وسلم ) ثم أكمل حديثه .
فلما انتهى قال : ( ماذا أعددت للساعة ) ؟
قال : يا رسول الله ، والله ما أعددت لها كثير صلاة ، ولا صيام ، ولا صدقة ؛ ولكني أحب الله ورسوله .
فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( أنت مع من أحببت ) .
قال الحسن البصري معلقاً على الحديث : لا يخدعنكم الحب فحسب ، فو الله الذي لا إله إلا هو .. لقد أحب قوم عيسى بن مريم حتى ألهوه ، فأدخلهم حبه النار .
وروى الغزالي في ( الأحياء ) قول ابن عمر رضي الله عنهما : والله لو أنفقت أموالي في سبيل الله ، وصمت النهار لا افطره ، وقمت الليل لا أنامه .. ثم لقيت الله لا احب أهل الطاعة ولا أبغض أهل المعصية لخشيت أن يكبني الله على وجهي في النار .
من هذا المنطلق : جعل الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) الحب عقيدة .
وفي الحديث قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( من أحب لله ، وأبغض لله ، وأعطى لله ، ومنع لله فقد استكمل الإيمان ) .
والحب على قسمين : فطري جبلي .. وسببي كسبي .
فأما الفطري الجبلي : فلا لوم على العبد فيه ، فإن الله فطره على ذلك ، كحب الرجل الطعام ، وحبه الماء، وحبه ابنه ، وزوجته ، وأصدقاءه .
وأما الكسبي السببي : فهو الإرادي الذي يحاسب الله عليه العبد ، إذا صرفه لغير مرضاة الله تبارك وتعالى.
سئل شيخ الإسلام : كيف يقول الله عز وجل : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (لأنفال:45) ، كيف يذكرهم الله ذكره وقت الأزمات ، أما هناك وقت إلا وقت مصارعة الأعداء ، ووقت المقاتلة ، والتقاء السيوف .
فقال ابن تيمية : إن المحبوبين يتشرفون بذكر محبوبهم وقت الأزمات .. أما سمعتم لقول عنترة يوم يقول لمحبوبته :
ولـقـد ذكـرتـك والـرمـاح نـواهـل مـنـي وبـيـض الهـنـد تـقـطـر من دمـي
فـوددت تـقـبـيـل الســيـوف لأنـها لـمـعـت كـبـارق ثـغــرك المـتـبـسـم
فكان الجاهليون يتمادحون بأنهم يذكرون محبيهم ، وقت القتال والنزال ، فأراد الله أن يحول هذا المعتقد الآثم ، إلى ذكره وقت الأزمات ... ولذلك فإن الذكر : يوم يذكر الله وقت مصارعة عدوه .
· المحبوبات التي ذكرها القرآن :
يقول جل ذكره ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران:14) فكل محبوبات الناس تدور على هذه ، ولكن ما عند الله خير منها .
ومن أحب هذا الشيء ، الذي ذكره الله ، وأفنى حبه فيه حتى عبده ، فليس له عند الله من خلاق ؛ لأن الحب عبادة ، وإذا اجتمع مع الذل فهو اكتمال العبادة ..
ولذلك يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الخميصة ، تعس عبد الخميلة ، تعس وانت-، وإذا شيك فلا انتقش ) .
وإنما سماه ( صلى الله عليه وسلم ) عبداً ؛ لأنه صرف حبه لهذه الأمور ، حتى غلبها على حب الله .
ومن الناس من يحب زوجته ، أكثر من حبه لربه ، تبارك وتعالى ، وعلامة ذلك : أن يقدم مطلوبها ، ولو كان في المعصية ، على مطلوب الله سبحانه وتعالى .
من الذي أخرج حنظلة الغسيل من بيته ، وهو في اليوم الأول من عرسه إلى لقاء الله ؟ وأتى إلى أحد ، وكسر غمد سيفه على ركبته ، وقال ( اللهم خذ من دمي اليوم حتى ترضى ..) إلا حب الله .
يقول سبحانه وتعالى : ( وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً) (الفجر:20) ، هذا يدخل فيه الحب الكسبي والسببي ، والحب الفطري الجبلي .
أما الفطري الجبلي : فإن الإنسان يحب المال بلا شك ، وهو مفطور على ذلك .
وأما الكسبي فهو الذي يوصله إلى درجة العبودية للدرهم والدينار ، فيسبح بحمده صباح مساء ويجعله مقصده في الحياة ومطلوبه .. فيكون إلهه ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ) (الجاثـية : من الآية23) . ومن جعل شيئاً أعظم من الله في قلبه وأحبه كان إلهه ، وكان مشركاً بالله .
ولذلك ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك فقال : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ) (البقرة: من الآية165) .
