|
أطياف الود
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ، وعلى آله وصحـبه أجمعين .
وبعد ..
قال تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة ) (الحجرات: من الآية10) قالها سبحانه وتعالى في كتابه ، وأتى بها رسول الهدى ( صلى الله عليه وسلم ) في الأرض ، وآخى بين أصحابه ، فلا قبائل ولا حزبيات ولا عصبيات ولا ألوان ، ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات: من الآية13) فأكرمنا : أقربنا إلى الله ، وليس أكرمنا فلان بن فلان .
يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( لينتهين أقوام بآبائهم الذين ماتوا ، إنما هم فحم من جهنم ) .
لا تـقــل أصـلـي وفـصـلـي يـا فـتـى إنـمـا أصـل الـفـتـى مـا قـد حـصـل
لـيـس مـن يـقــطـع طـرقـاً بـطــلاً إنـمـــا مـن يـتـقـي الله الـبـطـــل
أبو جهل كان يقول : أنا من بني مخزوم ، وأنا سيد قريش ، وأنا .. ولكنه لما كفر بلا إله إلا الله ، أدخله الله على وجهه في النار فما نفعته أسرته .
أما بلال ، العبد الرقيق ، المولى ، الأسود ، فلما آمن بلا إله إلا الله ، وسجد لرب لا إله إلا الله أصبح سيداً من السادات .
يقول عمر رضي الله عنه وأرضاه : أبو بكر سيدنا ، وأعتق سيدنا يعني : بلالاً .
في الصحيحين أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال لبلال عند صلاة الفجر : ( يا بلال حدثني بأرجى عملٍ عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة ) .
قال : ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهوراً في ساعة ليل أو نهار ، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي .
وسلمان الفارسي أتى من أرض فارس ، فدخل في الدين ، فروي عنه( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال :( سلمان منا أهل البيت ) .
فالمؤمنون إخوة .. إخوة أعظم من إخوة النسب ، وأعظم من قرب الحسب ؛ لأنها إخوة تصلهم بالله عز وجل .
يقول عز من قائل للمؤمنين : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران:103) .
قيل في سبب الآية : أن الأوس والخزرج ، أنصار الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في المدينة تأخروا ، وتآلفوا ، وتحابوا حتى أصبحوا أعظم من الآباء والأمهات .. فغاظ هذا اليهود ، فأتى يهودي مجرم إلى المدينة ، فدخل على الأوس والخزرج وهو في المسجد ، فقال : أنسيتم حروب الجاهلية ؟ وأصبح يعيد ذكريات الحروب ، والثارات القديمة ، حتى أشعل الفتنة بينهم ، فنسوا ما اعتادوا عليه من الألفة والمحبة ، فقام شاب من الخزرج فسل سيفه ، وقال : يا للطيمة يا للطيمة .
وقام أوسي .
فتواعدوا في الحرة ، فخرجت القبيلتان ، والموت يقطر من سيوفهم ؛ لأن القبائل يوم تنسى لا إله إلا الله ، ويوم تنسى رسالة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، يوم تنسى الحب الذي أنزله الله في كتابه ، ويوم تنسى الجنة ، والنار ، والصراط ، والميزان ، تصبح كأنها قطيع من البهائم في الغابة .
فأخذوا السيوف ، وصفوا الصفوف ، وأرادوا أن يقتتلوا ، فسمع الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) الخبر ، فخرج من بيته ، وهو يقول : ( حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ) .
يقول أهل العلم : خرج بلا حذاء ، يجر إزاره ، فوصل بين الصفين ، والسيوف قد سلت ، والموت الأحمر يتقاطر من رؤوسها .
فوقف بين الصفين ، وقال : ( يا أيها الناس أما كنتم ضلالاً فهداكم الله بي ؟ أما كنتم متفرقين فجمعكم الله بي؟ أما كنتم متحاربين فآخى الله بينكم بي ؟ ) .
قالوا : بلى ، يا رسول الله .
قال : ( ألست فيكم ) .
قالوا : بلى .
قال : ( أما نزل الوحي عليّ وأنا بين أظهركم ) .
قالوا : بلى .
قال : ( فما هذا ؟) .
فوضعوا السيوف على التراب ، وقالوا نستغفر الله ، وأخذوا يتباكون ويتعانقون .
إذا اقـتـتـلـت يـومـاً فـفـاضـت دمـاؤها تـذكـر الـقـربـى فـفـاضـت دمـوعـها
فأنـزل الله أو الآية : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ (آل عمران: 101) أي : كيف تقتتلون ؟ كيف تتباغضون ؟ كيف تتناحرون ؟ كيف تتقاطعون ؟ كيف تسري فيكم الفتنة ؟ (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ) أليس فيكم القرآن؟ أليست فيكم الرسالة الخالدة ؟ ( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (آل عمران:101) .
والاعتصام بالله ، هو أن تتوجه إلى الكتاب والسنة ، وأن تخلص قلبك لله ، وأن تطهر قلبك ، وعينك ، وسمعك، ويدك ، ورجلك لتكون عبداً لله .
كان عمر يبكي في ظلام الليل ، وهو ساجد في البيت ، ويقول : اللهم اجعلني عبداً لك وحدك .
قال أهل العلم : أي : عبداً لله لا عبداً لغيره ، لأن بعض الناس عبد لله وعبد لوظيفته ، وعبد لمنصبه ، وعبد لماله ، وعبد للناس ، ولكن المؤمن عبد لله وحده .
يقول ( صلى الله عليه وسلم ) كما في الصحيح : ( تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلة ، تعس وانت-، وإذا شيك فلا انتقش ) .
ثم قال سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران:102) كان سفيان الثوري إذا قرأ هذه الآية ، بكى حتى تكاد أضلاعه تختلف .
فيقولون : ما لك ؟ .
فيقول : أخشى أن أموت على غير الإسلام .
لأن الخاتمة عند الله عز وجل ، والخاتمة أمرها خطير .
قال ابن القيم : من شب على شيء شاب عليه ، ومن عاش على شيء توفاه الله عليه ، ومن أسعد شبابه ، وأسعد حياته ، بتقوى الله سلمه الله حتى يلقي الله على لا إله إلا الله .
ثم قال سبحانه بعدها : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّه)(آل عمران: من الآية103) قال مجاهد : حبل الله الإسلام .
وقال غيره : حبل الله : الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
وقال الثالث : حبل الله : القرآن .
والصحيح أن حبل الله الإسلام والرسول والقرآن .
أيها الإخوة الكرام !! أيها الأماجد !! يا حملة لا إله إلا الله !! كانت الجزيرة قبل مبعث الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) جزيرة فقيرة ، جزيرة مظلمة ، لكل قبيلة صنم من الأصنام تعبده ، وقد انتشر فيها السلب والنهب والزنا والكذب والغش والخيانة .
فكان الأخ يقتل أخاه على مورد الشاة .
فلما أراد الله أن يحيي هذه الأمة ، أرسل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأخرجهم من الظلمات إلى النور .. ، يقول سبحانه ممتناً على الناس : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الجمعة:2) .
فأخرجهم الله بهذا الرسول الأمي ( صلى الله عليه وسلم ) من تلكم الظلمات ، إلى هذا النور والفضل ، وإلى قيادة البشرية بعد سنين معدودة .
وعلمهم ( صلى الله عليه وسلم ) الإخاء والتواد بعد أن كانوا متناحرين متباغضين .
يقول عمر ، رضي الله عنه : والله ، إنه ليطول على الليل إذا تذكرت أخي في الله ، فأتمنى الصباح لأعانقه شوقاً عليه .
يقول الله سبحانه وتعالى لرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لأنفال:63) أي : والله لا إله إلا هو لو أنفقت الدنيا ذهباً وفضة ، ما ألفت بين قلوبهم ، ولا آخيت بينهم ؛ لأن القلوب لا تلقى إلا على دين الله .
فنحن نرى اليوم : أن من يصطلح صلحاً على الدين ، وعلى غير لا إله إلا الله ، يجعل الله صلحهم دماراً وخراباً ، ويجعل اجتماعهم فتنة ويجعل عزتهم ذلة ، ويجعل غناهم فقراً لأنهم اجتمعوا على غير طاعة الله .
أما الإسلام فقد ألف بينهم ، فقبائل العرب كانت أكثر من ثلاثين قبيلة ، فلما آخى ( صلى الله عليه وسلم ) بينهم أصبحوا أمة واحدة ن يقاتلون في صف واحد ، ويصلون في صف واحد .
وأيـنـمـا ذكـر اسـم الله فـي بـلـدٍ عـددت ذاك الحـمـى مـن صـلـب أوطـانـي
عند البخاري في ( الصحيح ) أن الصحابة اجتمعوا في مجلس يتشاورون في أمر الحرب ، وكان معهم : سيف الله خالد بن الوليد أبو سليمان ، ومعهم : بلال بن رباح المولى العبد الذي رفعه الإسلام حتى أصبح سيداً من السادات ، ومعهم أبو ذر .
فتكلم بلال
فرد عليه أبو ذر ، قال : يا أبن السوداء .
فقال بلال : والله ، لأرفعنك إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، فذهب إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبره ، وقال : يا رسول الله !! أبو ذر تكلمت ، فقال لي كذا وكذا .
فاحمر وجهه ( صلى الله عليه وسلم )، واستدعى أبا ذر ، فقال له:( أعيرته بأمه ، إنك امرؤ فيك جاهلية).
قال : يا رسول الله ، أعلى كبر سني وشيبتي .
قال : ( نعم ، إنك أمرؤ فيك جاهلية ) .
فخرج أبو ذر وقال : لا جرم ، والله ، لأنصفن بلالاً من نفسي ، فوضع أبو ذر رأسه على التراب ، وقال : طأ بلال رأسي برجلك ، والله لا أرفع رأسي حتى تطأ برجلك .
هذا هو التآلف ، وهذا هو الحب الذي يمحي كل خطأ ، وكل ذنب .
يقول سبحانه عن المؤمنين : ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (المائدة: من الآية54) أذلة : جمع ذلول، أي : مع إخوانه ، وأما مع الكفار : فعزيز قوي .
لكن الجاهلية جعلت من الإنسان أسداً جسوراً على جيرانه وأرحامه وقبيلته ، وذليلاً مخادعاً جباناً أما الكفار والأعداء ، فنسأل الله أن يصلح الحال .
ويقول سبحانه في أصحاب الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ )(الفتح: من الآية29) .
وعند البخاري في (الصحيح) : أن رجلاً من الأعراب جاء إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكان على الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بردة نجـرانية غليظة الحاشية ، فجذبها الإعرابي ، حتى أثر في عنق المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) .
فلما التفت إليه ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال الإعرابي : يا محمد ، أعطني من مال الله الذي عندك ، لا من مال أبيك ، ولا من مال أمك .
فتبسم ( صلى الله عليه وسلم ) وأمر له بعطاء ، ولقد أنزل الله عز وجل في نبيه : ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4) .
يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ، أفشوا السلام بينكم ) معنى ذلك : أن تبسم في وجوه الناس ؛ لأن تبسمك في وجه أخيك صدقة .
يقول سبحانه : ( وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر:3) .
يقول أحد المفسرين : كان الصحابة إذا اجتمعوا ، لا يتفرقون حتى يقرأوا هذه السورة ؛ لأنها تذكرهم بالتواصي في ما بينهم بالحق والصبر .
وورد أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) كان جالساً في مسجده عند الصحابة ، رضوان الله عليهم ، فقال لهم: ( يدخل عليكم الآن رجل من أهل الجنة ) .
فطلع رجل يقطر ماء الوضوء من لحيته ، فصلى ركعتين وجلس .
فلما أتى اليوم الثاني قال ( صلى الله عليه وسلم ) مثل ما قال ، فخرج هذا الرجل .
وهكذا في اليوم الثالث .
فتبعه ابن عمرو ، فبات عنده ليرى صيامه وقيامه .. ، فلم يجد من ذلك شيئاً فسأله عن ذلك .
فقال : إني أبيت وليس في قلبي غش ، أو غل لأحد من المسلمين .
فقال : هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق .
هذا هو الإيمان .. فلا غل ، ولا حقد ، ولا حسد .
يقول ( صلى الله عليه وسلم ) كما في ( الصحيح ) : ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ...) ، وفي رواية عند مسلم : ( المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، التقوى هاهنا ـ ويشير إلى صدره ثلاث مرات ـ بحسـب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه ) .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يطوف بالكعبة ويقول : ( ما أطيبك وأطيب ريحك ، ما أعظمك وأعظم حرمتك ، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ) ، وورد موقوفاً على ابن عمر قال : ( ما أعظمك وأعظم حرمتك ، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك ) .
أيها المسلمون الفضلاء !! يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) فهذا معنى ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة) (الحجرات: من الآية10) .
كيف تحب لأخيك ما تحب لنفسك ؟
قال أهل العلم : أن تحب له أن يستقيم ، وأن يهتدي ، وأن يصلي الصلوات الخمس في جماعة ، وأن يتفقه في الدين .
سب أعرابي ابن عباس .
فقال ابن عباس : أتسبني وفي ثلاث خصال !!.
قال الناس : ما هي يا ابن عباس ؟
قال : والذي نفسي بيده ، ما نزل القطر في أرض إلا حمدت الله وسررت ، وليس لي في الأرض ناقة ولا جمل .
ووالله ، ما سمعت بقاضٍ يحكم بكتاب الله إلا دعوت له ، وليس لي عنده قضية .
ووالله ، ما فهمت آية من كتاب الله ، إلا تمنيت على الله أن يفهم الناس مثل ما فهمني هذه الآية .
وكانوا يقولون عن ابن سيرين ، أنه إذا أقبل إلى فراشه ، نفضه ، ثم قرأ سورة الإخلاص ثلاثاً والمعوذات ثلاثاً ثم قال : اللهم اغفر لمن شتمني ، ولمن ظلمني ، ولمن سبني ، اللهم أغفر لمن فعل ذلك بي من المسلمين .
وعند أبى داود بسند مرسل أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قال للصحابة : ( أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم ) .
وأبو ضمضم هذا رجل من الصحابة ، كان فقيراً لا يملك حفنة من التمر ، دعا ( صلى الله عليه وسلم ) للصدقة ، فالتمس في البيت صدقة من دراهم ، أو دنانير ، فما وجد شيئاً ، فقام ، وصلى ركعتين في ضلال الليل ، وقال : يا ربي !! يا الله !! إن أهل الأموال تصدقوا بأموالهم ، وأهل الخيول جهزوا خيولهم ، وأهل الجمال جهزوا جمالهم ، اللهم إنه لا مال لي ولا جمال ولا خيول .
اللهم إني أتصدق إليك بصدقة فاقبلها : اللهم كل من ظلمني ، أو سبني أو شتمني ، أو اغتابني من المسلمين فاجعلهم في عافية ، وفي حل ، وفي عفو .
فقبل الله صدقته ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: من الآية27) .
· أسباب الفرقة :
1ـ أيها الفضلاء ، إن البغضاء من أسباب التفرقة بين الأسر والقبائل والشعوب ، وهي الحالقة .. لا تحلق الشعر ولكن تحلق الدين .
البغضاء هي التي تفسد ذات البين .
البغضاء هي التي تشعل في القلوب ، وتقطع الأرحام ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) (محمد:23) .
وبعض الجهلة ـ للأسف ـ يغذي هذه البغضاء في قلوب أبنائه ، فيخبرهم بعداء القبائل ، ويذكر لهم تاريخ الجاهلية ، وكيف تحاربت القبائل فيما بينها ، وماذا فعل بنو فلان ببني فلان ، وما هو موقف القبيلة هذه منا ومن أحلافنا ، ومن أصدقائنا ، ومن أعدائنا .
وهذا كله عداء جاهلي ، وثني ليس في الكتاب ، ولا في السنة ، بل هو حرب للإسلام .
يقول ( صلى الله عليه وسلم ) فيما صح عنه : ( لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر ) .
هذه البغضاء ، يا عباد الله ، هي التي تأكل الحسنات ، كما تأكل النار الحطب .
2ـ ومن أسباب التفرقة أيضاً : الحسد ، والعياذ بالله ، فسبب تقاتل أبناء آدم ، إنما هو : الحسد .
يقول الله : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء: من الآية54) ويقول الشاعر :
ألا قـل لـمـن بـات لـي حـاسـداً أتـدري عـلى مـن أســأت الأدب
أســأت عـلـى الله سـبـحـانـه لأنـك لـم تـرض لـي مـا وهـب
فـجـــزاك عـنـي بـأن زادنـي وســد عـلـيـك وجـوه لطـلـب
والحسد في القلب شعلة من نار ، يأكل الحسنات ويدمر الصالحات ، ويفني القبائل والأسر ، ويعدم الإخاء بين الناس ، وهو كثير في الناس اليوم بسبب حب الدنيا .
3ـ وأما السبب الثالث من أسباب الفرقة فهو : حب الدنيا ، وحبها رأس كل خطيئة .
يقول سبحانه عن الدنيا : ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد:20) .
وصف بعض الصالحين الحياة فقال : هي حلم مثل أحلام النوم .
وقالوا لنوح ، عليه السلام ، وقد عاش أكثر من ألف سنة : كيف رأيت الحياة ؟
قال : رايتها كبيت له بابان ، دخلت من هذا ، وخرجت من ذاك .
وقالوا لأحد الصالحين : : صف لنا الدنيا .
قال : هي عجوز شمطاء ، قبيحة التقبيل والشم .
وقال آخر : الدنيا سارقة مارقة ، حية رقطاء .
وقال الإمام أحمد : عجباً للدنيا ، بينما نحن مع أبنائنا إذ تفرقنا .
ولذلك يقول المتنبي :
أيـن الجــبـابـرة الأكــاســـرة الآلي كـنزوا الكـنوز فلا بقـيـنا ولا بقـوا
مـن كـل مـن ضـاق الفـضـاء بجـيشـه حـتـى ثـوى فـحـواه لحـد ضـيق
يقولون : إن هارون الرشيد الخليفة ، لما حضرته الوفاة ، قال : اجمعوا لي الجيش .. فجمعوا الجيش والقادة .
فخرج على الجيش ، وقال : يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه .
ثم قال : اللهم إني لست مصلحاً فأعتذر ، ولست قوياً فانتصر ، اللهم فاقبلني فيمن قبلت .
وكان الوليد بن عبد الملك ، أحد الخلفاء ، يتقلب ظهراً لبطن على التراب وهو يبكي في سكرات الموات ، ويقول : ( مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ) (الحاقة:29) .
فحب الدنيا هو : الذي قطع بين الأرحام ، والأحباب ، والأقارب .
وحب الدنيا ، هو : الذي جعل الناس يتخلفون عن صلاة الجماعة والندوات ، وعن ذكر رب الأرض والسماوات .
وحب الدنيا ، هو : الذي أقسى القلوب ، وضيع الوقت في غير طاعة الله عز وجل .
وإلا ... فليس لك من دنياك إلا ما أكلت فأبليت ، أو تصدقت فأعطيت ، أو لبست فأفنيت .
فاعلم علم اليقين : أن أحسن ما تقدمه ، هو : العمل الصالح ، وأن كل شيء سوف يزول ، إلا ما أبقاه العبد لأخرته .
4ـ ومن أسباب الفرقة : العصبية الجاهلية القبلية ، وقد أشرت إليها ، وهي : التحزبات ، وجعل بعض القبائل لها على بعض منزلة أو درجة .. وهذه من الشيطان ، وهذه حرب للإسلام ، وحرب للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
ومن افتخر بآبائه ، فهو أولهم إلى النار ، وهو معهم يحشر ؛ لأن المرء يحشر مع من أحب .
· أسباب الإخاء :
ومن أسباب الإخاء أمور :
أولها : السلام والابتسام : بأن تسلم على من عرفت ، ومن لم يعرف .
يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( يا أيها الناس أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ؛ تدخلوا الجنة بسلام ) .
وتحيتنا هي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، لا نستبدل بها غيرها ، لا أهلاً ولا مرحباً ، ولا كيف أصبحت ، ولا أهلاً وسهلاً ، ولا صباح الخير ، قال تعالى : (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلام) (الأحزاب: من الآية44).
والابتسام لقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( تبسمك في وجه أخيك صدقة ) ، فعلى المسلم أن يتبسم للمسلمين ، وأن يعانقهم إذا أتى من غيبة ، وأن يعلم أن مصافحته للمسلم تحط الخطايا كما تحط الشجرة ورقها في شدة الشتاء .
2ـ ومن أسباب الألفة : الدعاء بظهر الغيب ، وأجمل الدعاء ح دعاء غائب لغائب .
يقول الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، لابن الشافعي بعد ما توفى الشافعي : أبوك من السبعة الذين أدعو الله لهم وقت السحر .
واعلم أنك إن دعوت لأخيك المسلم ، فإن ملكاً يقول لك : ولك بمثل .
3ـ ومن أسباب الحب والوئام : الزيارة في الله ، فإنها هي الباقية عند الله عز وجل .
ففي الحديث الصحيح : ( أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى ، فارصد الله له على مدرجته ملكاً ، فلما أتى عليه ، قال : أين تريد ؟
قال : أريد أخاً لي في هذه القرية .
قال : هل لك عليه من نعمة تربها ؟؟ أي تحفظها .
قال : لا ، غير أني أحببته في الله عز وجل .
قال : فإني رسول الله بأن الله قد أحبك كما أحببته ) .
وأما زيارة المريض ، فهي من أعظم القربات عند الله ، ففي الحديث أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال: ( من عاد مريضاً لم يزل في خرافة الجنة حتى يرجع ) .
وفي حديث آخر قال فيه ( صلى الله عليه وسلم ) : ( ما من مسلم يعود مسلماً غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي ، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح ، وكان له خريف في الجنة ) .
وفي الحديث الصحيح أن الله يقول للعبد وهو يحاسبه : ( يا أبن آدم جعت فلم تطعمني !!.
قال : كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟
قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان جاع فما أطعمته، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟!.
يا أبن آدم ظمئت فلم تسقني !!.
قال : كيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟
قال : أما علمت أن عبدي فلان بن فلان ظمئ فلم تسقه ، أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي ؟!.
ابن آدم مرضت فلم تعدني !!
قال : كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟
قال : أما علمت أن عبدي فلان بن فلان مرض فلم تعده ، أما إنك لو عدته لوجدت ذلك عندي ) .
4ـ ومنها : صلة الرحم ، وهي : من أعظم الأمور التي تزيد في العمر ، وتبارك في الحياة .
وأعظم ما يكدر الحياة ، ويعكر الوداد ، ويقسي القلوب ، ويضيع الأوقات : قطيعة الرحم ، والعياذ بالله .
أتى رجل إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني ، وأحسن إليهم ويسيئون إلي ، وأحلم عنهم ويجهلون علي ، فماذا أفعل ؟
قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( لئن كنت كما قلت ، فكأنما تسفهم المل ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك ) ، والمل : الرماد الحار .
قال المقنع الكندي :
وإن الـذي بـيـنـي وبـيـن بـنـي أبـي وبـيـن بـنـي عـمـي لمـخـتـلف جـدا
وإذا أكـلـوا لـحـمـي زفـرت لحـومـهم وإن هـتـكـوا مجـدي بـنـيـت لهم مجـدا
ولا أحـمـل الـحـقـد القـديـم عـليهـمو وليـس رئيـس القـوم مـن يحـمـل الحقـدا
أما قرابة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، فاسمع ماذا فعلوا : لقد أخرجوه من داره وضربوا بناته ، وأخرجوه من مكة ، وحاربوه في أكثر من سبع عشرة عزوة ، وكسروا ثنيته ، وأسالوا دمه ، وما تركوا مكيدة في الدنيا إلا دبروها له .
فلما انتصر عليهم وطوقهم بالجيش ، وهم جلوس في الحرم ، قال : ( ماذا ترون أني فاعل بكم ؟ ).
قالوا : خيراً ، أخ كريم وابن أخ كريم .
قال : ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) .
5ـ ومما يؤلف القلوب : تذكر الموت .
هـو المـوت مـا مـنـتـه مـلاذ ومـهـرب مـتى حـط ذا عـن نـعـشـه ذاك يـركـب
فمن الذي هرب من الموت ؟
ومن الذي اعتصم بالقصور ، فما أخرجه الموت بقاصمة الظهور ؟
لا أحد .
يقول سبحانه وتعالى : ( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) (الجمعة: من الآية8) فأنتم تفرون منه ولكنه أمامكم !
ويقول سبحانه وتعالى : ( أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) (النساء: من الآية78) سبب نزول هذه الآية أن أحد الكفار قال : يزعم محمد أنه لابد أن أموت ، لبنين لي قصراً شاهقاً فلا يدخل علي ملك الموت .
فقال سبحانه : ( أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ )(النساء: من الآية78) .
قال سفيان الثوري ، رحمة الله : حق لمن بلغه الله ستين سنة ، أن يشتري له كفناً .
وكان الإمام أحمد ، إذا رأى المقابر انقطع ، وجلس مبهوتاً .
وكان عثمان ، رضي الله عنه وأرضاه ، إذا رأى المقبرة بكى حتى يغمى عليه .
نـؤمـل آمـالاً ونـرجــوا نـتـاجـها وعـل الـردى مـمـا نـرجـيـه أقــرب
ونبني القـصور المشـمخرات فـي الهـوا وفـي عـلـمـنا أنـا نـمـوت وتـخـرب
6ـ ومن أسباب الألفة : العفو ، قال تعالى : ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: من الآية134) ، فمن عفا عن مظلمة ، أورثه الله عزاً في الدنيا والآخرة .
والعفو هو : أن تعفو عمن ظلمك ، كما عفا ( صلى الله عليه وسلم ) عمن ظلمه وقال لهم : ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) .
يذكر ابن كثير وغيره ، من المؤرخين : كان لابن الزبير مزرعة في المدينة ، ولمعاوية مزرعة بجانب مزرعة ابن الزبير .
فدخل عمال معاوية مزرعة ابن الزبير ، فغضب وكتب رسالة إلى معاوية يقول فيها : يا أبن آكلة الأكباد ! إما أن تمنع عمالك من دخول مزرعتي ، أو ليكونن لي ولك شأن .
فقرأ معاوية الرسالة ، وإذا هي حارة من رجل من الرعية وهو ملك .
فقال لابنه يزيد : ماذا ترى ؟
قال يزيد : أرى أن ترسل له جيشاً ، أوله في المدينة ، وآخره عندك حتى يأتوا لك برأسه !
قال : بل أقرب من ذلك صلة وأقرب رحماً .
فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم .. من معاوية بن أبي سفيان إلى ابن حواري الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وابن ذات النطاقين ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد ، فو الله الذي لا إله إلا هو لو كانت الدنيا بيني وبينك لهانت علي ، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ عمالي إلى عمالك ، ومزرعتي إلى مزرعتك .
فقرأها ابن الزبير ، فبكى ، حتى بلها بالدموع ، وذهب إلى دمشق ، فقبل رأس معاوية ، وقال : لا أعدمك الله عقلاً أحلك من قريش هذا المحل .
فانظر كيف صنع العفو .. وكيف قلب العدو صديقاً ، وبدل الحق بالحب ، وقد قال تعالى لرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( فَاعْفُ عَنْهُم ْ) (آل عمران: من الآية159) فأمره بالعفو مع المؤمنين .
فينبغي علينا اخوة الإيمان : أن نحيي معاني العفو في حياتنا ، بأن نتنازل قليلاً لإخواننا ، عن بعض الأشياء ، التي تقربنا بهم ، وتزيدنا تماسكاً وترابطاً معهم .
هذه بعض الأمور التي تعين ، وتقرب الألفة والأخوة بين المسلمين ، ذكرتها لكم لعل امرؤ ناصحاً لنفسه أن يحاول امتثالها في حياته .
والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
مفهوم الحب في الإسلام
إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا .. من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد .
فقد جاء الإسلام فقنن ، وحدد العقائد ، والأفكار ، والتصورات ، والأخلاق ، وضبطها ، ووجهها إلى الواحد الأحد .
ومن هذا المنطلق سوف أكتب عن الحب ، وكيف وجهه الإسلام ، والرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يتركه ؛ لأن كثيراً من الناس ظنوا أنهم يحبون من شاؤوا ، في أي وقت شاؤوا .
وقف الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) على المنبر يتحدث في الناس ، وإذا بأعرابي يقاطعه .. فالتفت إليه ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ( ما لك ) ؟
قال : متى الساعة ؟
فسكت عنه ( صلى الله عليه وسلم ) ثم أكمل حديثه .
فلما انتهى قال : ( ماذا أعددت للساعة ) ؟
قال : يا رسول الله ، والله ما أعددت لها كثير صلاة ، ولا صيام ، ولا صدقة ؛ ولكني أحب الله ورسوله .
فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( أنت مع من أحببت ) .
قال الحسن البصري معلقاً على الحديث : لا يخدعنكم الحب فحسب ، فو الله الذي لا إله إلا هو .. لقد أحب قوم عيسى بن مريم حتى ألهوه ، فأدخلهم حبه النار .
وروى الغزالي في ( الأحياء ) قول ابن عمر رضي الله عنهما : والله لو أنفقت أموالي في سبيل الله ، وصمت النهار لا افطره ، وقمت الليل لا أنامه .. ثم لقيت الله لا احب أهل الطاعة ولا أبغض أهل المعصية لخشيت أن يكبني الله على وجهي في النار .
من هذا المنطلق : جعل الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) الحب عقيدة .
وفي الحديث قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( من أحب لله ، وأبغض لله ، وأعطى لله ، ومنع لله فقد استكمل الإيمان ) .
والحب على قسمين : فطري جبلي .. وسببي كسبي .
فأما الفطري الجبلي : فلا لوم على العبد فيه ، فإن الله فطره على ذلك ، كحب الرجل الطعام ، وحبه الماء، وحبه ابنه ، وزوجته ، وأصدقاءه .
وأما الكسبي السببي : فهو الإرادي الذي يحاسب الله عليه العبد ، إذا صرفه لغير مرضاة الله تبارك وتعالى.
سئل شيخ الإسلام : كيف يقول الله عز وجل : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (لأنفال:45) ، كيف يذكرهم الله ذكره وقت الأزمات ، أما هناك وقت إلا وقت مصارعة الأعداء ، ووقت المقاتلة ، والتقاء السيوف .
فقال ابن تيمية : إن المحبوبين يتشرفون بذكر محبوبهم وقت الأزمات .. أما سمعتم لقول عنترة يوم يقول لمحبوبته :
ولـقـد ذكـرتـك والـرمـاح نـواهـل مـنـي وبـيـض الهـنـد تـقـطـر من دمـي
فـوددت تـقـبـيـل الســيـوف لأنـها لـمـعـت كـبـارق ثـغــرك المـتـبـسـم
فكان الجاهليون يتمادحون بأنهم يذكرون محبيهم ، وقت القتال والنزال ، فأراد الله أن يحول هذا المعتقد الآثم ، إلى ذكره وقت الأزمات ... ولذلك فإن الذكر : يوم يذكر الله وقت مصارعة عدوه .
· المحبوبات التي ذكرها القرآن :
يقول جل ذكره ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران:14) فكل محبوبات الناس تدور على هذه ، ولكن ما عند الله خير منها .
ومن أحب هذا الشيء ، الذي ذكره الله ، وأفنى حبه فيه حتى عبده ، فليس له عند الله من خلاق ؛ لأن الحب عبادة ، وإذا اجتمع مع الذل فهو اكتمال العبادة ..
ولذلك يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الخميصة ، تعس عبد الخميلة ، تعس وانت-، وإذا شيك فلا انتقش ) .
وإنما سماه ( صلى الله عليه وسلم ) عبداً ؛ لأنه صرف حبه لهذه الأمور ، حتى غلبها على حب الله .
ومن الناس من يحب زوجته ، أكثر من حبه لربه ، تبارك وتعالى ، وعلامة ذلك : أن يقدم مطلوبها ، ولو كان في المعصية ، على مطلوب الله سبحانه وتعالى .
من الذي أخرج حنظلة الغسيل من بيته ، وهو في اليوم الأول من عرسه إلى لقاء الله ؟ وأتى إلى أحد ، وكسر غمد سيفه على ركبته ، وقال ( اللهم خذ من دمي اليوم حتى ترضى ..) إلا حب الله .
يقول سبحانه وتعالى : ( وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً) (الفجر:20) ، هذا يدخل فيه الحب الكسبي والسببي ، والحب الفطري الجبلي .
أما الفطري الجبلي : فإن الإنسان يحب المال بلا شك ، وهو مفطور على ذلك .
وأما الكسبي فهو الذي يوصله إلى درجة العبودية للدرهم والدينار ، فيسبح بحمده صباح مساء ويجعله مقصده في الحياة ومطلوبه .. فيكون إلهه ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ) (الجاثـية : من الآية23) . ومن جعل شيئاً أعظم من الله في قلبه وأحبه كان إلهه ، وكان مشركاً بالله .
ولذلك ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك فقال : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ) (البقرة: من الآية165) .
وذكر سبحانه ملاذ الدنيا في سورة التوبة فقال : ( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) (التوبة: من الآية24) ، فمن قدم شيئاً من هذه على حب الله فلينتظر الموت ، ولينتظر اللعنة ، ولينتظر الغضب .
· ادعاء الحب :
والدعوى سهلة .
يقول بعض الصالحين : لا تعرض بحب الله على اللسن فتدعيه .
وادعاء حب الله : سـهل عند الناس جميعاً ، تارك الصلاة في المسـجد تقول له : لمـاذا لا تصلي في المسجد ؟؟.
قال : الله يعلم أني أحبه !
كذب لعمر الله ! لو كان يحب الله ما تأخر عن الصلاة في المسجد .
يقول الأول :
نــحـن الـذيـن إذا دعـــوا لـصـلاتـهم والـحـرب تـسقي الأرض جـامـاً أحـمـرا
جـعـلـوا الـوجـوه إلى الـحـجـاز فـكـبروا فـي مـسـمـع الروح الأمـيـن فـكــبـرا
يقول ثابت بن عبد الله بن الزبير : يا رب أمتني الميتة الحسنة .
قالوا : وما هي الميتة الحسنة ؟
قال : أن يتوفاني ربي وأنا ساجد .
فطالت به الحياة : وعلم الله أنه صادق ( فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ) (محمد: من الآية21) ، ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69) .
فمات ، وهو ساجد في صلاة المغرب .
وأهل الحب ، هم : أهل الإيمان والطموح .
قال أبو الندوي في كتابه ( مسيرة الحياة ) : عين بلا إيمان : مقلة عمياء ، وأمة بلا إيمان : قطيع من غنم.
ونقول : كتاب بلا إيمان : كلام مصفف ، وقصيدة بلا إيمان : كلام ملفق ، وعقل بلا إيمان : ضياع وهيام وخسار .
إن الحب لا ياـي بالدعوى فقط .
ولابد للإنسان من إله يحبه ، ولذلك يقول ابن تيمية : الإنسان همام حارث .. كما في الحديث الصحيح ، فلابد لقلبه أن يهم ، ولابد له أن يزاول شيئاً ، فلابد له من إله يألهه ، وهو الله تبارك وتعالى .
تـعـصـي الإلـه وأنـت تـظـهـر حـبـه هــذا كــلام فـي القــيـاس بـديـع
لـو كـان حـبـك صــادقـاً لأطـعــتـه إن الـمـحـب لـمـن يحـب مـطـيـع
وفي أثر لأهل الكتاب أن الله يقول : كذب من ادعى محبتي ، فإذا ضمه الليل نام عني ولم يقم يناديني ، أو كما قال سبحانه وتعالى .
فالحب ادعاه قوم كثيرون ن وهو في المسلمين كثير حتى من الفسقة الفجار ، فمنهم من يحمل الكأس ، ويعيش للمرأة ، ويسمع الأغنية ، ويعاقر الخلاعة ، فإذا نهيته عن ذلك ، ادعى حب الله !
ومحبة الله عز وجل ، ومحبة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) أعلى المطالب ، وأعظم المقاصد ، وأعظم درجات العبودية .
ففي (صحيح البخاري ) أن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، قال : والله يا رسول الله إنك أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي .
فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك ) .
فقال عمر : والله يا رسول الله ، إنك أحب إلى من نفسي ، هذا منتهى الحب .
عندها قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ( الآن يا عمر ) .
وفي ( الصحيحين ) عن أنس قال : يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) .
فمن وجد هذه الثلاثة وجد حلاوة الإيمان ، ومنتهى الإيمان ، وأصل الإيمان ، فهنيئاً له .
ومن لم يجد ذلك فليبكِ على نفسه .
يقول ابن القيم في ( الفوائد ) في قوله سبحانه وتعالى : ( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)(المائدة: من الآية54) ليس العجب من قوله : ( وَيُحِبُّونَهُ) فإن المحسن يحب ، فمن أطعمك وكساك وخلقك تحبه جبلة وأصلاً .. ولكن العجب من قوله : (يُحِبُّهُمْ )!.
· نماذج من الحب الخالص لله :
1ـ عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري : أتى يوم أحد ولبس أكفانه ، وقال : اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى ، فقتل شهيداً .
ولذلك يقول ( صلى الله عليه وسلم ) لفاطمة : أخت عبد الله ـ عمه جابر ـ : ( تبكين أو لا تبكين ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه ) .
وفي حديث آخر أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ( يا جابر ما لي أراك منكسراً ) .
قال : يا رسول الله ، استشهد أبي ، وترك عيالاً وديناً .
قال : ( أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك ) .
قال : بلى ، يا رسول الله .
قال : ( ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب ، وأحيا أباك فكلمه كفاحاً ، فقال : تمن على أعطك !!
قال : يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية .
قال الرب عز وجل : إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون ) .
وأنزل الله هذه الآية ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران :169).
وكما في حديث آخر ( فجعل الله روحه وأرواح إخوانه في جوف طير خضر ، لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل ) .
وفيهم أنزل الله هذه الآيـات : ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:171) .
2ـ في السير عند هشام وغيره ، أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وقف قبل غزوة أحد ، يعلن الحرب على أبي سفيان ، ولبس لأمته ( صلى الله عليه وسلم )، وهو يتحدث في الناس ويشاورهم ، أنقاتل في المدينة ، أم نخرج خارج المدينة إلى أحد .
فقام شاب ، من بني عمر بن سالم ، فقال : يا رسول الله ، لا تمنعني ، ولا تحرمني دخول الجنة ، فو الله الذي لا إله إلا هو لأدخلن الجنة .
فقال ( صلى الله عليه وسلم ) ـ وهو يتبسم ـ : ( بم تدخل الجنة ؟ ) .
قال : بخصلتين .
قال : ( ما هما ) ؟
قال : بأني أحب الله ورسوله كثيراً ، ولا أفر يوم الزحف .
قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إن تصدق الله يصدقك ) .
وبدأت المعركة ، ودارت رحاه ، وأتى الصادق ، فصدق الله فقتل .
فمر ( صلى الله عليه وسلم ) عليه ، وأخذ يمسح التراب عن جبينه ، وتدمع عيناه ( صلى الله عليه وسلم ) ويقول : ( صدقت الله فصدقك الله ) .
أرواحــنـا يـا رب فـوق أكـــفــنـا نـرجـو ثـوابـك مـغـنـماً وجــوارا
لـم نـخـش طـاغـوتـاً يـحـاربـنـا ولو نـصـب الـمـنـايـا حـولـنا أسـوارا
وكــأن ظـل السـيـف ظـل حــديـقـة خـضـراء تـنـبـت حـولنـا الأزهـارا
3ـ جعفر بن أبي طالب : ترك ماله وولده ، وترك أحبابه ، وخلانه ، وجيرانه ، وأتى قبل المعركة ، فكسر غمده وهذا عند العرب علامة على أنه لن يعود أبداً ، وقال :
يـا حــبـذا الـجـنـة واقــتـرابـها
طــيـبـة وبــارد شــــرابــها
والــروم روم قــد دنـا عــذابــها
كــافـرة بـعــيـدة أنـســابــها
عـلـى إن لاقـيـتـهـا ضـرابــها
قاتل حتى الظهر ، فقطعت يمينه ، ثم يساره ، ثم قتل شهيداً .
· علامات المحبة :
1ـ بيع النفس للواحد الأحد ، فتغضب لله ن وترضى لله ، وتقدم لله ، وتعطي لله ، وتحب لله ، وتبغض في الله ، وقد ذكرت فيما مضى نماذج لمن باعوا نفوسهم لله .
2ـ ومن علامات حب الله عز وجل : الإقبال على الطاعة ، وترك المنهيات .
فمن سمع الأذان ، فلم يأت إلى المسجد ، بلا عذر ، فما أحب الله ، ومن هجر القرآن ، ولم يقرأ فيه ، وقدم قراءة المجلة الخليعة ، والجريدة التافهة عليه ؛ فما أحب الله ، ومن جلس مع جلساء السوء ، ورافقهم ، وهجر الصالحين والأخيار فما أحب الله ، ومن تخلف عن النوافل ، وعنده بسطة في الجسم وسعة في الوقت ، فما أحب الله .
فمن ادعى حب الله ثم لم يأت بالطاعات ، ويتقدم بالنوافل ، فليس بمحب .
في كتاب ( مدارج السالكين ) يذكر ابن القيم عشرة أسباب للمحبة .ز ذكر منها : تلاوة القرآن بتدبر ، فإذا رأيت الرجل يحب المصحف ، ويتلذذ بالقراءة في المصحف ، فاعرف أنه من أحباب الله .
3ـ كثرة الذكر .
إذا مــرضـنـا تـداويـنـا بـذكـركـم ونتـرك الـذكـر أحـيـانـاً فـنـنـتـكـس
( أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: من الآية28) ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) (البقرة: من الآية152) .
وفي الحديث عن عبد الله بن يسر : أن رجلاً أتى إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت على ، فأخبرني بشيء أتشبث به .
قال : ( لا يزال لسانك رطباً بذكر الله ) .
فإنسان لا يذكر الله كثيراً ، فهو شبيه بأهل النفاق ، الذين قال الله فيهم : ( وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً) (النساء: من الآية142) .
4ـ ومن علامات حب الله عز وجل : تعظيم الشعائر .
يروى أن إبراهيم بن أدهم نزل إلى السوق ، فوجد صحيفة ملقاة على الأرض مكتوب فيها : ( الله ) .
فقال : يا رب ، سبحانك أن يداس أسمك ، والله لأطيبن اسمك فأخذ الصحيفة ، وطيبها ، وعلقها .
فسمع قائلاً يقول في المنام : يا من طيب اسم الله ليطيبن اسمك .
فرفع الله اسمه ، فهو من العباد الكبار .
سألوا سعيد بن المسيب ، وهو مريض ، أن يذكر لهم شيئاً من أحاديث الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : أجلسوني .
قالوا : أنت مريض .
قال : أيذكر ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأنا مضطجع ؟
وكان الإمام مالك يحدث في مسجد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فلدغته عقرب ، فأخذ يتغير وجهه ، فلما انتهى ، قيل له : ما لك ؟
قال : لدغتني عقرب !
قالوا : ولم لم تقطع الحديث ؟
قال : أأقطع حديث المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) من أجل عقرب ؟
· نماذج من الحب الرخيص :
وهو حب المرأة ، والكأس ، وحب المعاصي .
يقول أحدهم :
يـا مـن هـواه أعــزه وأذلـنـي كـيـف السـبـيـل إلى رحـالـك دلـنـي !
( يا من هواه أعزه وأذلني ) نعم ؛ لأنك ذللت لغير الله ، فأذلك الله سبحانه وتعالى .
وآخر يدعي محبة الله كثيراً ، وفي أعظم المواقف في الحج ينسى الله تبارك وتعالى ، وينسى الوقوف بين يدي الله ، وينظر إلى امرأة أتت إلى الطواف حول البيت ، فأخذ يتغنى في الحرم ، ويقول :
قـف بالـطـواف تـرى الغـزال المحـرما حـج الحـجـيـج وعـاد يـقـصـد زمـزما
لـو أن بـيـت الله كــلـم عــاشـقـاً مـن قـبـل هــذا كــاد أن يـتـكــلـما
هذا هو الحب الحقير الذي يحاسب عليه الله .
ولي منظومة للرد على هذا الرجل .. قلت :
قـف فـي الحـيـاة تـرى الجـمـال تـبـسـما والـطـل مـن ثـغـر الـهـمـائل قـد هـما
والـمـؤمـن اطـلـع الـوجــود مـسـلـمـا أهــلاً بـمـن حـاز الـجـمـال وسـلـمـا
لا والـذي جــمـع الـخــلائـق فـي مـنـى وبـدا فـأعــطـى مـن أحــل وأحــرما
مـا فـي جـمـيـع الأرض أجـمـل منـظــرٍ مـن مـؤمـن لـلـه جــــد ويـمـمــا
هذا هو الحب ، أما من يتغزل بهذه الأمور ويصرفها لغير الله فقد كذب على الله .
يقول ابن القيم في ( بدائع الفوائد ) ، وهو يتحدث عن من صرف حبه لغير الله ، أن أبا فراس الحمداني الشاعر، أرسل لابن عمه سيف الدولة رسالة يقول فيها :
فـلـيـتـك تـحـلو والـحـيـاة مـريـرة ولـيـتـك تـرضـى والأنـام غــضــاب
إذا صـح مـنـك الـود فـالـكـل هــيـن وكـل الــذي فــوق الـتــراب تــراب
ولـيـت الـذي بـيـنـي وبـيـنـك عـامر وبـيـنـي وبـيـن الـعـالـمـيـن خـراب
فقال : أحسن كل الإحسان في نظم الأبيات ، وأساء كل الإساءة يوم جعلها لمخلوق !
إخواني في الله ! ! أدعوكم ونفسي إلى حب الله ، تبارك وتعالى ، وإلى حب رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإلى إقامة البينات على هذه الدعوى ، من محافظة على الفرائض ، ومن تزود بالنوافل ، ومن تدبر لكتاب الله ، ومن كثرة لذكر الله .
والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
أنباء الأخـلاء
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون .
والصلاة والسلام على معلم الخير ، رسول المودة ، والمحبة ، والألفة والقربى ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد ...
أيتها الأمة الخـالدة الواحدة !! يقول الله : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) (آل عمران : من الآية103) .. حبل الله : كتاب الله ، وسنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولا تفرقوا ( وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ) ، يا أمة الإبل والبقر والغنم ، يا أمة كانت حقودة حسودة ماردة قبل الإسلام .. فألف بين قلوبكم ، ( فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران: من الآية103) .. لهذه الآية سبب من الأسباب أورده كثير من المفسرين .
وتعانقوا والبكاء يملأ الساحة .. وكأن الإسلام بدأ من هذا اليوم .. وكأن القرآن نزل الآن .. وعاد ( صلى الله عليه وسلم ) بالجميع في مسيرة حب إلى المدينة .. فأنزل الله في ضمن الآيات تحذيراً من اليهود .. الذين شتتوا الصفوف وبثوا الضغينة بين القلوب فقال سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران:103) .
والله عز وجل يصف أولياءه ؛ فبماذا يصـفهم ؟ يقول : ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) (الفتح : من الآية29) .
لكن ، والله لقد وجد في الساحة : من كان شديداً على إخوانه ، رحيماً بغيرهم ، ووجد من يحمل على إخوانه ، وأحبابه من الضغائن ، ومن الأحقاد ، ومن التشريح والتجريح ، ما لا يحمله على عدو الرسالة الخالدة وعدو الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعدو الإسلام .
يا أيها الأخوة يقول سبحانه وتعالى ، في المؤمنين : ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (المائدة: من الآية54) .
فالمؤمن ذليل لأخيه ، سهل لين ، بشوش الوجه طلق المحيا ، متى يكون البر بالمسلم إذا لم يكن في الدنيا ؟ متى يكون الوداد إذا لم يكن هنا ؟ متى يكون العناق إذا لم يكن في الدنيا ؟
والله سبحانه وتعالى يمتن على رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ويقول له : ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لأنفال:63) .
العرب كما قال أحد العلماء : كقرون الثور ، كلما قشرت قرناً خرج لك ستة قرون !! العرب أمة قبل الإسلام قطيع من الهمجية ، والضياع والغنم ، فلما أتي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يفتح السجن ، ولم يرفع السوط ولم يأت بالسيف إلا بعد أن وعت العقول ، وسمعت النقل ..
فالله ، سبحانه وتعالى ، جمعهم لرسوله (صلى الله عليه وسلم ) بماذا ؟ أبعنفوانه ؟ أبسلطنته ؟؟ أبخطبه النارية الحماسية ؟؟؟ ..
لا .. ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) ( آل عمران : من الآية159) .
عجيب منهجك ، جيد أسلوبك ن باهر عرضك ، وباهرة شريعتك كيف استطعت أن تؤلف بين أمة الصحراء فتجعلهم إخواناً ؟ .
بلال حبشي رقيق من أثيوبيا ، لا يساوى في عالم المادة القرشية فلسين ، وأبو طالب وأبو لهب ، أسياد لا ينظر إليهم إلا من علو ، لكن أتى الإسلام فقال : يا أبا لهب ، أنت في النار ؛ لأنك لم تؤمن بالرسالة ، وأنت يا بلال ، سيد قصرك في الجنة كالربابة البيضاء .
وجـلـجـلـة الأذان بـكـل حــي ولـــكـن أيـن صــوت مـن بــلال
مـنتائـركتم عـلـت في كـل سـاح ومـسـجـدكـم مـن الـعـبـاد خـالـي
قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )(الحجرات: من الآية13) .
ويقول (صلى الله عليه وسلم ) : ( المسلم أخو المسلم ) .
يقول ابن تيمية : الأخوة عقدها الله ، عز وجل ، فلا تحتاج إلى حلف ، ولا تحتاج إلى أسانيد ، لا تحتاج إلى صكوك شرعية ، لا ، بل عقدها الله من فوق سبع سماوات .
إن يـفـتـرق مـاء الـوصـال فـمـاؤنـا عــذب تـحـدر مـن غـمـام واحـد
أو يـفـتـرق نـسـب يـؤلـف بـيـنـنا ديـن أقــمـنـاه مـقــام الـوالــد
( المسلم أخو المسلم ) ، فإذا كان أخوه فماذا يفعل ؟؟
( لا يظلمه ولا يسلمه ) .
وفي رواية : ( لا يظلمه ، ولا يحقره ، ولا يخذله ، التقوى هاهنا ـ ويشير إلى صدره ثلاث مرات ـ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم .. كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه ) .
وفد رجل على جعفر الصادق ، فقال له : يا إمام ، فلان بن فلان يغتابك .
فغضب جعفر الصادق غضباً عجيباً ، واحمر وجهه ، وقال : اجلس ، فجلس ، قال : أجاهدت الروم ؟
قال : لا .
قال : أجاهدت فارس ؟
قال : لا .
قال : أغزوت في سبيل الله ؟
قال : لا .
قال : فتسلم منك فارس والروم ، ويسلم منك الكفار ، ولا تسلم منك أمة محمد (صلى الله عليه وسلم ) إنه أمر عجيب .
جاء قوم عند محمد بن واسع ، فأتى أحدهم يطعن في عرض أخيه .
فقال : اتق الله .
قال : فعل كذا .
قال : أنا لا أقول لك إنه فعل ، أو لم يفعل ، أما تذكر القطن إذا وضع على عينيك وأنت في القبر ، فسكت الرجل .
يقول (صلى الله عليه وسلم ) : ( لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ..) .
ويقول (صلى الله عليه وسلم ) : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) .
فهل سأل أحد منا نفسه ، وهو على الفراش ، قبل أن يداعب أجفانه النوم ، ألا أحب للأخوة ، ألا أحب للمسلمين ، ألا أحب للدعاة إلى الله وللعلماء مثل ما أحب لنفسي ؟ ليعلم إن كان لم يصل إلى هذه المرتبة أنه ضعيف الإيمان وأن في قلبه مرضاً .
كيف نتوضأ بالماء البارد ، ونزيل القشور ، والغبار عن أيادينا ، وقلوبنا حارة ملتهبة على عباد الله ؟
في ( مسند ) الإمام أحمد بسند صحيح أن النبي (صلى الله عليه وسلم ) قال : ( ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم أبداً : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم الجماعة ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ) . هذه الثلاث إذا وجدها العبد في نفسه ، فليحمد الله على ذلك .
والرسول (صلى الله عليه وسلم ) .. يخبرنا كما في الحديث : ( من أحب لله ، وأبغض لله ، وأعطى لله ، ومنع لله ، فقد استكمل الإيمان ) .
فيا إخوتي في الله ، يا عباد الله ، هذا الكتاب والسنة يخبرنا بأدب الإخاء ، بأدب الحب ، بأدب الحوار ، بأدب تقارب وجهات النظر .
فلننظر بعدها إلى حياة الصحابة رضوان الله عليهم .
ودع عمر الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ليأخذ عمرة .
فقال (صلى الله عليه وسلم ) وهو يعانقه : ( لا تنسنا من دعائك يا أخي ) .
يقول عمر : كلمة ما أريد بأن لي بها الدنيا وما فيها .
إن كـان قـد عـز فـي الـدنـيـا اللقـاء فـفي مـواقـف الحـشـر نـلقـاكم ويكـفـيـنـا
آخـيـتـمـرنا عـلـى حـب الإلـه ومـا كـان الـحـطـام شـريـكـاً فـي تـآخــيـنـا
هذا هو الحب .. فعمر تلميذ لمحمد (صلى الله عليه وسلم ) .. عمر .. قطرة من بحره (صلى الله عليه وسلم ) .. ومع ذلك يقول : ( لا تنسنا من دعائك يا أخي ) .
ورد عنه في السيرة أنه لما صلى الفجر قال : أبن معاذ ؟
قال : ها أنذا يا أمير المؤمنين .
قال : تعال .. لقد تذكرتك البارحة فبقيت أتقلب على فراشي حباً وشوقاً إليك فتعال ، فتعانقا وتباكيا .
وعند ابن كثير وابن جرير أن عمر لما سافر إلى الشام قال : أين أخي ؟
قالوا : كلنا إخوانك .
قال : أخي أبو عبيده .
فأتى أبو عبيده على ناقة ليس عليها قتب ، وخطامها من ليف ، فتعانقا .
وكان ابن المبارك يقول إذا ودع أصحابه :
وخـفـف وجـدي أنـهـا فـرقـة واحـد فـواق حــيـاة لا فــراق مـمـات
فمتى نشعر بهذه الإخوة تحت مظلة ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ؟
يقول أبو الدرداء : إن من اخوتي من أسميهم في السحر ، وأدعو لهم .
فهل أحدنا يقوم في السحر ، فيقول : اللهم أعفر لفلان بن فلان ، وفلان بن فلان ، وفلان بن فلان .. من أصحابه وأحبابه ؟
فهذه بضاعة أولئك الملأ الذين نصروا الإسلام ، فقد كان الإسلام في عهدهم مرفوع الهامة ، قوي البني ، ولما أتى الخلف ، أتى الاختلاف وأتى الشقاق ، فحاصرنا الأعداء من كل جانب ، فهم يختلفون ، ‘لا في حربنا .
فيا إخوتي في الله !! إن مدرسة الصحابة ، رضوان الله عليهم ، يوم أتت .. أتت بالحب والصفاء والود .. فكان الواحد منهم إن غاب ثم عاد استقبل استقبالاً حافلاً .. بعناق وأخوة وحب في الله ..
ذكر صاحب ( الأحياء ) عن ابن عمر أنه قال : والله لو أنفقت أموالي في سبيل الله .. وصمت النهار لا أفطره .. وقمت الليل لا أنامه .. ثم لقيت الله .. لا أحب أهل الطاعة .. ولا أبغض أهل المعصية .. لخشيت أن يكبني الله على وجهي في النار .
هذا أمر .. والأمر الآخر الذي أحب أن ينتبه إليه المسلم هو : أن الخلاف الفرعي لا يوجب الفرقة .. فلابد أن نميز بين ما يجوز فيه الاختلاف مما لا يجوز .
وأقول : الحمد لله فأكثر خلافات المسلمين في الغالب هي من خلاف التنوع لا خلاف التضاد .. فهو خلاف في الكيفيات .. خلاف في الأساليب .. خلاف في الفرعيات .. وهذا لا يوجب الفرقة ، بل يوجب الحب والسعة في دائرة العمل .
أرأيت أن إنساناً رأى أن من الصالح له وللأمة أن يدعو الناس بواسطة مركز صيفي يقيم فيه الكتاب والسنة .. أنقول له فعليك هذا حرام ؟
أرأيت إنساناً يقول : أنا لا أستطيع إلا أن أخطب الناس وأوجه الناس .. أتقول له : لا .. هناك أسلوب آخر أصلح من هذا وأسلوبك خطأ ؟
لا .. بل نقول : الكل مأجور مثاب ما داموا قد التقوا تحت مظلة الكتاب والسنة ، وأما الأساليب فهي متنوعة ، وقد علم كل أناس مشربهم ( أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ) (الرعد: من الآية17) .
اعمل .. ولكن ليكن مقصدك الله تبارك وتعالى ..
اعمل … ولكن ليكن منهجك الكتاب والسنة ..
اعمل … ولكن لا تحمل ضغينة على إخوانك ، وأحبابك ، وأصحابك وإخوانك .. فإنهم يعملون كما تعمل ، ويريدون ما تريد .. فالأساليب لا تفرق ، والفرعيات لا تخالف .
ثم اعلموا أحبتي ، أن الفرقة شؤم ، فلا أشأم من الفرقة ، قال تعالى : ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران:105) .
وأما حديث : ( اختلاف أمتي رحمة ) فإنه لا يصح ولا يثبت حديثاً .. بل هو لا أصل له .. بل إن الاختلاف شر كله .
الأمر الثالث : الذي أحب أن أنبه عليه هو : أن نزن الناس بحسناتهم وسيئاتهم .. يقول الله عز وجل في كتابه : (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) (الأحقاف:16) .
مـن ذا الـذي تـرضـى سـجـايـاه كـلـها كـفـى الـمـرء نـبـلاً أن تـعـد مـعـايـبـه
إن الذي يقوم الناس ، ولا يقوم نفسه : ظالم لنفسه وللناس .
إن الذي يريد أن يجعل الناس في مستوى خيالي من الكمال ، ولا يقوم نفسه في هذا المستوى ، فهو ظالم .
وذنبنا وخطيئتنا : أننا نرى الأذى ، والقذى في عيون إخواننا ، ولا نرى جذع النخلة في عيوننا .
إن جبالنا من الأخطاء نجعلها ذرات ، وإن ذرات الآخرين من الأخطاء نجعلها جبالاً .
ترجم الذهبي لقتادة السدوسي .. أحد رواة الصحيحين .. فقال : فيه بدعة .. لا نسكت عن بدعته ، ومع ذلك فهو بحر من العلم ، راسخ في القرآن ، حافظ للحديث .
إن من يبتدع لا نسكت عنه .. ولا نقول له : أصبت ، ولا نقول له بيننا وبينك إخاء ، إلا أن تتنازل عن هذه البدعة .
إن من يخطئ في مسألة نقول له : أخطأت .. لكن بالنصيحة .
ومن شهر خطأه أو بدعته .. شهرنا الرد عليه حتى يعود وتحاكمنا إلى الكتاب والسنة ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) (النساء: من الآية59) .
الرد إلى الله : أي إلى كتابه ..
والرد إلى الرسول : أي إلى السنة .
الأمر الرابع : أيها الاخوة الأبرار .. إن الخطأ يقع من الناس .. والخطأ من المسلمين على قسمين : خطأ بدعة .. وخطأ معصية .
فخطأ البدعة : مرض شبهات .. وخطأ المعصية : مرض شهوات فصاحب الخطأ الأول موقفنا منه اليقين ، بأن نبصره بالكتاب والسنة والآيات البينات .
فإن أصر واستكبر كان بعد ذلك التشهير .. ليحذره الناس .
أما صاحب المعصية : فإننا ندعوه بالصبر وبالوعد والوعيد .. وبالآيات البينات .. وندعوه للتوبة إلى الله عز وجل .
الأمر الخامس : أنه ينبغي علينا أن لا نهدر حقوق المسلمين .. فإن بعض الناس يحمله الهوى ، والتعصب للإسلام إلى أن يعتدي في حكمه .. يعتدي ، وهو يقصد الحمية لدين الله ، والغضب لشرع الله .. لكن يعتدي في حكمه .. والله سبحانه وتعالى طلب أن نكون قائمين بالقسط .. نتكلم بعدل وأمانة .. لأن الإنسان ظلوم جهول .
ولذلك يقول ابن تيمية : يوالي الإنسان على قدر ما فيه من طاعة ، ويعادى على قدر ما فيه من معصية .
فأما أن تجعل الناس شكلاً واحداً ، وتجعلهم متساوين .. وتقول : كل من دخل في هذه الطائفة فهو ضال ، فهذا خطأ ؛ لأن الله يحاسب العباد فرداً فردَاً ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً) (مريم:95) .
وأن تقول : كل من دخل في هذه الطائفة ، فهو : مصيب ، ومسدد ، ومهدي ، وناج من النار .. فهذا خطأ؛ لأنه قد يوجد في أصحاب النقص من يكمل الكمال البشري .
يقول (صلى الله عليه وسلم ) : ( خير أمتي قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ) وقد وجد في القرن الثالث من هو افضل من بعض الأفراد الذين كانوا في القرن الأول ، ووجد في القرن الثالث من هو أفضل من بعض الأفراد في القرن الثاني ، فالحديث يحكم على الجملة ، فجملة هؤلاء أفضل من جملة هؤلاء .. لا يمنع أن يكون فرداً من هؤلاء أفضل من فرد من هؤلاء ، لكن الخيرية تبقى في القرن الأول ، فالثاني ، فالثالث .
الأمر السادس : والذي يحب أن يتنبه إليه : أنه ينبغي علينا أن نأتي إلى أمر سواءٍ بيننا ، وهو : الكتاب والسنة ، وأن نجعل كل ما نشتغل به ، ونفكر فيه من العلم والدعوة على الكتاب والسنة ، وأن نشغل أوقاتنا بالكتاب والسنة ، ففيهما الخير ، والعطاء ، واليمن ، والبركة ..
فإذا فعلنا ذلك ، صلح الأمر بإذن الله .. فصاحب الخطأ يكتشف خطأه من القراءة في الكتاب والسنة ..ومن عنده شك ، أو ارتياب داوى نفسه من الكتاب والسنة ، ومن عنده زيغ أو انحراف عالجه بالكتاب والسنة .
الأمر السابع : أن الولاء والبراء لله ، تبارك وتعالى ، ولكتابه ، ولرسوله ، وللمؤمنين ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (المائدة:55) ، والخطأ كل الخطأ : أن نجعل مناهج : نوالي ، ونعادي عليها ، ونحب ونبغض فيها ، ونواصل ونقاطع عليها ، فهذه عبادة لهذه المناهج من دون الله ، تبارك وتعالى .. ولو قال أصحابها : نحن لا نعبدها .
وقد قال الله تعالى : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ )(البقرة: من الآية113) ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (( اقتضاء الصراط المستقيم ))(1/91) ، عن هذه الآية : وأنت تجد كثيراً من المتفقهة ، إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئاً ، ولا يعدهم إلا جهالاً ضلالاً ، ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئاً ، وترى كثيراً من المتصوفة والمتفقرة لا يرى الشريعة ولا العلم شيئاً ، بل يرى المتمسك بها منقطعاً عن الله ، وأنه ليس عند أهلها مما ينفع عند الله شيئاً . وإنما الصواب : أن ما جاء به الكتاب والسنة من هذا وهذا : حق ، ومن خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا : باطل . اهـ .
وهذا هو عين العدل والإنصاف ، وهذا التحقيق في هذه المسألة ، وبه نطق ظاهر القرآن ، وصحيح السنة، وعليه عمل الأئمة العدول من سلف الأمة والأخيار .
فالولاء والبراء لا يكون إلا في الله ، عز وجل ، نوالي على شريعته ، ونعادي عليها .
الأمر الثامن : أنه ليس ثم معصوم إلا رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) .. ومن جعل بعض الدعاة .. أو بعض العلماء معصومين فقد أخطأ سواء السبيل ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:21) .. فالعصمة له (صلى الله عليه وسلم ) ، وهو الذي يتحاكم إلى شريعته مع القرآن ، وسنته مع القرآن (صلى الله عليه وسلم ) .
وأما غيره فيترحم عليهم ، ويعلم أنهم أجادوا ، وأنهم أحسنوا .
أقـلـوا عـلـيهم مـن اللـوم لا أبـا لأبـيـكمو أو ســدوا الـمـكـان الـذي ســدوا
الأمر التاسع : أن نهتم بالعلم الشرعي المؤصل ، دون الفكر ؛ لأن الفكر ليس له ضابط ، فهو يتجدد كل يوم ، كدرجات الحرارة ، يزيد وينقص .. فإذا ما تمسكنا بالفكر أخذنا خيوطاً من بيت العنكبوت ، تقطع في أيدينا ، لأن هذا يقول فكراً ، وهذا يقول فكراً ، وذاك يعارضه بفكر ، فأصبحت المسألة في حيص بيص !!
تـكـاثـرت الـظـبـاء عـلـى خـــراش فـمـا يـدري خــراش مـا يـصـيـد
هذا يأتينا في الظهر بفكرة ، ويقول : أنا أؤيدها ، وأبني عليها المسائل ، وفي العصر يعود ويتوب منها .. وفي صلاة المغرب يعود إلى فكرة ثانية ، وفي العشاء يتوب منها .
فالله الله في العلم الشرعي العميق .. مع الإحاطة بأفكار المختلفين .
الأمر العاشر : أنه ينبغي لنا : أن نتذكر حقوق المسلم على المسلم .. كالحب ، والإخاء والرحمة ؛ حتى ينتشر التآلف بيننا ، ونعود كقلب واحد ينبض بالإيمان .
إذا لقيت أخاً لك هل عانقته بحرارة ؟ .. هل تبسمت في وجهه ؟ يقول (صلى الله عليه وسلم ) : ( تبسمك في وجه أخيك صدقة ) .
قال جرير بن عبد الله : والله ما رآني (صلى الله عليه وسلم ) إلا تبسم في وجهي .
قيل لأحد العلماء : ما هو السحر الحلال ؟
قال : تبسمك في وجوه الرجال .. فالتبسم هذا أمره عجيب .ز يحبه الله عز وجل للمؤمنين .. وأما الكبر والعبوس فليس يصلح إلا للمنافقين .. أو أصحاب القلوب المريضة .
وجـوهـهـم متن سـواد الـكـبـر عـابـسـة كـأنـمـا أوردا غــضــبـاً إلى الــنـار
هـانـوا عـلـى الله فاسـتـاءت مـناظـرهـم يـا ويـحـهـم مـن مـنـاكـيـد وفـجـار
لـيـسـوا كـقـوم إذا ما لاقـيـتهم عـرضـاً يـحـذوك مـن نـورهم مـا يتحـف السـاري
تـروى وتـشـبع من سـيـمـات طـلعـتـهم بـوصـفـهـم ذكــروك الواحــد البـاري
مـن تـلـق مـنـهـم لاقـيـت ســيـدهـم مـثـل النـجـوم التي يـسـري بها السـاري
شيخ الإسلام أبن تيمية أحضر من السجن مكتفاً في الحديد .. والذي سجنه أعداؤه الجالسون أمامه ، فقال الناصر قلاوون لابن تيمية : أفتني بسفك دماء هؤلاء ، لأن بينه وبينهم عداوة ، فقد أفتوا ببطلان بيعته .
فقال ابن تيمية : لا .. إن الله أمرنا أن نكون قائمين بالقسط ، وخيرهم أكثر من شرهم ، فأطلق سراحهم الناصر .
فقال أحدهم وهو ابن مخلوف : عجباً لابن تيمية قدرنا عليه فحبسناه في الحديد .. وقدر علينا فعفى عنا !
ومن حقوق المسلم : أن تسلم عليه ، وإذا استنصحك أن تنصحه ، وإذا مرض أن تعوده ، وإذا مات أن تتبع جنازته .
قال الله سبحانه وتعالى عن رسوله : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107) .
قال العلماء : لم يقل : وما أرسلناك إلا رحمة للمؤمنين .. فيخرج الكفار .
ولم يقل : للرجال فيخرج الإناث .
ولم يقل : للإنسان فيخرج الحيوان .
بل كان رحمة للناس ، أما المؤمنين فوالله أعظم رحمة .. هي : رحمة الهداية ، ورحمة الاستقامة ، ورحمة التوفيق ، ورحمة النجاة من النار .
أما للكافر فالله يقول : ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (لأنفال:33).
وأما رحمة الحيوان ، فوردت في أحاديث كثيرة مشهورة .
الأمر الحادي عشر : أن لا ننشغل عن العوالي ، وعن المهمات الجسام ، بأمور ومسائل ، لا تفيد أمتنا ، ولا تنفعنا في حياتنا ، فهي من فضول العلم .. بل هي من غرائب العلم وأعاجيبه .
فهي كالجدل البيزنطي ، الدجاجة قبل البيضة ، أم البيضة قبل الدجاجة .
وهي مما يزيد في أسباب الخلاف ، ويصرف القلوب إلى الراحة ، وحب الجدل والكسل .
الأمر الثاني عشر : أن لا نتعجل بالفتيا والإجابة ، حتى نزداد علماً وبصيرة ونحيل العلم إلى أهله .
فقد كان الأئمة العظام ، لا يفتون في كثير من المسائل ، خوفاً من أن يقعوا في الخطأ .
فأحذركم ، ونفسي من عدم التعجل بالتوقيع عن رب العالمين ، ولو كانت المسألة في نظرنا سهلة ويسيرة .
أسأل الله أن يحمي معاني الأخوة الإيمانية في قلوبنا ، وأن يرد كيد أعدائنا في نحورهم .
والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
محبة المسلم
الحمد لله حمداً حمَداً ، والشكر لله شكراً شَكراً .
حــمـداً لـمـن بـلـغـنـا الـمـرامــا وزادنـا مـن فــضـلـه إكـرامــاً
ثـم صـــلاة الله تـتـرى مـا ســــرى بـرق عـلـى طـيـبـة أو أم القـرى
مـع الـســلام يـغـشــيـنـا أحــمـدا وآلـه الـمـسـتـكـمـليـن الرشـدا
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وعلى من سار على منواله ، واقتفى أثره إلى يوم الدين .
أما بعد ...
فقد خرج أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه ، إلى السوق ، فوجد الناس يبيعون ، ويشترون ، ويتعاملون بالدرهم والدينار ، فعلم أن هناك تجارة أعظم من تجارتهم ، وأن هناك ربحاً ، أعظم من ربحهم ، فنادى في السوق : يا اله السوق ، أتتبايعون في السوق ، وتتشارون ، وميراث محمد (صلى الله عليه وسلم ) يوزع في المسجد ؟!
فهرع التجار إلى مسجده (صلى الله عليه وسلم )،وظنوا أن هناك : تجارة ، وأن هناك حباً ، وزبيباً ، وتمراً، وثياباً ، ودراهم ودنانير .
فدخلوا من أبواب المسجد ، فما وجدوا إلا حلقات من العلم يدار فيها : قال الله ، وقال رسوله (صلى الله عليه وسلم ) .
فأطلوا برؤوسهم من أبواب المسجد ، ومن نوافذه ، فلم يجدوا شيئاً فعادوا ، وقالوا : يا أبا هريرة !! أين ميراث الرسول (صلى الله عليه وسلم ) الذي زعمت أنه يوزع في المسجد ؟
قال : ماذا رأيتم في المسجد ؟
قالوا : رأينا حلقات يدرس فيها القرآن ، وتعلم فيها السنة .
قال : ذلك ميراثه (صلى الله عليه وسلم ) ، من أخذه أخذ بحظ وافر .
وسنعيش في هذه الرسالة مع حديث عطر من أحاديثه (صلى الله عليه وسلم ) ، ومن ميراثه العظيم لنأخذ منه العبر والدروس .
روى البخاري : عن أنس ، رضي الله عنه وأرضاه ، عن النبي (صلى الله عليه وسلم ) قال : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) .
أنس بن مالك : راوي الحديث ، هو : أحد أصحاب الرسول (صلى الله عليه وسلم ) وهو من الستة الذين حفظوا جماً غفيراً من السنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام .
أنس كان خادماً للمصطفى (صلى الله عليه وسلم ) ، ولكنه حر ، لم يمسه رق أبداً إلا لله .
ولما قدم (صلى الله عليه وسلم ) المدينة ، أتت به أم سليم ، وقد ألبسته ثياباً ، وطيبته ، وقالت : يا رسول الله ، أنس ، ابني ، يخدمك فخذه .
فأخذه (صلى الله عليه وسلم ) فكان من أحسن الهدايا .
قال أنس : خدمت الرسول (صلى الله عليه وسلم ) عشر سنوات ، والله ما قال لشيء فعلته : لم فعلته ، ولا لشيء لم أفعله : لمَ لم تفعله .
وقال أنس : ما مسست حريراً ، ولا ديباجاً ، ألين من كفه (صلى الله عليه وسلم ) ، ولا شممت مسكاً ولا عنبراً قط ، ولا شيئاً أطيب من ريح رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) .
فدعا له (صلى الله عليه وسلم ) بقوله : ( اللهم أكثر ماله وولده ، وبارك له فيما أعطيته ) .
فتقبل الله ، سبحانه وتعالى ، تلك الدعوات .
فأما عمره : فطال حتى قارب المائة ، لكنه عمر البركة ، واستثمار الأوقات ، لا عمر الضائعين .
يقول : دفنت من أولادي ، وأولاد صلبي قبل أن يدخل الحجاج ما يقارب المائة .
وأما تكثير ماله : فقد رزقه الله ببركة دعـائه (صلى الله عليه وسلم ) مالاً كثيراً ، فكان له بسـتان في البصرة ، قال أهل السير وأهل التاريخ : كان بستانه يطلع في السنة مرتين .
وذكر أبن قتيبة أن بستانه قحط وأجدب ، فأخذ يستغفر ويصلي ركعتين .
قالوا : ما لك تستغفر ؟
قال : ليأتي المطر ، أما يقول الله على لسان نوح ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً) (نوح:12) .
فلما فرغ من استغفاره ، وإذا السحاب قد أقبل ، حتى غطى بستانه ، فأمطر .
ونعود إلى حديث الرسالة :
قال (صلى الله عليه وسلم ) : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) .
في الحديث قضايا :
أولها : هل النفي هنا نسبي أو نفي قطعي ؟
إن كان نسبياً فمعناه : لا يؤمن أحدكم أيماناً كاملاً .
وإن كان قطعياً فمعناه : لا يؤمن أحدكم ، أي : لا يدخل في الدين حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه .
ويرى بعض أهل العلم أن الألفاظ النبوية إذا وردت : ( لا يؤمن ) في الفرائض ، فإن من لا يأتي بها يكون كافراً .
وأما في الآداب والنوافل فيكون مسلماً ناقص الإيمان ، أي : من لا يأتي بها .
أي : يكون إيماناً غير كامل .
ثانياً : في الحديث مفهوم مخالفة صريح ، ومفهوم مخالفة بالدلالة الظنية .
أما الصريح : فإن من لا يحب لأخيه مثل ما يحب لنفسه ، فليس بمؤمن كامل الإيمان .
أما الظنية : فإنه لا يؤمن حتى يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه .
لأن بعض الناس قد يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، لكنه لا يبغض لأخيه ما يبغضه لنفسه .
وهي لابد منها .
ثالثاً : المقصود من الحديث : أن تحب له أمور الدين مثل ما تحب لنفسك .
أما أمور الدنيا فعلى التفصيل .
فإن كانت ستعينه على الدين ، فأنت تحب له إياها .
وأما إن كانت ستشغله عن الدين ، وتجلب له التعاسة ، والقلق ، والاضطراب .. فلا .
قال الإمام أحمد : وددت أن الله جعلني فداء لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم ) .
وما سمعنا بأحد مثل الأنصار أحبوا إخوانهم ، وآثروهم أكثر من أنفسهم ، كما قال سبحانه : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر: من الآية9) .
جاء ضيف إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، فقال لأصحابه : ( من يضيف هذا ؟ ) .
فأخذه أنصاري ، وذهب به إلى بيته ، فلم يجد طعاماً قليلاً ، فقال لزوجته : نومي الصبية ، وألهيهم ، لأننا سنقدم طعامنا لضيف رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) .
فنومت صبيانها ، وأشعلت سراجها ، وصنعت طعامها ، وقربت الطعام ، فأكل الضيف حتى شبع .
وفي الصباح أتى الأنصاري رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، فتبسم (صلى الله عليه وسلم ) ، وقال له : ( لقد عجب الله لصنيعكما البارحة ) .
والله يعجب ، وله عجب يليق بجلاله سبحانه وتعالى .
وهذا من أحاديث الصفات التي أثبتت العجب .
والسر فيها : أن هؤلاء آثروا على أنفسهم ، وبهم خصاصة ، رضي الله عنهم وأرضاهم .
وحقوق المسلم : منها واجبات ، ومنها ما هي مستحبات .
الواجبات : نص الرسول (صلى الله عليه وسلم ) على ست أو خمس منها في الحديث المتفق عليه وهي : (إذا دعاك فأجبه ) ، إلا أن يكون هناك منكر ، ( وإذا عطس فحمد الله فشمته ) ، وإذا لم يحمد الله ، فلا تشمته ، ( وإذا استنصحك فأنصح له) ، ( وإذا مرض فعده ) ، ( وإذا مات فاتبع جنازته ) ، ( وإذا لقيته فسلم عليه ) .
أما الآداب فهي كثيرة :
منها : أن تحفظه إذا غاب .
ومنها : أن تبره .
ومنها : أن تزيل الأذى عنه .
ومنها : أن تظهر السرور إذا ظهر عليه السرور ، وتظهر الحزن إذا ظهر عليه حزن ، إلى غير ذلك .
والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
عناق الأشواق
إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد : فإن المحبة في الله ، عز وجل من أعظم عرى الإيمان وقواعده كما أخبر بذلك الصادق المصدوق (صلى الله عليه وسلم ) .
وللمحبة جسور أقامها ربنا وتعالى بين المؤمنين ، ووصل قلوبهم بها ، وقد ذكر سبحانه وتعالى هذه الجسور في كثير من المواضع في كتابه العزيز ، كقوله :
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) (الحجرات: من الآية10) .
وقوله جلت قدرته : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) (آل عمران: من الآية103) .
ويقول تبارك اسمه : ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لأنفال:63) .
وقصر سبحانه وتعالى الولاية على المؤمنين ، فقال : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض ٍ) (التوبة: من الآية71).
وقال سبحانه وتعالى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (المائدة:56) .
وقد ذكر النبي (صلى الله عليه وسلم ) ، جسور المحبة أيضاً ، فهو الذي أسسها وأرسى بناءها ، ومد حبال الود في قلوب أتباعه إلى يوم الدين .
قال عليه الصلاة والسلام ، من حديث أبي هريرة : ( حق المسلم على المسلم سـت : إذا لقيته فسلم عليه ، وإذا دعاك فأجبه ، وإذا استنصحك فأنصح له ، وإذا عطس فحمد الله فشمته ، وإذا مرض فعده ، وإذا مات فاتبعه ) .
ولما رأيت هذا الأمر واضحاً جلياً ، استعنت بالله عز وجل في جمع مادة هذه الرسالة ، وقد تناولت فيه بعضاً من تلك الجسور ( جسور المحبة ) ، تذكيراً لنفسي أولاً ، ثم حثاً لإخواني على مد هذه الجسور فيما بينهم ، لتنشر المحبة والألفة والمودة بين المسلمين .
فهيا نتحاب .. وهيا نتآلف .. وهيا نتراحم ..
آداب إسـلامية
أولاً : التحية في الإسلام
1ـ السلام .. تحية الإسلام :
يقول (صلى الله عليه وسلم ) في المسلم يقابل المسلم : ( إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه ) .
فالسلام ، هو التحية التي أنزلها الله على رسوله (صلى الله عليه وسلم ) ، وهي : تحية أهل الجنة ، قال تعالى : ( تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ)(الأحزاب: من الآية44) ، وهي : التحية التي رضيها الله لعباده ، ورضيها رسوله (صلى الله عليه وسلم ) لأتباعه ، وأمته من بعده ، ولا يجوز للمسلم أن يستبدل بتحية الإسلام غيرها من تحايا الأمم الأخرى ، لا : بصباح الخير ، ولا أهلاً وسهلاً ، ولا أنعم صباحاً ، ولا غير ذلك .
قال عمران بن حصين : كنا في الجاهلية نقول : أنعم الله بك عيناً ، وأنعم صباحاً ، فلما كان الإسلام نهينا عن ذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مقاتل بن حيان ، قال : كانوا في الجاهلية يقولون : حييت مسـاءً ، حييت صباحاً ، فغير الله ذلك بالسلام .
إذن فلابد أن يبدأ المسلم بهذه التحية العظيمة ، بالسلام الشرعي السني الموروث عنه ، عليه الصلاة والسلام .
قال الله عز وجل : ( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) (النساء:86) .
بأحسن منها : أي تزيد على تحيته ، فإذا قال : السلام عليكم ورحمة الله ، فقل وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، أو بمثلها بأن تقول : وعليكم السلام ورحمة الله .
وعند أبي داود والترمذي ـ بسند صحيح ـ عن عمران بن حصين ؛ أن رجلاً جاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم ) فقال : السلام عليكم ، فرد عليه ثم جلس . فقال النبي (صلى الله عليه وسلم ) ( عشر ) .
ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله ، فرد عليه فجلس ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم ) : (عشرون ) .
ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فرد عليه فجلس ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) ( ثلاثون ) . أي : ثلاثون حسنة لمن أدى التحية بتمامها .
هذه تعاليمه ، عليه الصلاة والسلام ، وهذا هديه في تعليم أصحابه . انظر : كيف يحبب السنة إلى قلوب أصحابه ، عن طريق إبلاغهم بالأجر العظيم ، الذي ينتظرهم من الله الواحد الأحد ، إذا هم طبقوا تعاليمه ، وساروا على هديه .
2ـ على من نسلم ؟!
عند البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، أن رجلاً سال النبي (صلى الله عليه وسلم ) : أي الإسلام خير ؟
قال : ( تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ) .
وهذا ـ أيضاً ـ هدي إسلامي نبوي شريف ، أن تسلم على من عرفت من المسلمين ، ومن لم تعرف .
قال بعض السلف : أصبح السلام عند المتأخرين على المعرفة ، وهذه من علامات الساعة ، فالواجب على المسلم : أن يفشي السلام بين الناس ، من عرف ومن لم يعرف ، خلا أهل الكتاب ، خلا المشركين ، خلا الوثنين ، فالمسلم هو المقصود بهذا الحديث ، وغيره من الأحاديث التي تبين حقوق الناس ، بعضهم على بعض ، فإذا كان الإنسان يعيش في المجتمعات الإسلامية ، فإنه يطلب منه إفشاء السلام على من لقيه ، سواء عرفه وكان صديقاً أو قريباً ، أم لم يعرفه .
فمن الملاحظات الاجتماعية : أننا نسلم الآن على المعرفة فقط ! وترى الناس في الطرقات ، لا يسلمون إلا على من عرفوا !! أما من لم يعرفوه ، فلا يسلمون عليه ! وهذا من عمل الجاهلية ، وهو مخالف لسنته عليه الصلاة والسلام ، ففي الصحيحين أن آدم عليه السلام لما خلقه الله قال : ( اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة جلوس ، فاستمع ما يحيونك ، فإنها تحيتك وتحية ذريتك ، فذهب فقال : السلام عليكم ، فقالوا : السلام عليك ورحمة الله ، فزادوه : ورحمة الله ) .
هذه هي تحية آدم ، وتحية ذريته ، وتحية أهل الجنة ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : ( لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم : أفشوا السلام بينكم ) .
فبين عليه الصلاة والسلام ، في هذا الحديث : أن الجنة لا تدخل إلا بالإيمان ، وأن الإيمان لا يحصل إلا بالحب ، وأن الحب لا يحصل إلا بإفشاء السلام .
وإفشاء السلام يزيل الضغينة من القلوب خاصة بين الأقارب والجيران .
ومعناه في الإسلام : أنك ترفع رايتك البيضاء المسالمة ، كأنك تقول : أتيت أرفع رايتي البيضاء فأمنوني ولا تتهيبوا مني .
هذا هو شعار المحبة والود ، الذي أقامه رسولنا (صلى الله عليه وسلم ) ، وحث على إرسائه ، وتثبيته في قلوب أصحابه ، وأمته من بعده .
وعند البخاري موقوفاً على عمار بن ياسر ، رضي الله عنهما ، أنه قال : ( ثلاث من جمعهن فقد جمع الإقتار ) . وبذل السلام للعالم ـ هنا ـ يتضمن : تواضع العبد ، وأنه لا يتكبر على أحد ، بل يبذل السلام للصغير والكبير ، والشريف والوضيع ، ومن يعرفه ومن لا يعرفه ، والمتكبر ضد هذا ، فإنه لا يرد السلام على كل من سلم عليه كبراً منه وتيهاً ، فكيف يبذل السلام لكل أحد !!
وفي ( الصحيحين ) عن أنس رضي الله عنه ، أن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، مر على غلمانٍ فسلم عليهم .
وهذا من شدة تواضعه ، ولينه ، ورحمته (صلى الله عليه وسلم ) ، وهو بذلك يدخل أعظم البهجة على نفوس هؤلاء الصغار ؛ لأنهم سوف يتشرفون بسلام رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) عليهم ، وسوف يحكون ذلك في المجالس .
فعلى المسلم : أن يتواضع لمثل هؤلاء ، ولا يتجاهلهم لأنهم صغار ، فإنه يتفقدهم ، وسلامه عليهم يعلمهم الحب ، ويدفعهم إلى مكارم الأخلاق .
وقد رأينا في السيرة أن عمر ، رضي الله عنه ، على هيبته ، وقوته في الحق ، أنه كان إذا مر بالصبيان وقف ، وسلم عليهم ، ومازحهم ، وهو خليفة المسلمين .
وقد مر على صبيان المدينة ، وهم يلعبون ، فعندما رأوه ، وسمعوا جلجلته ، وسلطانه فروا إلى بيوتهم .
الشياطين تفر من عمر ، فكيف بالصبيان ؟!!
كيف بالصبيان الذين قلوبهم كقلوب الطير ، أما يفرون من إنسان أصاب قياصرة الدنيا باليأس ، وأكاسرة المعمورة بالذهول ؟!
ففروا جميعاً إلا عبد الله بن الزبير ، فإنه لم يفر ، كان شاباً صغيراً ، فقال عمر يمازحه : فر أصحابك ، ولم تفر أنت ، أما خفت ؟
قال ‘بد الله : ما فعلت جرماً فأخافك ، وليست الطريق ضيقة فأوسع لك !
فاستدل على ذكائه ، وشجاعته من تلك اللحظة ، كيف لا يكون ذكياً وأبوه : الزبير بن العوام ، وأمه : أسماء رضي الله عنهم ، جميعاً ؟!
( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (آل عمران:34) .
3ـ أمانة تحمل السلام وتبليغه :
كان (صلى الله عليه وسلم ) يسلم بنفسه على من يواجهه ، ويحمل السلام لمن يريد السلام عليه من الغائبين، كما ثبت أنه (صلى الله عليه وسلم ) بعث فتى إلى رجل مريض ، فلما أتاه قال : إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) يقرئك السلام ... الحديث .
وكان (صلى الله عليه وسلم ) يتحمل السلام لمن يبلغه إليه ، ففي الحديث أن جبريل عليه السلام ، نزل من السماء ، فأتت خديجة رضي الله عنها ، فقال جبريل ، عليه السلام : ( يا رسول الله هذه خديجة أتتك بالطعام ، فاقرأ عليها السلام من ربها ، وبشرها ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب ) .
وقد بلغ كذلك (صلى الله عليه وسلم ) السلام لعائشة أم المؤمنين من جبريل عليه السلام .
وينتهي السلام على الصحيح عند قول ( وبركاته ) . كما روى ذلك أبو داود والترمذي بسند قوي .
وقد زاد بعضهم ( ومغفرته ) ولكن هذه الزيادة ضعيفة ، ذكرها أبو داود في حديث لا يثبت .
وكان عليه الصلاة والسلام ، كما عند البخاري والترمذي عن أنس : أنه إذا سلّم سلم ثلاثاً ، ولعل هذا كان هديه (صلى الله عليه وسلم ) في السلام على الجمع الكثير الذين لا يبلغهم سلام واحد ، إن ظن أن الأول لم يحصل به الإسماع .
وقد ورد في السنة : أن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ذهب يزور سعد بن عبادة ، فأتى الباب فقال : (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) ، فسمعه سعد فرد في نفسه ، ولم يرفع صوته !
فقال (صلى الله عليه وسلم ) : ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) فرد سعد في نفسه ، ولم يسمعه صوته !
فقال عليه الصلاة والسلام : ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) فرد سعد في نفسه ، ولم يسمعه صوته !
فذهب (صلى الله عليه وسلم ) فلحقه سعد بن عبادة ، وقال : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، ما سلمت تسليمة إلا هي بأذني ، ولقد رددت عليك ، ولم أسمعك ، أحببت أن استكثر من سلامك ، ومن البركة ، ثم أدخله البيت فقرب له زبيباً ، فأكل نبي الله (صلى الله عليه وسلم ) ، فلما فرغ قال : ( أكل طعامكم الأبرار ، وصلت عليكم الملائكة ، وأفطر عندكم الصائمون ) .
4ـ السلام على النساء :
وقد ورد في السنة ، أن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) مر يوماً بجماعة من النسوة فألوى بيده بالتسليم.
جماعة من النسوة كن في طرف الطريق وهو مار (صلى الله عليه وسلم ) ، فالتفت إليهن وقال : ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) ، وهذا خلقه عليه الصلاة والسلام ، لأنه رسول للرجال والنساء وجميعاً .
قال بعض أهل العلم : إذا انتفت الموانع ، وأمنت الفتنة ، فيجوز السـلام على النساء ، كالعجوز الكبيرة ـ مثلاً ـ فإن عليك أن تسلم عليها وتصحبها ، وتسألها عن حالها ، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم ، فقد كانوا ـ كما في حديث سهل بن سعد ـ يصلون الجمعة ثم يأتون إلى عجوز في طريقهم ، فيسلمون عليها .
وهذا مرغوب فيه من باب : الرحمة بالكبير من المسلمين ، الطاعنين في السن ، وهذا مما حث عليه الإسلام في كثير من النصوص ، وقد ذهب الإمام ابن القيم رحمة الله إلى ذلك .
· من آداب السلام :
1ـ صح عنه ، عليه الصلاة والسلام ، أنه قال : ( يسلم الصغير على الكبير ، والمار على القاعد ، والراكب على الماشي ، والقليل على الكثير ) .
فقوله (صلى الله عليه وسلم ) : ( يسلم الصغير على الكبير ) لحكمة ، فإن الكبير له حق الوقار ، فيبدؤه الصغير بالسلام ، فأنت إذا التقيت برجل أكبر منك سناً فالواجب عليك : أن تبدأه بالسلام ؛ لتشعره باحترامك له ، وتقديرك لكبره ، ولو بدأك هو بالسلام ، فهو أفضل منك بلا شك .
فصغير السن يبدأ بالسلام على الكبير ، ويقاس على ذلك : أنه يبدأ العالم ، والشيخ الجليل ، وعلى من له مكانة ووجاهة ، وعلى من له بلاء حسن ، أو منزلة في الإسلام ، فيبدأ كل هؤلاء بالسلام .
وأما قوله (صلى الله عليه وسلم ) : ( والمار على القاعد ) ، فالواجب على الماشي : أن يبدأ القاعد بالسلام ، لا كما يفعل بعض الناس فهم دائماً ينتظرون من يبدأهم بالسلام على أي حال ؛ سواء كان راكباً أو ماراً أو قاعداً وهذا خطأ ويخشى على صاحبه من الكبر ، فلابد من معرفة السنة في هذا الأمر ، والالتزام بها كما جاءت عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، فالمار هو الذي يبدأ الجلوس بالسلام ؛ لأنه هو الطارئ على المكان ، وفي الغالب يكون وحده ، بينما يكون الجلوس جماعة .
وأما قوله (صلى الله عليه وسلم ) : ( والراكب على الماشي ) ، فإن الراكب يسلم على الماشي ، ويبدؤه بالسلام ، فراكب السيارة ـ مثلاً ـ يسلم على من يمشي ، وكذلك راكب الدابة ، ونحو ذلك ، وقد ذكر بعض الشراح لطائف : منها قولهم : إن الراكب يشعر بزهو دائماً ، فألزمه الإسلام بالسلام على الماشي ، تواضعاً ، وخفضاً للجناح ، حتى لا يتطرق الكبر لي صدره .
وقال (صلى الله عليه وسلم ) : ( والقليل على الكثير ) ، فإذا مر الواحد على الجماعة فالواجب أن يبدأ هو بالسلام ، وإذا مر الخمسة على العشرة سلم الخمسة على العشرة ، ولم يسلم العشرة على الخمسة .
(ويجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم ) .
وورد عند الترمذي أنه (صلى الله عليه وسلم ) قال : ( يسلم الماشي على القائم ) .
فهذه آدابه (صلى الله عليه وسلم ) ، وهذه تعاليمه ، وحكمه ، ولطائفه ، فإنه لم يترك خيراً إلا وحثنا على فعله ، ولم يترك شراً إلا وحذرنا منه .
2ـ فضل البدء بالسلام :
جاء عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : ( ليسلم الراكب على الماشي ، والماشي على القاعد ، والماشيان أيهما بدأ فهو أفضل ) .
وقال عليه الصلاة والسلام : ( إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام ) .
والمعنى : أن أقرب الناس إلى الله عز وجل وأكثرهم ولاية وحباً وزلفى إلى الله الذي يبدأ المسلمين بالسلام، وكانت هذه عادة أخيار الصحابة والتابعين أنهم يبدءون غيرهم بالسلام .
وعن كلدة بن حنبل أن صفوان بن أمية بعثه بلبن ولبأ ( أول ما يحلب عند الولادة ) ، وجداية ( الصغير من الظباء ) ، وضغابيس ( صغار القثاء ) إلى النبي (صلى الله عليه وسلم ) ، والنبي (صلى الله عليه وسلم ) بأعلى الوادي ، قال : فدخلت عليه ، ولم أسلم ، ولم أستأذن ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم ) : ( ارجع فقل : السلام عليكم ، أأدخل ؟ ) .
والشاهد : أن البدء بالسلام يكون قبل الدخول ، وقبل الكلام ، وقبل أي شيء .
وكان (صلى الله عليه وسلم )كما في حديث عبد الله بن يسر ، إذا أتى باب قوم ، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ، فيقول : ( السلام عليكم ، السلام عليكم ) .
وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يبدأ من لقيه بالسلام وكان يحرص على ذلك ، خلافاً للمتكبرين ، فإنهم يتحرون أن يبدأهم الناس بالسلام .
وابتداء السلام بلفظ : ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) ، ويرد الراد ( وعليكم السلام ) بالواو . وقد أثبتها النووي وابن القيم ، وهي أجمل وأحسن من لفظ : ( عليكم السلام ) .
ويكره أن يقول المبتدئ : ( عليكم السلام )، قال أبو جري الهجيمي : أتيت النبي (صلى الله عليه وسلم ) فقلت : عليك السلام يا رسول الله .
فقال : ( لا تقل عليك السلام ، فإن عليك السلام تحية الموتى ) .
فعلينا تجنب قول : ( عليك السلام ) ، فإنهم كانوا يحيون موتاهم بذلك كما قال الشاعر لما مر بقبر قيس ابن عاصم :
عـلـيـك سـلام الله قـيـس بـن عـاصـم ورحـمـتـه مـا شـاء أن يـتـرحـمـا
فبدأ بالجار والمجرور ؛ لأنه على ميت .
فكره النبي (صلى الله عليه وسلم ) أن يحيي بتحية الأموات ، ومن كراهته لذلك لم يرد على المسلم بها .
3ـ آداب السلام في المجالس :
قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم فإذا أراد أن يقوم فليسلم ، فليست الأولى بأحق من الآخرة ) .
والمعنى : إذا أردت أن تودع إخوانك وأصحابك ، تسلم فتقول ، وأنت تغادر المكان والمجلس : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وهذه سنة غفل كثير من المسلمين عنها ، حتى تجد الكثير يقول : في أمان الله ، أو أستودعكم الله ، ويترك هذه السنة العظيمة التي نص عليها رسول الهدى عليه الصلاة والسلام !
وعنه (صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ( إذا لقي أحدكم صاحبه فليسلم عليه ، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ، ثم لقيه ، فليسلم عليه أيضاً ) .
وقد ورد هذا من عمل الصحابة ، فعن أنس رضي الله عنه قال : ( كان أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يتماشون ، فإذا استقبلتهم شجرة أو أكمة تفرقوا يميناً وشمالاً ، وإذا التقوا من ورائها ، سلم بعضهم على بعض ) .
ويقاس على هذا : الداخل و الخارج في المجلس ، فإنه يسلم كما دخل أو خرج ، وهذا فعل حسن يثاب فاعله .
4ـ آداب السلام عند دخول المسجد :
قال ابن القيم ، يرحمه الله : ومن هديه (صلى الله عليه وسلم ) أن الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحية المسجد ، ثم يجيء فيسلم على القوم .
واستدل رحمة الله ، بحديث رفاعة في المسيء صلاته ، أنه صلى ثم أتى فسلم فقال له (صلى الله عليه وسلم ) : ( وعليك ، فارجع فصل فإنك لم تصل .. ) الحديث .
وهذا رأيه ، يرحمه الله ، ولكن ليس هناك دليل أن الرجل لم يسلم أو ما دخل المسجد ، ثم إنه قد يكون بعيداً في طرف المسجد فابتدأ بالصلاة أولاً ، ثم جاء فسلم .
والأقرب : أنه إذا دخل المسلم المسجد ، فعليه أن يسلم على إخوانه المسلمين ، ثم يصلي ركعتين .
وإذا سلم عليك مسلم وأنت في الصلاة ـ نافلة كانت أو فريضة ـ فإن السنة في ذلك ، أن تبسط يدك فتجعل باطنها إلى الأرض ، وظاهرها إلى اتجاه وجهك ، ولا تقل بلسانك وأنت في الصلاة : وعليكم السلام .
وبعض أهل العلم يقول : تشير بسبابتك ، ولكن بسط الكف أولى عند أهل العلم ، وهو القول الراجح .
5ـ آداب السلام على الأهل :
كان (صلى الله عليه وسلم ) إذا دخل على أهله بالليل ، يسلم تسليماً لا يوقظ النائم ، ويسمع اليقظان .
فلا يدخل الإنسان على أهله ، فيسلم بإزعاج ، فيوقـظ أهله ! فانظر إلى لطافـته ورقته (صلى الله عليه وسلم ) .
أنا حديث : ( السلام قبل الكلام ) ، فهو باطل لا يصح عنه (صلى الله عليه وسلم ) ، فقد ورد عند الترمذي من حديث جابر، لكن في سنده عنبسة بن عبد الرحمن ، وهو متروك ، ورماه أبو حاتم بالوضع، فقال : وضاع : يعني : كذاب ، كما أن شيخ عنبسة ، وهو : محمد بن زاد : متروك ، فالحديث باطل .
6ـ حكم السلام على أهل الكتاب :
كان (صلى الله عليه وسلم ) لا يبدأ أهل الكتاب بالسلام ، وقد صح عنه ، عليه الصلاة والسلام ، أنه قال : ( لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام ) . فالسنة لمن يعمل مع اليهود والنصارى أن لا يبدأهم بالسلام ، لكن إذا سلموا قال وعليكم .
ومر (صلى الله عليه وسلم ) كما في البخاري ومسلم وأحمد ، على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان ، واليهود ، فسلم عليهم .
فإذا مررت بمجلس فيه مسلمون ( وهذا شرط ) ، وفيه يهود ونصارى فسلم عليهم السلام الشرعي .
وكتب عليه الصلاة والسلام ، كما في البخاري ومسلم لهرقل وغيره : ( السلام على من اتبع الهدى ) .
وقد ورد في كتاب الله سبحانه وتعالى في قول موسى لفرعون : ( وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) (طـه: من الآية47) .
فإذا سلمت أو كتبت رسالة لأهل الكتاب فإنك تقول : ( السلام على من اتبع الهدى ) ، لكن لا تبدأهم بالسلام .
7ـ ترك السلام على العاصي حتى يتوب :
كان من هديه (صلى الله عليه وسلم ) ابتداء ورداً ترك السلام على من أحدث حدثاً حتى يتوب منه ، كما فعل (صلى الله عليه وسلم ) بكعب بن مالك وصاحبيه كما عند البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود ,احمد فإن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) لم يكن يبدؤهم بالسلام ، بل قال كعب بن مالك : فكنت أسلم على الرسول (صلى الله عليه وسلم ) فلا أدري هل يرد على أم لا ؟! وهل حرك شفتيه بالسلام أم لا .
ومثل ذلك المبتدع الذي عرف بابتداعه ، أو أحداث حدثاً في الدين ، فلك أن تهجره وتسلم عليه ، ولا ترد عليه السلام حتى يتوب ، وذلك بعد نصحه وتخويفه حثه على ترك الابتداع في الدين .
وكذلك مثل من ترك الصلاة الجماعة بلا عذر وهو جار للمسجد ، معافى ، وفي صحة طيبة ، فلك أن تهجره من السلام ومن الرد حتى يصلي مع الجماعة .
وورد من حديث أبي أيوب الأنصاري ، أن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) قال : ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث ، يلتقيان ، فيعرض هذا ، ويعرض هذا ، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ) .
وهذا في أمور الدنيا ، فإن الغضب والغيظ في الدنيا ينتهي بثلاث ، ويحرم الهجر بعد ذلك ، أما في الدين فلا ينتهي حتى يتوب من خطئه ، ويتوب من ابتداعه .
ثانياً : إجابة الدعوة
1ـ حكم إجابة دعوة المسلم :
ومن جسور المحبة قوله (صلى الله عليه وسلم ) : ( وإذا دعاك فأجبه ) ون الدعوات ما تكون واجبه ، ومنها ما تكون سنة ، ومنها ما يحرم إجابتها .
فأما ما هي واجبة ، فدعوة الزواج ـ إذا لم يكن هناك منكر ـ ففي حديث ابن عمر ، رضي الله عنهما ، أن النبي (صلى الله عليه وسلم ) قال : ( إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها ) .
والوليمة ، هي : وليمة العرس .
وفي لفظ : ( إذا دعا أحدكم أخاه فليجب ، عرساً كان أو نحوه ) .
قال أهل العلم : هذا الأمر للوجوب ، أي : يجب عليك شرعاً أن تجيب الداعي ، ما لم يكن هناك منكر ، مخالف للشرع .
2ـ آداب الدعوة :
عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم )أنه قال : ( شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتها ، ويدعى إليها من لم يأتها ، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله ) .
فشر الولائم التي للرياء والسمعة ، ويدعى إليها علية الناس ، ويمنع منها الفقراء ، وفي الحديث : ( إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب ، فإن شاء طعم وإن شاء ترك ) .
فأنت تحضر ، وليس المقصود ، أن تأكل ، فإن العض الآن إذا دعي إلى وليمة قال : ما أستطيع ؛ لأني أكلت ، أو يقول : لا أريد الأكل ، فهذا خطأ ، ليس المقصود : أن تأكل ، احضر ، وادع لهم ، وتحدث معهم ، وآنسهم ، فإن كثيراً من السلف كانوا يحضرون ، وهم صيام ، فكانوا يدعون لأهل المنزل من حسن خلقهم .
وورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم ) : ( طعام الوليمة أول يوم حق ، وطعام الوليمة في اليوم الثاني سنة ، وطعام الوليمة في اليوم الثالث سمعة ورياء ) ، رواه أبو داود ، وأحمد وفي سند مجهول ، وهذا الحديث ضعيف ، والبخاري يرى تضعيفه .
وقد قال البخاري في الصحيح : لم يوقت النبي (صلى الله عليه وسلم ) ، يوماً ولا يومين .
فللإنسان أن يزيد على يوم أو يومين أو ثلاث ، لكن الأقرب للسنة يوم واحد ، ووليمة واحدة .
والمقصود : إجابة الدعوة إذا لم يكن هناك منكر .
والدعوة لمن سبق : فإذا دعاك داعيان في يوم واحد ، أو في أيام مختلفة ، فقدم الذي سبق إلى دعوتك ، وأعتذر للثاني ، وقل له : سبقك فلان بالدعوة ، فإذا تساوى أهل الدعوة ، فالأقرب منهم : الأولى بالإجابة ، وذي الأرحام : أولى بك بإجابة دعوتهم من الجيران ، إذا دعوك معاً .
وإذا كان هناك منكر ، فليس عليه أن يحضر ـ كما سبق ـ إلا إذا علم أن في حضوره منعاً للمنكر ، أو حداً منه ، فله أن يحضر .
ثالثاً : الدين النصيحة
1ـ وجوب النصيحة :
أما قوله (صلى الله عليه وسلم ) في الحديث : ( وإذا استنصحك فانصح له ) ، فهذا أدب ثالث يبينه ، عليه الصلاة والسلام ، لنا وهو شعار المحبة ، وهو الواجب الشرعي علينا بعضنا لبعض .
فالنصيحة : واجبة عند أهل العلم ، وقد قال : (صلى الله عليه وسلم ) : ( الدين النصيحة ) .
قلنا : لمن ؟
قال : ( لله ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ) .
وقد قال (صلى الله عليه وسلم ) وهذا من باب النصيحة : ( أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ) قلنا : يا رسول الله ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً ؟
قال : ( ترده عن الباطل فإن ذلك نصره ) .
فالواجب علينا : أن نتناصح فيما بيننا ، والإنسان لا يسلم من الخطأ والنسيان ، ونحن جميعاً يعترينا النقص والخطأ في كثير من تصرفاتنا لأن العصمة لرسول الهدى ، عليه الصلاة والسلام ، فالواجب على الأخ : إذا رأى أخاه قد أخطأ في مسألة ، أو في اجتهاد ، أو في تصرف ، أو في أسلوب أن يذهب إليه وينصحه ، ولن يجد الناصح إلا الحب ، والدعاء ، والبشر ، والاستقبال الحسن .
يقول على رضي الله عنه : المؤمنون نصحة ، والمنافقون غششة .
فإذا رأيت الإنسان ينتقد إخوانه وينالهم في المجالس ، ويتعرض لأعراضهم ، ثم لا ينصحهم في وجوههم ، فاعلم أنه غاش لله ، ولرسوله (صلى الله عليه وسلم ) ، وللمؤمنين .
ومن علامة المؤمن ، إذا أراد أن ينصح ، ويعظ أخاه : أن يذهب إليه ويأخذه على حدة ، وينصحه ويوجهه، ويحن عليه ، ويتعاطف معه ، ويتلطف به حتى يقومه ، إن كان يريد النصح حقاً ، وإن كان يريد التشهير بأخيه المسلم فالله يتولاه ، والله حسيبه ، والله من وراء قصده .
وقد ذكر الله عز وجل ، في كتابه طريقة الأنبياء في الدعوة ، وأنها قامت على النصيحة ، فهذا نوح عليه السلام يقول لقومه : ( أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ ) (لأعراف: من الآية62) .
ويقول لهم ـ أيضاً ـ : ( وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ ) (هود: من الآية34) ، وقال هود عليه السلام : ( أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) (لأعراف:68) .
فهؤلاء هم أنبياء الله عز وجل وصفوة خلقه ، ومن تشبه بقوم فهو منهم .
2ـ آداب النصيحة :
للنصيحة آداب ثلاث :
الأول : الإخلاص .
الثاني : اللين .
الثالث : الإسرار بها .
وكثيراً ما يخطئ العبد ، فنحن لسنا معصومين من الخطأ ، وأني أكرر ذلك ؛ ليعلم الناصح : أن الخطأ والنسيان شيء عادي ، مركوز في أصل الجبلة ، فلا يتعصب في نصحته .
مـن ذا الـذي تـرضـى سـجـايـاه كـلـهـا كـفـى المرء نـبـلاً أن تـعـد معـايـبـه
وإن الإسرار بالنصيحة من هديه (صلى الله عليه وسلم ) ، فإن النصيحة على رؤوس الأشهاد فضيحة . قال الشاعر :
تـعـمـدنـي بـنـصـحك فـتـي انـفـراد وجـنـبـني النـصـيحـة فـي الجـمـاعـه
فـإن الـنـصــح بـيـن الـنـاس نــوع مـن الـتـوبـيـخ لا أرضـى اسـتـمـاعـه
فـإن خـالـفـتـنـي وعـصـيـت أمـري فـلا تـجــزع إذا لـم تـلـق طــاعــه
وكان عمر رضي الله عنه ، يقول : رحم الله امـرءاً أهدى إلى عيوبي وكان يستمع للصحابة وهو ينصحونه .
رابعاً : تشميت العاطس
1ـ متى يشمت العاطس وكيفية التشميت ؟!
قال عليه الصلاة والسلام ، كما في الحديث : ( إذا عطس فحمد الله فشمته ) .
ويقول (صلى الله عليه وسلم ) : ( إن الله يحب العطاس ، ويكره التثاؤب ) .
فالعطاس رحمة من الله ، والتثاؤب من الشيطان، لأن العطاس فيه تفتح لشرايين القلب ، وانشراح للصدر ، وهو رحمة من الله ، والله أعلم بالسر في ذلك .
فكان الواجب أن تقول : الحمد لله .
أما التثاؤب فإنك تكظم ما استطعت ، وقد قال (صلى الله عليه وسلم ) كما عند البخاري وأحمد : ( إذا عطس أحدكم فليقل : الحمد لله ، وليقل له أخوه : يرحمك الله ، فإذا قال يرحمك الله ، فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم ) .
وعن أنس رضي الله عنه ، قال : عطس رجلان عند النبي (صلى الله عليه وسلم ) فشمت أحدهما ، ولم يشمت الآخر ن فقيل له ، فقال : ( هذا حمد الله ، وهذا لم يحمد الله ) .
وعن أبي موسى الأشعري أنه (صلى الله عليه وسلم ) قال : ( إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه ، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه ) .
ففهم من الحديث : أنه من قال : الحمد لله ، فعلينا وجباً : أن نقول له يرحمك الله ، وإذا سكت ولم يحمد الله فليس عليك أن تقول له : يرحمك الله ، بل تسكت .
2ـ هل التشميت فرض عبن أم فرض كفاية ؟ !
ذهب المالكية ، ومنهم : ابن أبي زيد ، وابن العربي ، إلى أن التشميت فرض عين ، وهو الصحيح ، فإن على أهل المجلس ـ مثلاً ـ إذا سمعوا ( الحمد لله ) أن يقولوا : يرحمك الله ، لا يكفي منهم واحد ، فهو فرض عين وليس فرض كفاية .
وكان من هديه (صلى الله عليه وسلم ) في العطاس ، أنه كان إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فِيه ، وخفض ، أو غض به صوته .
فالسنة أن لا يرفع المسلم صوته بالعطاس .
وهناك حديثان ضعيفان أشير إليهما :
الحديث الأول : ( التثاؤب الشديد ، والعطسة الشديدة من الشيطان ) ، رواه ابن السني ، هو ضعيف لا يصح عنه (صلى الله عليه وسلم ) .
الحديث الثاني : ( إن الله يكره رفع الصوت بالتثاؤب والعطاس ) حديث ضعيف لا يصح عنه (صلى الله عليه وسلم ) .
وقد قال ، عليه الصلاة والسلام : ( شمت أخاك ثلاثاً ، فما زاد فهو زكام ) .
يعني : أنه يعطس في المرة الأولى ، فيحمد الله ، فقل له : يرحمك الله .
وفي الثانية ، قل له : يرحمك الله .
وفي الثالثة ، قل له : يرحمك الله .
وفي الرابعة قل له : عافاك الله .
وقد عطس رجل عنده ، عليه الصلاة والسلام ، فقال له : ( يرحمك الله ) ثم عطس أخرى فقال (صلى الله عليه وسلم ) : ( الرجل مزكوم ) .
قال ابن القيم : وقوله في الحديث : ( الرجل مزكوم ) تنبيه على الدعاء له بالعافية ، لأن الزكمة علة ، وفيه اعتذار من ترك تشميته بعد الثلاث ، وفيه تنبيه له على هذه العلة ليتداركها ولا يهملها ، فيصعب أمرها ، فكلامه (صلى الله عليه وسلم ) كله حكمة ، ورحمة ، وعلم ، وهدى .
وقد قال (صلى الله عليه وسلم ) : ( إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه ، فإن زاد على الثلاثة فهو مزكوم ، ولا تشمته بعد الثلاث ) .
وذكر أهل العلم أنه زاد على الثلاث فيدعى لصاحبه بالعافية .
وهنا مسألة :
إذا لم تسمع أنت حمد العاطس ، لكن سمع من بجانبه أنه حمد الله ، فماذا تفعل إذا تبين لك أنه حمد الله ؟
ولو لم تسمعه ، فقل : يرحمك الله ، أما إذا لم يتبين لك ، فلا تشمته .
مسألة ثانية :
هل تذكر العاطس إذا نسي الحمد ؟
ذهب إلى ذلك نفر من أهل العلم كالنووي ، وغيره من العلماء ، واستحسنوا ذلك ، وقد فعله إبراهـيم التيمي ، كما فعله ـ أيضاً ـ ابن المبارك ، فقد عطس رجل عند ابن المبارك ، ولم يحمد الله ، فقال ابن المبارك : ماذا يقول الرجل إذا عطس ؟
قال : يقول : الحمد لله .
قال : يرحمك الله .
وهناك قول ثان وهو الصحيح : أنه لا يلزمك أن تذكره ، لأنه لو كان يلزمك أن تذكره لكان النبي (صلى الله عليه وسلم ) أولى بتذكير من عطس ، ولم يشمته ، ولم يذكره ، وهذا تعزيز له ، وحرمان لبركة الدعاء ، لما حرم نفسه بركة الحمد .
وقد تعاطس الناس في مجلسه ، ولم يذكرهم ، عليه الصلاة والسلام ، بل لم يشمتهم ، وهذا هو القول الراجح .
وكان اليهود يتعاطسون عنده عليه الصلاة والسلام ، فيقولون : الحمد لله ، ( يهديكم الله ، ويصلح بالكم )
فانظر إلى الحكمة ؛ لأن اليهود بحاجة إلى الهداية ، وليسوا أهلاً للرحمة ، فهل يترحم عليهم ، وهم مخالفون ؟!
لا ، هم بحاجة إلى أن يهديهم الله أولاً ، قبل أن يرحمهم ، فعدل عليه الصلاة والسلام ، عن لفـظ : (يرحمكم الله ) إلى لفظ : ( يهديكم الله ، ويصلح بالكم ) .
خامساً : عيادة المريض
1ـ فضل عيادة المريض والدعاء له :
قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا مرض فعده ) .
وهذا جسر آخر من جسور المحبة بين المسلمين ، فمن حق المسلم على أخيه المسلم: إذا مرض أن يعوده ، والعيادة لها آداب ، ولها فضل من الله عز وجل .
فعن ثوبان قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : ( من عاد مريضاً لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع ) ، وفي لفظ قيل : يا رسول وما خرفة الجنة ؟ قال : ( جناها ) .
يعني : كأنه يمشي في بساتين الجنة .
وقد عاد ، عليه الصلاة والسلام ، أصحابه ، فقد عاد سعد بن أبي وقاص ، رضي الله عنه وأرضاه ، ودعا له وقال : ( ولعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام ، ويضر بك آخرون ) .
وعاد عليه الصلاة والسلام جابراً ، رضي الله عنه ، فوجده مغمى عليه ، فتوضأ عليه الصلاة والسلام وصب عليه الماء فاستفاق .
وعاد عليه الصلاة والسلام ، أعرابياً فلما دخل عليه (صلى الله عليه وسلم ) قال : ( لا بأس طهور إن شاء الله ) .
فقال الأعرابي : كلا ، بل هي حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور .
فقال عليه الصلاة والسلام : ( فنعم إذن ) ، فكانت هالكته وقاصمته .
وكان (صلى الله عليه وسلم ) إذا عاد مريضاً دعا له ، وجلس قليلاً عند رأسه ، ووضع يده الكريمة على صدره ، وهذا من الأنس والملاطفة .
2ـ آداب العيادة :
العيادة عند أهل السنة ثلاثة أيام ، إلا أن يكون قريباً كالأب ، والابن والأخ ، ومن حكمهم ، أما إذا كان غير ذلك ، فإنك تزوره كل ثلاثة أيام ، أما أن تأتيه كل يوم ، أو تأتيه مرة في الصباح ، ومرة في المساء فهذا مزعج !
وقد ذكر الذهبي في ترجمة سليمان بن مهران الملقب ( بالأعمش ) أنه مرض مرضاً مزمناً ، فدخل عليه الناس ، وترددوا عليه كثيراً فأزعجوه ، فكتب وصف مرضه في ورقة ، ووضعها تحت مخدته التي ينام عليها ، فكان كلما سأله أحد عن مرضه ، أخرج هذه الورقة ، وقال له : اقرأ !
فلما كثر الناس عليه ، قفز فأخذ المخدة ، وجعلها تحت إبطه ، ووقف وقال : شافى الله مريضكم !
وعلى المسلم : أن يتحرى وقت العيادة ، بحيث يكون مناسباً للمريض ، فلا يكون عند نومه ، ولا عند طعامه ، ولا عند صلاته ، ولا في وقت يرى أنه يرتاح فيه المريض ن بل يتوخى وقت العيادة المناسب .
ومن آداب العيادة : أنك لا تطيل الجلوس عند المريض ، فإن بعض الناس إذا زار المريض زاده مرضاً على مرضه ، فيبقى الساعة والساعتين ! وهذا ليس من أدب العيادة .
فإذا عدت المريض ، وكان مرضه خفيفاً ، له صحته ، وهونت عليه مرضه ، وقلت : ما شاء الله ، ما كنت أظن أنك هكذا .. صحتك طيبة ، وحالك طيبة ، شافاك الله وعافاك ، وقريباً تخرج من هذا المرض ـ إن شاء الله ـ . ونحو ذلك من الكلام ، لا أن يأتي العائد بوجه آخر ، فيزيد المريض مرضاً على مرضه ، فبعض الناس هداهم الله يشعر المريض أنه في أسوأ حال !! وأن مرضه ليس له علاج البتة !! وأنه يجب عليه أن يوصي بماله ، ويوزع تركته ! وهكذا حتى يجعل المريض في عداد الموتى !
وهذا خطأ ، فالحالة النفسية لها دورها ، فأنت إذا أشعرته أنه سليم معافى ، يمكن أن يكون ذلك سبباً في شفائه ـ بإذن الله ـ ولذلك كان النبي (صلى الله عليه وسلم ) إذا عاد مريضاً قال له : ( لا بأس .. طهور إن شاء الله ) نحو ذلك كما تقدم في عيادته للأعرابي .
ولكن يقول أهل العلم : إذا وصلت إلى رجل أصبح قريباً من الآخرة ، ومرض مرضاً لا يرجى برؤه ، فحسن ظنه بالله ، وحسن قدومه على الله ، وحسن رجاءه في الله ، هذه هي السنة في العيادة .
سادساً : اتباع الجنازة
1ـ فضل اتباع الجنازة :
يقول (صلى الله عليه وسلم ) في الحديث ( وإذا مات فاتبعه ) .
فهذه ضريبة المسلم على المسلم ، حتى بعد أن أصبح جثماناً ، وأصبحت روحه في عليين ، تتبعه ، وتقوم بحقوقه ، وتشفع له وأنت تصلي على جنازته ، وتترحم ، عليه وهو في الثرى ، وتواصله بالدعاء ، وتدعوا له بظهر الغيب .
هذا أخوة الإسلام ، وهذا ميثاق الإيمان ، وتلك حقوق المسلم على المسلم ، التي لا تقتصر على الحياة فقط ، بل تشمل المسلم بعد موته ـ أيضاً ـ .
قال ، عليه الصلاة والسلام ، كما عند الترمذي بسند ضعيف : ( من تبع جنازة وحملها ثلاث مرات ، فقد قضى ما عليه من حقها ) .
ولكن في الصحيحين أنه قال : ( من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط ، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان ) .
قيل : وما القيراطان ؟
قال : ( مثل الجبلين العظيمين ) .
فانظر ما اسهل العمل ، وأعظم الأجر .
2ـ آداب الجنازة والعزاء :
من السنة : أن يمشي أمام الجنازة ، وفي هذا تفصيل ، قال ابن عمر : رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم ) وأبا بكر وعمر يمشون أما الجنازة .
فالسنة : المشي أمام الجنازة ، ولكن الراكب يمشي خلفها ، والماشي أمامها ، إن مشى خلفها فلا بأس .
وقالت أم عطية ـ كما في الصحيحين : ( نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا ) .
فالواجب : أن ينهى النساء عن اتباع الجنائز ؛ لأن المرأة ضعيفة ، وتصاب بالجزع ، وبرما تفتن ، وربما تتسخط على قضاء الله وقدره ، فليس للمرأة ـ ولو كانت عجوزاً ـ اتباع الجنازة ، ولا زيارة القبور .
وهناك عادات تخالف الشرع ، نبه عليها أهل العلم ، وكتبوا فيها ، وبينوا الخطأ ، ونبهوا عليه ، وأشاروا إلى الصواب ، فجزاهم الله خيراً ، ومن هذه العادات :
· الاجتماع على العزاء ، ونصب الخيام ، والولائم ، والقيام بالصياح والنياحة ، وضرب الوجه ، وشق الجيب ، وكذلك الجزع من القضاء والقدر .
· ومن المخالفات الشرعية ـ أيضاً ـ : أن يمزح بعض الناس في العزاء ، أو أن يضحكوا مما يثير أنتباه الحضور ، أو يتحدثوا بإسهاب في أمور الدنيا ، وإلى غير ذلك من الصور المخالفة للشرع التي بينها ونبه عليها العلماء .
هذه بعض جسور المحبة التي أتى بها محمد (صلى الله عليه وسلم ) ، والتي اتصف بها أصحابه ، رضوان الله تعالى عليهم ، فتحققوا هذه الصفات في عالم الواقع . وكانت استجابتهم استجابة فذة من كل جوانبها ، وهم الذين امتلأت قلوبهم بهذه الأخلاقيات حتى أعماقها ن فآتت ثمارها بإذن الله ، فوصلوا بذلك إلى القمة التي لا يحسن صعودها إلا من أحسن العبودية لله ، وتمسك بكتابة الله ، وبسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم ) ، واتصف وتخلق بأخلاق الإسلام .
والحمد لله .. ما زال الباب مفتوحاً ، وما زالت البضاعة مطروحة أمام الجميع ، وليس علينا إلا أن نتاجر مع الله عز وجل ، ولا يكون ذلك إلا بالتخلق بأخلاقيات هذا الجيل العظيم ، وإذا فعلنا ذلك فسوف نصل إلى أرقى صورة بشرية يمكن أن يصل إليها الإنسان على وجه الأرض ، صورة الإنسان الذي توشك أن تصافحه الملائكة !!
وألف بين قلوبهم
المثل العليا
فن تأليف القلوب نستمده بسند صحيح من سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم ) ومن ميراثه ، ومن دعوته ، نتذاكره ونتعلمه ، ونتربى عليه ، كما تربى عليه السابقون الأولون من سلفنا ، رضوان الله تعالى عليهم .
وسوف نذكر بعضاً من العناصر التي يقوم عليها بناء هذا الفن الجليل .
1ـ كظم الغيظ :
ذكر الله ، عز وجل ، في محكم كتابه أصول هذا الفن ، وذكرها رسولنا (صلى الله عليه وسلم ) ، بكلامه ، بعمله ، وبأخلاقه الشريفة العالية (صلى الله عليه وسلم ) ، فقال المولى جلت قدرته : ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: من الآية134) .
قال أهل العلم : ثلاث منازل : للمبتدئين ، والمقتصدين ، والسابقين بالخيرات .
المنزلة الأولى : من أسيء إليه فليكظم ، وهذه درجة المقصرين من أمثالنا من المسلمين ، أن يكظم غيظه، ولا يتشفى لنفسه في المجالس ، ولا يتعرض للأعراض .
المنزلة الثانية : فإن زاد وأحسن ، (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ) (آل عمران: من الآية134) ، فيذهب إلى من أساء إليه ويقول له : عفى الله عنك .
المنزلة الثالثة : فإن زاد وأحسن ، (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: من الآية134) ، يذهب بهدية ، أو يقوم بزيارة إلى من أساء إليه ، ويصافحه ويقبله .
قال أهل السيرة : قام خادم على هارون الرشيد بماء حار ـ يسكب عليه ـ فسقط الإبريق بالماء الحار على رأس الخليفة أمير المؤمنين .. حاكم الدنيا !! فغضب الخليفة ، والتفت إلى الخادم .
فقال الخادم ـ وكان ذكياً ـ : والكاظمين الغيظ !
فقال الخليفة : كظمت غيظي ..
قال : والعافين عن الناس !
قال : عفوت عنك ..
قال والله يحب المحسنين ..
قال : اذهب فقد أعتقتك لوجه الله !!
2ـ نزع الغل والبغضاء :
في معركة الجمل خرجت عائشة ، وطلحة ، والزبير ، وغيرهم ، رضي الله عنهم ، أجمعين ، وخرج الصحابة معهم بالسيوف ، وخرج علي رضي الله عنه ، ومعه بعض الصحابة من أهل بدر ، ومعهم السيوف يلتقون !
قيل لعامر الشعبي : الله أكبر ! يلتقي الصحابة بالسيوف ولا يفر بعضهم من بعض ؟
قال : أهل الجنة التقوا فاستحيا بعضهم من بعض !
فلما قتل طلحة في المعركة ـ وكان في الصف المضاد لعلي ت نزل علي من على فرسه ، وترك السيف ، وترجل نحو طلحة ، ونظر إليه ، وهو مقتول ـ وطلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة ـ فنفض التراب عن لحية طلحة ، وقال : يعز على ، يا أبا محمد ، أن أراك على هذه الحال ، ولكن أسأل الله أن يجعلني وإياك ممن قال فيهم سبحانه وتعالى : ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) (الحجر:47) .
فانظر إلى الصفاء والنقاء ، وانظر إلى العمق ، وانظر إلى الروعة ! وهم يقتتلون ، والدماء تسيل ، وعلي يحتضن طلحة ويسلم عليه ، ويذكره أنه سوف يجلس معه في جنات ونهر ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، حقاً إنه مشهد رائع ، وأنموذج باهر .
هذا الأنموذج الحي يدلنا دلالة واضحة على أن هؤلاء البشر لم يخرجوا عن بشريتهم ، ولم يكونوا ـ يوماً من الأيام ـ ملائكة ، ولكنهم كانوا في أروع صورة بشرية عرفتها الدنيا .
· مر على ابن السماك صاحب عتب عليه ، فقال لابن السماك : غداً نتحاسب ، يعني : غداً ألتقي معك أحاسبك وتحاسبني ، وألومك وتلومني ، ونعرف من هو المخطئ منا ..
فقال ابن السماك : لا ن والله ، غداً نتغافر !
فالمؤمنون لا يتحاسبون ، ولا يقول أحدهم للآخر : أنت كتبت في كذا ، وقلت كذا ، وسمعت أنك تغتابني .. و.. الخ ..
لا هذا أسلوب خاطئ ، والصحيح أن يقول له : ( غفر الله لك ) .
3ـ بذل الأعراض والأموال في سبيل الله :
لقد وصل هذا الجيل المبارك إلى حد أن يقوم أحدهم ـ وهو أبو ضمضم ـ يصلي في الليل ثم يتوجه إلى الله تعالى بالدعاء قائلاً : اللهم إنه ليس لي مال أتصدق به في سبيلك ، ولا جسم أجاهد في ذاتك ، ولكني أتصدق بعرضي على المسلمين .. اللهم من شتمني ، أو سبني أو ظلمني ، أو اغتابني ، فاجعلها له كفارة !!
ويروى أن النبي (صلى الله عليه وسلم ) حث على الصدقة ذات يوم ، قام علبة بن زيد فقال : يا رسول الله حثثت على الصدقة ، وما عندي إلا عرضي ، فقد تصدقت به على من ظلمني .
قال : فأعرض عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم ).
ولما كان اليوم الثاني قال (صلى الله عليه وسلم ) : ( أين علبة بن زيد ) ، أو (أين المتصدق بعرضه ، فإن الله تبارك وتعالى قد قبل ذلك منه ) .
فهذا هو التصدق بالأعراض ، ولابد أن يبذل الدعاة وطلبة العلم أعراضهم ، كما بذلها محمد (صلى الله عليه وسلم ) ، فإنه بذل عرضه وماله ودمه لهذه الدعوة الخالدة ، فعسى الله أن يجعل دماءنا وأنفسنا ، وأعراضنا ، وأموالنا ، وأبناءنا وأهلنا فداء لـ ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) .
4ـ تحمل زلات الغير :
ذكر الغزالي ـ صاحب الإحياء ـ أن الحسن البصري ، رحمه الله ، جاءه رجل فقال : يا أبا سعيد ، اغتابك فلان !
قال : تعال .
فلما أتى إليه ، أعطاه طبقاً من رطب ، وقال له : اذهب إليه ، وقل له أعطيتنا حسناتك ، وأعطيناك رطباً ! فذهب بالرطب إليه !
فالمقصود من هذا : أن الدنيا أمرها سهل وهين ، وأن بعض الناس يتصدق بحسناته ، فلا عليك مهما نالك حاسد ، أو ناقم ، أو مخالف ، أو منحرف !
فاعتبر ذلك في ميزان حسناتك ، واعلم أن ذلك رفعة لك .
· ويروى في سيرة موسى (صلى الله عليه وسلم ) أنه قال يا رب ، أريد منك أمراً !
قال : ما هو يا موسى ـ والله أعلم به ـ.
قال : أسألك أن تكف ألسنة الناس عني !
قال الله عـز وجل : يا موسى ، وعزتي وجلالي ، ما اتخذت ذلك لنفسي إني أخلقهم ، وأرزقهم ، وإنهم يسبونني ، ويشتمونني !!
سبحان الله ! ! الله الرحمن ، الأحد ، الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد ، يسب من الناس !!
هذا المخلوق الضعيف ، الذليل الحقير ، الحشرة ، يخرج نطفة ، ثم يسب الله ويشتمه جلا وعلا ؟!
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : ( قال الله تعالى يشتمني ابن آدم ، وما ينبغي له أن يشتمني ، ويكذبني وما ينبغي له ! أما شتمه فقوله : إن لي ولداً ، وأما تكذيبه فقوله : ليس يعيدني كما بدأني ) .
فما دام أن الواحد الأحد ، سبحانه وتعالى ، يسبه ويشتمه بعض الأشرار من خلقه !! فكيف بنا نحن ، ونحن أهل التقصير ؟!
إذا علم هذا ، فإنه خير دليل على المثل العليا التي حملها أصحابه (صلى الله عليه وسلم ) ، ورضى الله عنهم ، فتراضوا واختلفوا ، كما يختلف البشر وأتت بينهم نفرة في أيان من حياتهم !
ولكنهم عادوا في صفاء ، وفي عناق ، وفي حبور ، وفي محبة ؛ لأن المبدأ الذي يحملونه مبدأ واحد ، وليس مبادئ متعددة ، فمبدؤهم : ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) . وما حصل بينهم دليل على أنهم لم يخرجوا عن بشريتهم ، ولم يصبحوا ملائكة، ولم يخرجوا من عموم قوله (صلى الله عليه وسلم ):( كل بني آدم خطاء ).
ولم يصبحوا كذلك صفحات بيضاء ، لا أثر فيها ولا نقيصة ، كلا ما كانوا كذلك !
كانوا بشراً تعتمل في نفوسهم دوافع البشر ن ويتحركون في الأرض بدوافع البشر ، ولكنها دوافع البشر في أصفى حالاتها وأعلاها ، دوافع البشر حين يتخففون إلى أقصى حد من ثلة الأرض ، فيصعدون أقصى ما يتاح للبشر من الصعود .
كانوا يعملون .. فإذا هبطت بهم ثقلة عن المستوى السامق لم يستكينوا للهبوط ، وإنما عادوا يعملون للصعود من جديد .. فيصعدون ويصعدون .
وفي سيرة أبي بكر رضي الله عنه ، أن رجلاً قال لأبي بكر : والله يا أبا بكر لأسبنك سباً يدخل معك في قبرك .
قال أبو بكر : بل يخل معك قبرك أنت لا معي !!
صدق رضي الله عنه وأرضاه ، فإن المسبوب لا يدخل معه السب ، ولكن يدخل السب مع الساب الذي سلط على عباد الله . أفيظن هذا الجاهل أنه إذا سب أو شتم أو نال من أبي بكر أن شتمه هذا سوف يدخل مع أبي بكر القبر ؟!
فهذا جهل ، وأي جهل !!!
ثم انظر وتأمل جواب أبي بكر عليه : ( بل يدخل معك قبرك ولا يدخل معي ) .
فقط كان هذا جوابه ؟! ولم يقل له : بل سأسبك سباً يدخلك قبرك ! وسأفعل بك كذا !! وسأريك كذا !! الخ ، لا ( بل يدخل معك قبرك ) !
وقوله أبي بكر ، وتصرفه ، هو : الصحيح ، فإن الكلمة العوراء والكلمة الآثمة ، والكلمة الجارحة ، تكون وبالاً وحسرة وندامة على تجرأ وجرح ونال بها من أخيه .
5ـ إنهاء الخصام والسعي إلى الصلح :
قال رجل لعمرو بن العاص : والله لأتفرغن لك !
قال عمرو : إذن تقع في الشغل !
وهذا هو الحق ، فإن الذي يتفرغ لينال من الناس ، ويشتم الناس ، ويكيد للناس ، هذا لا يكون فارغاً أبداً ! وإنما يشغله الله بالناس ! وهذا يضيع عمره في الترهات والتفاهات وما لا ينفع !
وقول عمرو بن العاص رضي الله عنه ، أرضاه هو : الصواب ، وهو الحكمة ( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً)(البقرة: من الآية269) .
وبروي أهل الحديث أن عامر الشعبي ـ وهو من علماء التابعين المشهورين ـ قام أمامه ، رجل وقال له : كذبت يا عامر !
فقال عامر : إن كنت صادقاً فغفر الله لي ، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك !!
نعم ، هذا هو الحل ، فماذا يقول الرجل بعدها ، يا ترى ؟!
سكت !!
لأن من استطاع أن ينهي الخصام ، وأن يجعل للصلح موضعاً ، وأن لا يستعدي الناس ، خاصة أهل الفصل ، وأهل المنزلة ، وأهل الصدارة والمكانة ، كان محسناً على نفسه ، وعلى الإسلام ، وعلى المسلمين .
6ـ محاسبة النفس :
في سيرة بن عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهم ، أجمعين ، أن رجلاً زاحمه في منى ، فالتفت الرجل إلى سالم ـ وسالم علامة التابعين ـ فقال له : إني لأظنك رجل سوء .
فقال سالم : ما عرفني إلا أنت !! لأن سالماً رضي الله عنه ، يشعر في نفسه أنه رجل سوء ، وهذا صواب ؛ لأن المؤمن يرمي نفسه بالتقصير ، كلما رآها تعالت ، أو تطاولت ، أو نسيت ، كما أنه يلوم نفسه ويحاسبها ، لكن الفاجر والمنافق يزكي نفسه أمام الناس !
كان سعيد بن المسبب يقوم وسط الليل ، ويقول لنفسه : قومي ، يا مأوى كل شر !
سعيد بن المسبب يقول لنفسه هذا الكلام !! ونحن ماذا نقول لأنفسنا !! اللهم استرنا بسترك .
هذه هي المثل العليا التي حملها أصحابه (صلى الله عليه وسلم ) ، وهو الذي رباهم أصلاً على أسس العقيدة وأخلاق الإيمان ، وإلا فهم أمة أمية خرجت من الصحراء ، لكنه (صلى الله عليه وسلم ) بناهم شيئاً فشيئاً ، ورصع مجدهم ، واعتني بهم ، حتى أصبحوا قادة للأمم ، وقدرة حسنة للناس !
وقالوا في المثل : ( من لك بأخيك كله ) تريد أخاً مهذباً كله ، لا هذا لا يكون .. خذ بعضه ، خذ نصفه ، خذ ثلثيه .
فهل وجدت في المجتمع المسلم شخصاً ـ مهما بلغ من الرقي ، وحسن الخلق ـ أن يكون كلامه ، لا حيف فيه ولا نقص ؟ !
كلا ، هذا لا يكون .
( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ) (النور: من الآية21) .
تجد هذا كريماً ، لكنه غضوب ! وتجد هذا حليماً ، لكنه بخيل ! وتجد هذا طيباً ، لكنه عجول ، لأن الله وزع المناقب والمثالب على الناس .
ومـن ذا الـذي تـرضـى سـجـايـاه كـلـهـا كـفـى المرء نـبـلاً أن تـعـد مـعـايـبـه
فإذا عـدت معايب الإنسان فاعلم أنه صالح ، ولكن بعض الناس لا تستطيع أن تعد معـايبه أبداً مهما حاولت !!
لكن بعض الناس لخيره وصلاحه ، تقول : ليس فيه إي كذا ، وهذا هو الخير ، ومن غلبت محاسنه مساوئه ، فهو العدل في الإسلام ، ومن غلبت مساوئه محاسنه ، فهو المنحرف عن منهج الله عز وجل ؛ لأن الله يزن الناس يوم القيامة بميزان آية الأحقاف ، يقول تعالى : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) (الأحقاف:16) .
فبين الله في الآية : أن لهم مساوئ ، وأنه يتجاوز عنهم سبحانه وتعالى ، وأن لهم خطايا ، ولهم ذنوب ، ولكنهم كما في الحديث : ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ) .
بعض الناس ماؤه قليل .. أي شيء يؤثر فيه ، قطرة تؤثر فيه ، ولكنه بعضهم لمحاسنه ، ومناقبه بلغ قلتين ، فمهما وضعت فيه لا يتغير أبداً ، لكرمه ، وبذله ، وعطائه ، وعلمه ، وسخائه ، وفضله ، ودعوته ، وخيره ، وصلاحه ، وصدق نيته ، إلى غير ذلك من الصفات .
وهذا تأتيه أحياناً نزعات من نزعات الشيطان ، لكنها لا تؤثر فيه .
ولذلك يقول ابن تيمية : أما موسى (صلى الله عليه وسلم ) ، فإنه أتى بالألواح فيها كلام الله عز وجل ، فألقاها في الأرض ، وأخذ برأس أخيه يجره إليه .
يقول ابن تيمية : أخوه كان نبياً مثله ، ومع ذلك جره بلحيته أمام الناس ، ولكنه عفا الله عنه !
قال ابن القيم :
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع
وفي حديث قال (صلى الله عليه وسلم ) : ( أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ) .
قال ابن القيم : إلا الحدود ، وهذه عبارة ثبتت في بعض الروايات من لفظه (صلى الله عليه وسلم ) ، فإن الناس متساوون في الحدود ، لكن في المسائل التي ليس فيها حدود ، فعلينا أن نقبل صاحب العثرة ـ من أهل الهيئات ـ عثرته ، وأهل الهيئات ، هم : الذين لهم قدم صدق في الإسلام ، وفي الدعوة ، وفي الخير ، وفي الكرم وفي الصدارة ، وفي التوجيه ، وفي التأثير ، وهم وجهاء الناس ، أهل الخير وأهل الفضل ، وفهؤلاء إذا بدرت منهم بادرة فعلينا أن نتحملها جميعاً ، وعلينا أن ننظر إلى سجل حسناتهم ، وإلى دواوين كرمهم ، ومنازلهم عند الله وعند خلقه .
يقول بشار بن برد :
إذا كـنـت فـي كـل الأمـور مـعـاتـبـاً صـديـقـك لـم تـلـق الـذي لا تـعـاتـبـه
ويقول في بيت آخر :
إذا أنـت لـم تـشـرب مـراراً عـلـى الـقـذى ظـمـئـت وأي الـنـاس تصـفو مـشـاربه
فصاحب أخاك ، وتحمل منه الزلة ، واغفر له العثرة ، وتجاوز عن خطئه .
وكان ابن المبارك إذا ذكر له أصحابه قال : من مثل فلان ، فيه كذا وكذا من المحاسن ، ويسكت عن المساوئ .
وليتنا نتذكر حسنات الناس ، فما أعلم أحداً من المسلمين مهما قصر إلا وله حسنات ، ولو لم يكن من حسناته إلا أنه يصلي ، ولو لم يكن من حسناته إلا أنه يحب الله ورسوله المصطفى (صلى الله عليه وسلم ) .
يؤتي برجل يشرب الخمر إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، فأمر به فجلد ، وكان قد أتي به كثيراً .
فقال رجل من القوم : اللهم العنه ما أكثر ما يؤتي به .
فقال المعلم العظيم (صلى الله عليه وسلم ) :( لا تلعنوه !! فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله ) .
وفي لفظ ، قال رجل : ما له أخزاه الله .
فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : ( لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم ) .
فأثبت له (صلى الله عليه وسلم ) أصل الحب ، وهي حسنة ، وأثبت له بقاءه في دائرة الأخوة الإسلامية ، وهذه من أعظم الحسنات ، فلماذا لا نتذكر للناس محاسنهم ، وبلاءهم في الإسلام ؟!
إنك لا تجد شريراً خالصاً ، إلا رجلاً كفر بالله ، أو تعدى على حدوده ، أو أعلن الفجور ، أو خلع ثوب الحياء ، أو عادى الأولياء والأخيار والصالحين ، ونبذ الإسلام وراءه ظهرياً .
قصص التصافي
مرت نماذج خيرة في حياته (صلى الله عليه وسلم ) ، سطرها أصحابه ، رضوان الله عليهم ، ومن هذه النماذج :
· فهذا أبو ذر ، رضي الله عنه ، عير بلالاً بأمه ، فشـكاه بلال إلى النبي (صلى الله عليه وسلم ) ، ثم ندم أبو ذر على ما بدر منه من قول ، فرضع خذه على التراب ، وقال لبلال : والله لا أرفع خذي حتى تطأه بقدمك ! فتعانقا ، وتصافحا .
· كاد المهاجرون والأنصار أن يقتتلوا وذلك بعد الإسلام ! وسلوا السيوف ، وتهيؤوا للقتال ! فخرج عليهم الرسول (صلى الله عليه وسلم ) وقال : ( ما بال دعوى الجاهلية ) ثم قال : ( دعوها فإنها منتنة ) .
فبكوا ، وأسقطوا السيوف من أيديهم ، وتعانقوا .
فهذه الأخوة المعتصمة بالله ، نعمة يمتن الله بها على المسلمين ، وهي نعمة يهيئها الله لمن يحبهم من عباده وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة ، وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع ، فيصبحون بنعمة الله إخواناً ، وما يمكن أن يجمع القلوب إلا أخوة في الله تصغر إلى جانبها الأحقاد التاريخية ، والثأرات القبلية ، والأطماع الشخصية والرايات العنصرية !
( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا )(آل عمران: من الآية103) .
· ذكر أهل التاريخ أن الصحابة خرجوا في غزوة بني المصطلق ، وكان لعمر مولى اسمه : جهجهاه ، فقام فاختصم مع رجل من الأنصار اسمه سنان بن وبرة ، فغضب الأخير غضباً شديداً حتى تصايحا .
فقال مولى عمر : يا للمهاجرين !
وقال الأنصاري : يا للأنصار !
فبلغت في النفوس حزازات ، وأخبروا بها رأس النفاق ، وحربة الردة ـ عبد الله بن أبي سلول ـ فقال : صدق المثل القائل : جوع كلبك يتبعك ، وسمن كلبك يأكلك ! لو أنا صرفناهم عن دارنا ما فعلوا هذا ، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منه الأذل .
وبلغت الكلمة رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، فأخبره زيد بن الأرقم ، وصدق الله قوله ، وأتى (صلى الله عليه وسلم ) ، فأمر أصحابه بالرحيل لئلا يتحدث أهل النفاق في القضية ، فأهل النفاق يحبون الشائعات ، وهناك أناس في المجتمع لا هم لهم إلا نشر الشائعات ، وتصيد العثرات والزلات ، فيصنفون فيها المصنفات ، ويزيدون فيها ، ويتشاغلون بها ، ويلغون في الأعراض كما يلغ الكلب في الماء .
فانظر إلى التصرف الحكيم منه (صلى الله عليه وسلم ) ، بأمر أصحابه الرحيل لئلا يتحدثوا في المسألة ، فيشغلهم بذلك !
ولذلك فمن أعظم الحلول التي تدحض الشائعات ، وتنهي ما قد يحدث بين الأحبة ، أن تشغل الناس بالجد ، وبالعلم ، وبالمسائل العلمية ، وتطرح عليهم قضايا الأمة الكبرى ؛ لأن قضايا الأمة والإسلام أعظم من قضايانا هذه وأعظم من المهاترات .
قضايا نشر الإسلام ، قضايا محاربة اليهودية العالمية ، والعلمانية والشيوعية والنصرانية ، قضايا تأليف هذه الأمة المقدسة الخالدة التي جعلها الله أمة وسطا ، شاهدة على الأمم ، تعمل بالكتاب والسنة .
وأتى (صلى الله عليه وسلم ) إلى سعد بن عبادة فأخبره بالخبر ، فقال : يا رسول الله والله إن شئت لنقتلنه ، أو لنمنعنه من دخول المدينة ، فإنك الأعز ، وهو الأذل .
فقال عمر : ائذن لي أن أقتله يا رسول الله !
فقال (صلى الله عليه وسلم ) : ( يا عمر يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ) .
هذا هو المنهج الصحيح في التعامل مع الخصوم في هذه المرحلة من مراحل الدعوة المباركة ، فالنبي (صلى الله عليه وسلم ) عنده منهج دعوي يسير عليه ، يريد مصلحة هذه الدعوة ، ما عليه من دمه ، ولا من نفسه، ولا من ماله ، ولا من زوجه ، ولا من أهله ؛ لأنه يريد للدعوة أن تستمر ، وأن يستفيد الناس ، وأن يسمع الناس ، وأن يتعظ الناس ، وأن يهتدي على يديه بشر كثير ، أما قضية الانتقام الشخصي ، أو أن يقوم الإنسان ويغضب لنفسه فليست من صفاته (صلى الله عليه وسلم ) .
ومنه (صلى الله عليه وسلم ) عمر ، فأتى عبد الله بن عبد الله بن أبي سلول فقال : يا رسول الله ، سمعت أنك تريد قتل أبي ، فإنك إن أرسلت رجلاً ليقتل أبي ، والله لا تطمئن نفسي أن أرى قاتل أبي يمشي على وجه الأرض حتى أقتله ، فأكون قد قتلت مسلماً بكافر فأدخل النار ، لكن يا رسول الله ! ائذن لي أن أذهب الآن وآتيك برأس أبي ! والله يا رسول الله لئن شئت لأقتلنه ، فإنك الأعز ، وهو الأذل !!
انظر إلى الإسلام ! وإلى عظمة الانتساب إليه ؛ فصل بين الولد وأبيه ، وهو من صلبه ، من دمه ، من عروقه !
ثم انظر إلى الإيمان الذي تغلغل في أحشاء هذا الصحابي الجليل ، وتسرب إلى عروقه ومشاعره ، وجرى منه مجرى الروح والدم !
حقاً ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) تظهر من روائع الإيمان واليقين والشجاعة ، وخوارق الأفعال والأخلاق ، ما يحير العقول والألباب ، ويعجز عن تفسيره أهل البصائر والعقلاء .
ويموت هذا الشقي ، فيجئ أبنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، ويسأل أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه ، فيعطيه ، ثم يسأله أن يصلي عليه ، فقام رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، ليصلي ، فقام عمر ، فأخذ بثوب رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : يا رسول الله !! تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه ؟!
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : ( إنما خيرني الله فقال : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) (التوبة: من الآية80) وسأزيد على السبعين ) .
قال عمر : إنه منافق !!
فصلى عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، وصلى معه المسلمون ، فأنزل الله عليه قوله ( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ )(التوبة: من الآية84) .
· يأتي إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم ) متخلفون من المنافقين الذين أساؤوا وتركوا الغزو ، وخالفوا أمره وعصوا الله ، فيقول أحدهم : يا رسول الله ، إني مريض !
قال : ( صدقت ) ، وهو ليس مريضاً في جسمه ، لكنه مريض القلب .
ويأتيه الثاني فيقول له : امرأتي مرضت في الغزوة !
فقال : ( صدقت ) .
ويأتيه الثالث يقول له : فقير ما استطعت أن اشتري جملاً .
فيقول له الرسول (صلى الله عليه وسلم ) : ( صدقت ) فيقول تعالى : (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (التوبة:43) .
فماذا أحدث (صلى الله عليه وسلم ) ، بهذا الخلق ؟
جمع القلوب بدعوته ، وألف بين الأرواح بحكمته ، أتاه أحدهم فقال له : والذي لا إله إلا هو إنك أحب إلى من نفسي !!
وقال الثاني : والله ، ما ملأت عيني منه إجلالاً له والله لو سألتموني أن أصفه لكم ، ما استطعت أن أصفه.
والله كانوا يتمنون أن تسيل دماؤهم ، وتندق أعناقهم ، ولا يشاك رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) بشوكة .. هذا هو الحب !
الاجتمــاع
إننا نختلف عن سائر الأمم ، فلم نجتمع على حب الوطن ! فالوطنية ليست هي التي جمعتنا ، فإن أوطاننا هي كل بلاد المسلمين ، وأينما ذكر اسم الله في بلد كان هذا البلد وطناً لكل المسلمين .
ولم نجتمع كذلك على دم ، فإن الدم دعوة أرضية لم ينزلها الله في كتابه .
ولم نجتمع على لغة ، فإن اللغات شتى .
ولكن اجتمعنا على عقيدة ، وعلى مبدأ أتى به محمد (صلى الله عليه وسلم ) : ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) .
هذا المبدأ العظيم ، جعلنا نتآخى ونجتمع بعد فرقة وشتات .
إن كـيـد مـطـرف الإخـــاء فـإنـنـا نـغـذو ونـسـري في إخـاء تـالـد
أو يـخـتـلـف مـاء الـغـام فـمـاؤنـا عذب تـحـدر مـن غـمـام واحــد
أو يـخـتـلـف نـسـب يـؤلـف بـيـننا ديـن أقــمـنـا مـقــام الـوالــد
فكلما حدثت جفوة ، أو حصل هجر ، عدنا إلى الدين ، وتذكرنا أننا نصلى الصلوات الخمس ، وأننا نتجه إلى قبلة واحدة ، ونتبع رسولاً واحداً ، ونعبد ربا واحداً ، ومعنا كتاب واحد ، وسنة واحدة ، فلله الحمد .
إن ما يجري بين الأحبة من خلاف ـ أحياناً ـ لا يفسد للود قضية ولا يغير ما في النفوس ، فإن الله يقول : ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ) (الأنعام: من الآية112) ، فإنه ـ بمشيئة الله يحدث مثل هذا ، وفي ذلك المصالح العظيمة ما الله به عليم .
يقول المتنبي
لـعـل عـتـبـك مـحـمـود عـواقـبـه وربـمـا صـحـت الأجـسـاد بـالعـلـل
ولعلنا نكره شيئاً فيه خير كثير ، ونحب شيئاً فيه شر كثير .
ولله الحكمة البالغة .
لا تــدبـر لــك أمـــراً فـأولــو التـدبـيـر هــلــكـى
وارض بـالله حــكـيـمــاً نـحـن أولـى بـك مــنـكـــا
فلا تكره من أمر الله شيئاً ( ورب ضارة نافعة ) .
فأحياناً تحدث أمور يكون فيها المصالح العظيمة التي لا يدركها البشر بعقولهم ، ولا بتخطيطهم ، ولا بتصريفهم !
ومن هذه الأمور ما تكون قوة للإنسان ورفعة ، ومنزلة وحماية ، وكفارة ، ودرجة ، وكان يحسب هو أنها نقمة ، وأنها ضربة له ، وأنها كارثة ، فلله الحكمة البالغة .
ولابد للعبد أن يقول كلما أصبح وأمسى : ( رضيت بالله ربا وبالإسلام ديناً ، وبمحمد ، صلى الله عليه وسلم نبيا ) ، وذلك كما ورد في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم ) : ( من قال إذا أصبح وإذا أمسى : رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبياً إلا كان حقاً على الله أن يرضيه ) .
فإنه ليس بيننا وبين أحد من الناس شجار لأسباب دنيوية ، ولا لذواتنا ، ولا لأنفسنا ، فإن العبد عليه أن يسعى لمصلحة هذا الدين ولمصلحة الأمة ، والبلاد والعباد ، وأن يسعى لجمع الصف ، ونبذ الفرقة ودرء الفتن عن الأمة حتى تكون الأمة تحت مظلة : ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لأنفال:63) .
لا تدخلوا الجنة حتى تحابوا
إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً .
· روى البخاري : عن أنس رضي الله عنه ، أن النبي (صلى الله عليه وسلم ) قال : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) .
في هذا الحديث مسائل :
أولاً : محبة المؤمن لإخوانه المؤمنين تنقسم إلى شقين :
الشق الأول : التخلي .
الثاني : التحلي .
التخلي من الأخلاق السيئة التي تؤذي المؤمنين ، ولذلك ثبت عنه (صلى الله عليه وسلم ) في مسند الإمام أحمد أنه قال : ( ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم أبداً : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم الجماعة ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ) .
فهذه الثلاث لابد منها ، وهي تسمى التخلي ، أي : التخلي عن الأخلاق السيئة .
أما التحلي ، فهو : واجب المسلم على المسلم ، وهي أمور كثيرة تربو على العشرين ، وربما يجمعها بعض المحاور :
الأول : النصيحة ، فإن من واجب المؤمن على أخيه المؤمن : أن ينصح له ، والذي لا ينصح للمسلمين ، ولا ينصح للمؤمنين فهو خائن غاش غادر لله ولرسوله وللمؤمنين ، سيحاسبه الله سبحانه وتعالى على عمله السيء والخبيث .
والذي يحمل ضغينة على المؤمنين ، لأمر من أمور الدنيا ، أو لأمر لا يتعلق بهذا الدين ، ففيه شعبة من شعب النفاق ، ولذلك يقول جرير بن عبد الله البجلي وفدت على رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، فلما رآني قال قبل أن أدخل المسجد : ( يدخل من هذا الباب رجل من خير ذي يمن على وجهه مسحة ملك ) ، ( لأن جرير ابن عبد الله من أجمل هذه الأمة فهو يوسف هذه الأمة ) .
فلما دخل قال له (صلى الله عليه وسلم ) : ( يا جرير ما ذكر لي أحد إلا كان أقل ممن ذكر لي ، إلا أنت فكنت أرفع ممن ذكر لي ) فأخذه (صلى الله عليه وسلم ) بيده إلى بيته ثم وضع له مخدة يجلس عليها .
فرفضها تواضعاً لله سبحانه وتعالى .
فتعجب (صلى الله عليه وسلم ) منه ووضع أصبعه في بطن جرير وقال : ( أشهد أنك من الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ) ثم دعاه النبي (صلى الله عليه وسلم ) أن يمد يده ، ليبايعه ، فبايعه (صلى الله عليه وسلم ) على أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم .
قال جرير : فو الله ما زلت أنصح لكل مسلم حتى ألقى الله .
ولذلك كان إذا بايع رجلاً يقول : السلعة التي اشتريت منك أحب إلى من الدراهم التي دفعت إليك ، وقد بايعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) على النصح لكل مسلم ، فإن كنت تريد الإقامة أقلتك ، حتى لا يغش أبداً .
وفي الحديث أن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) قال:( الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، الدين النصيحة )
قلنا : لمن يا رسول الله ؟
قال : ( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) .
هذا حديث صحيح وهو أصل من أصول هذا الدين .
الثاني : التودد والألفة للناس ، وللمؤمنين خاصة ، يقول (صلى الله عليه وسلم ) : ( ألا أخبركم بأحبكم إلى وأقربكم مني مجلساً يم القيامة ) .
فسكت القوم فأعادها مرتين أو ثلاثاً ، قال القوم : نعم يا رسول الله .
قال : ( أحسنكم خلقاً ) .
وفي رواية : ( أن أحبكم إلى أحسنكم أخلاقاً ، الموطؤون أكنافاً ن الذين يألفون ويؤلفون ) ، أي يألفهم الناس ويألفون الناس .
فالمقصود : المؤمنين ليس إلا ، أما المنافق فله أمر آخر ، كذلك الكافر .
ولذلك يقول سبحانه وتعالى في سورة الأنفال : ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لأنفال:63) .
وورد عند ابن جرير في تفسيره أن الأوس والخزرج كادوا أن يتقاتلوا في مجلس من المجالس ، بعد أن أحيا أحد اليهود الخبثاء العداوة بينهم من جديد ، وذلك بتذكيرهم بأيام الجاهلية ، ومعاركهم الأولى .. فثارت القبيلتان .
فسمع بذلك (صلى الله عليه وسلم ) .. فخرج إليهم مسرعاً حتى هدأ الثائرة وسكنهم .. إلى أن تآلفوا من جديد .
فنزل قوله تعالى : ( وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران: من الآية103) فأمرهم سبحانه وتعالى بأن يذكروا هذه النعمة بعد أن كانوا متحاسدين متحاقدين متقاتلين متباغضين ، فرجعوا إلى المدينة والرسول (صلى الله عليه وسلم ) معهم .
وقام (صلى الله عليه وسلم ) وألقى خطبة على المنبر ، ودعا بقية الأوس والخزرج ، وأخبرهم بهذه النعمة فعاد الإخاء بينهم .
الثالث : من واجب المؤمن على المؤمن : العفو والصفح .
يقول سبحانه وتعالى : ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (آل عمران : من الآية134) ، وهذه من أعظم الآيات في الأخلاق ، ومن أراد أن يتعلم الأخلاق فليفهم هذه الآية ن وليعي هذه الآية ، وليعمل بمقتضى هذه الآية .
كان عمر رضي الله عنه ، يستشير بعض الصحابة فيما يعرض له من أمور .. وكان منهم الحر بن قيس الذي كان من العقلاء .
ولكن .. كان له ابن عم جاهل .ز أتى إليه يوماً ما فطلب منه أن يأذن له عند عمر .. فأذن له .
فدخل على عمر وقال : والله إنك لا تحكم بالعدل ولا تعطي الجزل .
فغضب عمر وأراد أن يبطش بهذا الرجل الذي أساء إليه رضي الله عنه .
فقال الحر بن قيس : يا أمير المؤمنين !! إن هذا من الجاهلين ، والله سبحانه وتعالى يقول : ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (آل عمران : من الآية134) .
فقال عمر : قد كظمت ، وقد عفوت ، وقد أحسنت .
قال ابن عباس ، رضي الله عنه : كان عمر وقافاً عند كتاب الله عز وجل .
وقد سطر السلف في هذه المواقف ن مواقف العفو والصفح أعظم الصور الرائعة التي تحفظ من الدهر .
ولذلك يروى عن عمر بن عبد العزيز أنه خرج ، رضي الله عنه ، وهو خليفة للمسلمين ، خرج وسك الليل يريد أن يصلي في مسجد بني أمية الجامع في دمشق ، وكان يخرج وحده في الليل يتفقد أمور الناس ، وربما صلى في المسجد ، وربما زار المقبرة ، وكان هو الخليفة الوحيد في تلك الفترة ، خليفة المسلمين رضي الله عنه ، من المغرب إلى نهر الصين شرقاً .
فلما دخل المسجد في الظلام ، وطئ رجل أحد النوام .
فقال : من هذا الحمار الذي وطئني !
فقال : عمر بن عبد العزيز :أنا عمر بن عبد العزيز وليست بحمار ، ثم صلى رضي الله عنه ، وانصرف!
فيقول العلماء : إنها من حسناته ؛ لأن أهل السلطان يغضبون على أدنى شيء ، وأما هذا رضي الله عنه ، فإنه عقب .
والعفو والصفح يأتي إما بدرية واكتساب ، يكتسبه الإنسان بالدرية وبالعلم ، وبالتدرج ن وبالرياضة ، ولذلك يقول (صلى الله عليه وسلم ) لأشج عبد القيس : ( إن فيك خصلتين يحبهما الله : الحلم والأناة ) .
فقال : اجبلي الله عليهما أم تخلقت بهما ؟
قال : ( بل جبلك الله عليهما ) .
قال : الحمد لله الذي جبلني على خلق يحبه الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم ) .
ومن أحلم الناس وأعظم الناس قيس بن عاصم المنقري ، فقد كان الرسول (صلى الله عليه وسلم ) يقول له: (أنت سيد أهل الوبر ) لأنه من أحلمهم .. فقد ضرب في الحلم والصفح أروع الأمثلة ، حتى إنه ما كان يغضب أبداَ .
جلس مرة من المرات وهو محتب .. فجاء ولد له فقال : قتل أخي .
قال : من قتله ؟
قال : ابن فلانة ـ امرأة كانت عندهم وجلست معهم ـ .
قال الأحنف بن قيس : فوالله ما حل قيس بن عاصم حبوته ولا تحرك ولا تغير .
فلما انتهى من الحديث قال : جهزوه وغسلوه ، ثم ائتوني به لأصلي عليه وأودعه ، وخذ مائة ناقة وأعطوها ذاك الولد لئلا يخاف .. وطمئنوا أمه لئلا تظن بنا شراً .. وعفا الله عما سلف !!
قال الأحنف بن قيس : منذ ذلك اليوم تعلمت الحلم .
ولذلك فالأحنف من بني تميم ـ قوم الأحنف ـ وقال لهم : هل رأيتم الأحنف غضب يوماً من الأيام ؟
قالوا : والله ما رأيناه غضب .
قال : فما لي إن أغضبته .
فوعده بشيء من المال .
فدعا رجلاً سفيهاً من سفهاء بني تميم وقال : خذ هذه الجائزة واذهب إلى الحنف بن قيس ولا تكلمه ، وإنما الطمه على وجهه ! فإذا سالك فقل إنني سمعت أنك تعرض لي وتسبني وتغتابني .
فذهب ، وإذا الأحنف بن قيس جالس في مجلس بني تميم ، فتقدم له ذاك السفيه فضربه على وجهه .
فقال الأحنف : ما لك ؟
قال : سمعت أنك تعرضت لي وشتمتني .
قال : من أرسلك ؟
قال : فلان بن فلان
قال : ماذا قال ؟
قال : قال لي : اذهب إلى سيد بني تميم فلان فاضربه .
قال : لست أنا بسيد بني تميم ، إن سيد بني تميم جارية بن قدامة .
فانطلق هذا السفيه فأتى جارية بن قدامة فضربه على وجهه .
فقام جارية بن قدامة ومعه سيف فضرب يد الرجل فأبانها له !
هذا نموذج للحلم أو الصفح الذي تمثل به أهل الجاهلية في جاهليتهم ، والذي زاده الإسلام قوة ومتانة ، ولذلك فأحلم الناس رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) .
دخل أبو سفيان بن حرب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) بعد تلك الأفاعيل ، وبعد أن أخرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، وحارب الرسول (صلى الله عليه وسلم ) وباع أملاكه في مكة فقال : فعلت يا رسول الله ، وفعلت ، فاعف عني .
قال : ( قد عفوت وقد حلمت وقد صفحت ) .
فدمعت عينا أبي سفيان وقال : لا إله إلا الله ما أرحمك ، ولا إله إلا الله ما أبرك ، ولا إله إلا الله ما أوصلك .
ولذلك قال (صلى الله عليه وسلم ) في فتح مكة : ( ما ترون أني فاعل بكم ؟ ) .
قالوا : خيراً أخ كريم وابن أخ كريم .
فقال : ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) .
هذه قضايا هذا الحديث وهو قوله (صلى الله عليه وسلم ): ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ...) وبقيت قضايا لفظية في هذا الحديث ، منها :
يقول (صلى الله عليه وسلم ) : ( لا يؤمن أحدكم ) ورد في لفظ : ( لا يؤمن أحد ) أي بدون إضافة ، وورد ( لا يؤمن عبد ) وورد ( لا يؤمن مسلم ) ، وأشملها : لا يؤمن أحد فهو أعمها في اللفظ وأكثرها فائدة .
ومعنى لا يؤمن : أي الإيمان الكامل ، أما أصل الإيمان فقد يحصل بدون أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك ، لكنه إيمان ضعيف وقليل .
( ما يحب لنفسه ) قال : كثير من العلماء : ما يحب لنفسه من خير الدنيا وخير الآخرة ، ولذلك أورد ابن القيم في ( الوابل الصيب ) مسألة الإيثار بالقربات وهل هي جائزة ؟ أم أنها مكروهة كما قال بعض العلماء .. وهي مثل أتن تترك الصف الأول في المسجد لآخر غيرك إيثاراً له وابن القيم يرجح جوازها .
والراجح ما ذهب إليه ابن القيم ، وهو جيد في بابه ، فإن الله سبحانه يثيب ويعطي على مقدار ما فعلت أنت وما تنازلت عنه في الأحقية من الثواب الذي آثرت به غيرك .
· روى البخاري : عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) قال : ( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ) .
في حديث أنس قال النبي (صلى الله عليه وسلم ) : ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) .
هذان الحديثان فيهما قضايا :
القضية الأولى : ما هي لوازم حب الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ؟
قال العلماء : لوازم (صلى الله عليه وسلم ) حبه أربعة :
الأمر الأول : طاعته (صلى الله عليه وسلم ) فيما أمر ن واجتناب ما نهى عنه وزجر ، وتصديقه فيما أخبر وهذه من أصول أهل السنة والجماعة .
الأمر الثاني : كثرة الصلاة والسلام عليه ، فإنها من الحقوق المتوجبة على المسلم .
الأمر الثالث : توقيره وتقديره (صلى الله عليه وسلم ) .
الأمر الرابع : تقديم قوله على قول غيره .
هذا الإيجاز وإليكم البسط :
أما الأمر الأول : فهو طاعته ؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ )(آل عمران: من الآية31) ، ولذلك أوصد الله أبواب الجنة إلا من محمد (صلى الله عليه وسلم ) ن فحرام أن يدخل داخل من أمته الجنة إلا من طريقه .
ولذلك من أراد أن يهتدي بغير هداه فقد ضل سواء السبيل .
والذي أعتقد محبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، ثم لم يعتقد طاعته فليس بصادق في حبه .
تـعـصـي الإلـه وأنـت تـزعـم حـبـه هـذا لـعـمـري فـي الـقـيـاس بـديـع
لـو كـان حـبـك صـادقـاً لـطـعـتـه إن الـمـحـب لـمـن يـحـب مـطـيـع
ولذلك كذب الله مقالة اليهود لما ادعوا المحبة ، يقول تبارك وتعالى : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) (المائدة: من الآية18) .
فقال الله سبحانه وتعالى : ( قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ) (المائدة: من الآية18) .
قال أبو سعيد الخراز لطلابه : ائتوني من القرآن بدليل على أن الحبيب لا يعذب حبيبه .
فسكت الطلاب .
قال : قوله سبحانه وتعالى : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ) (المائدة: من الآية18) ، فمفهوم الآية أن الحبيب لا يعذب حبيبه .
وإذا رأيت الإنسان يقول : أنا أحب الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، ثم بم يتقيد بالسنة ولم تظهر عليه معالم السنة ، فلا تقبل قوله ، وكذبه في الحال ؛ لأنه لم يطع النبي (صلى الله عليه وسلم ) إلا لعدم كمال الحب .
وأما الأمر الثاني : وهو كثرة الصلاة عليه ن فهذا أمر واجب ومسنون ، ففي مواقف هو واجب ن وفي مواقف هو مسنون .
أما واجبه ، ففي التشهد الأول على الصحيح ، وفي التشهد الثاني بالإجماع .
وأما المسنون فهو في ما سوى ذلك كخطبة الجمعة ، وبعضهم أوجبها فيها ، وكالمناسبات التي ذكرها ابن القيم ضمن ثلاثين مناسبة ذكرها في كتاب ( جلاء الإفهام ) .
وورد في الترمذي أن أبي بن كعب سيد القراء قال للنبي (صلى الله عليه وسلم ) : كم أجعل لك من صلاتي ـ أي دعائي ـ ؟
قال : ( ما شئت ) .
قال : أجعل لك الربع ؟
قال : ( ما شئت ، وإن زدت فهو خير لك ) .
قال : النصف ؟
قال : ( ما شئت فإن زدت فهو خير لك ) .
قال : الثلثين ؟
قال : ( ما شئت ، وإن زدت فهو خير لك ) .
قال : اجعل لك صلاتي كلها .
فقال (صلى الله عليه وسلم ) : ( إذن يغفر لك ذنبك وتكفى همك ) .
فكان أبي رضي الله عنه ، يجعل الدعاء الذي يدعوه لنفسه ولأولاده يجعله خالصاً كله للرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، فلذلك كفاه الله همه ، وغفر ذنبه بهذا العمل العظيم الذي قدمه للرسول (صلى الله عليه وسلم ) .
فالفضل في حياة المسلم : أن يكثر دائماً وأبداً من الصلاة والسلام على الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، ذكر ابن القيم من الواضع التي يصلى ويسلم عليه فيها : دخول المسجد ، والخروج منه ، والتشهد ، ورؤية المساجد ، ودخول الأسواق ، ودخول البيت ، والخروج منه ونسيان الحاجة ، وفي وقت الفقر ، وفي وقت البداية في العلم ، وفي البداية في الخطب ، والانتهاء من مجالس العلم وفي لقاء الإخوان والأحباب ، وفي موادعتهم ومفارقتهم ، وفي مدارسة الحديث النبوي ، وعند تذكره (صلى الله عليه وسلم ) ، وعند ذكر أصحابه ، وعند ذكر شيء من أمره ، وعند دخول المدينة ، وعند المرور على قبره (صلى الله عليه وسلم ) .
إلى تلك الواضع العظيمة التي من حفظها وحافظ عليها أعظم الله مثوبته ، ورفع درجته ، فإن الله سبحانه وتعالى يعطي العطاء الجم ، خاصة إذا كان المحب عظيماً عنده سبحانه وتعالى ، وهو الذي أوصل لنا الهداية وعرفنا بربه تبارك وتعالى وأرشدنا أعظم الإرشاد ، وهدانا أفضل الهداية (صلى الله عليه وسلم ) دائماً وأبداً ما ذكره الذاكرون وغفل عنه الغافلون .
أما اللازم الثالث لحبه (صلى الله عليه وسلم ) فهو : توقيره .
وخير من وقره وعظمه التعظيم الشرعي .. هم الصحابة ، رضوان الله عليهم لأنهم عرفوا قدره (صلى الله عليه وسلم ) .
يؤثر عن أبي بكر رضي الله عنه ، أنه كلما سمع رجلاً يقول له : السلام عليكم يا خليفة رسول الله .. بكى.
لماذا ؟ لأنه يتذكر الرسول (صلى الله عليه وسلم ) .
ويؤثر عنه أنه إذا صعد المنبر يوم الجمعة ، وذكر الرسول (صلى الله عليه وسلم ) يبكي ، رضي الله عنه ، وربما يكاد يغشى عليه .
فأبو بكر ، رضى الله عنه ، أكثر الناس إجلالاً لرسول الله (صلى الله عليه وسلم ) .
أما عمر ، رضي الله عنه ، فقد ورد في السيرة ، وفي التراجم ، أنه خرج الجمعة يصلي بالناس ، فلبس بردته البيضاء ، فلما مر بميزاب العباس بن عبد المطلب أنهل عليه دم من الميزاب فأصاب بردته ؛ لأن العباس كان قد ذبح دجاجاً ذلك اليوم .
فقلع عمر الميزاب بدرته ، ثم صلى بالناس .
فقال العباس : من أزال الميزاب ؟
قال العباس : والله الذي لا إله إلا هو ما وضعه في ذاك المكان إلا رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) .
فبكى عمر ، وهو واقف مع الصحابة .
فقال للعباس : والله لا يعيده إلا أنت ، ووالله لا تعيده إلا على ظهري ! فأعاده رضي الله عنه .
ويذكر عن سعيد بن المسيب أنه كان في مرض الموت ، فسأله سائل عن معنى حديث .
فقال : اسندوني .
فقالوا : يشق عليك ذلك .
قال : والله لا أسال عن حديث من حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) وأنا مضطجع !
والأمثلة من توقير السلف لرسول الله (صلى الله عليه وسلم ) كثيرة .
الأمر الرابع من لزوم الحب : تقديم قوله (صلى الله عليه وسلم ) على قول غيره .
أن ابن عمر رضي الله عنه قال : يقول رسـول الله (صلى الله عليه وسلم ) : ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ) .
فقام ولده بلال ، وكان عنده زوجة ، وقال : والله لنمنعهن لا يتخذن المساجد دغلاً .
فسبه ابن عمر ، وشتمه ، وقال : والله لا أكلمك .
فلم يكلمه حتى مات !
فهذه مسألة ينبغي أن يتنبه إليها ، خاصة فيمن يطلب العلم ، فإنه ينبغي أن يعول على الدليل ، فعلم ليس فيه دليل ، إنما هو إنشاء وتعبير ، وإنما هو مجرد كلام .
يقول ابن تيمية : على طالب العلم أن يسند كلامه إلى دليل من المعصوم (صلى الله عليه وسلم ) ، وأن يعتصم به ، فإذا استقر في ذهنه أن هذا الكلام لرسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، وأن هذا المراد من كلامه (صلى الله عليه وسلم ) ، فلا ينبغي أن يعول على كلام غيره مهما كان .
· أسباب محبته (صلى الله عليه وسلم ) :
أما أسباب حبه (صلى الله عليه وسلم ) فإنها أربعة أمور :
الأول : تذكر منة الله عز وجل على الناس بإرساله ، ولولا أن الله أرسله لنا .. لما كنا شيئاً ، ولما كانت لنا قيمة أبداً .
يقول الشاعر :
بـشـرى مـعـشـر الإسـلام إن لـنـا مـن الـعـنـايـة ركـنـاً غـيـر مـنـهـدم
لـمـا دعـا داعـــيـة لـطـاعـتـه بـأكـرم الـرســـل كـنـا أكــرم الأمـم
فأكرم الأنبياء هو محمد (صلى الله عليه وسلم ) ، وأكرم الأمم أمته (صلى الله عليه وسلم ) .
الثاني : استقراء صفات الخير فيه (صلى الله عليه وسلم ) ، والتفكر في مواهبه (صلى الله عليه وسلم ) التي لم يشاركه فيها أحد من البشر ، بقراءة كتاب الله ، والسنة النبوية ، وقراءة سيرته (صلى الله عليه وسلم ) .. وهذه الخصال : كالصبر والحلم والشجاعة والتواضع ..الخ خصال الخير .
الثالث : النظر في يسره ورحمته وشفقته بالأمة .. في الوضوء ، وفي الصلاة ، وفي الزكاة ، وفي جميع الأبواب الفقهية ، قال تعالى : ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة:128) .
الرابع : أن تعلم أن مقام العبودية لله لا يتم إلا بمحبته (صلى الله عليه وسلم ) والاهتداء بهديه ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة) (الأحزاب: من الآية21) .
والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
مـواد إلزامـية
إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد ..
فيا أيها الناس !! لما ارتحل (صلى الله عليه وسلم ) من مكة إلى المدينة قام بإنجازين عظيمين :
الإنجاز الأول : بناء المسجد للصلاة .
والإنجاز الثاني : توحيد القلوب .
فلما بنى مسجده (صلى الله عليه وسلم ) أسسه على التقوى ، ولما ألف بين القـلوب ألف بينها على التقوى ( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (التوبة:109) .
اجتمع الناس قبله (صلى الله عليه وسلم ) وبعده على روابط :
فمنهم من جعل رابطة الدم هي الرابطة الوحيدة التي تجمع الناس .
ومنهم من رضي بالون ، فمايز بين الأبيض والأحمر والأسود .
ومنهم من رضي بالوطن ، فعشق الوطن ، وعبد الوطن وتغزل بالوطن ، وقبل تراب الوطن .
فأما محمد (صلى الله عليه وسلم ) فأتى برابطة لا تفصم ، ورابطة لا تقطع ، ورابطة لا تموت ، ورابطة لا تمرض ، لأنها نزلت من عند الذي على العرش استوى .
والله هو الذي ألف ، وهو الذي أنزل .
فأول الرابطة ، وأول الحبل عند الله ، وآخر الحبل في قلوب المؤمنين فامتن الله عليهم بقوله ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لأنفال:63) ، فله الحمد وله الشكر أن آخى بين هذه الأمة وألف بين قلوبها .
ومن مميزات هذه الرابطة ، أن التفاضل فيها بتقوى الواحد الأحد ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات: من الآية13) .
فيتساقط أبو جهل ، وأبو لهب ، والوليد بن المغيرة وهم من أشرف أسر مكة، ومن أشرف بيوتات العرب .
ويثبت بلال الحبشي ، وسلمان الفارسي ، وصهيب الرومي ؛ لأن الرابطة (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات: من الآية13) .
وهذه الرابطة تصل الدنيا بالآخرة ، فهي ليست رابطة أرضية ، ولا اشتراكية ، ولا شيوعية ، ولا قومية ، ولا بعثية ، ولا ناصرية ، حدودها القبر ثم تنتهي .
أما رابطتنا فقبل القبر ، وفي القبر ، وبعد القبر ، وعلى الصراط ، حتى نصل إلى الله .
في كـفـك الشـهـم من حـبل الهـدى طـرف عـلـى الصـراط وفـي أرواحــنـا طـرف
سـعـد وسـلمـان والقـعـقـاع قـد عـبروا إيـاك نـعـبـد مـن سـلـسالهـا رشـفـوا
فهي رابطتنا التي تصلنا بالله .
وفي الحديث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : ( يقول الله عز وجل يوم القيامة : أين المتحابون بجلالي ؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي ) .
أين أهل القلوب المتعانقة والأرواح المتآخية ؟ اليوم جزاؤهم وثوابهم أن يظلوا في ظل الله يوم لا ظل للكيانات ، ولا الأنظمة الوضعية ، فهذه ميزة للرابطة .
أيضاً هي رابطة ذات مقتضيات ومتطلبات ، القيام بها واجب ، وتركها حرام منكر .
والذي أتى بهذه الواجبات هو محمد (صلى الله عليه وسلم ) .
من أبرزها : مولاة المؤمنين ومعاداة الكافرين (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)(الزخرف:67)
وعن ابن عمر موقوفاً عليه : قال والذي نفسي بيده لو أنفقت أموالي غلقاً غلَقاً في سبيل الله ، وصمت النهار لا افطره ، وقمت الليل لا أنامه ، ثم لقيت الله لا أحب أهل الطاعة ولا أبغض أهل المعصية لخشيت أن يكبني الله على وجهي في النار .
وقال (صلى الله عليه وسلم ) : ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ) .
منها : ( وأن تحب المرء لا تحبه إلا لله ) لا لجنسه ، ولا لأسرته ، ولا لنسبه ، ولا لماله ، لكن لأنه عبد الله ، ولأنه قريب من الله .
وقد ذكر شيخ الإسلام ، رحمة الله ، في كلامه عن الولاء والبراء والحب والبغض أن هذا الحب نسبي يتجزأ .
وأنك تحب هذا الرجل بمقدار قربه من الله ، وتبغضه بقدر ما فيه من معصية .
فقد يجتمع في الشخص الواحد حب وبغض : تحبه لأنه طائع ، وتبغضه لأنه عاصي ( قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) (الطلاق: من الآية3) .
ولا يجوز الإسراف في البغض ولا في الحب وهذا منهج متطرف لا يرضاه الله .
والناس اليوم وللأسف يعتنقونه أو الكثير منهم الآن ، حتى في صفوف طلبة العلم والدعاة ن فإنه عن رضي عن شخص نسي سيئاته ، وإن غضب على شخص ترك حسناته ونسيها ، وهذا خطأ .
يقول (صلى الله عليه وسلم ) : ( أحبب حبيبك هوناً ما ، فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما وأبغض بغيضك هوناً ما فعسى أن يكون حبيبك يوماً ما ) .
فلا بد منه في الحب ( فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ) (البقرة: من الآية213) .
وجعل الله عز وجل ، ميزاناً للإخاء ، وميزاناً للحكم ، وميزاناً للعدل بين الناس في مبدأ الجرح والتعديل .
فقال في العدو : ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: من الآية8) .
وقال في القريب : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) (النساء: من الآية135) .
فالقريب القريب ، لا تحملك قرابته لك أن تنسى سيئاته ، والبعيد البعيد لا تحملك عـداوتك له أن تنسى حسناته ، بل العدل هو المطلوب ، وهو الميزان الذي أنزله الله لأفكار الناس ، ومعتقدات الناس ، وحكم الناس وأنزل معه السيف .
واعلموا ، حفظكم الله ، أن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) أقام مدرسة الإخاء وكان يستعذبها هو وأصحابه.
فهي أخوة الإيمان .
ولما أراد (صلى الله عليه وسلم ) أن يتزوج عائشة ، قال أبو بكر : يا رسول الله كيف تتزوجها وأنت أخي؟
لأن أبا بكر ظن أن الأخوة أخوة نسب .
لقد قام (صلى الله عليه وسلم ) بهذه المدرسة فصار الأخ روح أخيه ، وصاروا أعظم مما قال الشاعر :
قـال لـي الـمحــبـوب لـمـا زرتـه مـن بـبـابـي قـلـت بـالـبـاب أنـا
قـال لـي أخـطـأت تـعـريف الهـوى حـيـنـمـا فـرقـت فـيـه بـيـنـنـا
ومـضـى عــام فـلـمـا جــئـتـه أطـرق الـبـاب عــلـيـه مـوهـنـا
قـال لـي مـن أنـت قـلـت انـظـر فما ثــم إلا أنـت بـالـبــاب هــــنـا
قـال لـي أحـسـنـت تـعـريف الهـوى وعـرفـت الـحــب فـادخـل يـا أنـا
وهذه ليست وحدة الصوفية ، إنما هي وحدة الإيمان ، بأن يكون أخاك في مظهرك ومخبرك ، فتذب عنه ، وتحبه ، وتدافع عنه ، وتعيش آلامه وتعيش طموحاته .
أما مواد المدرسة فهي :
أولاً : توحيد المنهج ، فلم يجمع (صلى الله عليه وسلم ) المتردية والنطيحة وما أكل السبع ، ولم يرض (صلى الله عليه وسلم ) أن يدخل قبائل العرب بالعصا ، أو أن يجمع بينهم برابطة اقتصادية ، أو أدبية ، أو فكرية ، أو ح-، أو طموح ، أو أرض .
لا بل اختار ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5)، ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ( الكافرون:1ـ 6) .
فلا تلفيق ولا ترقيع ، إنما هو صفاء .
فهو يعلمهم (صلى الله عليه وسلم ) بمنهجه ، ثم يجمعهم ولا يهمه بعد ذلك الكثرة .
لأن بعض الناس يجمع ويقول : لا تأتي بالأمور الأساسية لأنها تفوق الجمع ، وإنما : أجمع اجمع .
وهؤلاء غثاء كغثاء السيل .
لكن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) بدأ يبني مجتمعه لبنة لبنَة .
فزيد مولى ، أبو بكر حر ، وعلى صبي ، وخديجة امرأة ، فبنى منهم لبنات الرجل والموالي والصبيان والنساء حتى اكتمل البناء ، فصار ( يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار)(الفتح: من الآية29).
أما التجميع على غير النهج الرباني ، فرأيناه في بعض الجهات التي جمع الناس فيها على مذاهب وضعية ، أو على نحل أرضية ، أو على مناهج منحرفة .. ورأينا كيف تبددوا وكيف لم يتقدموا .
مسلمة الفتح ما تلقوا تربية كتربية أبي بكر وعمر ، ولا تلقوا تعاليم كتعاليم أبي بكر وعمر ولذلك هم أول من فر في حنين .
يقول أبو سفيان : والله لا يردنا اليوم إلا البحر ؟؟
ويقول صفوان بن أمية : الآن بطل السحر !
أما أبو بكر وعمر فصمدا في أحلك المواقف ، وإلى آخر لحظاتهم وأنفاسهم ، رضوان الله عليهم ، لأن البناء كان وثيقاً ضخماً وكان مبنياً على تقوى من الله .
الثاني : تطبيق قوله تعالى : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ )(الحشر: من الآية9) .
يأتي سعد بن الريع فيقول لأخيه المهاجري ( ابن عوف ) : عندي هذا المال وهذا البيت ، وعندي زوجتان، أقاسمك المال وأطلق إحدى زوجاتي لتتزوجها .
قال عبد الرحمن : بارك الله لك في مالك وأهلك ، ولكن دلني على السوق .
فأي إخاء بعد هذا الإخاء ؟
ولذلك لما حدث التجمع من الأنصار ، بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، وذهب إليهم أبو بكر ، وعمر وأبو عبيدة ، بين أبو بكر لهم مدى هذا الإخاء الذي قدموه في بداية الهجرة ، فقال : يا أيها الأنصار جزاكم الله عنا خيراً ، واسيتم وكفيتم ، وآويتم ونصرتم ، والله يا معشر الأنصار ، ما مثلنا ، إلا كما قال طفيل الغنوي في بني جعفر :
جـزى الله عـنـا جـعـفـرا حـيـث أشـرفـت بـنـا نـعـلـنـا في الشـارفـيـن فـزلـت
هـم خـلـطـــونـا بـالـنـفـوس وألـجـأوا إلـى غـــرفــات أدفــات واظـــلـت
أبـوا أن يـمــلــــونـا ولـو أن أمــنـا تـلاقـي الـذي يـلـقـون مـنـا لـمـلـت
أي إخاء هذا ؟ الأم تمل إلا الاخوة ، فهم لا يملون ، لكن على مذهب المهاجرين والأنصار .
ويستمر هذا الإخاء عطراً أو يزداد دائماً ، ويشده (صلى الله عليه وسلم ) شداً عظيماً فيأتي هذا الإخاء بأكمله وثماره لآخر لحظة من لحظات المجاهدين في اليرموك .
يصاب أربعة منهم خالد بن الوليد ، فيأتي بماء بارد لأحدهم ( الحارث بن هشام ) فيرفض أن يشرب قبل (عكرمة بن أبي جهل ) .
فيدفع الماء لعكرمة ، فإذا رجل من المسلمين يتأوه ، فيأبي عكرمة أن يشرب .
فيعاد الماء للأصل ، فيجدونه قد مات ، وإلى الثاني ، فإذا هو قد مات ، وهكذا الثالث .
فيأخذ خالد الماء ويرمي به ويقول : اللهم اسقهم من جنتك يا رب العالمين : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ )(الحشر: من الآية9) .
وابن القيم له كلام لطيف في ( مدارج السالكين ) في درجات البذل والإيثار ، حيث ذكر من ذلك أنواعاً منها : أن منهم من يجود بالنوم لأخيه .
يعني يساهر ويسامر ضيفه فيجود بنوم مقلتيه .
حتى يمدحه الأول فيقول :
مـتـيـم بـالـنـدى لـو قـال قـائـلـه هـب لـي فـديـت كـرى عـيـنـيك لـم يـنـم
ونحن نعيش الآن عودة إلى الله مباركة ، ورجعة في جانب الشباب لكن مادة الإيثار ليست بالراسخة عندنا.
بل أصبحت الفتيا إذا عرضت في المجلس تسابق عليها الشباب ، وطلبة العلم أيهم يقحم نفسه ، ليكون مستأثراً بها ، لكن بمغرم لا بمغنم !
يقول أحد التابعين ، وهو يرى شباب التابعين يتدافعون للفتيا : والله الذي لا إله إلا هو ، إنكم لتتسابقون على مسائل من الفتيا لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر .
ويستأثر أحدهم بالطريق ، وصدر الدابة ، والمرتبة الأولى في السيارة والاحتفاء ن والعناق ، والتقديم ، والدخول ، والخروج ليكون رئيساً للناس .
وهذا هو حب الصدارة وحب الإمرة وشهوة الظهور .
وهذا مرض نشكو إلى الله منه ، وعسى الله أن يشافينا منه .
وهناك مادة أخرى قررها (صلى الله عليه وسلم ) في مدرسته هي مادة ( البذل ) بين الاخوة .
في حديث صحيح أن الله سبحانه وتعالى يقول : ( وجبت محبتي للمتباذلين في والمتزاورين في ) .
أي : الذي يعطي أحدهم أخاه ويجود عليه بما يسره الله .
وفي حديث صحيح عند أبي داود أن النبي (صلى الله عليه وسلم ) قال : ( من أحب لله وأبغض لله ، وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان ) أو كما قال (صلى الله عليه وسلم ) .
وكانت هذه المادة مقررة عند العرب قبل الإسلام ، لكنها كانت غير مهذبة ولا محتسبة للأجر من الله .
بنفق حاتم الطائي بكثرة .. لكنه ينفق رياء وسمعة .
ويضيف عبد الله بن جدعان بكثرة .. ولكنه يضيف رياء وسمعة .
قالت عائشة : يا رسول الله ، أينفع ابن جدعان إنفاقه ؟
قال : ( لا ، إنه لم يقل يوماً من الدهر : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ) .
وقال عدي بن حاتم : يا رسول الله ، إن أبي كان يقري الضيف ويحمل الكل ويعين على نوائب الدهر فهل ينفعه ذلك عند الله ؟
قال : ( لا إن أباك طلب شيئاً فأصابه ).
أي : طلب الذكر .
ولذلك لا زال يذكر في المدن والقرى والبوادي .
قال عبد الملك بن مروان لوزرائه وهم في سمر : من تريدون أن يكون أبيكم من العرب ؟
قالوا كلهم : لا نريد إلا آباءنا !
قال : أما أنا فليت أبي عروة بن الورد ، الذي يقول :
أتـهـزأ مـنـي أن سـمـنـت وأن تـرى بـوجـهـي شـحـوب الـحـق والحـق جـاهد
يقول : أتضحك مني لأنك سمين وأنا نحيف .
فهل علمت سبب نحافتي ؟ .. اسمع إذا :
أوزع جـسـمـي فـي جـسـوم كـثـيـرة وأحــســو قـراح الـمـاء والـمـاء بـارد
يقول : أنت تأكل ما يكفي ستة ، وأنا آكل القليل لأني أكرم بالباقي الناس .
ثم يقول :
فـإنـي أمـرؤ عـافـي إنـائـي شـركــة وأنـت امـــرؤ عـافـي إنـائـك واحـــد
يقول : أنا دائماً على صحني ضيوف ، وأما أنت فليس على صحنط إلا نفسك فقط .
فأتى (صلى الله عليه وسلم ) بمادة البذل فأدخلها في مدرسته ، لكن بتهذيب واحتساب فجعل البذل لله والإنفاق له .
فأتى الصحابة بعده بالعجائب في ذلك ، فطموا على حاتم وعلى عروة بن الورد .
يأتي أبو بكر بماله كله ، فيجعله فيد الرسول (صلى الله عليه وسلم ) .
ويشتري عثمان بئر رومة ، ويجعلها للمسلمين .
ويأتي سعد بن عبادة ، فينحر في غداة واحدة مائة ناقة ، حتى تشبع الصقور ، والوحوش الكواسر من أجل أن يشبع الرسول (صلى الله عليه وسلم ) .
فجزى الله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عنا خير الجزاء في تعليمه البذل والعطاء .
وجزى الله تلكم الثلة الرائدة والنخبة المصطفاة خـير ما جزى أصحاب نبي عن نبيهم (صلى الله عليه وسلم ) .
أما حقوق الإخاء : فإن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ذكرها في أحاديث منها :
1- شعبة التناصح .
2- شعبة إجابة الدعوة .
3- شعبة رد السلام .
4- شعبة تشميت العاطس .
5- شعبة عيادة المريض .
6- شعبة تشييع الجنازة
7- شعبة الدعاء بظهر الغيب .
وقد ذكرت هذه الحقوق التي يطالب بها المسلمون مع بعضهم البعض فيما سبق .
فنسأل الله أن يصلح منا الظاهر والباطن ، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجـتنابه : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران:103) .
أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية ، وأسأله أن يجمع شملنا ويوحد كلمتنا ، يتولانا بعين رعايته ، وأن يحفظنا وإياكم من كل مكروه .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
الحياء كـله خـير
إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا ً .
أما بعد ..
يقول الإمام البخاري رحمة الله تعالى : ( باب ) الحياء من الإيمان .
ثم يروى : عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( دعه فإن الحياء من الإيمان ) .
معنى الحديث : أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) مر على رجل يؤنب أخاه في الحياء ويقول : قد أضر بك الحياء ، وقد استحييت حتى تركت حقوقك ، وتركن ما ينبغي لك ، وقد بالغت في الحياء كثيراً .
وهو قد يفهم على وجه آخر خاطئ ، أي : أنه يعظه ليستحيي ، أي يقول له : استحي من الله عز وجل .
وهذا فهم مقلوب ، بل الفهم الذي صرح به أهل العلم أنه يقول : إنك أصبحـت تستحي حتى أضر بك الحياء .
والإمام البخاري رحمه الله ، أتى بهذا الحديث ليدلل على أن أعمال القلوب تدخل في مسمى الإيمان .
فهو يشن حرباً ضروساً على المرجئة الذين أخرجوا ذلك من الإيمان .
أما شرح الحديث فأقول : الحياء قسمان :
1- قسم ممدوح .
2- وقسم مذموم .
فأما الممدوح فهو ما حملك على الجميل من الأقوال والأفعال والأعمال ، وما ردك عن المنكر .
لأن بعض الناس يحمله إيمانه وحياؤه ، ألا يخل بالفريضة حياء من الله عز وجل .
وبعضهم يستحي من الله ، ثم من الناس أن يخل بالسنن ، كالنوافل وكالسنن الرواتب .
وبعض الناس يرتقي فيه إيمانه إلى أن يستحي من الله عز وجل ، ثم من الناس ، بعد أداء الفرائض والنوافل ، فيحافظ على آداب المرؤة .
فلا تراه مثلاً يأكل واقفاً في السوق ، ولا يمازح الناس في السوق ، ولا يأكل وهو يمشي ، ولا يرفع صوته ولا يمزح بمزح لا يليق بالمسلم ، فهذا حياء ، ولو أنه ليس بواجب عليه ، لكنه من الفضائل .
أما الحياء المذموم : فإنه ما رد صاحبه عن الخير كالعلم وجلسات الصالحين .
يقول مجاهد رحمه الله : لا يطلب العلم مستحٍ ولا مستكبر .
كان على بن الحسين زين العابدين رضي الله عنه وأرضاه يأتي إلى زيد بن أسلم وهو مولى ، فيجلس بين يديه يطلب العلم دون حياء .
فقال له التابعون يا علي !! كيف تجلس إلى هذا المولى وأنت سيد من السادات ؟
قال : السيد : من اتقى الله ، وإنما يجلس الإنسان إلى من يستفيد منه أو يفيده .
والحياء المذموم ، كذلك : إذا منعك من الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، فهذا قد يأثم بسبب ذلك .
أما تعريفات الحياء عند أهل السنة والجماعة ، فهي تعريفات كثيرة أبسط بعضها وبعضها أتركه اختصاراً .
قيل : الحياء : أن تذكر الذل والانكسار من عدم القيام بالحق ، وتذكر آلاء الله سبحانه وتعالى عليك فتقول : من أنا حتى أعطي هذا .
ولذلك يؤثر أن رجلاً أتى إلى مالك بن دينار رحمه الله ، فقال : يا مالك إنني تبت من المعاصي إلا معصية واحدة ؟
قال : ما هي ؟
قال : كبيرة من الكبائر .
قال : تب إلى الله واتركها .
قال : لا أستطيع .
قال : حاول .
قال : لا أستطيع .
قال : فسوف أعرض عليك أموراً .
قال : ما هي .
قال : : إذا أردت أن تفعل هذه المعصية ، فلا تعص الله في أرضه سبحانه وتعالى .
فقال العاصي : إلى أين أخرج ؟ الأرض أرض الله سبحانه وتعالى .
فقال : كيف تعصي الله على أرضه تبارك وتعالى ، أيدخلك داره ثم تعصيه في داره ؟
قال : ولا تأكل من طعامه ، ولا من شرابه ولا من رزقه .
قال : ومن أين آكل وأشرب ، والأكل من رزق الله ، والشراب من رزقه سبحانه وتعالى ؟
قال : كيف تستعين بنعمه على معاصيه .
قال : وإذا عصيته فلا تلقاه يوم القيامة .
فقال : لا أستطيع .
ثم قال : وإذا أردت أن تعصيه ، فاختبئ في مكان لا يراك فيه .
فقال الرجل : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأتوب إلى الله .
فتذكر الآلاء يجلب الحياء .
وقالوا : هو انقباض النفس خشية المكروه .
فيعض الناس يترك أعمال الشر لا ديناً منه ، ولكن حياءً من الناس وهذا محمود ، ولو أن من تركها مخافة من الله أحمد منه وأفضل .
ولذلك يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) .
قال أهل العلم : حديث ( إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) يحمل على معنيين :
1- أي إذا لم تستح من الله عز وجل وتخجل من مراقبته ، فما عليك أن تفعل الأشياء المخجلة لأنك ميت القلب .
2- أو إذا لم تستح من الشيء وعلمت أنه حلال وأنه مباح ، فافعله ، فإنه لا حرج عليك ، أما الأمر الذي يستحيا منه فلا تفعله .
وقيل في تعريف الحياء أنه : حفظ الجميل بترك القبيح .
وقيل : بل الحياء مراقبة القهار مخافة من النار وبعداً عن العار .
فإن لن يراقب الواحد القهار فهو لا يستحي منه سبحانه .
فإن لم يفعل ذلك فعليه أن يخاف من النار .
فإن لم يخف من النار ، فليحذر من العار في الدنيا ، لأن المعاصي تكسب صاحبها ذلة ووصمة لا يعلمها إلا الله .
ولذلك يقول سعيد بن المسبب رضي الله عنه وأرضاه : الناس في كنف الله وفي ستر الله ، فإذا شاء أن يفضح أحدهم أخرجه من كنفه ومن ستره .
والمفضوح : من فضحه الله وهو الذي يصاب بالخذلان لعدم إخلاص القصد والتوجه إلى الله عز وجل نسأل اله العافية .
حياء الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) :
والرسول ( صلى الله عليه وسلم ) هو قدوتنا وأسوتنا ، وقد جاء بالحياء المحـمود في أحواله وأقواله وأفعاله .
فواجب علينا : أن نحذوا حذوه كما قال سبحانه : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:21) .
يقول أبو سعيد رضي الله عنه ، كان ( صلى الله عليه وسلم ) أشد حياء من العذراء في خدرها .
ولا يظن بعض الناس أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قد يرى منكراً ، أو يرى حقاً لله يضيع فيستحي ويحجم عن النهي .
لا .. فالرسول ( صلى الله عليه وسلم ) إذا رأى حدود الله تنتهك غضب غضباً ، لا يقوم له أحد ( صلى الله عليه وسلم ) .
لكن حياءه ( صلى الله عليه وسلم ) ÷و : الحياء المحمود الممدوح ، فمثلاً يستحي أن يذكر بعض الألفاظ الصريحة في أمور يتحدث فيها الناس دون أن يحسبوا لكلماتهم وزناً ، كأمور الجماع وقضاء الحاجة ونحو ذلك ، فلذلك كانت ألفاظه شريفة منتقاة .
وكان ( صلى الله عليه وسلم ) ين-رأسه بعد الصلاة ، ولا ينظر كثيراً إلى أصحابه ، وربما نظر إلى بعضهم .
قال البراء بن عا-رضي الله عنه : كنا نصلي على يمين رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعله أن ينظر إلينا ، فيبتسم إلينا ، ونبتسم إليه .
ويقول أنس : كان ( صلى الله عليه وسلم ) يبقى في بيته إلى قرب صلاة العشاء أو كما قال .
فهو لا يخرج ( صلى الله عليه وسلم ) إلا وقت الإقامة ، فإذا اجتمع الناس خرج ( صلى الله عليه وسلم ) .
قال أنس : وكان عليه القوم في الصف الأول : أبو بكر ، وعمر ، فينظر إليهم ( صلى الله عليه وسلم ) ، وينظرون إليه وهو مقبل ، فيبتسم إليهم ويبتسمون إليه ، ثم تقام الصلاة .
وكان ( صلى الله عليه وسلم ) إذا فعل الإنسان خطأ ما .. لا يقوم على المنبر ويقول : أنت يا فلان فعلت كذا وكذا .. يشهر به أو يعلن توبيخه على الناس .
لا .. بل كان يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( ما بال أناس يفعلون كذا وكذا ) فيعرف المخطئ أنه أخطأ ، ويعرف العاصي أنه عصى فيعود بإذن الله ، ويتوب إلى الله عز وجل .
وورد عنه ( صلى الله عليه وسلم ) من حديث يعلي بن أمية قال : ( إن الله عز وجل حيي ستير يحب الحياء والستر ) وهذه الصفات نؤمن بها كما جاءت دون تأويل أو تشبيه ، أو تمثيل ، أو تكييف .
وإنما شاهدنا في هذه المسألة : أن الله سبحانه وتعالى يحب الستر ولا يحب التشهير بالناس ، حتى إنه سبحانه وتعالى يكره من الناس العاصي أن يجاهر بالمعصية ، ويعصي بالليل ، ثم يخرج بالنهار فيخبر بها الناس .
وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( كل أمتي معافى إلا المجاهرين ) أي : الذين يجاهرون بالخطأ .
ولذلك من استصلاح القلوب أن لا يشهر بالعاصي ، بل يأخذه على انفراد وينصحه .
يقول الشافعي :
تـعـمـدني بـنـصـحـك فـي انـفـراد وجـنـبـنـي النـصـيـحـة فـي الجـمـاعـه
فـإن الـنـصـح بـيـن الـنـاس نـوع مـن الـتـوبـيـخ لا أرضـى اســتـمـاعــه
فـإن خـالـفـتـني وعـصـيـت أمـري فـلا تـجـــزع إذا لـم تـعــط طــاعــه
المهم أنه ( صلى الله عليه وسلم ) حيي ، لكنه لا يستحي ( صلى الله عليه وسلم ) من الحق ، بل تقول عائشة : كان إذا غضب ( صلى الله عليه وسلم ) لا يقوم لغضبه أحد .
الخلاصة : أن البخاري رحمه الله أتى بهذا الحديث ليبين ـ كما سبق ذكره ـ أن أعمال القلوب تدخل في مسمى الإيمان لا كما يزعم المرجئة .. فناسب الحديث عن الحياء وتفصيلاته .
والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
الضحك والتبسم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا ً .
هـذا حـديث المصـطـفى صـلوا عـليه وسـلموا هـذا الرحـيق المجـتبى فيه الشـفاء والبلسـم
بعـد الكـتـاب هو النجـاة فبالهـدى فاعـتـصموا اتخـذ البخـاري روضـة أما العـزيز فمـسلم
قال البخاري في صحيحه : ( باب ) التبسم والضحك .
والسؤال : ما هو المطلوب من التبسم ؟ وما هو حد التبسم وحد الضحك ؟ وما هو المذموم منه ؟ وما هو الذي وردت فيه السنة ؟ .
وكأني بأحدكم يقول : حتى الضحك ، وحتى التبسم لابد فيه من حلال وحرام ودليل وتعليل ؟
فأقول : نعم أنها أمة تتلقى وحيها من السماء ، من فوق سبع سماوات ، وأن رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) يؤديها في الحركات والسكنات حتى في الضحك وفي البكاء ، ليست مسيرة من البشر ، وإنما تسير من السماء .
روي البخاري : وقالت فاطمة ، عليها السلام : أسر إلي النبي ( صلي الله عليه وسلم ) فضحكت ، وقال ابن عباس ، رضي الله عنهما : إن الله هو أضحك وأبكي .
فالضحك فيه مذموم وممدوح .. والبكاء فيه مذموم وفيه ممدوح .
والضحك أنواع كما قال علماء التربية .. فمنه :
ضحك التعجب ، وقال أهل التفسير ، وضربوا علي ذلك مثالاً بقوله تعالي :( وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ) (هود: من الآية71) ، أي ضحكت تعجباً ، لقولها : ( َأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) (هود: من الآية72) .
ومنه ضحك السخرية والاستهتار، والاستهزاء بالقيم والمبادئ الأصيلة ، أو الاستهزاء مطلقاً ، قال تعالي : ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآياتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ) (الزخرف:47) عجيب ! يضحكون من آيات الله .. يضحكون من الأسس الخالدة التي أقام الله سبع سماوات وسبع أراض من أجلها .
فكان عاقبة الضحك : أن دمرهم الله تدميراً هائلاً ، وأذاقهم لعنة في الدنيا والآخرة.
ومنه : ضحك الاعتزاز بالنفس ، فمن الناس من إذا هدد ، وإذا توعد ضحك معتداً بنفسه كقول الشاعر :
أنـا ابـن جــلا وطـلاع الـثـنـايـا مـتـى أضـع العـمـامـة تـعـرفوني
ومـاذا يـبـغـي الـشـعـراء مـنـي وقـد جـــاوزت حــد الأربـعـيـن
ويقول المتنبي وقد توعده خصومه بالقتل :
إذا رأيـت نـيـوب الـلـيـث بــارزة فـلا تـظــن أن الـلـيـث يـبـتـسـم
يقول : أنا إذا ابتسمت ، فأنا متوعد لهم ، ومتهدد لهم .. وهذا موجود في أفعال الرجال ، أنهم ربما ضحكوا استهتاراً بهذا الخصم .
ومنه : ضحك الإقرار أو تبسم الإقرار .
وضحك الإقرار : أن تري شيئاً ، وأنت مطاع ، وأنت مسموع لكلمتك فتضحك كأنك تقره.
يلعب طفلك في البيت ، فتضحك مقراً لفعله ، ودليل ذلك : أنه صح عن عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه ، أنه خرج بسرية من الصحابة فأجنب ، وكان الجو بارداً فتيمم وصلي بهم علي حاله .
فلما عرضت عليه ( صلي الله عليه وسلم ) تبسم ، وقال : يا عمروا ، أصليت بأصحابك وأنت جنب ؟ .
فضحك ( صلي الله عليه وسلم ) منه ضحك إقرار .
ومنه : تبسم الغضب ، والدليل علي ذلك ما في الصحيحين من حديث كعب بن مالك ، وكان قد تخلف مع صاحبيه عن غزوة تبوك قال : أتيت رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) لما قدم من تبوك ، فلما سلمت عليه تبسم تبَسم المغضب .
وأما البكاء فمنه الممدوح والمذموم وهو أنواع :
فمنه : بكاء الحزن علي الفائت ، وأعظم من بكي في تاريخ الإنسان : يعقوب ، عليه السلام علي يوسف ، يقول سبحانه وتعالي : ( وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (يوسف: من الآية84) بل ورد في بعض الأثار أن الملائكة شاركته في البكاء !
ومن البكاء : البكاء من الخشية .. وأخشى من خلق الله هو رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) ذكر ابن مردويه وابن جرير أن بلالاً ، رضي الله عنه وأرضاه ، مر بالرسول ( صلي الله عليه وسلم ) قبل صلاة الفجر ليؤذنه بالصلاة ، فوجده يبكي ، فقال : يا رسول الله ، الصلاة .
قال : ( يا بلال نزلت علي آيات ويل لمن قرأها ولم يتدبرها ) ثم قرأها ( صلي الله عليه وسلم ) وأخذ يبكي حتى كادت تختلف أضلاعه ، وهي قوله سبحانه وتعالى : ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران:191) .
وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال : كنت أدخل علي رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) ولصدره أزيز من البكاء كأزيز المرجل ..
والأزيز صوت يحدثه البكاء في الصدر ، والمرجل القدر إذا اجتمع غلياناً بالماء .
ومن البكاء : بكاء الهلع ، وبكاء الجبن والخور ، وهذا مذموم ، كأن يرد علي الإنسان مصيبة فيبكي طويلاً .. لكن لو بكي قليلاً فلا بأس به ، وهو من السنة ، وورد ، لكن أن يبقى باكياً ساخطاً علي قضاء الله فلا .
ومن البكاء : بكاء الفرح .
طـفـح الـسـرور عـلـي حـتى أنـنـي مـن عـظـم مـا قـد سـرنـي أبـكـانـي
وقال أنس : ما كنت أظن أن الإنسان إذا فرح بكى حتى رأيت الأنصار يوم قدم ( صلي الله عليه وسلم ) المدينة يتباكون .
وبكى أبي بن كعب لما قرأ عليه الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) سورة البينة .. فرحاً بذلك .
والرسول ( صلي الله عليه وسلم ) وسط في رسالته .. فليس هو بالضاحك الذي أسرف علي نفسه في الضحك ( صلي الله عليه وسلم ) أو أكثر في هذا الجانب ، وليس هو ( صلي الله عليه وسلم ) بالذي تقمص شخصية الحزن والكآبة والحزن والندامة ، فهو وسط في كل شئ ، وسط في العبادة ، وفي المعتقد ، وفي التشريع ، وفي الآداب والسلوك ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) (البقرة: من الآية143) .
تجد كثيراً من الناس يضحكون ويقهقهون حتى يتمايلون ويسقطون علي التراب ..
وتجد بعضهم دائماً لا يضحك ، فهو أبداً في كآبة وحزن .
أما الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) فقد كان يبتسم كثيراً ، ولكنه لا يضحك إلا نادراً في حياته ، فتجد في الأحاديث أربعة أو خمسة مواضع ضحك فيها ، أما التبسم فحدث ولا حرج .
والبسمة منه ليست عبثاً ، لأنه شرى بها قلوب الناس ، وقلوب القبائل ، وقلوب الشعوب ( صلي الله عليه وسلم ) وقال سبحانه وتعالي : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران:159) .
وأنا لا أقول أن الضحك حرام ؛ لان بعض الناس جبلتهم الضحك ، ولو كان من أتقي الناس .
ابن سيرين العالم العابد الزاهد التابعي المحدث الشهير أكبر تلميذ لأبي هريرة ، وراوية الصحابة الكبير ، معبر الرؤيا ، كان من أعبد الناس وأزهد الناس ، وكان يضحك حتى يتمايل .. ولكن في الليل يبكي حتى يسمع بكاءه جيرانه .
ويقول أحد التابعين : أريكم الضحاك البكاء ؟.
قالوا : نعم
قال : تعالوا .. فأطلعهم علي ابن سيرين في حلقته ، قال هذا ضحاك النهار وبكاء الليل .
ومنهم عامر الشعبي ، كان من أفقه الناس ، وكان مزاحاً خفيف الدم خفيف الظل ، ولكن كان من أتقي عباد الله لله .
فلا يظن الإنسان أن الإنسان إذا كان كثير الدعابة ، كثير الضحك ، كثير التبسم أنه لا يتقي الله .. لا ، قد تجد أفجر الخلق لله عز وجل لا يبتسم ولا يضحك لكنه فاجر .
روى البخاري : قالت فاطمة ، عليها السلام ، ( لأنها من بيت النبوة ) : أسر إلي النبي ( صلي الله عليه وسلم ) فضحكت .. هذا الإسرار كان في ساعة الوداع .. يوم يودع ( صلي الله عليه وسلم ) الدنيا .. يوم يرحل من المعمورة .. يوم يتجه إلي الرفيق الأعلى .
فأتي بأحب الناس لقلبه وأقرب الناس إلي روحه فاطمة رضي الله عنه وأرضاها ، فكلمها ( صلي الله عليه وسلم ) ليودعها .. قال : ( أنت أول الناس لحوقاً بي ) وأخبرها أنه سوف يموت من وقته .. فبكت .
قال ( أدني مني ) فدنت فقال : ( أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين ؟ ) فضحكت .
فهذه أعظم بشرى لنساء العالمين جميعاً ؛ لان سيدتهم فاطمة رضي الله عنها وأرضاها .
وقال ابن عباس : إن الله هو أضحك وأبكي .. أي إشراق هذا الفهم لابن عباس ؟ أي عقلية هذه العقلية الضخمة الكبرى ؟ يستدل علي أن الضحك والبكاء من أمر الله الجبلي لان غلاة الصوفية قالوا : لا تضحك ، وإذا ضحكت فاستغفر !!
ذكر ابن الجوزي وبعض المحدثين : أن أحد المحدثين كان شرس الخلق ، لا يبتسم ، ولا يضحك ولا يداعب أبداً وكان إذا سمع خشخشة الأوراق طوى دفاتره وذهب إلي بيته !
فأتي طالب من الطلاب يريد أن يعطس ، فتذكر الشيخ ، وأنه ينزعج من كل شئ ، فتجمع العطاس في جوفه ، حتى أصبح لا يستطيع دفعه ، فعطس عطسه مدوية .. وقال : ( أنحن جالسون أمام رب العالمين ) !!! فضحك الشيخ لأول مرة !!
ثم ذكر البخاري حديث عائشة ، رضي الله عنها ، أن رفاعة طلق امرأته ، فتزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير .. فجاءت إلي النبي ( صلي الله عليه وسلم ) فقالت : يا رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) كنت عند رفاعة فطلقني ثلاث تطليقات، فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير، وأنه والله ما معه يا رسول الله إلا مثل هدبة الثوب (وهذا تكنية عن أنه لا يستطيع الجماع وهي تشكو من هذا ) .
وأبو بكر جالس عند النبي ( صلي الله عليه وسلم ) فأراد أحد الصحابة زجرها .
وما يزيد ( صلي الله عليه وسلم ) علي التبسم ، فهذا دليل علي تبسمه ( صلي الله عليه وسلم ) من هذا الأمر .
ثم قال البخاري رحمة الله : استأذن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، علي رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) وعنده نسوة من قريش يسألنه ويستكثرنه وقد علت أصواتهن علي صوته .
فلما سمعن صوت عمر نفرن من المجلس وفزعن !!!فدخل والنبي ( صلي الله عليه وسلم ) يضحك من خوفهن منه .
فقال : أضحك الله سنك يا رسول الله ـ وهذا من الأدب ـ .
قال ( صلي الله عليه وسلم ) ( عجبت من هؤلاء اللاتي عندي لما سمعن صوتك تبادرن الحجاب )
فقال : أنت أحق أن يهبن ، يا رسول الله .
ثم أقبل عليهن قال : يا عدوات أنفسهن ، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) ؟
فقلن : إنك أفظ وأغلظ من رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) .
وهذا ليس علي معني المفاضلة بينهما ، لان الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) ليس فيه فظاظة ولا غلظة .. وهكذا عمر رضي الله عنه ، لكنهن اجتهدن في ذلك .
وورد في بعض الآثار ، أن عمر رضي الله عنه ، وجد عفريتاً من الجن واقفاً فقال : من أنت ؟
قال : أنا عفريت من الجن !!
قال : تصارعني .
قال : نعم ..فصرعه عمر رضي الله عنه!
عن عبد الله بن عمر قال : لما كان رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) في الطائف ، قال : إنا قافلون غداً إن شاء الله .
فقال ناس من أصحاب رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) : لا نبرح أو نفتحها .. يعني : لا نسير من هنا حتى نفتح حصون الطائف ، لأنه حاصر الطائف ( صلي الله عليه وسلم ) وطال الحصار .
قال ( صلي الله عليه وسلم ) ( فاغدوا علي القتال ) .. أي : قاتلوا غداً .
قال : فغدوا وقاتلوا قتالاً شديداً ، وكثرت فيه الجراحات ، ورموا بالأسهم والنبال .
قال ( صلي الله عليه وسلم ) ( إنا قافلون غداً إن شاء الله ) .
فسكتوا !
فضحك ( صلي الله عليه وسلم ) : ( يعني ذاقوا الأمرين من اليوم الأول ) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتي رجل إلي النبي ( صلي الله عليه وسلم ) قال : هلكت يا رسول الله ، وقعت علي أهلي في رمضان .
قال ( صلي الله عليه وسلم ) : ( أعتق رقبة ) .
قال : ليس لي .
قال : ( فصم شهرين متتابعين ) .
قال : لا أستطيع .
قال : ( فاطعم ستين مسكيناً ) .
قال : لا أجد
فأتي ( صلي الله عليه وسلم ) بعذق فيه تمر ، فقال : ( أين السائل ؟ تصدق بها ) .
قال : علي أفقر مني ، والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا .
فضحك النبي ( صلي الله عليه وسلم ) حتى بدت نواجذه وقال : ( فأنتم إذاً ).
روى البخاري : عن أنس بن مالك قال : كنت أمشي مع الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) وعليه برد نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي فجذبه بردائه ، جذبة شديدة .
قال أنس : فنظرت إلي صفحة عاتق النبي ( صلي الله عليه وسلم ) وقد أثرت فيها حاشية الرداء من شدة جذبته .
ثم قال : يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك .
فالتفت إليه ( صلي الله عليه وسلم ) فضحك ثم أمر له بعطاء .
لو كان غير الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) لقال : خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه !!
ولو أنه أدبه ، أو أنكر عليه ، أو شدد عليه لذهب داعيه سوء إلي قومه .. وقال : احذروا ولا تسلموا .. أنا ذهبت إلى هذا الرسول ، فرأيته ففعل بي كذا وكذا .. ولكن بهذا الفعل الطيب عاد إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا جميعاً .
وعن جرير بن عبد الله البجلي سـيد بجيلة قبيلة من قبائل الجـنوب مجاورة لقبيلة خثعم ، قال : ما رآني ( صلي الله عليه وسلم ) منذ أسلمت إلا وتبسم في وجهي .
إذا ..التبسم كان من هديه ( صلي الله عليه وسلم ) وأما الضحك فكان يحدث منه أحياناً إذا استدعي الحال .
فواجب علي المسلمين: أن يهتدوا بهديه ( صلي الله عليه وسلم ) ويكثروا من التبسم لإخوانهم فإنها صدقة .
أسأل الله لي ولكم اللطافة وحسن الخلق ، وأن يفرحنا في الدنيا والآخرة .
وصلي الله علي نبينا محمد ، وعلي اله وصحبه وسلم .
الخــلاف
إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا ً .
أما بعد ..
اعلموا ، حفظكم الله ، أن الله يقول : ( وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) (هود: من الآية119) ، قال بعض العلماء : أي للاختلاف خلقهم .
وبعضهم ألف في ذلك كتباً يرى أن من سر خلق الخليقة : الخلاف .
والذي يظهر أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق للعبادة لأن الله يقول : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات:56) ، فخلقهم للعبادة لا للاختلاف ، لكن من سنته سبحانه وتعالى في الكون أنه ميز بين كل شيء فميز بين الأطعمة والأمزجة والألوان والأفكار .
فجعل الحلو والحامض ، وجعل الظلمة والنور ، وجعل الليل والنهار ، وجعل الحار والبارد .
ويقول سبحانه وتعالى في الأيام : ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) (آل عمران: من الآية140) .
وجعل سبحانه وتعالى من آياته التي تثبت للكون سبحانه وتعالى وخلقه له ، وبديع صنعه فيه : اختلاف الألسنة والألوان ، فقال سبحانه : ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ) (الروم: من الآية22) فتبارك الله أحسن الخالقين ، وسبحان الذي يغير ولا يتغير .
وكما أن الخلاف يقع في الكون بأكمله ، فهو لاشك واقع في المجتمع الصغير بدءاً بالأسرة ، ثم القرية ، ثم المدينة ، ثم الشعب ، ثم الأمة ثم المعمورة .
فلا بد أن يقف الإنسان بتعقل أمام سنة الله سبحانه وتعالى في الاختلاف .
وقد اخترت الحديث عن هذا الموضوع ( الاختلاف ) لأنه قد كثر في عالم الشباب ، وانتشر معه التنابز والفرقة والخوض في الأعراض والنيل من الفضلاء .
فكان لابد لعلماء الإسلام ودعاته أن يتصدوا لهذه الظاهرة المتفشية .
أسباب الخلاف
أولاً : الغي والعدوان : البغي بغير علم وبغير هدى ، فإنك تجد بعض الناس يحب أن يبغى على الآخرين ، لأن من طبيعته العدوان ، فهو كبعض الحيات التي تحتوي على السم ، فإذا لم تلدغ في السنة مرة ماتت .
فتجد بعض الناس كهذه الفصيلة مع الآخرين .
فهو كما يقول زهير بن أبي سلمى :
ومـن لـم يـذد عـن حـوضـه بـسـلاحـه يـهـدم ومـن لا يـظـلـم النـاس يـظـلـم
وهذا البيت أوله صواب ، ولكن آخره خطأ لأنه يدعو إلى الظلم والعدوان .
ويقول المتنبي :
ومـن عـرف الأيــام مـعـرفـتـي بـها وبـالنـاس روى رمـحـه غـيـر ظـالـم
يقول : من يعرف الناس مثلي فإنه يروي رمحه من دمائهم ، وهذا ظلم وخطأ .
ويقول الشاعر الجاهلي أيضاً في الظلم والبغي والعدوان بحق وبغير حق :
وأحـيـانـاً عـلـى بـكــر أخــيـنـا إذا لــم نـجــــد إلا أخــــانـا
يقول: نحن نهاجم الأعداء ، فإذا انتهينا منهم، وفرغنا هاجمنا جيراننا وإخواننا !! لأن من طبيعتنا العدوان .
فلذا تجد الناس لا يرتاح إلا أن يخالف من أمامه .
فهو يجلس معك ، فإذا استمع رأيك خالفك .
مثلاً تقول : هذا الأمر يجوز .
فيقول : لا يجوز .
تقول : نذهب .
يقول : نجلس !
تقول : اليوم حار .
يقول : اليوم بارد !!
ولذلك جعلوا من آداب الصحبة : ألا تخالف صاحبك .
يقول ابن المبارك رحمه الله :
وإذا صـاحـبـت فـاصـحـب مـاجـداً ذا عـفـاف وحــــيـاء وكـرم
وقــولــه للـشـيء لا إن قــلـت لا وإذا قـلـت نـعـم قــال نـعـم
ويقول في مقطوعة أخرى :
إذا صــاحــبـت قـومـاً أهـل ود فـكـن لـهـم كـذي الرحـم الشـفـيـق
ولا تـأخــذ بـزلـة كـل قـــوم فـتـبـقـى فـي الزمـان بـلا رفـيـق
والذي يخالف دائماً بهوى ، وبدون حق يبغضه الخلق .
والذي يحب أن يخالف بحق فله مكانته ورأيه .
قال سبحانه وتعالى ( وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) (آل عمران: من الآية19) .
وقال : ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (البقرة: من الآية89) ، فاليهود يشهدون أن محمداً ، عليه الصلاة والسلام ، رسول ، فلما جاءهم بالعلم كفروا بغياً وعدواناً .
ثانياً : الحسد : قال سبحانه وتعالى : ( حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ) (البقرة: من الآية109) .
وقد قيل قديماً : ما خلا جسد من حسد.
والحسد يسري في أهل المهن المتشابهة ، والمتقاربين في السن ، والزملاء والأقران .
فتجد أحدهم يخالف زميله لا لشيء إلا لأنه زميله فقط .
فالشيخ تجده يخالف الشيخ .
والطالب يخالف الطالب .
والمهندس يخالف المهندس .
والطبيب يخالف الطبيب .
والشاعر يخالف الشاعر .
يقول الشاعر :
ولـكـل شـيء آفــة مـن ضــــده حـتـى الحـديـد عـدا عـلـيـه المـبرد
فلكل شيء آفة وضد يخالفه ، حتى الحديد وهو من أقوى الأشياء
قيل لأحد الحكماء : ما هو أقوى شيء خلقه الله ؟
قال : أقوى شيء خلقه الله سبحانه وتعالى هو الجبال .
قالوا : وما أقوى من الجبال ؟
قال : الحديد .
قالوا : فما أقوى من الحديد ؟
قال : الريح .
ولذلك يقول سبحانه وتعالى : ( تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ) (الأحقاف: من الآية25) .
وأثبت العلم الحديث أن اليح أقوى من كل قوة .
قالوا : فما أقوى من اليح ؟
قال : الصمت .
فالصمت أقوى من الريح ، ولذلك يقول البردوني يحيي الرسول عليه الصلاة والسلام ويحي دعوته :
بـشـرى مـن الـغـيـب ألقـت فـي فـم الـغـار وحـيـاً وأفـضـت إلـى الـدنـيـا بأسـرار
بـشـرى النـبـوة طـافـت كــالشـذى سـحـراً وأعـلـنـت فـي الـدنـا مـيـلاد أنـــوار
وشـقـت الـصـمـت والأنـســام تـحـمـلـها تـحـت الـســكـيـنـة مـن دار إلـى دار
فالمقصود : أن الحسد يحمل بعض الناس إلى أن يخالف غيره ، ولو كان الحق مع المخالف .
وهذا مذهب بني إسرائيل ، والعياذ بالله ، فهم يحسدون الناس كما قال سبحانه : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (النساء:54) .
وبنو الإسلام يقع فيهم الحسد كما يقع في غيرهم ، ولو كانوا مؤمنين .
قيل للحسن البصري : أيحسد المؤمن ؟
قال : ويلك !! أنسيت قصة أبناء يعقوب لما حسدوا يوسف عليه السلام ؟
قال : فماذا أفعل ؟
قال : إذا حسدت ، فلا تبغ .
أي : إذا حسدت ، فلا تجيل الظن في قلبك ، ولا تسيء بالكلمة ، ولا تجرح العرض .
ثالثاً : الكبر : سئل ( صلي الله عليه وسلم ) عن الكبر فقال : ( الكبر بطر الحق وغمط الناس ) ، بطر الحق أي رده .
فتجد بعض الناس ، لا ينظر إلى الآخرين ؛ لأجل هذا الكبر .
تقول له السلام عليكم ورحمة الله .. فلا يرد ، لأنه يرى أن مثله لا ينصح .
فهذا هو رد الحق وبطره .
وما حمل أبا جهل على رد دعوة الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) إلا الكبر ، وكذلك الوليد بن المغيرة ، وكذلك الطغاة من قبلهما كفرعون وقارون وهامان .
يقول أبو جهل : إنا نعلم أن محمد صادق ، لكن إذا قال بنو هاشم عندنا النبوة ، فماذا نقول ؟
قال سبحانه وتعالى : ( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام: من الآية33) .
وقال تعالى : ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ) (لأعراف: من الآية146) فالمتكبر يرد الحق ويخالفه ؛ لأنه يرى أنه ليس بإمكانه أن يتنازل لك ليسمع منك الحوار ويسمع منك المناظرة لحاجة في نفسه .
وقف عمر رضي الله عنه وأرضاه ،على المنبر يريد أن يشجع الحوار والمشاورة ، والتفاهم فقال : يا أيها الناس ، ما رأيكم لو رأيتموني عدلت عن الطريق ـ أي طريق الاستقامة ـ هكذا ؟
فقام عمر أعرابي في آخر المسجد ، فسل سيفه ، وقال : والله يا أمير المؤمنين لو رأيناك قلت عن الطريق هكذا ، لقلنا بالسيوف هكذا !
فقال عمر : الحمد لله الذي جعل في رعيتي ، من لو قلت عن الطريق هكذا ، لقال بالسيف هكذا .
فهو رضي الله عن يريد أن يقرر للناس مبدأ التواضع للآخرين وقبول الحق منهم ، ولو كانوا أقل منهم علماً أو تقوى .
رابعاً : التعصيب للأشخاص والمناهج : فبعض الناس إذا أحب شخصاً تولع به، فلا يكاد يبصر إلا رأيه ، أو اجتهاداته ، ولو كانت خاطئة .
وهذا المنهج غير صحيح ؛ لأن المعصوم هو محمد ( صلي الله عليه وسلم ) ، وكل أحد يرد من قوله ويؤخذ إلا هو ( صلي الله عليه وسلم ) .
والكتب كلها فيها اختلاف إلا القرآن : ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء: من الآية82) .
وبعض الناس يرى أن منهجه ، ووسيلته ، وطريقة ما أسعد منها ، ولا أصوب ، أما غيرها فخطأ .
وأنه يجب على الناس ، والشباب أن يمضوا على منهجه ، وأن يسلموا لطريقته ، وأن يسلموا لما يقول .
وهذا ليس بصحيح .
ولذلك يقول أهل هذا المبدأ ( هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً)(النساء: من الآية50) . فأبو جهل مثلاً يقول : كيف يكون الحق مع بلال ومع صهيب ومع ابن مسعود ، وهم ضعفاء الناس في نظره ، وأقلهم ذكاء وخبرة من غيرهم .
يقول رجل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه : يا علي أتظن أن الحق معك والباطل مع طلحة والزبير وعائشة ؟ ـ يعني في معركة الجمل ـ .
قال : ويلك !! اعرف الحق تعرف أهله ، ولا تعرف الحق بالرجال .
فالتعصب للأشخاص والمناهج مصيبة ، وقد أضرت بالأمة الإسلامية وأخرت ركبها وأشغلتها بالخلافات والردود حتى أحاط بنا الأعداء من كل جانب .
خامساً : ضيق الأفق : فبعض الناس ضيق الأفق ، لا يتسع صدره للمحاورة ولا للنقاش ، فهو يغلق عليك الطريق منذ أول وهلة مقرراً رأيه ومسفهاً لما سواه .
يقول الله سبحانه وتعالى : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّه) (التوبة: من الآية6) ، أي : اتركه حتى يسمع النور ، واتركه حتى يسمع الوحي ، وأجعل له فرصة حتى يظهر لك ما في صدره .
ولا يفوتنا هنا : قصة عتبة بن ربيعة ، وهو من رؤساء الشرك في قريش ، عندما ذهب إلى النبي ( صلي الله عليه وسلم ) ليحاوره ، فتركه ( صلي الله عليه وسلم ) حتى انتهى ، فرغ من قوله وهو يعلم أنه باطل وإفك وزور .
ثم قال له : ( أفرغت يا أبا الوليد ) .
أي أنه ( صلي الله عليه وسلم ) مستعد لسماع محاضرة ودرس أطول من هذا المشرك .
لأنه ( صلي الله عليه وسلم ) يريد هداية الناس ، فلا بد أن يسمع منهم ليعرف عللهم فيعالجهم بموجبها .
فما بالك إذا كان المحاور لك أخاً من إخوانك المؤمنين ؟ أفلا يكون أحق بالسماع من ذلك المشرك ؟
يقول الشافعي : قولنا صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب .
ويقول : والله ما ناظرت أحداً إلا وددت أنه يصيب ، وخفت عليه أن يخطئ ، أو كما قال .
وكان إذا ناظر أحداً يدعو ويقول : اللهم سدده ، اللهم ثبته .
ولذلك رفع الله الشافعي وأمثاله .
سادساً : فساد التصور وضعفه : فإن بعض الناس عنده فساد في تصور الأمور وإدراكها .
فمثلاً : هو يجعل الصغائر من المعاصي كبائر .
فإسبال الثياب مثلاً يعدها العلماء كبائر لكنها ليست من الموبقات السبع التي عدها ( صلي الله عليه وسلم ) ثم إن صاحبها لا يكفر بها ، فتجد بعض الناس يكبر هذه ، ويضخمها لفساد تصوره ، وينسى غيرها مما هو أهم منها كمسائل العقيدة وأمور التوحيد .
أو أنه يحمل الآيات والنصوص على غير محملها كما فعل الخوارج ، فهم يحملون آيات الكفار على المؤمنين .
وأما أهل السنة فإنهم يحملون آيات الكفار على الكفار ، وآيات المؤمنين على المؤمنين .
سابعاً : إلزام ما لا يلزم : فتجد بعد المخالفين يقول : قال العالم الفلاني كذا وكذا ، ومعنى كلامه كذا وكذا، إذاً فهو كذا وكذا .
فمثلاً وجد من الناس من يستمع الغناء في هذا الزمن .
فيقول بعضهم : من سمع الغناء ورضي به فهو فاسد .
ومن كان فاسداً ، ورضي بالفساد في بيته ، فهو ديوث .
ومن كان ديوثاً فهو لا يدخل الجنة ، لأن الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) يقول : ( ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة : مدمن الخمر والعاق والديوث الذي يقر في أهله الخبث ) .
فانظر كيف بنى ، وقرر ، وألزم وأدخل الناس النار ! لأنه بنى على قواعد واحتمالات ، لم يتبنها من المحكوم عليه .
تقول له : رحمة واسعة ، والله غفور لذنوب العباد .
فيقول في نفسه : المرجئة يقولون : إن الله غفور للعباد ، والمرجئة يسهلون المعاصي ، إذا فهذا مرجئ !! فهو إذا مبتدع !! أو زنديق !
ثامناً : غلبة العاطفة على العقل : خاصة في سن الشباب الذي ما بين العشرين والثلاثين .
فتجد الشاب يندفع بعاطفته الجياشة ، وكلامه الناري ، مستخدماً العبارات الثقيلة ، التي تجنح به عن قبول الحق ؛ لأنه لم يتدبر فيه بعقله بل بعاطفته .
ونحن نريد عاطفة شباب ، وعقول شيوخ ؛ لأن عاطفة الشيوخ بعقول الشباب تموت ، فلا ترى فيها من يأمر ، أو ينهى ، أ يدعو .
يخطئ بعض الناس في محاضرة ما في الحكم على حديث .
فيقول أحد الشباب : لماذا يقول بأن الحديث صحيح ، وهو ضعيف ، فهذا يدل على عدم معرفته بسنة الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) ، وهجره للسنة ، وعدم اهتمامه بالأثر الشريف .
وهذا حماس ، وعاطفة هيابة ، لا داعي لها .
بل الواجب : أن تبين بأنه قد أخطأ في الحديث ، مبيناً وجهة نظرك بحب وود وهدوء .
تاسعاً : حب الخلاف لذاته :
يقول أحد الشعراء وأظنه الشريف الرضى :
مـشـغـوفـة بـخـلافـي لـو أقـول لهـا يـوم الـغـديـر لـقـالـت لـيـلـة الغـار
وقد سبق نحو هذا .
عاشراً : عدم التثبت في الأقوال والأفعال : يقول تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6) .
فكثير من الناس ، الآن يبني أحكامه على غير معرفة للرأي الآخر .
سمع مثلاً أن داعية من الدعاة قال كذا وكذا .
فقام على المنبر بخطبة رنانة ليرد عليه .
فيظهر له بعد الخطبة أنه ما قال ذلك .
فيسقط في يده ، ويضع نفسه في موقف محرج ، لا داعي له ؛ لأنه اعتمد في رواياته على الأخبار الإسرائيلية !
وأهل السنة من منهجهم ، أنهم إذا بلغهم الخبر ، تثبتوا من صاحبه وشافهوه وراسلوه ، ليعرفوا مقصوده حتى يردوا ويحاوروا على بينة .
يقول تعالى ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء:36) .
فوصيتي لأخواني : أنهم إذا سمعوا خبراً من رجل ، أو من داعية ، أو من طالب علم ، أو من مفكر ، أو من مسؤول أن يثبتوا منه شخصياً ويتأكدوا ، حتى لا يكونوا عرضة للتهم ، ولا للمجازفة ، ولا للعجلة والطيش .
آداب الخـلاف
أولاً : أن تسمع الحجة والرأي ، كما سبق معنا في قصة الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) مع الوليد بن المغيرة .
فقبل أن تصدر أحكامك على المخالف ، واجب عليك : أن تحاوره وتسمع رأيه وحجته .
ثانياً : إيراد الدليل : لأن التهويل والكلام لوحده لا يكفي ولا يجدي .
قال تعالى : ( قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا) (الأنعام: من الآية148) ويقول : ( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة: من الآية111) .
وعند ابن عدي وبعض الحفاظ أنه ( صلي الله عليه وسلم ) أشار إلى الشمس وقال لرجل : ( على مثلها فاشهد أودع ) ، ويشهد له قوله تعالى ( إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (الزخرف: من الآية86) .
فلا بد أن يكون عندك دليل ، ووثائق ، وبراهين تدمغ بها خصمك ، وتظهر حجتك ورأيك .
ثالثا : الهدوء في الرد ، بأن لا تصل المسألة إلى رفع الصوت ح لأنه لا يكون إلا في الخطب والمواعظ التي تستلزم ذلك .
قال تعالى : ( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) ( لقمان:19) .
وصاحب الباطل دائماً يرفع صوته ، حتى يظهر للناس أنه محق .
وصاحب الحق متزن يوصل كلمته في تمكن وفي اطمئنان ، لأنه واثق من نفسه .
رابعاً : ذكر جوانب الاتفاق قبل الاختلاف ، فإذا أتيت مثلاً إلى كافر مشترك ، وثني ، تريد أن تجادله في ألوهية الله ، عز وجل ، فابدأ معه أولاً فيما تتفق أنت وإياه فيه ، وهو وجود الله مثلاً وآياته ومخلوقاته .
قال تعالى : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) (الزمر: من الآية38).
فإذا جلس معك تقول له : من خلق السماوات والأرض .
فيقول : الله .
فتقول : أنا وإياك متفقين أن خلق السماوات والأرض .
فتتدرج معه ، ثم تقول : فمن يستحق العبادة بعد ذلك ؟
حينها يقف ، وربما يجيبك بأحد جوابين :
إما أن يقول : يستحقها الله ، فالحمد لله .
أو يقول : يستحقها الوثن ـ وهو أنواع ـ .
فتقول : الوثن لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يرى ، ولا يرزق ، ولا يخلق ، فكيف يستحق العبادة ؟
حينها سوف يجيبك بالحق .
قال تعالى : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ) (آل عمران: من الآية64) أي لنلتق على كلمة نتفق عليها .
وسمعت أحد القوميين العلمانيين يقرأ هذه الآية أمام بعض اليهود والنصارى ، فقال : قال الله : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ) (آل عمران: من الآية64) ثن وقف ، ولم يكمل ( وقف حمار الشيخ في العقبة ) .
لأن المسألة التي تلي هذه هي المدمرة وهي : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) (آل عمران: من الآية64) .
فبعض الناس يأخذ الحجة التي له ، ويترك الحجة التي عليه .
يقول علماء الحديث :
أهل السنة يكتبون ما لهم وما عليهم ، وأهل البدعة لا يكتبون إلا ما لهم .
خامساً : التواضـع في الرد ، قال تعالى : ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (سـبأ: من الآية24) .
فتظهر نفسك في البداية : أنك لست جازماً بالحق ؛ لتستدرج المخالف فتقول : أنا رأيي ـ وقد يكون رأيي خطأ ـ أن الموضوع كذا وكذا ، فإنه حينئذ سيستأنس المخاطب ، ويدلي بحجته ، ويتأمل حجتك ! لعلها أن تكون صائبة ، فإذا هي صائبة .
يقول أهل الإيمان في القرآن للكفار : ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (سـبأ: من الآية24) ومعلوم : أن أهل الإيمان هم الذين على هدى ، وأهل الكفر هم الذين على ظلال مبين ، ولكنه سحب المخالف للتأمل في الأدلة لما يرى من تواضع خصمه .
سادساً : تحديد محل الخلاف ، فبعض الناس يهيج ، ويغضب على غير مبدأ ، وعلى غير نقطة خلاف .
فهو لا يعلم لماذا اختلف مع زميله !
يقول أهل الأحوال : لابد من تحديد نقطة الخلاف حتى تتكلم أنت وإياه على شيء محدد ، فيضبط كل واحد كلماته ويختارها بعناية .
وهذا هو منهج القرآن ، الذي يحدد مثلاً الخلاف مع الكفار في اليوم الآخر ثم يبدأ يحاورهم فيه .
سابعاً : التحاكم إلى صاحب أهلية في الحكم : فأنت إذا اجتمعت واختلفت أنت وزملاء لك ، فالأحسن أن تقول نحكم فلان العالم الداعية بيننا .
وقد حدث مثل هذا في السيرة .
فقد اختلف ابن عباس رضي الله عنهما ، وبعض الناس في : هل كان ( صلي الله عليه وسلم ) يغتسل وهو محرم ؟ فقالوا : نحتكم إلى أبي أيوب الأنصاري صاحب الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) .
فاحتكموا إليه فاغتسل ، وقال : رأيت الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) يغتسل ، وهو محرم ، فرضوا بحكمه .
فقال المسور بن مخزمة ـ فيما أظن ـ لابن عباس : والله لا أخالفك بعدها أبداً .
واختلف ابن عمر مع سعد بن أبي وقاص في المسح على الخفين .
فسأل ابن عمر أباه فقال له : إذا قال لك أبو إسحاق ـ أي : سعد قولاً فأعلم أنه صادق .
فلك أن تختار شخصاً من الأساتذة ، أو العلماء ، أو الدعاة ، فتحكمهم في المسألة المختلف فيها ، ثم تسمع أنت وإياه للحكم .
ثامناً : الرد إلى الله ورسوله في مسائل الشريعة ، قال تعالى : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء: من الآية59) .
والرد إلى الله يكون بالرد إلى كتابه .
والرد إلى الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) يكون بالرد إلى سنته المطهرة .
فإذا اختلفت أنت ورجل في قضية ما فقل له : نتحكم إلى الكتاب والسنة وإلى أهل العلم الذين يبينون الكتاب والسنة .
وحينها تسمعون الحكم الصريح من الكتاب والسنة ، لأن الله يقول : ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (الأنعام: من الآية38) ، ويقول سبحانه وتعالى : ( فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النحل: من الآية43) ، ويقول سبحانه وتعالى : ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (النساء: من الآية83) .
تاسعاً : تجنب النيل من الشخص والتشفي من عرضه .
كان ابن قدامة ( صاحب المغني ) إذا أراد أن يناظر أحداً تبسم في وجهه .
فيقول أحد العلماء : هذا والله يقتل الناس بتبسمه .
يقول المتنبي :
ومـا قـتـل الأحـرار كـالعـفـو عـنـهـم ومـن لـك بـالـحـر الـذي يحـفـظ اليـدا
والمعنى : أن التبسم ، والأريحية ، والهدوء يقتل الخصم ، لأن الخصم يريد منك أن تتفاعل ، وأن تتأثر ، وأن تحترق بداخلك ، فإذا أظهرت له أنك لا تتأثر وأنك هادئ احترقت أعصابه .
عاشراً : أن تحدد نوع الاختلاف ، هل هو خلاف تضاد ، أم خلاف تنوع ؟
لأن خلاف التضاد ، لا يعذر صاحبه عند أهل السنة .
مثل من ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، كرجل يقول : أركان الإسلام أربعة .
فتقول : هي خمسة .
فيقول : لا بل أربعة .
فهذا ليس بخلاف عند أهل السنة ، بل هو رده وكفر .
وأما خلاف التنوع ومسائله .
فهي المسائل التي فيها سعة ، كالمسائل الفقهية التي يكثر فيها الخلاف في كل آن وحين .
كالإشارة بالإصبع في التشهد ، أو وضع اليد في الصلاة ، أو صلاة التراويح أو غيرها مما كثر فيه الخلاف وطال .
والحل فيها ما قاله ( صلي الله عليه وسلم ) : ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ) .
فلذلك تدعو للناس في الحالة بالأجر ، وتلتمس لهم العذر ، ولا يجوز للمخالف في مسائل الفرعيات أن يعنف على من خالفه .
وقد أطال شيخ الإسلام في رسالته ( رفع الملام عن الأئمة الأعلام ) في ذكر أعذار العلماء في خلافاتهم مع بعضهم البعض ، ودافع عنهم دفاعاً حاراً .
فارجع إليها فإنها نفيسة .
الحادي عشر : الإنصاف مع المخالف ، ولو كان عدواً لك ، قال تعالى : ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى )(المائدة: من الآية8) .
ولذلك تجد من لا يقيم هذا المبدأ في حياته ، يغضب منك إذا ذكرت صفة حسنة في عدو لك وله .
كأن تذكر تفوق الدول الغربية في مسائل العلم المادي ، أو في سهولة إنجاز المعاملات ، أو نحوها من الأمور الدنيوية .
وهذا ليس به بأس لأنه من ذكر مزايا الشعوب الدنيوية التي تفوقوا فيها ، ولا دخل له من قريب ، أو من بعيد بالولاء والبراء ، كما يزعم بعض الناس ؛ لأننا نعلم أن أشد الناس لنا عداوة هو من عادانا بسبب الدين .
كـل الـعـداوات قـد تـرجـى إمـاتـتـها إلا عـداوة مـن عـاداك فـي الـديـن
ولذلك قال عمرو بن العاص رضي الله عنه ، في الروم : إن فيهم لخصالاً أربعاً :
1- إنهم لأحلم الناس عند فتنة .
2- وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة .
3- وأوشكهم كرة بعد فرة .
4- وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف .
5- وخامسة حسنة جميلة : وأمنعهم من ظلم الملوك .
وأما مسألة أهل البدع ، وذكر ومحاسنهم ، فإنها مسألة أخرى غير هذه وهي مما طال فيه الجدل بين الدعاة والشباب في هذا الزمان .
والصواب فيها ـ إن شاء الله ـ أن أهل البدع ليسوا على شاكلة واحدة . فمنهم الذي اجتهد عن حسن نية في اختياراته وترجيحاته ، ويظن أنه على منهج أهل السنة ، ولكنه ضل الطريق لحكمة إلهية .
فهذا نعذره ونبين خطأه مع ذكر محاسنه كالحافظ ابن حجر ، والنووي والقاضي عياض ، ونحوهم .
وآخرون استمرءوا البدع ، ونابذوا أهل السنة عن علم ، وعن بغي وعدوان .
فهؤلاء لا نذكر محاسنهم أبداً ؛ لأن في ذلك تلبيس على المسلمين بل نحذر منهم ونفضحهم .
وهذا كحال الجعد بن درهم ، والجهم بن صفوان ، والعلاف ، والنظام ، وغيرهم من دعة البدعة ، ورؤوسها ، قديماً ومن سار على دربهم حديثاً .
أما من يستخدم هذا المنهج الأخير مع دعاة الإسلام ، وأهل الفضل ، فهو خاطئ وظالم لنفسه .
أقلوا عليهم من اللوم لا أبا لأبيكمو أو سدوا المكان الذي سدوا
ويقول بشار بن برد :
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
وقال أبو تمام :
تريد مبرأ لا عيب فيه وهل عود يفرح بلا دخان
ويقول النابغة الذبياني أما النعمان بن المنذر :
ولست بمستبق أخاً لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب
أسـأل الله لي ولكم أن يجنبنا الخلاف والزلل ، وأن يوقفنا للاعتصام بكتابه وسنة نبيه (صلي الله عليه وسلم ) .
والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .
كنتم خير أمــة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد :
فما هي الضوابط التي يقوم عليها الأمر بالمعروف ؟
ما هي آداب الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر ؟
ما هي أهمية ومواصفاته ؟
ما هو دوره في تغيير المنكر والأمر بالمعروف ؟
هذه القضايا هي ما سأتطرق إليه في الورقات إن شاء الله .
أعلموا ، بارك الله فيكم ، أن أهل السنة عدوا الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، الركن السادس من أركان الإسلام ، وأوجبوه وجوباً قطعياً .
وقد تكلم شيخ الإسلام في المجلد الثامن والعشرين من فتاويه عن هذا وقال ما معناه : إن من مميزات الأمة الإسلامية أن اله فضلها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
فالأمم التي سبقتها لم تأمر كلها بالمعروف ، أو تنهي عن المنكر .
بل كان يأمر بعضها ببعض المعروف ، وبعضها ينهي عن بعض المنكر ، فلما أتى الله بالأمة الإسلامية الرائدة الخالدة ، أمة الكتاب والسنة الأمة التي نصبت جبهتها للشمس لترفع ؛ لا إله إلا الله ، قال لها الله : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )(آل عمران: من الآية110) .
وهذه الآية قرأها عمر بن الخطاب ، فقال : والذي نفسي بيده لا يتم أول الآية حتى يتم آخرها .
أي : لا نكون خير أمة حتى نأمر بالمعروف ، وننهي عن المنكر ، ونؤمن بالله .
نأمر بالمعروف ، ولو كان السيف على الرأس ، وننهي عن المنكر ، ولو كان الموت يتحشرج في الحناجر.
وأنا أذكر قصتين لعالمين رائعين زاهدين عابدين من علماء الإسلام حول هذا .
أولهما : طاووس بن كيسان ، عابد مولى من الموالي ، ولكن رفعه الله في التقوى والعلم .
كان زاهداً من علماء اليمن ، من تلاميذ أبن عباس رضي الله عنهما ، وأرضاهما .
وهو راوية ثقة ثبت إمام ، بل زاد بعضهم في صفته : ثبت إمام حجة لا يسأل عن مثله .
تعلم على يد ابن عباس ، وذهب إلى اليمن ، فكان يقول الحق ، ولو كان مراً .
يدخل على محمد الثقفي ، أخو الحجاج بن يوسف ، وكان في اليمن : ظالماً ، غاشماً ، سفاكاً للدماء ، فيأمره بالمعروف ، وينهاه عن المنكر .
أعطاه مرة كساء ، فأخذ الكساء من على رأسه ، فوضعه تحت أرجله في الأرض .
فقال : ما لك ؟
قال : ما أتيتك لتكسوني ، وإنما أتيتك لآمرك بالمعروف وأنهاك عن المنكر .
قال : وهل عندي منكر ؟
قال : الظلم ببابك فاشٍ ( يعني منتشر ) .
ذهب إلى العراق ، إلى بغداد ، إلى دار السلام ليقابل أبا جعفر المنصور ، وأبو جعفر هذا من دهاة ملوك الأرض .
دخل عليه فجلس .
فقال له أبو جعفر ، يريد أن يخجله أمام الجالسين ، وكان على أنف أبي جعفر ذباب ، كلما طرده عاد ، فوقع على أنفه ، فقال أبو جعفر لطاووس : يا طاووس لماذا خلق الله الذباب ؟ ما هي الحكمة من خلق الذباب ؟
قال طاووس : يا أمير المؤمنين ، خلق الله الذباب ليذل به أنوف الطغاة !
هذا أحسن جواب سمع في التاريخ .
أما العالم الثاني : فهو الأوزاعي ، الإمام العظيم ، الذي لما سئل عنه بعض أهل العلم فقال : لا يسأل عنه مثله .
قيل : رؤى في المنام أن نجماً هوى من السماء .
فقيل لبعض العلماء : ما تأويل ذلكم ؟
قال : إن صدقت رؤياك ، فقد مات الأوزاعي .
وسأل رجل أحد تابعي التابعين : رأيت ريحانة قطعت من الأرض ، فارتفعت إلى السماء .
قال : الأوزاعي يموت .
قال عبد الله بن على عم السفاح لجلاسه من الوزراء والقواد : هل تعلمون أحداً يعارضني في أفعالي ؟
لأنه قتل وسفك وظلم .
قالوا : لا نعلم إلا أن يكون الأوزاعي .
فأمر به أن يأتي .
فذهبوا إلى الأوزاعي ، فقالوا : يريدك عبد الله بن علي عم السفاح .
قال : الله المستعان ، انتظروني قبليلاً .
فذهب ، واغتسل ، ولبس أكفانه من تحت الثياب ، وأتى إليه ، ومعه عصا يتوكأ عليها ، لأنه في الستين أو فوق الستين ، وقد اصبح قريباً من القمر .
قال : فدخلت عليه ، وبيد عبد الله بن علي خيزران ، وقد غضب وانعقد على جبينه عرق من الغضب .
قال : من أنت ؟
قال : أنا الأوزاعي .
قال : ما رأيك في الدماء التي سفكناها .
قال : لا يجوز لك ، ولا يحل لك ، حدثني فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) أنه قال ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) .
قال : فنكت بالخيزران في الأرض ، وحوله الوزراء ، فرأيتهم يقبضون ثيابهم خوفاً من دمي أن لا يرش ثيابهم .
فقال : والأموال التي أخذناها ؟
قال : إن كانت حلالاً فحساب ، وإن كانت حراماً فعقاب .
قال : خذ من أموالنا ما شئت .
قال : لا أريد أموالك .
قال ك فسلم لي بدرة فيها مبلغ من المال .
فوزعه الأوزاعي على الجنود ورمى بالبدرة ، وقد فرغت عند قدمه .
قال : فغضب غضباً ما غضب مثله أبداً ، وانتظرت أن يأمر بقتلي بالسيف ، ولكن خرجت من الباب إلى الناس دون سوء .
فقالوا : كيف نجاك الله يا أوزاعي ؟
قال : والله الذي لا إله إلا هو ، لما دخلت عليه تصورت أنه على كرسيه كالذباب ، والله ما تذكرت إلا الله بارز على كرسيه ، يوم العرض الأكبر .
سبحانه !
وابن تيمية دخل الإسكندرية ، فاجتمع الناس يريدون قتله من غلاة الصوفية والمبتدعة .
فقال له الناس : يا أبن تيمية ، يريد هؤلاء أن يقتلوك .
قال : كأنهم والله مثل الذباب عندي .
وقد مر معنا كثيراً أن أبي ذئب المحدث الكبير جلس يدرس في مسجد الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) ، فدخل المهدي بن أبي جعفر المنصور الخليفة ، فقام أهل المسجد جميعاً إلا ابن أبي ذئب ما قام .
قال : لماذا لم تقم يا ابن أبي ذئب ؟
قال : والله ، كدت أن أقوم لك، فتذكرت قوله سبحانه وتعالى: ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)(المطففين:6) فتركت القيام لذاك اليوم !
قال : اجلس ، والله ما بقيت شعرة في رأسي إلا قامت .
الشاهد من هذا : أن الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، فريضة على الأمة .
ولكن له ضوابط وله حدود وله آداب فلنستمع إلى ذلك .
أما فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : فقوله سبحانه وتعالى : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: من الآية110) .
ويقول الله عز وجل : ( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) (النساء: من الآية114) فلا خير في كلام الناس ، إلا من أمر بالمعروف ، ونهى عن المنكر،أو أصلح بين الناس ، أو أمر بصدقة .
وقال سبحانه عن قرية بني إسرائيل : ( وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (لأعراف:163) ، ففي يوم السبت ، يحرم الله عليهم أن يصطادوا ، فكانت تأتي الأسماك إلى ساحل البحر يوم السبت ، حتى تقفز على الناس ، فإذا انتهى يوم السبت هربت .
وكل هذا ابتلاء من الله لهم .
فلم يعجبهم هذا .
وفكروا في حيلة يحصلون بها على السمك ، دون أن يخالفوا أمر الله بزعمهم .
فوضعوا خنادق وشباك تحبس السمك ، إذا دخل منطقتهم ، حتى إذا كان يوم الأحد اصطادوه .
فانقسم الناس ثلاثة أقسام في القرية :
قسم فعلوا هذه الفعلة النكراء ، والداهية الدهياء ، وعصوا رب الأرض والسماء .
وقسم آخر سكت كالشيطان الأخرس ، فما تكلموا بشيء ، بل قال أحدهم : نفسي نَفسي .
وقسم ثالث : قالوا : هذا خطأ وهذا منكر : خافوا الله ، اتقوا الله .
وأتى هؤلاء الصالحون ، فقالوا للفاسقين : لا نساكنكم في أرضكم أنتم في جهة من القرية، ونحن في جهة ، وبنوا بينهم سوراً عظيماً .
فجاء عذاب الله ، فقال سبحانه للفاسقين : ( كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (البقرة: من الآية65).
فأمسوا من بني آدم ، وعندما قاموا في الصباح ، كانوا قد انقلبوا إلى قردة .
أما الطائفة الثالثة : وهم الآمرون الناهون ، فنجاهم سبحانه وتعالى .
وأما الطائفة الثانية ، فتوقف العلماء فيها .
وإن كانوا إلى الهلاك أقرب .
وفي بعض الآثار : أن عابداً من بني إسرائيل ، اعتزل في قريته ، وكان يصلي ، ويصوم ، ويعبد الله ، لكنه لا ينكر المنكرات حوله : من الزنا ، والربا ، وشهادة الزور ، والغضب ، والقتل .
فأمر الله جبريل أن يدمر القرية العاصية .
فذهب جبريل إليها ، فرأى العابد في دعاء إلى الله .
قال : يا رب ، عبد في القرية يعبدك !! فكيف ندمره معهم ؟؟
قال : به فابدأ ، إنه لم يتمعر وجه للمنكر ، أو كما قال عز وجل من قائل .
فعلم من ذلك : خطورة السكوت على المنكر ، وأن الإنسان الذي يعيش سلبياً في المجتمع ، ليس هو بمسلم حقاً ، يعني : بكامل الإسلام .
صحيح ، قد ينجو في الآخرة ، لكنه أساء لدينه ، وأساء لمستقبله ، ولأمته ، ولبلاده .
فعن أبي سعيد قال : قال رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) .
قال بعض أهل العلم : في هذا الحديث ، يتحدث الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) عن طوائف ثلاث .
(من رأى منكم منكراً فليغيره ) هذا لأهل السلطـة التنفيذية ، للقضاة وللأمراء ، ولمن في يدهم سوط وسيف.
( فإن لم يستطع فبلسانه ) هذا للدعاة والعلماء وطلبة العلم .
(فإن لم يستطع فبقلبه ) هذا للذين لا يملكون حجة وبياناً ، ولا سيفاً وسناناً ، يعني ليسوا من الدعاة والعلماء ، وليسوا من الأمراء والقضاة ، فعلى هؤلاء أن ينكروا بقلوبهم .
وقيل : بل على المسلم أن ينهي أولاً بيده إن استطاع ، فإن لم يستطع بيده فبلسانه بأن يتكلم ، لكن إذا خشي الضر فينكر بقلبه ، إلا أن الحديث على التدريج وهو الأقرب ، بل هو الصواب .
وقف أبو بكر ، رضي الله عنه ، على المنبر فقال : يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتحملونها على غير محملها ، وهي قوله سبحانه وتعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) (المائدة: من الآية105) . وإني سمعت الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) يقول : (إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده ) .
فبعض الناس يفهم الآية هكذا ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) (المائدة: من الآية105) أي : استقيموا أنتم ، وأقيموا أمر الله ، ولا دخل لكم بالآخرين مهما فعلوا .
وهذا خطأ !
بل معنى الآية : أنكم إذا أمرتم ونهيتم ، فلا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، بعد أن تأمروا وتنهوا .
وقال ( صلي الله عليه وسلم ) : ( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يد السفيه ، ولتأطرنه على الحق أطراً ، أو ليخالفن الله بين قلوبكم ، ثم يلعنكم كما لعن الذين من قبلكم ) نعوذ بالله من لعنة الله .
والله سبحانه يقول : ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة:79) .
أما أسس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : فهي ستة ، من لم يقم بها فقد نقص عليه شيء من مؤهلات ، ومواصفات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
أولها : العلم بالمعروف والعلم بالمنكر ، ولا يعلم ذلك إلا بالكتاب والسنة ، فلا نأمر بشيء ، أو ننهي عن شيء ، ومعنا دليل على أنه من الشريعة .
الثاني : الحكمة في الأمر النهي ؛ لأن الجاهل والسفيه يفسد أكثر مما يصلح .
مثل من يريد تغيير منكر ، فيجر على الأمة سفك الدماء ، واختلاف الكلمة وتشتيت الأطفال ، والحبس ، وتشريد النساء ، فهذا أساء وليس بحكيم .
بل إبقاء المنكر ، كما هو الحال أحسن من استحداث فتنة أعظم ؛ لأن المقصود قوله سـبحانه وتعالى : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ )(البقرة: من الآية193) فمن قاتل لتكون فتنة ، فما أحسن بل أساء .
الثالث : تحصيل المصلحة من الأمر والنهي .
فإذا علمت أن هؤلاء يعودون من الضلالة إلى الهدى ، ويصلح حالهم ، فلك أن تأمرهم ، أما إنسان يأمر بعض الناس ، ويعلم أنه سوف يزداد شراً ، ويزداد خبثاً ، فإن المصلحة بأن لا تأمر وأن لا تنهي .
كأن تأتي إلى بعض الناس ، وهو جالس ، وتدعوه إلى الله ، وتعلم أنه سوف يسب الله إذا دعوته ، فالمصلحة : أن لا تدعوه وأن لا تنهاه ( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (الأنعام: من الآية108) .
وقد وجد من الصالحين أنه دعا بعض الناس بعنف إلى سيرة الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) ، فسب هذا المعرض رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) !!
الرابع : التدرج في المأمورات والمنهيات ، فتبدأ بالعقيدة وبالفرائض قبل غيرها .
فلا يصح أن نأتي إلى مجتمع ، لا يقيم الصلوات ، وندعوه إلى تربية اللحية ، وماذا ينفعنا أن يربي الناس لحاهم ؟ لكن ما عندهم إيمان .
والرسول ( صلي الله عليه وسلم ) بعث والخمر يشرب داخل الحرم ، فما قال لهم : الخمر حرام ؛ لأنهم وثنيون قد فسدت عقائدهم من أساسها ، ووقعوا فيما هو أعظم من الخمر ألا وهو الشرك .
فكان ( صلي الله عليه وسلم ) يقول لهم : ( قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا ) .
أرسل ( صلي الله عليه وسلم ) معاذ بن جبل إلى اليمن فقال : ( ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة) ثم تدرج إلى الزكاة .
الخامس : الصبر والحلم والصفح فهو من ضروريات الداعية المسلم .
يقول لقمان عليه السلام لابنه : ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ) (لقمان: من الآية17) . قال أهل العلم : إنما قال : ( وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ) لأنك سوف تبتلى وتؤذى ، ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت:2) .
لقد ضربوا الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) وشجوه حتى سال الدم من وجهه الشريف ، فكان يقول : (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) .
السادس : عمل الآمر بالمعروف بما أمر به ، واجتنابه المنكر الذي ينهى عنه ، فهذا ضرورة ، فإن الله لا يجعل تأثيراً ولا قبولاً لمن يخالف قوله فعله .
يقول سبحانه وتعالى عن شعيب : ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود: من الآية88) .
قال : ما أريد أن أنهاكم عن شيء ، وأفعل هذا الشيء ، أو آمركم بشيء وأتي هذا الشيء .
لكن هذا يحتاج إلى تفصيل .
فإنه لا يلزمك أن تفعل النوافل التي تقولها وتأمر بها .
ويلزمك أن تفعل الفرائض التي تقولها للناس .
مثل أن تأمر الناس بالصدقة ، وقد لا يكون عندك عشاء ليلة .. فمن أين تتصدق ؟
وقد تدعوهم إلى قيام الليل ، لكنك لا تستطيع في بعض الفترات أن تقوم ، فعليك أن تدعو وتواصل ، فالنوافل أمرها في سعة ، أما الفرائض فلابد منها ، وهي المعنية بقول تعالى : ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:44) .
· هديه ( صلي الله عليه وسلم ) في الأمر والنهي :
أما هديه ( صلي الله عليه وسلم ) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكما يلي :
أولها : الدعوة إلى العقيدة : فقد وقف ( صلي الله عليه وسلم ) على الصفا فجمع الناس وقال : ( يا أيها الناس !! يا بني عبد مناف ! يا بني هاشم : يا بني كعب بن لؤي !! يا بني تميم !! ) فاجتمعوا جميعاً حتى ملؤوا الحرم والوادي بين الصفا والمروة .
فقال : ( يا أيها الناس لو أخبرتكم بأن خيلاً ببطن هذا الوادي تريد أن تصبحكم أو مصدقي أنتم ) ؟
قالوا : ما جربنا عليك كذباً
قال : ( فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك لا أملك لك من الله شيئاً ، يا عباس بن عبد المطلب أنقذ نفسك ، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً ) .
فلما انتهى ، قام أبو لهب ، وقال : تباً لك سائر اليوم .
فتولى الله الرد عليه من فوق سبع سماوات : ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) (المسد:1) .
فما زاد ( صلي الله عليه وسلم ) على الدعوة إلى العقيدة ثلاث عشرة سنة .
وبدأ ( صلي الله عليه وسلم ) بنفسه ثم بأقاربه ثم بالناس .
فكان هديه ( صلي الله عليه وسلم ) أن يبدأ بالقرابة قبل الناس ، وهذا هو الأمر الثاني من هديه ( صلي الله عليه وسلم ) .
الثالث : اللطف واللين : فما يوجد ألطف من محمد ( صلي الله عليه وسلم ) . ولذلك قال عنه سبحانه وتعالى : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (آل عمران: من الآية159) وقال له : ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4) .
وكان يجلس في المسجد ( صلي الله عليه وسلم ) ، ومعه أصحابه ، فيأتي أعرابي ، فيبول في طرف المسجد ، فيقوم الصحابة ، ويريدون أن يضربوه .
فقال ( صلي الله عليه وسلم ) : ( لا تزرموه ـ وفي رواية ـ لا تقطعوا عليه بوله ) فلما انتهى استدعاه (صلي الله عليه وسلم ) وقال : ( إن المساجد لا تصلح للأذى ولا للقذر ، وإنما هي للصلاة والذكر والتسبيح ..) ثم أم بذنوب ماء فطهر به مكان البول .
فانتهت المشكلة واستفاد الأعرابي .
ولو تركهم ( صلي الله عليه وسلم ) فضربوه لهرب من المسجد ، ثم كفر بالله ، ثم أصبح شائعة مغرضة ضد الإسلام ، ونفر الناس عن الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) .
فقام الرجل وتوضأ وأتى ليصلي ، وفي التحيات قال في التشهد الأخير : اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً !
فالتفت ( صلي الله عليه وسلم ) بعد الصلاة ، وقال : ( من الذي دعا آنفاً ) ؟
وهو يعرف ( صلي الله عليه وسلم ) أنه الأعرابي .
فقال الأعرابي : أنا وما أردت إلا الخير .
قال : ( لقد حجرت واسعاً ) يعني : ضيقت رحمة الله ، التي وسعت كل شيء ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (لأعراف: من الآية156) ، فعاد إلى قومه فأخبرهم بأخلاق الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) فدخلوا في دين الله أفواجاً .
هذا هو اللين واللطافة في دعوته ( صلي الله عليه وسلم ) ، وكذا دعوة كل نبي .
أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون فقال لهما : ( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طـه:44) .
يقول ابن عباس : القول اللين : أن يمنياه بالملك ، والشباب والصحة .
فيقولا لفرعون : إذا أسلمت متعك الله بشبابك ، ومتعك بملك ، ومتعك بصحتك .
وقيل معنى القول اللين : أن يكنياه لكي يشعر باهتمامهما له فيقبل الدعوة .
أكــنـيـه حــيـن أنـاديـه لأكــرمـه ولا ألـقــبـه والـســـوءة الـلـقــب
كـذاك أدبـت حـتـى صـار مـن خـلـقي أنـي وجـدت مــلاك الـشـيـمـة الأدب
ولذلك يهتم بعض الناس الدعاة للتنازل في بعض الكلمات التي لها مقاصد ، وقدوتهم في ذلك موسى ومحمد ( صلي الله عليه وسلم ) .
لأن القلوب لا تنقاد إلا بالأسلوب الحسن .
دخل رجل من الوعاظ على هارون الرشيد فقال : يا هارون استمع إلى لأقولن لك اليوم كلاماً شديداً .
قال : والله ، لا أسمع ، والله لا أسمع ، والله لا أسمع .
قال : ولم ؟
قال : أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني ، فقال له ( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طـه:44) .
كان أسلوبه ( صلي الله عليه وسلم ) : اللين والدخول إلى قلوب الناس .
نحن نتحدى أن يوجد في كتب السنة ، أو كتب السيرة كلمة بذيئة يقولها الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) .
فهل سمعتم أنه قال لكافر زنديق : ( يا حمار ) ! أو ( يا قبيح ) ؟
لقد كان ( صلي الله عليه وسلم ) عفيفاً قريباً من القلوب حتى أسر الناس .
وفي ( السيرة ) لابن هشام أن أبا سفيان لما عفي عنه ( صلي الله عليه وسلم ) بكى وقال : لا إله إلا الله ما أرحمك ! ولا إله إلا الله ما أبرك ! ولا إله إلا الله ما أوصلك !
على الرغم من أن أبا سفيان قد آذى الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) كثيراً .
الرابع : من أساليبه ( صلي الله عليه وسلم ) في الأمر والنهي وهو : التورية في الخطاب ، لأن الفضيحة ليست بنصيحة .
ولا يكسب الداعية الذي يفضح الناس على رؤوس الأشهاد شيئاً .
كتب الإمام الشافعي رسالة لأحمد بن حنبل يقول فيها :
أحـب الـصـالـحـيـن ولـسـت مـنهـم لـعــلـي أن أنـال بـهـم شــفــاعــه
وأكـره مـن تـجـارتـه الـمـعــاصـي ولـو كـنـا ســواء فـي الـبـضـاعــه
تـعـمـدنـي بـنـصـحـك فـي انـفـراد وجـنـبـني النـصـيـحـة في الجـمـاعـه
فـإن الـنـصــح بـيـن الـنـاس نــوع مـن التـوبـيـخ لا أرضـى اسـتـمـاعــه
فـإن خـالـفـتـني وعـصـيـت أمــري فـلا تـجــزع إذا لـم تـعـط طــاعــه
تريد أن تهديني ، فتفضحني أمام الناس .
تريد أن تقودني إلى الجنة ، بعد أن تشهر بي على رؤوس الأشهاد .
قلبي لا يرضى هذا أبداً ، فهذه طبيعة وضعها الله في الناس .
ولذلك كان ( صلي الله عليه وسلم ) يقول : ( ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ) . فيعرف صاحب الخطأ خطأه ، فيتراجع عنه دون فضيحة أو تشهير .
استعمل ( صلي الله عليه وسلم ) رجلاً يقال له : ابن اللتبية على الصدقات .
فذهب ليجمعها وعاد إلى النبي ( صلي الله عليه وسلم ) بأموال وأنعام كثيرة .
فاستغرب ( صلي الله عليه وسلم ) وقال له : ما هذه ؟
قال : هذه لي وهذه لكم !
فغضب ( صلي الله عليه وسلم ) وقام على المنبر فقال : ( ما بال أقوام أرسلهم لجمع الصدقات فيأتي أحدهم فيقول : هذا لكم وهذا أهدي إلي ، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه ؟ والذي نفسي بيده لا يأخذون قليلاً أو كثيراً إلا أدوه يوم القيامة ) أو كما قال ( صلي الله عليه وسلم ) .
فقام رجل أسمر من الأنصار من الأمراء ، فقال : خذ عملك ، يا رسول الله .
فقال : لم ؟
قال : سمعتك تقول ما قلت الآن .
قال : ( وأنا أقوله : والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد قليلاً ولا كثيراً إلا أداه يوم القيامة ) .
الشاهد أنه ( صلي الله عليه وسلم ) لم يشهر بالرجل على رؤوس الأشهاد على رغم من خطئه ، ولكنه (صلي الله عليه وسلم ) جعل النصيحة عامة ، ليستفيد الجميع ، ولا يظنوا أنها خاصة بذاك الرجل .
من هم أهل الحسبة في الإسلام ؟
أهل الحسبة قوم اختلفوا إلا القليل في هذا العصر .
وتعريفهم كما قال أهل العلم : هم طائفة من المؤمنين جندوا أنفسهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والدعوة إلى الخير ، طلباً للأجر من الله سبحانه وتعالى ، وإصلاحاً للبلاد والعباد .
هذه مواصفاتهم ، فليس عندهم ألغاز ولا أحاجي ، ولا عندهم متفجرات ولا أسلحة بل عندهم إصلاح الناس .
يعني يأخذون الإنسان من الخمارة إلى طريق الجنة .
ويأخذون الإنسان الضائع ، العربيد ، المغني ، الراقص ، ويقلون له : هذه طريق الجنة ، فأسلكها .
ولا يلزم أن يكونوا موظفين ، عندهم بطاقات ، بل يلزم أن يكون عندهم شيء من الفهم ، والعقل ، والخوف من الله ، والإخلاص ، وطاعة ولاة الأمر في طاعة الله ، ورفع المنكرات إليهم ليقوموا بوقفها .
وأعظم من اشتغل بالحسبة ، هم أصحاب الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) والتابعين ، وعلى رأسهم : سعيد بن المسيب ؛ الذي كان ينزل إلى أسواق المدينة ، فينهي ويأمر .
وعروة بن الزبير ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة .
إلى أن وصل الحال إلى شيخ الإسلام ، فأعلن الحسبة بطائفة من الناس معه .
فكان ينزل إلى سوق دمشق ، فيأمر ، وينهي ، ويقيم الحدود ؛ لأنه وجد في عهده من لا يقيم الحدود فأقامها بنفسه ، بل كان يحلق رؤوس الصبيان بنفسه ! لأنه لم يجد من يفعل ذلك في عهده .
أما المواطن التي يتواجد فيها أهل الحسبة ، فهي : النوادي ، وتجمعات الناس ، والأسواق ، ودكاكين الباعة، وأهل الخياطة ، والمجالس العامة ، والحوانيت ، فيأمرون وينهون بالحكمة ، والموعظة الحسنة .
فلا يقتصرون على المسجد فقط ؛ لأن محمد ( صلي الله عليه وسلم ) دخل سوق عكاظ ، وكانت فيه مخالفات كثيرة ، فدعا إلى لا إله إلا الله .
والداعية يدخل إلى المقاهي مثلاً ؛ لأن الذين في المساجد غالباً هم أولياء الله عز وجل ، أما العصاة فهم لا يتواجدون إلا في المقاهي ونحوها .
أما وسائل أهل الحسبة فهي كل وسيلة وجدت ، وتخدم الدعوة والأمر ، والنهي ، ولم تكن محرمة بنص من الكتاب والسنة .
أقول هذا ، وهو معلوم لديكم ، لأن بعض الشباب ، وهم قلة ، ولله الحمد تركوا الوسائل المعاصرة ، التي تخدم دعوتهم ، وارتضوا بأن يكون حالهم كحال الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) والصحابة حتى ينصرهم الله .
فتركوا السيارات ، والطائرات ، والميكرفون ، والمسجلات ، والأشرطة ، بدعوى أنها محدثة .
وهذا فهم مغلوط ؛ لأن الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) استخدم ما تيسر له من وسائل في عهده ما لم تكن محرمة .
ونحن كذلك .
والله عز وجل يقول : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) (لأنفال: من الآية60) أليس من القوة أن يأخذ هذه الوسائل ونستخدمها ؟
أيها الأخوة .. أوصيكم ونفسي إن كنا نريد النجاة .. بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بأن نقيمه في واقعنا ، وفي بيوتنا ، وفي حاراتنا ، وأسواقنا بحسب ما نستطيع .
وأن يقوم أهل الحي بالدعوة لمن يرون فيه تقصيراً من الجيران ، أو من المحلات التجارية ، التي تبيع المحرمات ، فينصحه هذا ، ويتلوه الآخر ، ثم الثالث .
حتى يعلم أن الأمة لا زالت بخير ، وأن الناس قد تغيرت اتجاهاتهم وميولهم ، وتطلعاتهم ، فيرعوي عن منكره .
وأما السلبية التي تصيب الشاب ، وهو يرى المنكرات أمام عينيه ، فلا يتحرك ، ولا يأمر ولو بكلمة ، فهذا مما يقسي القلب ، ويجعل لله سلطاناً على نفسه أن يصيبه بعذاب من عنده .
فالنجاة ! النجاة ! فالله يقول : ( أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)(لأعراف: من الآية165) .
أسأل الله لي ولكم التوفيق ، وأن يجعلنا من الآمرين بالمعروف ، الناهين عن المنكر ، الداعين إلى الخير .
والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .
الرفــق
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .
أما بعد ..
فقد قالت عائشة رضي الله عنها : دخل رهط من اليهود على الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) فقالوا : السامُ عليكم .
قالت عائشة : ففهمتها ، فقلت : وعليكم السامُ واللعنة .
فقال رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) : ( مهلاً يا عائشة !! إن الله يحب الرفق في الأمر كله ) .
فقلت : يا رسول الله أو لم تسمع ما قالوا ؟
فقال ( صلي الله عليه وسلم ) : ( قد قلت : وعليكم ) .
في الحديث مسائل :
أولاً : كيف يدخل اليهود على الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) ؟
والجواب : أنهم يدخلون ، كما يدخل المرضى على الطبيب .
والداعية لابد أن يتسع صدره للناس ، ولابد أن يجلس مع اليهود والنصارى ، والعلمانيين ، والماسونيين ، والشيوعيين ، لأنهم مرضى .
والطبيب إذا حجر على نفسه أن يدخل عليه المريض ، فمن يشفي المريض بإذن الله ؟
وأنت ترى القرآن يفتح جبهات عديدة عليهم ، فبينما هو في سورة البقرة يتحدث عن المنافقين ، وإذا هو مع اليهود ، وبعد فترة مع النصارى وبعد فترة مع من أنكر وجود الله ، أو ألوهية الله ، إلى غير ذلك .
فهو ( صلي الله عليه وسلم ) قد أكل مع اليهود ، وزار اليهود ، وتحدث مع اليهود ، وجادل اليهود ، وفتح مجلس حوار مع اليهود فقال : ( قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا) (الأنعام: من الآية148) .
ويقول لهم ( صلي الله عليه وسلم ) بمنطق القرآن : ( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة: من الآية111) ، ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (البقرة: من الآية89) .
أخذ يحاورهم ( صلي الله عليه وسلم ) من أكبر قضية إلى أصغر قضية ، وينازلهم بالأدلة ، فبعضهم أسلم وبعضهم قال : لا .
فدخل اليهود فقالوا للرسول ( صلي الله عليه وسلم ) في هذا المجلس : السامُ عليكم .
والسام معناه : الموت .
يعني : الموت عليكم ، أي : على الرسول ، وعلى المسلمين !
وظنوا أن الكلمة سوف تضيع في الزحام .
قالوا : السام ُ عليكم ، وهم لا يريدون السلام ، للإسلام ، ولا للرسول ( صلي الله عليه وسلم ) ، لا سلمهم الله ولا حياهم ولا بياهم ، بل يريدون الهلاك .
وقيل : السام : الثعبان .
وقيل : الحية الرقطاء ، وكلها سواء .
خـذا جـانـبـي هـرشـاً أو قـفـاهـا فـإنـه كـلا جـانـبـي هـرشـا لـهـن طـريـق
فسمع ( صلي الله عليه وسلم ) الكلمة ، وهي كلمة نابية ، وكلمة مؤذية ، وكلمة تجرح المشاعر ، خاصة من اليهود ، وخاصة أنها قيلت لمحمد ( صلي الله عليه وسلم ) .
ولو قيلت لغيره ( صلي الله عليه وسلم ) ، لأدمى ظهورهم جلداً ، أو لسحبهم على وجوههم على الرصيف، لأنه يملك القوة ، وبيده السيوف ، وعنده المهاجرون والأنصار ، يشربون دم اليهود شرب الماء .
لكنه تغافل ( صلي الله عليه وسلم ) عنها .
فقالت عائشة من وراء الستار ، وكان بينهما وبين الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) حجاب عليكم السام واللعنة .
فزادت هي على الصاع صاعين !
فقال ( صلي الله عليه وسلم ) : (مهلاً يا عائشة ) .
لماذا هذا الكلام ؟ فليس في قاموسه ( صلي الله عليه وسلم ) كلمات نابية ، بل دستوره أبيض .
وأنا أتحدى أن يوجد في كتب السنة التي بين أيدينا كلمة نابية ، أو كلمة تشمئز منها النفوس قد قالها ( صلي الله عليه وسلم ) .
فعلى ركبه فليمض الدعاة والخطباء ، حيث لا تجريح ، ولا تشهير ولا سب .
فرعون سفاك ، قتل الرجال ، وسفك كرامة النساء ، وقتل الأطفال وكفر بالله ، ودنس التاريخ تحت قدميه .
فأرسل الله له موسى وهارون ، وفي الطريق أوصاهما الله بفن الدعوة فقال : ( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طـه:44) .
قيل لأحد الصالحين : ما هو السحر الحلال ؟
قال : هو القول اللين .
وقيل لأحدهم : ما هو السحر الحلال ؟
قال : تبسمك ف وجوه الرجال .
فقال ( صلي الله عليه وسلم ) : ( مهلاً يا عائشة ) .
ومهلاً : كلمة تطلب للتريث في الشيء .
يقال : مهلاً مَهلاً ، يعني تريث .
قال ( صلي الله عليه وسلم ) : (مهلاً ) أي تمهلي فليس هذا هو الأدب ، وليس هو من سنتي أن أفعل هذا في هذه المواقف .
لماذا اللعنة ؟
ولماذا الأذى ؟
قال ( صلي الله عليه وسلم ) : ( مهلاً يا عائشة ) ثم أتى بقاعدة : ( إن الله يحب الرفق في الأمر كله ) .
والرفق : طلب الميسور ، والرفق هو : السهولة ، والرفق : منهج رباني ، أنزله سبحانه وتعالى ، على محمد ( صلي الله عليه وسلم ) .
ولابد من قضية للرفق أن نعيشها عملاً مع الناس .
وأن نتعامل بها .
فالرفق يكون في العبادة ، فلا نشدد على أنفسنا ، ولا نشدد على الناس ، فنبغض دين الله إلى الناس .
الرفق مثل ما كان يفعل ( صلي الله عليه وسلم ) ، حيث صلى التراويح ليلتين ، وخاف أن يجتمع الناس في الليلة الثالثة ، فيفرضها الله ، فاختفى في بيته ، ثم قال : ( خشيت أن تفرض عليكم ) .
جاءه ثلاثة شباب ، وطافوا ببيته ، فسألوا عن عبادته فتقالوها !
فقال أحدهم : أما أنا فلا أتزوج النساء .
وقال الثاني : أما أنا فلا أنام الليل .
وقال الثالث : أما أنا فلا أفطر النهار .
فقال ( صلي الله عليه وسلم ) : ( إن أعلمكم بالله وأخشاكم أنا ) ، يعني : هو الواسطة بيننا وبين الله في التبليغ .
ثم قال : ( لكني أتزوج النساء ، وأنام وأقوم ، وأصوم وأفطر ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) .
ويقول ( صلي الله عليه وسلم ) عن الخوارج : ( تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم ، وصيامكم إلى صيامهم ، وقيامكم إلى قيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ) لأنهم عبدوا بلا فهم وبلا فقه .
وهذا مثل من يريد أن يربي الشباب ، أو يقود مجتمعاً على غير علم بل فقط بالعـواطف والنشيد والتمثيليات .
دون أن يقودهم بالعلم الشرعي ، والمنهج السليم الواضح .
قوله ( صلي الله عليه وسلم ) : ( إن الله يحب الرفق ) ، والحب : صفة له سبحانه وتعالى ، تليق بجلاله ، فهو يحب الصالحين ، ويحب الصابرين ، ويحب التوابين ، ويحب المتطهرين ، ويحب المحسنين .
ويكره ، سبحانه وتعالى ، الكفرة ، ويكره الفجرة ، ويكره الكذب ، ويكره الفواحش ، فنثبت صفاته كما أثبتها هو لنفسه ، وكما أثبتها له رسول ( صلي الله عليه وسلم ) ، من غير تلييف ، ولا تحريف ، ولا تمثيل ، ولا تعطيل .
( إن الله يحب الرفق ) .
الرفق في القول : هو أيسره
وفي الأفعال أسهلها .
وفي الأحوال : أنبلها .
فالواجب على المسلمين ، لا سيما الدعاة وطلبة العلم : أن يتحلوا بالرفق في دعوتهم ، ليكسبوا قلوب الناس كما كسبها محمد ( صلي الله عليه وسلم ) .
وأن يتحملوا منهم الأذى قد يرد ، لأنه لا دعوة إلا بأذى ، ولكن زاد الداعية تجاه ذلك : الرفق والصبر ، حتى يتمم الله على يديه الخير العظيم .
أسال الله لي ولكم الرفق في جميع أمورنا .
والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .
الخاتمة نسأل الله حـسنها
وبعد فهذا ما يسر الله عز وجل لي جمعه من مسائل في التوحيد ، وأبحاث في العقيدة ، والتوحيد أكبر وأهم من أن تحويه وتحيط به هذه المقالات ، ولكنها غيض من فيض ، على أن نعاود الكرة ، بحول الله تعالى ، لإضافة ما يبدو لي من أبحاث التوحيد والإيمان ، وأنا أبرا إلى الله عز وجل من كل قول خالف مراد الله عز وجل ومراد رسوله ( صلي الله عليه وسلم ) ، وأسأله سبحانه الإعانة على حزن الأمر وسهله وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل ، والسر والعلن .
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
وسبحانك اللهم وبحمدك ، نشهد أن لا إله إلا أنت ، نستغفرك ونترب إليك .
وكتب
د/ عائض القرني
أخرجه البخاري ( 1936 ،1937 ،6087) ومسلم (1111) عن أبي هريرة رضي الله عنه .
|