مكتبة الشيخ حمد بن عبدالله الحمد

  المكتبة المقروءة: الفقه : زاد المستقنع
  الطهارة ، الصلاة ، الجنائز ، الزكاة ، الصيام ، المناسك ، الجهاد ، البيع ، الوقف ، الوصايا ، الفرائض ، العتق  ، النكاح ، الطلاق ، الايلاء ، الاظهار ، اللعان ، العدد ، الرضاع ، النفقات ، الجنايات ، الديات ، الحدود ، الأطعمة ، الأيمان ، القضاء ، الشهادات ، الاقرار  
 
  المكتبة الصوتية :
  العقيدة ، الفقة ، الصيام ، الهدي والأضاحي ، الجهاد ، شرح اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية

المكتبة الإسلامية
القرآن الكريم
عدد (6236) اية و تفسيرها
القرآن الكريم
تفسير ابن كثير
الحديث الشريف
اكثر من (9000) حديث
صحيح البخاري
رياض الصالحين
الاربعين النووية
المتون
أكثر من (15) كتاب
زاد المستقنع
بلوغ المرام
مزيد من الكتب
الشيخ ابن عثيمين
مجموع المواد (17398) مادة
المكتبة المقروءة
المكتة الصوتية
دروس الحرمين
الفتاوى
خطب الجمعة
الشيخ خالد المصلح
مجموع المواد (806) مادة
الدروس
المؤلفات
المحاضرات
الفتاوى
شرائد الوائد
الشيخ عائض القرني
مجموع المواد (2447) مادة
المكتبة المقروءة
المكتة الصوتية
المكتبة الشعرية
مقالات
لقاءات
الشيخ سليمان الماجد
مجموع المواد (2570) مادة
مكتبة الفتاوى
مكتبة الدروس
المحاضرات
خطب و كلمات
الشيخ حمد الحمد
مجموع المواد (1290) مادة
الطهارة
الصلاة
الزكاة
المكتبة الصوتية




أوقات الصلاة ( اكثر من 1400 مدينة ) مزيد من المدن
السعودية
مكة المكرمة
المدينة المنورة
الرياض
جدة
الدمام
القصيم
عربية و عالمية
القدس
القاهرة
لندن
نيويورك
طوكيو
باريس
 
[an error occurred while processing this directive]
  الشيخ حمد بن عبدالله الحمد : المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الطهارة
  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الطهارة
باب فروض الوضوء وصفته
 

( فروض ) : الفروض جمع فرض وهو في اللغة : القطع والحز .

أما اصطلاحاً فهو : [ ما أمر به الشارع على وجه الإلزام ] .

فإذن هو مرادف للواجب وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وغيرهم بل هو مذهب جمهور الفقهاء والأصولين .

وذهب الإمام أحمد في رواية وهو مذهب أبي حنيفة إلي أن الفرض آكد من الواجب ، فالفرض عندهم : ما ثبت بدليل قطعي والواجب ما ثبت بدليل ظني .

فعلى القول الأول – وهو قول الجمهور – تسمى الصلاة فرضاً وكذلك الزكاة ، وكذلك إعفاء اللحية يسمى فرضاً أي سواء ثبت بدليل قطعي كالصلاة أو ثبت بدليل ظني كإعفاء اللحية ونحوها من الواجبات

أما على القول الثاني : فالصلاة تسمي فرضاً، لكن مثل إعفاء اللحية ونحوه يقال : إنه  واجب .

وهذا في الحقيقة أولى، لأن هذا الاصطلاح ـ ولا مشاحة في الاصطلاح – فيه تمييز بين الواجبات نفسها .

فالأظهر: هو القول بالتفريق بين الواجب والفرض وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة .

قال المصنف رحمه الله : ( فروضه ستة ) .

يريد بالفروض هنا : أركان الوضوء ، وذلك لأن ما ذكر المؤلف من هذه الست كلها جزء من مَاهِيَّة الوضوء ، وجزء الشيء ركنه .

 

قوله : [ غسل الوجه ]

 هذا هو الفرض الأول ، ودليله قوله تعالى ) فاغسلوا وجوهكم ( وهذا بالإجماع وسيأتي  تفصيل الكلام عليه في  صفة الوضوء .

 

قوله : [ والفم والأنف منه ]

أي المضمضة والاستنشاق من الوجه، فعلى ذلك المضمضة والاستنشاق فرض لأنهما من الوجه ، فالوجه ما يواجه به وهذه الأعضاء تتم بها المواجهة فالفم والأنف تتم بهما المواجهة كما تتم ببقية أجزاء الوجه .

ومن الأدلة على وجوبهما :

 ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : ( إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليَنْتَثِرْ ) فهذا فيه إيجاب الاستنشاق لأمر النبي صلى الله عليه وسلم والأصل في الأمر الوجوب .

وأما المضمضة فدليلها : ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : ( إذا توضأت فمضمض ) فهذا أمر والأمر للوجوب .

ولم يصح عن النبي صلي الله عليه وسلم حديث ألبتة – كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم – أنه ترك المضمضة والاستنشاق فصحَّ أن يكون ذلك من بيان المجمل في القران .

وذهب جمهور أهل العلم: إلي أن المضمضة والاستنشاق سنة .

قالوا : لأن الله عز وجل في الآية إنما أمر بغسل الوجه ولم يأمر بالمضمضة والاستنشاق ، وقد قال صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود بإسناد صحيح : ( توضأ كما أمرك الله ) ، وليس مما أمر الله به المضمضة والاستنشاق .

وفي هذا الاستدلال نظر ، وذلك لأن ما يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فهو مثل ما يأمر به الله ، كما أن ما يحرمه النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما يحرمه الله – كما صح في الحديث –

فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق ، وداوم على ذلك ولم يصح عنه أنه ترك ذلك البتة ، وقد أمرنا الله بمتابعته وامتثال أمره .

فالراجح : هو ماذهب إليه الحنابلة من فرضية المضمضة والاستنشاق .

 

قوله : [ وغسل اليدين ]

وهذا هو الفرض الثاني ودليله قوله تعالى : ) فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق (

وسيأتي تفصيل الكلام في ذلك عند صفة الوضوء .

 

قوله : [ ومسح الرأس ]

هذا الفرض الثالث .

 

قوله : [ ومنه الأذنان ]

 فيجب مسحهما كما يجب مسح الرأس ، وهذا هو مذهب الحنابلة وهو الراجح .

وذهب جمهور أهل العلم إلي عدم إيجاب ذلك .

ودليل الحنابلة ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الأذنان من الرأس ) رواه أحمد وأبو داود من حديث أبي أُمَامة .

ورواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة .

ورواه غيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحها إسناداً ما رواه الطبراني عن ابن عباس بإسناد جيد ، وهذه الطرق الكثيرة ترتقي بالحديث إلى درجة الصحة

 

قوله : [ وغسل الرجلين ]

وهذا هو الفرض الرابع ، وهو فرض بالإجماع ، وقد قال تعالى ) فاغسلوا وجوهكم ...… وأرجلكم (

 

قوله : [ والترتيب ]

الترتيب فرض عند الحنابلة والشافعية .

ودليلهم : أن الله عز وجل في كتابه الكريم قد أدخل الممسوح بين المغسولات ، فقال تعـالى : ) يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين (

وفَصَل النظير عن نظيره ، ولا فائدة منه إلا بيان فرضية الترتيب  لأن الآية في ذكر فرائض الوضوء .

ولو أن رجلاً قال : ( أكرمت زيداً وأهنت عمراً وأكرمت بكراً ) . فهذا الكلام من العِيِّ لا من البيان إلا لفائدة ، لأنه فصل النظير عن نظيره.

والله عز وجل ينزه عن ذلك فلابد فيه من فائدة لذا استدل به أهل العلم على إيجاب الترتيب ، كما أن الله عز وجل لم يرتب الأعضاء الأعلى فالأعلى أو الأقرب فالأقرب بل رتبها هكذا مختلفة ، وذلك لا فائدة منه إلا إيجاب الترتيب .

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصح عنه أنه توضأ إلامُرتِّباً كما قرر هذا ابن تيمية وابن القيم والنووي وغيرهم .

فالراجح : هو إيجاب الترتيب .

فلو أن رجلاً توضأ غير مرتب كأن يمسح الرأس قبل غسل اليدين فإن وضوءه باطل فيجب أن يعيد الوضوء إن كان هناك فاصل طويل في العرف .

أما إن لم يكن هناك فاصل طويل  فإنه يغسل يديه ثم يمسح الرأس مرة أخرى ويتم وضوءه.

فإن توضأ مُنكِّساً أربع مرات فهل يصح وضوؤه أم لا ؟

بمعنى : غسل رجليه ثم مسح رأسه ثم غسل يديه ثم غسل وجهه وفعل ذلك أربع مرات .

قالوا : يصح وضوؤه لأن كل وضوء من هذه الوضوءات المنكسة يصح منها عضو واحد .

ففي الوضوء الأول يصح غسل الوجه وفي الوضوء الثاني يصح غسل اليدين وفي الوضوء الثالث يصح مسح الرأس وفي الوضوء الرابع يصح غسل الرجلين .

 

قوله : [ والموالاة وهي ألا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله ]

هذا الفرض السادس من فروض الوضوء .

وهنا ذكر فرضية الموالاة وذكر ضابطها ، وفيه مبحثان :

المبحث الأول : في فرضيتها

مذهب الحنابلة فرضية الموالاة ،وأن الموالاة بين الأعضاء فرض وهو مذهب المالكية .

واستدلوا : بما ثبت في المسند وسنن أبي داود  بإسناد جيد كما قال الإمام أحمد وصححه ابن كثير وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( رأى رجلاً يصلي وعلى قدمه لُمْعَة قَدْرَ الدرهم لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة ) ووجهة ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره أن يكتفي بغسل هذه البقعة التي لم يصبها الماء بل أمره أن يعيد الوضوء كله ، فدل على أن المولاة واجبة . .

وقد ثبت في مسلم : أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( ارجع فأحسن وضوءك فرجع ثم صلى ) .

قوله : ( فأحسن وضوءك ) نفسره بالرواية المتقدمة .

وفي رواية لأحمد بإسناد فيه ابن لهيعه وهو ضعيف: ( ثم رجع فتوضأ ثم صلى ) .

وقالوا :إن النبي صلى الله عليه وسلم وهو المفسر للقران بفعله ، لم يثبت عنه أنه توضأ إلا موالياً .

وذهب الشافعية والأحناف إلي أن الموالاة غير واجبة بل هي مستحبة .

ودليلهم : أنه لم يثبت في الآية المتقدمة ، وقد قال تعالى ) فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق( والواو لا تفيد التعقيب ، بل لو تراخى فلا حرج .

لكن تقدم الدليل الدال على ذلك من السنة .

ثم إن القرآن قد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وقد تقرر عند الأصوليين أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم المبين لمجمل القرآن يعطى حكم ذلك المجمل .

مثاله : النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب ثلاثاً والعشاء أربعاً والفجر ركعتين والظهر والعصر أربعاً ، فهذا فعل وهو بيان لمجمل في القرآن فيكون فرضاً كما أن قوله تعالى ) وأقيموا الصلاة (   فرض .

المبحث الثاني : في ضابط الموالاة .

قال المؤلف : ( وهي ألا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله ) .

لو أن رجلاً غسل وجهه ثم جلس زمناً فغسل يديه ، هذا الزمن قد جَفَّ فيه الماء الذي على وجهه ، فلا يكون وضوؤه صحيحاً لانتفاء الموالاة .

فإن قيل لهم : لكن الزمان يختلف ففي الشتاء يتأخر الجفاف وفي الصيف يكون سريعاً .

قالوا : نقيد ذلك بالزمان المعتدل .

هذا هو ضابط الحنابلة ، وهو ضابط الشافعية أيضاً القائلين باستحباب الموالاة فإنهم يستحبونها وهو ضابطها عندهم .

وهذا الضابط أولاً : لا دليل عليه ، وثانياً : يشق ضبطه فإن عامة الناس لا يمكنهم أن يضبطوا مثل ذلك .

فإيقاع هذا الضابط في الواقع فيه مشقة وعسر .

وذكر بعض أهل العلم ضابطاً آخر وهو أصح وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها أبن عقيل وقال الخلال: ( وهو الأشبه بقوله والعمل عليه ) والضابط هو إرجاع ذلك إلى العرف .

فإذا كان هناك فاصل طويل في ا لعرف بطلت الموالاة ، وإن كان قصيراً لم تبطل  .

مثال : رجل توضأ فلم يغسل عقبيه ، ثم ذهب إلى المسجد فلما ذهب أخبره بعض المصلين بهذا الموضع الذي لم يصله الماء ، فهذا فاصل طويل عرفاً .

لكن لو أن رجلاً توضأ وبمجرد ما انتهى من الوضوء أخبر أن موضعاً من قدمه لم يصبه الماء فإنه فاصل قصير عرفاً فلا يعيد .

فكل ما لم يثبت في الشرع ولا في اللغة تحديد له فإنه يقيد بالعرف .

فإذن : الموالاة فرض من فروض الوضوء وضابطها:  ألا يفصل بينهما بفاصل طويل عرفاً.

فإن قيل : لو أن رجلاً توضأ فغسل وجهه ويديه ثم انقطع عنه الماء ثم بعد ذلك حضر الماء بعد فاصل طويل عرفاً فهل يمسح رأسه ويغسل رجليه أم أنـه يستأنف الوضوء ؟

قولان لأهل العلم :

1-               فالمشهور في مذهب الحنابلة أنه يعيد الوضوء لأن الموالاة شرط فوجب أن يأتي بها ولا تسقط بالعذر .

2-               وذهب المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن العذر مسقط لوجوب الموالاة لقوله تعالى : ) فاتقوا الله ما استطعتم ( ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) .

والراجح الأول  ؛ فإن قوله تعالى : ) فاتقوا الله ما استطعتم (   وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) أي يقولوا أنه لا مشقة في إعادة الوضوء.

ومثل ذلك النسيان والجهل والإكراه ، فإنه لا يسقط بها بل الذي يسقط إنما هو الإثم .

فلو أن رجلاً ترك الموالاة جاهلاً أو ناسياً فإنه لا إثم عليه ولكن يجب عليه أن يعيد الوضوء .

ودليل ذلك ما تقدم من الحديث ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الرجل الذي في قدمه لمعة قدر درهم لم يصبها الماء أمره أن يعيد الوضوء ولم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم منه أهو ناسٍ أم جاهل؟ [ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال ] كما هو مقررعند الأصوليين فهذه من العمومات .

إذن : الراجح أن الموالاة لا تسقط بالإكراه ولا بالنسيان ولا بالجهل .

مسألة :

إذا ثبت وجوب الترتيب بين الأعضاء الأربعة فهل يجب عليه أن يرتب بين المضمضة والاستنشاق وبين المضمضة والاستنشاق والوجه ، وبين المضمضة والاستنشاق وبقية الأعضاء ؟ هذه ثلاث مسائل :

المسألة الأولى : هل يجب أن يرتب بين المضمضة والاستنشاق أم لا ؟ فلو أنه استنشق قبل أن يتمضمض فهل يكون فعله جائزاً أم لا ؟

1-              قال الحنابلة : فعله جائز لأنهما من الوجه ؛ فلو أن رجلاً غسل أعلى الوجه قبل أسفله أو أسفله قبل أعلاه فإنه لا حرج عليه فكذلك هنا .

2-              ووجه صاحب الفروع وهو مذهب لبعض أهل العلم وجوب ذلك ، لفعله عليه الصلاة والسلام .

والراجح الأول لما تقدم من أنهما من الوجه ، وأما فعل النبي e المجرد فلا يدل على الوجوب .

المسألة الثانية : إن قدم الوجه على المضمضة والاستنشاق ؟

قال الحنابلة : لا حرج لأنهما من الوجه .

المسألة الثالثة : هل يجب الترتيب بينهما وبين بقية الأعضاء ؟

روايتان عن الإمام أحمد وهما قولان في المذهب :

1-              الأول : أنه يجب لأنهما من الوجه  .

قالوا : وهذا هو المحفوظ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث عثمان ، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد ، وفي السنن من حديث علي بن أبي طالب ، فإن المحفوظ هو تقديم المضمضة والاستنشاق مع الوجه على بقية الأعضاء .

2-              الثاني : وهو رواية عن الإمام أحمد أنه لايجب وهو اختيار المجد .

ودليل ذلك : ما صح في سنن أبي داود من حديث المقدام بن معد يكرب الكندي أن النبي صلى الله عليه وسلم ( غسل كفيه ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً ثم غسل ذراعيه ثلاثاً ثم تمضمض واستنشق ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما ) رواه الإمام أحمد وزاد : ( ثم غسل رجليه ) .

ورواه الضياء في المختارة وقد اشترط في أحاديث الكتاب الصحة .

 

قال المؤلف رحمه الله : [ والنية شرط لطهارة الأحداث كلها ]

النية هي : القصد والعزم على الفعل ، ومحلها القلب ، ولا يشرع التلفظ بها إلا في الحج لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فالنية محلها القلب وليس للسان فيها مدخل أصلاً .

واعلم أن الجهر بالنية قد اتفق الأئمة علىأنه لايُشرع حتى ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن صاحبه يستحق التعزير بعد تعريفه لاسيَّما إذا آذى به أو كرره فإنه من البدع المحدثة في الدين .

فإن أسرَّ به ولم يجهر ؛ بأن يتلفظ بلسانه من غير أن يجهر به مثل قراءة القرآن في الصلاة فهل يشرع ؟

المشهور في المذهب عند المتأخرين:مشروعية ذلك قالوا : ليواطئ اللسانُ القلبَ .

أما الإمام أحمد فإن الذي نص عليه وهو مذهب مالك: أن ذلك ليس بمشروع وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه وهو الصواب ، لأنه لم يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولاعن أصحابه ، وما كان كذلك فإنه بدعة .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) .

فالجهر أو الإسرار بالنية بدعة ، فالنية محلها القلب .

والأصل في النية قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) متفق عليه من حديث عمر وهو حديث عظيم وهو ثلث الإسلام كما قال غير واحد من أهل العلم.

لذا قال المؤلف : ( والنية شرط لطهارة الأحداث كلها ) .

والشرط : هو ما لاتصح العبادة عندعدمه  وإذا وجد فلا يلـزم وجودها .

فمثلاً : الوضوء شرط من شروط الصلاة ، فإذا فُقِد بطلت الصلاة، ولكن إذا وجد الوضوء فليس شرطاً أن توجد الصلاة ، هذا توضيحه ، فهو : ما يلزم من عدمه العدم ، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.

فالنية شرط في العبادات كلها وهي شرط من شروط الطهارة للأحداث كلها ، فإذا غسل الأعضاء الأربعة بلا نيةٍ رفع الحدث ؟ بل للتبريد مثلاً فإن هذا الوضوء باطل لأنه فقد شرطاً وهو النية، فهو لم ينو الوضوء الشرعي وإنما نوى التبريد ونحوه .

 

قوله : [ فينوي رفع الحدث ]

وقد تقدم تعريف الحدث وأنه : الوصف القائم في البدن الذي يمنع من الصلاة ونحوها .

فإذا فعل ناقضاً من نواقض الوضوء فإنه يكون متصفاً بهذا الوصف ، فإذا توضأ وهو ينوي رفع الحدث فإن حدثه يرتفع ويكون مجزئاً ، وهذا مذهب جماهير العلماء .

ولو نوى مع رفع الحدث التبريد أو التنظيف أو التعليم لم يضره .

قوله : ( أو الطهارة لما لا يباح إلا بها )

هناك أشياء لا تباح إلا بالطهارة ، مثل الصلاة ومس المصحف ، والطواف على قول ، ونحو ذلك ، فهذه العبادات لا تصح إلا بالطهارة ، فإذا توضأ ليصلي أو ليطوف بالبيت أو ليمس المصحف فإن ذلك يجزئ  عند جمهور العلماء لأن هذا الفعل متضمن لرفع الحدث  .

 

قوله : [ فإن نوى ما تسن له الطهارة كقراءة ، أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه ارتفع ]

فإذا نوى ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن من غير مس للمصحف أو ذِكْر الله عز وجل ،ونحو ذلك كأذان ونوم وغضب ونحو ذلك،ارتفع حدثه. وهوالمشهور في المذهب .

وفي قول في المذهب أنه لا يجزئ عنه .

والأصح المشهور في المذهب ، لأن هذا الفعل متضمن لرفع الحدث أيضاً؛لأنه إنما سُنَّ له الوضوء لرفع الحدث. .

 

قوله : [ أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه ارتفع ]

ذكر هنا قيدين :

1-القيد الأول : أن يكون مسنوناً .

2-القيد الثاني : أن يكون ناسياً لحدثه .

والمراد بالتجديد : الوضوء عن غير حدث .

وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان : ( كان يتوضأ لكل صلاة ) فتجديد الوضوء سنة .

وأما ما روى الأربعة إلا النسائي أن النبي e قال : ( من توضأ على طُهْر كُتب له عشر حسنات ) فهو ضعيف .

قوله:(مسنوناً)  أي صلى فيه،فلايُستحب أن يُجدد إذا لم يُصلِّ بالوضوء الذي قبله.

وقيَّده بقيد آخر وهو قوله : ( ناسياً حدثه )

فلو أن رجلاً نوى التجديد وهو ذاكرٌ حدثه فإنه لا يجزئ عنه ؛ وهذا ظاهر ،لأنه عبث وتلاعب .

لكن لو كان ناسياً حدثه ،وقد نوى التجديد فالمشهور في المذهب :أنه يجزيء

وذهب بعض الحنابلة وهو اختيار أبي الخطاب والقاضي ، أنه  لا يجزئ .

أما أهل القول الأول : فقالوا هي طهارة شرعية ، لأنه إنما جدد وضوءه وهو ناسٍ لحدثه فتكون طهارته طهارة شرعية .

أما أهل القول الثاني : فقالوا : إن نيَّته لاتتضمن رفع الحدث، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ) وهذا القول أصح .

 

قوله : [ وإن نوى غسلاً مسنوناً أجزأ عن واجب وكذا عكسه ]

فإذا نوى غسلاً مسنوناً كغسل الجمعة على مذهب جمهور الفقهاء ( أجزأ عن واجب ) كغسل الجنابة.

مثال : رجل أصبح يوم الجمعة وعليه جنابة فاغتسل ناوياً غسل الجمعة ، فهل يجزئ عن غسل الجنابة ؟

قالوا : نعم ، وقيَّده في كشاف القناع : إن كان ناسياً للحدث الذي أوجبه .

إذن : هذا هو المشهور في المذهب ، وأنه إذا اغتسل بنية الغسل المسنون كغسل الجمعة أو غسل العيد ولم ينو رفع الجنابة فإن ذلك يجزئ عنه .

والعلة : هي ما تقدم لأنها طهارة شرعية .

وعن أحمد وهو قول في المذهب: أنها لا تجزئ لحديث : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى).

والراجح أنها تُجزئ ، كالوضوء المسنون،إلاَّ أن يكون ناسياً جنابته كما تقدم في تجديد الوضوء فلا يُجزئ .

وقد روى ابن حبان بإسناد حسن : أن أبا قتادة رأى ابنه وهو يغتسل يوم الجمعة فقال : ( إن كنت على جنابة فأعد غسلاً أخر ) .

 

قوله : [ وكذا عكسه ]

رجل على جنابة وهو في يوم الجمعة فاغتسل عن الجنابة فهل يجزئ عن غسل الجمعة  ؟

قالوا نعم يجزئ عنه .

واعلم أن العلماء قد اتفقوا على أنه إذا نواهما معاً فإنه يجزئ عنه

وفي هذه المسألة إذا انفرد بنية رفع الجنابة فهل يجزئ عنه ؟ .

قالوا : نعم يجزئ عنه  ، وإن كان لايحصل له ثوابه .

وفي هذا نظر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) وهذا لم ينو غسل الجمعة فلا يجزئ عنه – وهو قول في المذهب – فلا تصح العبادة إلا بالنية وغسل الجمعة عبادة ولم ينوه فلا يجزئ عنه .

 

قوله : ( وإن اجتمعت أحداث توجب وضوءاً أو غسلاً فنوى بطهارته أحدها ارتفع سائرها )

مثاله : رجل عليه ناقضان . الخارج من السبلين والنوم ، فتوضأ بنية رفع الحدث عن الخارج من السبلين ، فهل يرتفع حدثه مطلقاً أم يبقى الحدث من النوم ؟

قال المؤلف : ( ارتفع سائرها )

قالوا : لأنها ذات حكم واحد ، وهي متداخلة في هذا الباب فإذا ارتفع أحدها ارتفع سائرها فأصبح طاهراً مطلقاً .

ولكن قيده بعض الحنابلة بقيد غريب وهو : ( بشرط إلا ينوي عدم ارتفاع غيره )وهو المذهب كما في المنتهى .

بمعنى : رجل توضأ وقال : هذا عن حدث النوم وليس عن حدث الخارج من السبيلين .

وهذا في الحقيقة الذي ينوي هذه النية ليس محلاً للحكم لأنه ليس أهلاً للتكليف ،فمثل هذا الفعل لا يصدرعن مكلف. ولو تُصور وقوعها ،فالأصح أنه يرتفع حدثه وإن نوى عدم ارتفاع غيره ، لأن الحكم ليس إليه في رفع الأحداث ، وإنمـا إلى الله عز وجل فما دام أنه توضأ الوضوء الشرعي عن الحدث وإن نوى عدم ارتفاع بعضها فترتفع سائرها .

 

قوله : [ ويجب الإتيان بها عند أول واجبات الطهارة وهو التسمية ]

تقدم أن النية شرط ، فإذا ثبت هذا فيجب أن تشمل النية سائر فرائض الوضوء ، فإذا قلنا بفرضية التسمية ثم سمى ولم ينو لم يُجزئه،لأن النية لم تشمل التسمية .

وهذه المسألة يدل عليها حديث : ( إنما الأعمال بالنيات ) .

فإذن : يجب أن تشمل النية سائر فرائض الوضوء كما لو أنه كبر تكبيرة الإحرام ثم نوى الصلاة بعد فإنها لا تجزئ عنه فكذلك هنا .

إذن : يجب عليه أن ينوي قبل البداءة بفرائض الوضوء ، فإذا قلنا : إن التسمية ليست فرضاً فإنه يجب عليه أن ينوي قبل المضمضة والاستنشاق .

وإن قلنا : إنهما – أي المضمضة والاستنشاق – ليسا بواجبين فيجب عليه أن ينوي قبل غسل الوجه.

فأول الفرائض عند الجمهور خلافاً للحنابلة هو غسل الوجه فيجب عليه – حينئذ – أن ينوي قبل غسل الوجه .

إذن : يجب أن تشمل النية فرائض الوضوء كلها .

فإن قدمها بزمن يسير عُرْفاً فلا بأس ما لم ينوِ قَطْعها .

 وذهب بعض فقهاء الحنابلة إلى أنه لو قدمها بزمن طويل فلا بأس  ما لم يقطعها وهو قول قوي ،لعموم الحديث .

 

قوله : [ وتسن عند أول مسنوناتها إن وجد قبل واجب ]

أي تُسن النية عند أول مسنوناتها إن وجد قبل واجب كغسل الكفين قبل المضمضة والاستنشاق .

 

قوله : [ واستصحاب ذُكْرها في جميعها ، ويجب استصحاب حكمها ]

قوله : ( واستصحاب ذُكْرها في جميعها ) : المراد بالذكر ذكرها في القلب ، بمعنى : يكون مستحضِراً في قلبه أنه إنما يتوضأ لله ولإقامة الصلاة .

هذا هو السنة لتكون أفعاله كلها متعلقة بالنية لله عز وجل ، وهذا مستحب وليس بواجب ، فلو غفل عن النية فإنه لا يضره .

بمعنى : رجل نوى الوضوء ثم غفل عن النية واستمر في الوضوء فإنه لا يضره ذلك باتفاق العلماء.

ولكن قال : ( ويجب استصحاب حكمها )

هذا هو الواجب أن يستصحب حكمها ، والمراد بحكمها نية إبقائها وعدم قطعها ، فينوي الوضوء ويستمر فيه حتى ينتهي منه من غير أن ينوي أن يقطعه .

رجل لما غسل وجهه وغسل يديه نوى أن يقطع الوضوء فيبطل وضوؤه ؛لحديث :(إنما الأعمال بالنيات)

إذن : يشترط في النية أن يبقى مستصحباً لحكمها ، فإن خالف فإن وضوءه يبطل بذلك.

فإن نوى قطع العبادة بعد الفراغ منها لم  يضره باتفاق العلماء ، فإن قطع النية بعد انتهاء العبادة لا أثر له إجماعاً

ومثل ذلك الشك فإن الشك بعد العبادة لا يؤثر فإذا توضأ ثم شك هل نوى أم لا ؟ فإن هذا الشك بعد العبادة لا يؤثر

فالشك بعد العبادة وقطع النية ليس لهما أثر باتفاق العلماء ، لأن العبادة  صَحَّت فليس إلى المكلف إبطالها .

واعلم أن للوضوء شروطاً أخرى :منها العقل والتمييز والإسلام كسائر العبادات ،

ومنها:طهورية الماء كما تقدم ، وإزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشَرة ، ومنها:إباحة الماء في المذهب ،فلا يصح بمغصوب ولا بموقوف على شُرْب ، و الراجح أنه يصح مع الإثم وهو مذهب الجمهور.

ومنها : دخول الوقت على من حدثه دائم لفرضه .

 

قال المؤلف رحمه الله : [ وصفة الوضوء أن ينوي ثم يسمي ويغسل كفيه ثلاثاً ثم يتمضمض ويستنشق ]

قوله " صفة الوضوء " : أي كيفيته الشاملة لفروض الوضوء ومستحباته .

و يستحب أن  يتمضمض ويستنشق باليد اليمنى باليمين وقد صح هذا من حديث عثمان في أبي داود بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( تمضمض واستنشق بيده اليمنى ) .

ويستنثر بيده اليسرى كما صح ذلك في سنن النسائي من حديث علي رضي الله عنه .

 

قوله : [ ويغسل وجهه من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً ، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً ]

اللحيان : هما العظمان في جانب الوجه وهما عظما الوجه اللذان ينبت عليهما العارض .

وأما الذقن : فهو مجتمع اللحيين في أسفل الوجه .

ولا عبرة بالأجلح ، ولا الأفرع .

والأجلح هو : ما انحسر شعر رأسه عن مقدم رأسه .

والأفرع : هو من ينبت شعر رأسه على جبهته ، والعبرة بالمعتاد .

أما تحديده عرضاً : فهو من الأذن إلى الأذن عرضاً , ولا يدخل في ذلك الأذنان لأنهما من الرأس .

وأما البياض الذي بين العِذار والأذن فهو من الوجه .

 

 قوله : [ وما فيه من شعر خفيف وظاهر الكثيف مع ما استرسل منه ]

يعني : يغسل ما فيه من شعر خفيف ويغسل الظاهر الكثيف .

والشعور النابتة في الوجه هي :-

الحاجبان : وهما معروفان .

وأهداب العينين .

والعَنْفقة : وهي الشعر النابت في أسفل الشفة السفلى  يعني فوق الذقن ودون الشفة .

والعِذار : وهو الشعر النابت فوق العارض ودون الصُدْغ ، على عظم ناتيء يحاذي صِماخ الأذن .

أماالصُدْغ : فهو المقابل لأعلى الأذن وينحدر إلى أسفل وينبت عليه شيء من شعر الرأس ،فهو من الرأس .

ولا يستحب غسل داخل العينين خلافاً لما ثبت عن ابن عمر كما في الموطأ بإسناد صحيح وهو المشهورعند  الحنابلة وغيرهم ؛ لما فيه من الضرر ولم يصح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم .

إذن : الشعور النابتة في الوجه كالعِذار وأهداب العينين والحاجبين والعنفقة واللحية كلها يجب غسلها ، فإن كانت خفيفة فيجب غسلها تامة .

 وقد تقدم : أن الخفيف ما لا يستر البشرة .

وأما الكثيف : فهو الساتر للبشرة الذي لا ترى البشرة من قبله.

فهذا يجب غسل ظاهره كما تقدم في اللحية الكثيفة وأنه يجب غسل ظاهرها إن كانت كثيفة ، أما إن كانت خفيفة فيجب غسل ظاهرها وباطنها لأنها تحصل بها المواجهة ، وقد قال تعالى ( فاغسلوا وجوهكم )   وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعية .

فإن قيل : إن ما استرسل من شعر الرأس لا يجب مسحه فكذلك ما استرسل من شعر اللحية ؟

فالجواب :أن اللحية المسترسلة يحصل بها المواجهة بخلاف الشعر المتدلي من الرأس فإنه ليس من الرأس إذ الرأس ما ترأس وارتفع .

وأما ما ذكره الفقهاء من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اكشف وجهك فإن اللحية من الوجه ) فالحديث لا أصل له عن النبي صلى الله عليه وسلم .

قوله : (ثم يديه مع المرفقين)

لقوله تعالى : ] وأيديكم إلى المرافق [  وقوله : ( إلى ) بمعنى ( مع ) كما فسرها المؤلف وهذا يدل على وجوب إدارة الماء على المرفقين وأن المرفقين يجب غسلها ، فيجب عليه أن يغسل يديه من أطراف الأصابع إلى المرفقين ، والمرفقان داخلان في ذلك .

فإن قيل : لما لا تكون لفظة ( إلى ) لانتهاء الغاية ، فعلى ذلك لا يدخل المرفقان في اليدين إذ الغاية لا تدخل في

المُغيَّا أي فيما وُضعت غاية له ؟

فالجواب : أن الحدَّ إذا كان من جنس المحدود فهو داخل فيه .

فإذا قلت : بعتك هذا النخيل من هذه النخلة إلى تلك النخلة  فالنخلة الأخيرة تدخل في البيع لأنها حد من جنس المحدود .

أما لو قلت : بعتك هذا النخيل من هذه النخلة إلى ذلك الحائط  فإن الحائط لا يدخل لأنه ليس من جنس المحدود .

يدل على ذلك أن النبي r  – وهو المُبَيِّن  لمجمل القرآن ـ قد فسَّر ذلك بفعله كما في مسلم أن أبا هريرة كان يغسل يديه حتى يشرع في العضد ويغسل رجليه حتى يشرع في الساق ويقول : هكذا رأيت النبي r  .

أما ما رواه الدار قطني أن النبي r : ( كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه ) فالحديث فيه القاسم بن محمد بن عبد الله بن عقيل وهو متروك ، فالحديث إسناده ضعيف جداً .

وهل تدخل الكف في غسل اليدين ؟

الجواب : أنها تدخل في ذلك بإجماع العلماء كما حكاه غير واحد من أهل العلم ، وأنه يجب أن يغسل يديه من أطراف الأصابع إلى المرفقين .

فما يفعله كثير من العوام من عدم إدخال الكفين هو خلاف الفرض ، ففاعل ذلك لا يصح وضوؤه ولكن الجهل في مثل هذا يعذر به في الفرائض الفائتة .

ويجب غسل أظافره وإن طالت ؛لأنها متصلة بيده اتصال خِلْقة ،فتدخل في مُسَمَّى اليد .

ومثل ذلك :الأصبع الزائدة .

فإذا كان في الظفر شئ من الوسخ فهل يصح الوضوء ؟

قولان في مذهب الإمام أحمد :

القول الأول : أنه لا يجزئ قالوا لأن هذا الوسخ يمنع وصول الماء إلى ما يجب غسله .

القول الثاني : أنه لا يضر ذلك واختاره الموفق وهوالمذهب .

قالوا لأن مثل هذا يقع عادة ، فمثل هذا الوسخ اليسير الواقع علي الأصابع ، يقع في العادة ولم يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن مثل ذلك يضر في الوضوء ، وترك النبي صلى الله عليه وسلم البيان في موضع الحاجة ، يدل على الجواز .

 واختار هذا القول شيخ الإسلام وقاس عليه كل شئ سواء كان دماً أو عجيناً أو أي شئ يسير وقع على شئ من أعضاء الوضوء فإنه لا يضر ذلك ، والمراد باليسير اليسير عرفاً .

 فإذن : إذا كان يسيراً عرفاً بمقدار الوسخ الذي يكون على الظفر ونحوه ولو كان صمغاً ونحوه فوقع على شيء من أعضاء الوضوء فإنه لا يضر ذلك ، والمشقة تجلب التيسر ومثل هذا يقع عادة ، وهذا اختيار شيخ الإسلام رحمه الله .

 

قوله : [ ثم يمسح كل رأسه مع الأذنين مرة واحدة ]

قوله " ثم يمسح " فإذا غسله فهل يجزئه أم لا ؟

الجواب : أن هذا له صورتان :

الصورة الأولى : أن يغسل رأسه مع إمرار يده على الرأس ، فيكون الغسل متضمناً للمسح فيجزئ  لتضمنه المسح

الصورة الثانية: أن يغسل شعره بلا إمرار اليد ، فلا يجزئ في المشهور من المذهب .

وذهب أكثر الفقهاء :إلى إن ذلك يجزئ .

وحجتهم : أن الغسل أبلغ من المسح .

 أما أهل القول الأول فحجتهم : أن هذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو خلاف هديه وخلاف ما أمر به الشارع فقد أمر بالمسح ، ومسح رأسه صلى الله عليه وسلم ولم يثبت الغسل .

وهذا القول أقوى فيما يظهر ،لأن كل عمل ليس عليه أمره فهو رد .

فإن مسح رأسه بغير يده ، كأن يمسحه بخرقه ونحوها ؟

فالجواب : أن ذلك يجزئ عنه لحصول  المسح بذلك فلا يشترط أن يكون المسح بيده .

قوله ( كل رأسه ) : يدخل في ذلك الصدغ وتدخل في ذلك الأذنان وتقدم الدليل على ذلك ، فيجب عليه أن يمسح رأسه كله وهذا مذهب الحنابلة والمالكية واختيار شيخ الإسلام وتلميذه .

واستدلوا : بأن الله قد أمر بمسح الرأس فقال سبحانه :( وامسحوا برؤوسكم )  

و النبي صلى الله عليه وسلم وهو المبين لمجمل القرآن قد ثبت أنه مسح رأسه كله بل قال ابن القيم :( ولم يصح عنه في حديث أنه اقتصر على بعض رأسه البتة لكن إذا مسح ناصيته كمل على عمامته ) .

إذن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح رأسه كله والباء في الآية قالوا : للإلصاق أي امسحوا رؤوسكم ملصقين ما يتحلل منها برؤوسكم .

 قالوا : ونظير هذا قوله تعالى – في التيمم –: ﴿ فامسحوا بوجوهكم ﴾ وقوله تعالى : ﴿ وليطوفوا بالبيت العتيق 

وذهب الشافعية والأحناف :إلى أنه لا يجب مسح الرأس كله بل لو اكتفى ببعضه فإن ذلك يجزئه على خلاف بينهم في القدر المجزئ .

  فقال الشافعية ثلاثة شعرات فأكثر ، وقال الأحناف الربع فأكثر .

واستدلوا بالآية:( فامسحوا برؤوسكم ) وقالوا :الباء هنا للتبعيض أي بعض رؤوسكم واستدلوا بما رواه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم  : ( مسح على ناصيته وعمامته ) .

قالوا : فقد اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بالناصية .

والجواب على هذا : ما تقدم من كلام ابن القيم وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على بعض رأسه وإنما كمل على العمامة  ، وسيأتي الكلام على مسح العمامة في باب المسح على الخفين .

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بمسح بعض رأسه بل أضاف إلى ذلك مسح العمامة ، ونحن نقول بهذا ، فإن مسح رأسه وأضاف إلى ذلك مسح العمامة بل لو اكتفى بمسح العمامة فإن ذلك يجزئه .

أما الجواب على استدلالهم بالآية : فإنه قد صرَّح كثير من أئمة اللغة  أن الباء لا تأتي للتبعيض .

ثم إنه تقدم قوله تعالى في المسح:﴿ فامسحوا بوجوهكم ﴾ وهم يقولون بأنه لا يجزئ مسح بعض الوجه فكذلك هنا.

إذن : قولهم إن الباء للتبعيض ضعيف ، وقد صرح كثير من أئمة اللغة أن الباء لا تأتي للتبعيض في اللغة .

فالراجح : هو قول الحنابلة والمالكية وهو اختيار شيخ الإسلام ، وتلميذه ابن القيم : أنه يجب مسح الرأس كله .

وصفة المسح : أن يبدأ بمقدم رأسه فيمسحه بيديه حتى يذهب بهما إلى قفاه ثم يعيدهما إلى الموضع الذي بدأ منه .

وهناك صفة ثانية:وهي ع-الأولى ،فيبدأ بمؤخر رأسه ثم يردهما إلى مقدمه ثم يعود إلى المكان الذي بدأ منه .

وهناك صفة ثالثة : وهي أن يمسح شعره بحيث لا يُشْعِثه بل يسير مع شعره حيث  ينصبُّ .

أما الصفة الأولى: فدليلها ما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه )

ودليل الصفة الثانية:ما ثبت في سنن أبي داود :أ(ن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه )

ودليل الصفة الثالثة : ما ثبت في سنن أبي داود من حديث الرُبيِّع بنت معوِّذ بن عفراء رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم :  ( توضأ عندها فمسح الرأس كله من قرن الشعر " أي مفرقه " كل ناحية منصبِّ الشعر ولا يغير الشعر عن هيئته ) .

والمستحب أن يمسح رأسه بغير فَضْل يديه كما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( مسح رأسه بغير فضل يديه )

فإن مسح رأسه بفضل يديه فلا بأس ، و تقدم ما رواه أبو داود بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( مسح برأسه من فضل ماء كان في يده )

 

 

قوله : [ مرة واحدة ]

فيه أنه يمسح رأسه مرة واحدة وهو مذهب جمهور الفقهاء ، وهو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عثمان ، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد وهو المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم .

 وذهب الشافعية : إلى أنه يمسح رأسه ثلاثاً .

واستدلوا :

بما ثبت في مسلم من حديث عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( توضأ ثلاثاً  ثلاثا )

قالوا : فيدخل في ذلك مسح الرأس .

وبما روى أبو داود من حديث عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم ( مسح رأسه ثلاثاً ) .

وأجاب أهل القول الأول عن أدلة أهل القول الثاني :

فقالوا : أما حديث عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( توضأ ثلاثاً ثلاثا ) ، فهو مجمل ، وقد تقدم في الصحيحين من حديثه – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه مرة

أما حديث أبي داود : فقد أنكره أبو داود بعد روايته له ، فقال : ( وأحاديث عثمان الصحاح تدل علي أن مسح الرأس مرة واحدة ) .

إذن :الحديث شاذ ،وقد قرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره .

وقد ذكر ابن القيم أن الأحاديث الواردة في هذا الباب إما صريحة غير صحيحة ، وإما صحيحة غير صريحة .

وإلحاق النظير بنظيره – الذي تدل عليه الشريعة – يقتضي ذلك ، فإن المسح الوارد في الشريعة إنما يكون مرة واحدة كما في المسح على الخفين وعلى العمامة ومسح الجبيرة ، فكل هذا إنما فيه مسحة واحدة .

وهذا الذي  يقتضيه النظر فإن تكرار المسح يصير غسلاً ، فالأولى إلحاق النظير بنظيره.

 

قال : [ مع الأذنين ]

تقدم أن الأذنين من الرأس .

وصفة مسحهما : ما ثبت في الأربعة إلا أبا داود أن النبي صلى الله عليه وسلم ( مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسباحتين وظاهرهما بإبهاميه ) .

فإذن : يدخل السبابتين في صماخ أذنيه ويمسح بالإبهام ظاهر أذنيه والحديث إسناده صحيح .

 

قوله : [ ثم يغسل رجليه مع الكعبين ]

كما تقدم في المرفقين . والكعبان : هما العظمان الناشزان في أسفل القدم .

 

قال المؤلف رحمه الله : [ ويغسل الأقْطع بقية المفروض ]

سواء كان أقطع اليدين أو أقطع الرجلين ، وإن كان السياق في أقطع اليدين لكن أقطع الرجلين مثله في الحكم .

فإذا قطع من نصف ذراعه يعني دون المرفقين فيجب عليه أن يغسل بقية المفروض ، ولو قطعت يده من الرسغ فإنه يغسل الذراع .

ومثله لو قطعت قدمه من نصفها أو قطعت أصابعها فإنه يغسل ما تبقى منها .

 

قوله : [ فإن قطع من المفصل غسل رأس العَضُد منه ]

وكذلك إن قطع من الكعبين غسل رأس الساق ، لأن الكعبين والمرفق مما يجب غسله ، وهذا المتبقي داخل في المرفق وداخل في الكعب ؛ لقوله عز وجل ( فاتقوا الله ما استطعتم ) ولماثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )  .

 فإذا قُطع المفروض كله فلا يجب عليه غسل ، لأن محل الغسل قد أزيل فلا يجب عليه أن يغسل شيئاً .

ويجب على أقطع اليدين أن يستأجر من يُوَضِّئه بأجرة المثل إن لم يجد من يتبرع له مع القدرة على ذلك.

فإن لم يقدر ولم يجد من يتبرع له فإنه يصلي على حسب حاله ولا يعيد ، لأن الله عز وجل يقول : ( فاتقوا الله ما استطعتم  ) .

 

قوله : [ ثم يرفع نظره إلى السماء ويقول ما ورد ]

الذي ورد ، هو ما ثبت في مسلم من حديث عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول ( أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء ) وزاد الترمذي وهي زيادة صحيحة ( اللهم اجعلني من التوَّابين واجعلني من المتطهرين ) .

وروى النسائي في كتاب عمل اليوم والليلة ، والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من توضأ فقال ( سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ) كتبت في رَقٍّ ثم طبع " أي ختم " فلم يكسر إلى يوم القيامة ) والحديث وإن كان إسناده صحيحاً ، لكن الراجح وقفه على أبي سعيد كما رجح ذلك النسائي والدار قطني ؛ فقد تفرد بعض الرواة برفعه ، والمحفوظ وقفه . وله حكم الرفع لأن مثله لا يقال بالرأي .

أما قول المؤلف ( يرفع نظره إلى السماء ) فهذه اللفظة واردة في حديث عمر المتقدم من رواية لأحمد وأبي داود في أول حديث عمر المتقدم : ( ثم رفع نظره إلى السماء ) لكن في سند هذه الرواية راو مبهم فعلى ذلك هذه الرواية لا تصح .

 

قوله : [ وتباح معونته ]

تباح معونة المتوضئ ، بأن يُحضر له الماء ، أو أن يصب عليه ، وقد تقدم حديث عثمان وفيه أنه دعا بوضوء  وهذا من إحضار الماء .

وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد في إفاضة النبي صلى الله عليه وسلم من عرفات قال : ( فجعلت أصب عليه ويتوضأ ) وفي مسلم من حديث المغيرة بن شعبة نحوه ، فالصب يباح باتفاق العلماء .

 ومثله – باتفاق أهل العلم – أن يوَضِّئه غيره ، فقد اتفق أهل العلم على جوازه لكن هذه الصفة خلاف الأولى , إذ الأولى أن يباشر بنفسه الوضوء ، ولكن إذا لم يباشر ذلك بنفسه فلا حرج ولا بأس ولكن فعله خلاف الأولى , ومثلها إذا وقف تحت ميزاب ونحوه فقد اتفق العلماء على جوازه .

إذن : تباح المعونة مطلقاً باتفاق أهل العلم سواء كان ذلك بإحضار الماء أو صبه , ولا يقال إن ذلك خلاف الأولى لفعل النبي صلى الله عليه وسلم .

وأما الصفة الثالثة – وهي أن يوضئه غيرهفإنها خلاف الأولى لكنها صحيحة باتفاق العلماء .

 

قوله : [ وتنشيف أعضائه ]

فيباح تنشيف أعضائه – وهذا مذهب جمهور الفقهاء- .

إذن : يباح له أن ينشف أعضائه لأن ( الأصل في الأفعال الإباحة ) ، فله أن ينشف أعضاءه  بخرقة أو نحوها ولايستحب ، لما ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها قالت : ( ناولت النبي صلى الله عليه وسلم بعد اغتساله ثوباً فلم يأخذه وانطلق وهو ينفض الماء بيديه ) وفي رواية ( فأتيته بالمنديل فرده )

وقد وردت أحاديث فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم نشف أعضاءه لكن هذه الأحاديث ضعيفة ، قال الترمذي :  

( لا يصح في هذا الباب شئ ) وقد ضعفها أيضاً النووي وابن القيم فالأحاديث الواردة فيها ضعيفة .

إذن : يباح له أن ينشف أعضاءه لكن المستحب له ترك ذلك سواء كان غسلاً أو وضوءاً .

ومن الأحاديث الواردة في ذلك – أي تنشيف الأعضاءما روي الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت :

( كانت لرسول الله e خِرقةٌ يُنشِّف بها بعد الوضوء ) قال الترمذي : " حديث عائشة ليس بالقائم ولايصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء " .

فإذن : المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم هو ترك التنشيف ، فإن فعله فلا بأس .

وهنا مسائل :

المسألة الأولى :

أنه يكره الإسراف بالماء في الوضوء أو الغسل ، وهذا بإجماع أهل العلم .

قال البخاري : " وكره أهل العلم الإسراف فيه " وفي ابن ماجة بإسناد فيه ابن لهيعه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بسعدٍ وهو يتوضأ فقال : " ماهذا السرفُ " ؟ فقال : أفي الوضوء إسراف؟ قال :( نعم وإن كنت على نهر جار ) والحديث إسناده ضعيف لضعف ابن لهيعه ، ولكن الإجماع عليه .

وفي الصحيحين : ( أنه كان يتوضأ بالمد " وهو ربع الصاع النبوي " ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ) وفي ابن حبان وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( توضأ بثلثي مد ) .

المسألة الثانية :

في تجديد الوضوء : تقدم دليل استحبابه ، وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( كان يتوضأ لكل صلاة ) فيستحب تجديد الوضوء لكل صلاة ,وفي كشاف القناع :"وظاهره ولو نفلاً "

تقدم ما ذكره الحنابلة من أنه لا يشرع له التجديد حتى يصلي فيه .

وقد ذكر صاحب الفروع قولاً فيه قوة  ووجهه وهو أنه يقاس ما يستحب له الوضوء فإذا فعل ما يستحب له الوضوء فكذلك , فلو توضأ مثلاً ثم قرأ القرآن أو مس المصحف أو نحو ذلك مما يجب له الطهارة أو تستحب فأراد أن يجدد فلا بأس في ذلك – وهو كلام جيد  .

ولايسن –وهو المذهب – تجديد تيمم وغسل لعدم وروده .

واعلم أن تجديد الوضوء إن غسل أعضاءه غسلاً أو مسحها مسحاً فكله حسن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أما غسلها فهو ظاهر الوضوء ، وقد تقدم حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يتوضأ لكل صلاة ).

فإن اكتفى بمسح الأعضاء فلا باس لما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود وصحيح ابن خزيمة بإسناد صحيح عن علي بن أبي طالب : ( أنه مسح وجهه ورأسه ويديه ورجليه ثم قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصنع ما صنعت ويقول : هذا وضوء من لم يحدث )

فمسح الأعضاء صفة واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير غسل بل يمسح أعضائه كما يمسح رأسه وهذا في تجديد الوضوء .

وذكر شيخ الإسلام أن الوضوء إن كان مستحباً أو كان لغير رفع حرج ؟ فله أن يكتفي بغسل بعض أعضائه كالوضوء للنوم .

دليله ما ثبت في مسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ( قام من الليل فقضى حاجته ثم غسل وجهه ويديه ثم نام ) .

فهنا قد اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بغسل بعض أعضائه .

ويظهر لي : أن في الإطلاق نظراً أي إطلاق ذلك في كل الأعضاء ، فلو قُيِّد هذا بالوجه واليدين لكان قوياً .

وذلك لأن الوجه واليدين لهما ميزة عن بقية أعضاء الوضوء لمشروعية مسحهما في التيمم دون سائر أعضاء الوضوء , والحديث الوارد إنما هو في غسل الوجه واليدين ، فعلى ذلك : إذا تقيدنا بهذه الرواية فهو أولى.

فإذا أراد أن يتوضأ لنوم ونحوه فاكتفى بغسل وجهه ويديه فإن ذلك يجزئ عنه وهو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم .

المسألة الثالثة :

اختلف أهل العلم في هل الوضوء من  شرع من  قبلنا أم أنه خاص بشرعنا ؟

فذهب بعض أهل العلم: إلى أنه خاص بهذه الأمة , واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه :( إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء ) وظاهره اختصاصه بهذه الأمة .

وذهب بعض العلماء: إلى أنه ليس مختصاً بهذه الأمة بل هو عام وهذا هو الراجح .

 ويدل على ذلك ما ثبت في البخاري في قصة جُريجٍ الراهب وفيه : ( فتوضأ ثم صلى ثم أتى الغلام فقال من أبوك، فقال : الراعي )

وبما ثبت في مسند أحمد في قصة سارة وفيه ( أن سارة لما دنا منها الملك قامت تتوضأ وتصلي ) وسارة هي زوج الخليل عليه السلام . فهذان الحديثان يدلان على أن الوضوء ليس خاصاً بهذه الأمة , وإنما الخاص بها هو أنهم يبعثون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء .

ويدل على هذا التخصيص صراحة ما ثبت في مسلم في بعض أحاديث الحوض وفيه : ( لكم سيما ليست لأحد من الأمم تأتون عليَّ غراً محجلين من آثار الوضوء ) .

 

 





 
 
حقوق النشر والطبع © 2005 شبكة قووه. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 Gooh.net . All rights reserved

info@gooh.net