وذكر سبحانه ملاذ الدنيا في سورة التوبة فقال : ( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) (التوبة: من الآية24) ، فمن قدم شيئاً من هذه على حب الله فلينتظر الموت ، ولينتظر اللعنة ، ولينتظر الغضب .
· ادعاء الحب :
والدعوى سهلة .
يقول بعض الصالحين : لا تعرض بحب الله على اللسن فتدعيه .
وادعاء حب الله : سـهل عند الناس جميعاً ، تارك الصلاة في المسـجد تقول له : لمـاذا لا تصلي في المسجد ؟؟.
قال : الله يعلم أني أحبه !
كذب لعمر الله ! لو كان يحب الله ما تأخر عن الصلاة في المسجد .
يقول الأول :
نــحـن الـذيـن إذا دعـــوا لـصـلاتـهم والـحـرب تـسقي الأرض جـامـاً أحـمـرا
جـعـلـوا الـوجـوه إلى الـحـجـاز فـكـبروا فـي مـسـمـع الروح الأمـيـن فـكــبـرا
يقول ثابت بن عبد الله بن الزبير : يا رب أمتني الميتة الحسنة .
قالوا : وما هي الميتة الحسنة ؟
قال : أن يتوفاني ربي وأنا ساجد .
فطالت به الحياة : وعلم الله أنه صادق ( فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ) (محمد: من الآية21) ، ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69) .
فمات ، وهو ساجد في صلاة المغرب .
وأهل الحب ، هم : أهل الإيمان والطموح .
قال أبو الندوي في كتابه ( مسيرة الحياة ) : عين بلا إيمان : مقلة عمياء ، وأمة بلا إيمان : قطيع من غنم.
ونقول : كتاب بلا إيمان : كلام مصفف ، وقصيدة بلا إيمان : كلام ملفق ، وعقل بلا إيمان : ضياع وهيام وخسار .
إن الحب لا ياـي بالدعوى فقط .
ولابد للإنسان من إله يحبه ، ولذلك يقول ابن تيمية : الإنسان همام حارث .. كما في الحديث الصحيح ، فلابد لقلبه أن يهم ، ولابد له أن يزاول شيئاً ، فلابد له من إله يألهه ، وهو الله تبارك وتعالى .
تـعـصـي الإلـه وأنـت تـظـهـر حـبـه هــذا كــلام فـي القــيـاس بـديـع
لـو كـان حـبـك صــادقـاً لأطـعــتـه إن الـمـحـب لـمـن يحـب مـطـيـع
وفي أثر لأهل الكتاب أن الله يقول : كذب من ادعى محبتي ، فإذا ضمه الليل نام عني ولم يقم يناديني ، أو كما قال سبحانه وتعالى .
فالحب ادعاه قوم كثيرون ن وهو في المسلمين كثير حتى من الفسقة الفجار ، فمنهم من يحمل الكأس ، ويعيش للمرأة ، ويسمع الأغنية ، ويعاقر الخلاعة ، فإذا نهيته عن ذلك ، ادعى حب الله !
ومحبة الله عز وجل ، ومحبة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) أعلى المطالب ، وأعظم المقاصد ، وأعظم درجات العبودية .
ففي (صحيح البخاري ) أن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، قال : والله يا رسول الله إنك أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي .
فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك ) .
فقال عمر : والله يا رسول الله ، إنك أحب إلى من نفسي ، هذا منتهى الحب .
عندها قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ( الآن يا عمر ) .
وفي ( الصحيحين ) عن أنس قال : يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) .
فمن وجد هذه الثلاثة وجد حلاوة الإيمان ، ومنتهى الإيمان ، وأصل الإيمان ، فهنيئاً له .
ومن لم يجد ذلك فليبكِ على نفسه .
يقول ابن القيم في ( الفوائد ) في قوله سبحانه وتعالى : ( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)(المائدة: من الآية54) ليس العجب من قوله : ( وَيُحِبُّونَهُ) فإن المحسن يحب ، فمن أطعمك وكساك وخلقك تحبه جبلة وأصلاً .. ولكن العجب من قوله : (يُحِبُّهُمْ )!.
· نماذج من الحب الخالص لله :
1ـ عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري : أتى يوم أحد ولبس أكفانه ، وقال : اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى ، فقتل شهيداً .
ولذلك يقول ( صلى الله عليه وسلم ) لفاطمة : أخت عبد الله ـ عمه جابر ـ : ( تبكين أو لا تبكين ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه ) .
وفي حديث آخر أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ( يا جابر ما لي أراك منكسراً ) .
قال : يا رسول الله ، استشهد أبي ، وترك عيالاً وديناً .
قال : ( أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك ) .
قال : بلى ، يا رسول الله .
قال : ( ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب ، وأحيا أباك فكلمه كفاحاً ، فقال : تمن على أعطك !!
قال : يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية .
قال الرب عز وجل : إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون ) .
وأنزل الله هذه الآية ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران :169).
وكما في حديث آخر ( فجعل الله روحه وأرواح إخوانه في جوف طير خضر ، لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل ) .
وفيهم أنزل الله هذه الآيـات : ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:171) .
2ـ في السير عند هشام وغيره ، أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وقف قبل غزوة أحد ، يعلن الحرب على أبي سفيان ، ولبس لأمته ( صلى الله عليه وسلم )، وهو يتحدث في الناس ويشاورهم ، أنقاتل في المدينة ، أم نخرج خارج المدينة إلى أحد .
فقام شاب ، من بني عمر بن سالم ، فقال : يا رسول الله ، لا تمنعني ، ولا تحرمني دخول الجنة ، فو الله الذي لا إله إلا هو لأدخلن الجنة .
فقال ( صلى الله عليه وسلم ) ـ وهو يتبسم ـ : ( بم تدخل الجنة ؟ ) .
قال : بخصلتين .
قال : ( ما هما ) ؟
قال : بأني أحب الله ورسوله كثيراً ، ولا أفر يوم الزحف .
قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إن تصدق الله يصدقك ) .
وبدأت المعركة ، ودارت رحاه ، وأتى الصادق ، فصدق الله فقتل .
فمر ( صلى الله عليه وسلم ) عليه ، وأخذ يمسح التراب عن جبينه ، وتدمع عيناه ( صلى الله عليه وسلم ) ويقول : ( صدقت الله فصدقك الله ) .
أرواحــنـا يـا رب فـوق أكـــفــنـا نـرجـو ثـوابـك مـغـنـماً وجــوارا
لـم نـخـش طـاغـوتـاً يـحـاربـنـا ولو نـصـب الـمـنـايـا حـولـنا أسـوارا
وكــأن ظـل السـيـف ظـل حــديـقـة خـضـراء تـنـبـت حـولنـا الأزهـارا
3ـ جعفر بن أبي طالب : ترك ماله وولده ، وترك أحبابه ، وخلانه ، وجيرانه ، وأتى قبل المعركة ، فكسر غمده وهذا عند العرب علامة على أنه لن يعود أبداً ، وقال :
يـا حــبـذا الـجـنـة واقــتـرابـها
طــيـبـة وبــارد شــــرابــها
والــروم روم قــد دنـا عــذابــها
كــافـرة بـعــيـدة أنـســابــها
عـلـى إن لاقـيـتـهـا ضـرابــها
قاتل حتى الظهر ، فقطعت يمينه ، ثم يساره ، ثم قتل شهيداً .
· علامات المحبة :
1ـ بيع النفس للواحد الأحد ، فتغضب لله ن وترضى لله ، وتقدم لله ، وتعطي لله ، وتحب لله ، وتبغض في الله ، وقد ذكرت فيما مضى نماذج لمن باعوا نفوسهم لله .
2ـ ومن علامات حب الله عز وجل : الإقبال على الطاعة ، وترك المنهيات .
فمن سمع الأذان ، فلم يأت إلى المسجد ، بلا عذر ، فما أحب الله ، ومن هجر القرآن ، ولم يقرأ فيه ، وقدم قراءة المجلة الخليعة ، والجريدة التافهة عليه ؛ فما أحب الله ، ومن جلس مع جلساء السوء ، ورافقهم ، وهجر الصالحين والأخيار فما أحب الله ، ومن تخلف عن النوافل ، وعنده بسطة في الجسم وسعة في الوقت ، فما أحب الله .
فمن ادعى حب الله ثم لم يأت بالطاعات ، ويتقدم بالنوافل ، فليس بمحب .
في كتاب ( مدارج السالكين ) يذكر ابن القيم عشرة أسباب للمحبة .ز ذكر منها : تلاوة القرآن بتدبر ، فإذا رأيت الرجل يحب المصحف ، ويتلذذ بالقراءة في المصحف ، فاعرف أنه من أحباب الله .
3ـ كثرة الذكر .
إذا مــرضـنـا تـداويـنـا بـذكـركـم ونتـرك الـذكـر أحـيـانـاً فـنـنـتـكـس
( أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: من الآية28) ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) (البقرة: من الآية152) .
وفي الحديث عن عبد الله بن يسر : أن رجلاً أتى إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت على ، فأخبرني بشيء أتشبث به .
قال : ( لا يزال لسانك رطباً بذكر الله ) .
فإنسان لا يذكر الله كثيراً ، فهو شبيه بأهل النفاق ، الذين قال الله فيهم : ( وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلّ |