|
الاستنجاء : استفعال من نجوت الشيء أي قطعته ، يقال : نجوت الشجرة أي قطعتها ؛ وسمي إزالة الأذى من السبيلين استنجاءاً لأنه يقطع الأذى الخارج من السبيلين .
وقيل هو من النجو وهو المحل المرتفع ، كما قال ابن قتيبة وذلك لأنه يقضي حاجته عند محل مرتفع ليستتربه ، وقيل غير ذلك .
وأما الاستنجاء في الاصطلاح الفقهي فهو : ( إزالة الخارج من السبيلين بالماء أو حكمه بحجر أو نحوه )
وقوله : " أو حكمه : لأنه لا يزول تماماً بل يبقى أثره الذي لا يضر وهو معفو عنه لذا قلنا " أو حكمه " أي حكم النجاسة .
قوله : [ يستحب عند دخول الخلاء قول : " بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث " ، وعند الخروج منه قوله : " غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني " ]
الخلاء : هو المكان المعد لقضاء الحاجة .
" بسم الله " : يستحب لمن أراد أن يدخل هذا البيت أن يقول : " بسم الله " .
ويقولها – إذا كان في صحراء – قبيل رفع ثيابه لقضاء الحاجة .
ويدل على ذلك ما روى الترمذي وأبو داود والحديث صحيح لشواهده وإلا فقد ضعفه الترمذي لكنه صحيح لا لطريقه الذي رواه الترمذي بل لشواهده أن النبي e قال : ( ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخلوا الكنيف أن يقولوا : بسم الله ) أي إذا أرادوا أن يدخلوا .
وكذلك يقول : " اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " وقال المؤلف هنا : " أعوذ بالله من الخبث والخبائث " وهي رواية . وهي رواية عند مسلم .
وفي المتفق عليه : " اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك أن النبي e كان إذا دخل الخلاء قال 1-: ( اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث ) ويقول ذلك إذا أراد أن يدخل الخلاء كما صرحت بذلك رواية البخاري في الأدب المفرد أن النبي e : ( كان إذا أراد أن يدخل الخلاء قال ) .
الخُبْث : بتسكين الباء وضمها .
أما بالتسكين : الخبْث فهي الشر والقبح ، فتكون الخبائث بمعنى النفوس الشريرة فيكون المعنى اللهم أني أعوذ بك من الشر وأهله .
أما بالضم : الخبُث فهي جمع خبيث فيكون المعنى : أعوذ بك من ذكور الشياطين وإناثهم .
2- وروى ابن ماجة بإسناد ضعيف أنه يقول : ( اللهم ............. الرجس ......... )
وعند خروجه من الخلاء : " غفرانك " كما ثبت ذلك عن عائشة قالت : كان رسول الله e إذا خرج من الخلاء قال : 1- ( غفرانك ) أي أسألك غفرانك ، والحديث رواه الخمسة إلا النسائي وإسناده صحيح .
غفرانك : أي أسألك غفرانك ، من المغفرة وهي ستر الذنب والتجاوز عنه .
وما هي الحكمة من قول : غفرانك ؟
فقال بعضهم : لانقطاعه عن ذكر الله فإنه يستغفر الله لأن هذا ليس محلاً للذكر – لكن هذا ضعيف إذ مقتضى ذلك أن يستغفر الله من كل حال لم يذكر الله فيها .
والراجح : أنه لما ذهب عنه ثقل الأذى تذكر ثقل الذنب فسأل الله أن يتجاوز عنه ويغفر ذنبه .
وقوله : 2- " الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني " هذا حديث آخر رواه ابن ماجة وغيره لكن إسناده ضعيف.
ومثله : 3- ( الحمد لله أذاقني لذته – أي الطعام – وأبقى فِيَّ قوته وأذهب عني الأذى ) فقد رواه ابن السني بإسناد ضعيف .
ومثله : 4- ( الحمد لله على ما أحسن في الأولى والأخرى ) .
ومثل ذلك – أي في الضعف - الحديث المشهور عند دخول الخلاء من قول 2-: ( اللهم أني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ) فقد رواه ابن ماجة بإسناد ضعيف فهذه أحاديث ضعيفة لا تثبت عن النبي e .
وكما تقدم ؛ فإنه يقول : غفرانك إذا خرج من الخلاء .
* أما إذا كان في صحراء فإنه يقولها إذا قام من حاجته ، فإذا قام من حاجته وتحول عن موضعه فإنه يقول ذلك.
ومثل هذا – في تقديم الرجل اليسرى دخولاً واليمنى خروجاً – كما سيأتي دليله – فكذلك إذا كان في الصحراء فإنه إذا قدم إلى الموضع الذي يقضي فيه حاجته قدم رجله اليسرى وإذا انصرف قدم اليمنى .
قوله: [ وتقديم رجله اليسرى دخولاً ويمنى خروجاً ع-مسجد ونعل ]
" ع-مسجد ونعل " .
وهذا هو قياس الع-، فإن المسجد يستحب لك أن تبدأ برجلك اليمنى دخولاً واليسرى خروجاً كما روى ذلك الحاكم في مستدركه من حديث أنس بن مالك)) ، وأما النعل فقد ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( إذا انتعل أحدكم فليبدأ برجله اليمنى وإذا نزع فليبدأ برجله اليسرى ) .
وع-ذلك بيت الخلاء ونحوه قال النووي " وهو متفق عليه " أي بين أهل العلم .
قوله : [ واعتماده على رجله اليسرى ]
صورة ذلك : أن يكون قد وضع رجله اليمنى في الأرض كأنه جالس للتشهد في الصلاة وينصب ساقه اليسرى ويعتمد عليها .
واستدلوا : 1- بما رواه الطبراني في الكبير عن سراقة بن مالك قال : ( أمرنا النبي e أن نتوكأ على رجلنا اليسرى وأن ننصب اليمنى ) أي عند قضاء الحاجة .
قالوا : 2- لأنه أسهل للخارج وأكرم لليمين .
أما الحديث الذي استدلوا به فهو حديث ضعيف فيه راو مبهم .
وأما العلة التي ذكروها فإن فيها شيئاً من النظر أما قولهم : ( أسهل للخارج ) فإذا ثبت هذا طبياً فنعم .
وأما قولهم : أكرم لليمنى فإنه قد يكون الأيسرله خلاف ذلك ولأنه لايظهر في ذلك إكرام لليمين .
فالأظهر أنه يفعل ما يكون أيسر له .
قوله : [ وبعده في فضاء واستتاره ]
يستحب لمن أراد أن يقضي حاجته إذا كان في فضاء – أن يستتر ويبعد – يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة وفيه : 1- ( فانطلق – أي النبي e - حتى توارى عني فقضى حاجته ) وروى أهل السنن بإسناد صحيح أن النبي e : 2- ( كان إذا ذهب المذهب أبعد ) .
3- وفي سنن أبي داود بإسناد ضعيف – لكن الأحاديث المتقدمة تشهد له – أن النبي e : ( كان إذا أراد البِراز أبعد حتى لا يراه أحد ) .
أما استتاره فالمراد به استتار بدنه كله ، وذلك لأن ستر العورة ليس من باب المستحبات وإنما من باب الواجبات ، يدل على ذلك ما ثبت في المسند وسنن أبي داود والترمذي أن النبي e قال : ( احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك ) .
أما ستره لبدنه كله فهو المستحب ، وقد ثبت في مسلم أن النبي e : ( كان أحبَ ما يستتر به هَدَف أو حائشُ نخل) .
أما الهدف : فهو المكان المرتفع الذي يستتر به .
أما حائش النخل : فهو مجمع النخل الذي يستتر به ومثله حائش الشجر .
قوله : [ وارتياده لبوله مكاناً رخواً ]
رخواً : بتثليث الراء وهو المكان السهل اللين ، وذلك لئلا يعود عليه رشاش البول فيدخل في قلبه شيء من الوسواس أو تصيبه شيء من النجاسة .
والدليل على ذلك : ما رواه أبو داود عن أبي موسى الأشعري أن النبي e : ( ارتاد لبوله محلاً دَمِثاً - أي سهلاً ليناً – فقال : إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله ) لكن الحديث في إسناده جهالة فالحديث ضعيف .
لكن معناه صحيح فإن ذلك يورث الوسوسة وقد يقع عليه شيء من النجاسة .
قوله : [ ومسحُه بيده اليسرى إذا فرغ من بوله من أصل ذكره إلى رأسه ثلاثاً ونتره ثلاثاً ]
معنى هذا : قالوا : يمسح ذكره من أصله – أي من دون الأنثيين إلى أعلاه يفعل ذلك ثلاثاً – وينتره من جوفه ثلاثاً أي يدفعه من الباطن.
ومثل هذا يبعد أن ينسب إلى الإمام أحمد رحمه الله وقد سئل : عما يكون من البلل بعد الوضوء فقال : ( إذا بلت فانضح على ذكرك ولا تجعل ذلك همك والْهَ عنه ) هذا هو قول الإمام أحمد رحمه الله .
لذا قال شيخ الإسلام : ( بدعة ، ولم يقل بوجوبه ولا باستحبابه أحد من أئمة المسلمين ، والحديث الوارد فيه ضعيف لا أصل له ) .
ولأنه 2- يورث الوسوسة 3- ويورث سلس البول ، وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله : ( بل يترك بطبيعته يخرج بطبيعته ويقف بطبيعته قال : وكما قيل هو كالضرع إن حلبته در وإن تركته قر ) .
وأما 1- ما رواه أحمد في مسنده أن النبي e قال : ( إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثاً ) ففيه علتان :-
1- أن راويه عن النبي e هو يزداد اليماني ولا تصح له صحبة ، فالحديث مرسل .
2- أن فيه زمعة بن صالح وهو ضعيف ، فالحديث لا يثبت عن النبي e .
وفي أبي داود بإسناد صحيح أن النبي e : ( بال ثم نضح على ذكره ) .
قال الموفق : ( ويستحب له أن ينضح على ذكره وعلى ثيابه ليدفع عن نفسه الوسوسة ) وهو المذهب .
قوله : [وتحوله من موضعه ليستنجي في غيره إن خاف تلوثاً ]
يستحب له أن يتحول من موضعه الذي قضى فيه حاجته إلى مكان غيره ليستنجي فيه لئلا تصيبه النجاسة .
وقد روى أهل السنن الأربعة أن النبي e قال : ( لا يبولن أحدكم في مستحمه " أي مغتسله " ثم يغتسل فيه) وفي رواية : ( فإن عامة الوسواس من ذلك ) .
واعلم أنه يستحب وهو المذهب أن يغطي رأسه وهي سنة بكرية ثابتة عن أبي بكر رضي الله عنه .
وروى ذلك البيهقي عن النبي e : ( أنه كان إذا جامع أهله غطى رأسه وإذا دخل الخلاء غطى رأسه ) .
واستنكره البيهقي وهو كما قال ، لكن قال : ( وروى عن أبي بكر وهو صحيح عنه ) .
فهذه من المستحبات والآداب التي يستحب للمسلم أن يتأدب بها .
قوله : [ ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله تعالى إلا لحاجة ]
يكره أن يدخل إلى موضع الحاجة بشيء من الأوراق أو بشيء من الخواتم أو غيرها مما فيه ذكر الله تعالى أي فيه ذكر اسمه سبحانه وتعالى .
قال : " إلا لحاجة " : لأن الحاجة تزيل الكراهية .
وأولى من ذلك أن يدخل بشيء فيه أذكار نحو " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " أو شيء من كتب العلم .
1- وأولى من ذلك أن يكون دخوله إلى الخلاء بمصحف بل قال صاحب الأنصاف من الحنابلة : ( لا شك في تحريمه " أي الدخول بالمصحف إلى الخلاء " ولا يتوقف فيه عاقل ) .
وقد قيده الحنابلة كما في الإقناع بالحاجة ، فلو أن هناك رجلاً غنياً ومعه مصحف ويخشى عليه السرقة فإنه يجوز له أن يدخل المصحف معه في بيت الخلاء مع أنه يمكنه أن يشتري بدله ، فليس هنا ضرورة وإنما حاجة .
وفيه نظر ، فالأظهر أنه لا يجوز ذلك مطلقاً إكراماً للقرآن وابعاداً له عن مواضع القاذورات .
2- ويدل على كراهة الدخول بشيء فيه ذكر الله المقصود ككتب علم ما سيأتي من الاستدلال على كراهية أن يتلفظ في الخلاء بشيء من ذكر الله – وأولى منه ما كان مكتوباً لبقائه .
ومما يدل على أن المكتوب أولى بالكراهية من المنطوق أن الشارع نهى المحدث حدثاً أصغر أن يمس المصحف ولم ينهه عن تلاوته بلسانه .
3- أما ما ذكره المؤلف فيشمل لو دخل الخلاء ومعه شيء فيه ذكر اسم الله عز وجل ، كأن يدخل بورقة فيها اسم " عبد الله " أو نحو ذلك ، من الأوراق التي ليس فيها أذكار وإنما تضمنت اسم الله عز وجل فذكر الله غير مقصود .
1- فإن المذهب كراهية ذلك .
واستدلوا : بما رواه أهل السنن الأربعة من حديث همام عن بن جريج عن الزهري عن أنس بن مالك أن النبي e : ( كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه ) صححه المنذري وابن دقيق وأعله النسائي وأبو داود والدار قطني وضعفه ابن القيم .
وفي المتفق عليه من حديث أنس بن مالك : ( أن نقش خاتمه e : محمد رسول الله ) لكن الحديث – أي حديث همام – ضعيف ، فقد تفرد به همام وفي حفظه شيء من الضعف .
وقد رواه الثقات عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس ابن مالك أن النبي e : ( اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه) لذلك أعله أبو داود والنسائي والدار قطني وغيرهم .
وصححه الترمذي واستغربه ، فلعل استغرابه لهذه العلة المتقدمة وصححه المنذري وابن دقيق العيد .
والصواب تضعيفه للعلة المتقدمة ،وضعفه ابن القيم في تهذيب السنن فالحديث معلول .
فالثقات لم يأتوا بهذه اللفظة التي ذكرها همام ، وإنما ذكروا أن النبي e اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه وليس في شيء من روايات حديث أنس – مطلقاً أن النبي e كان يضعه إذا دخل الخلاء ، هذا هو دليل الحنابلة على الكراهية .
2- وهناك رواية عن الإمام أحمد : أن ذلك لا يكره وهو الراجح .
ودليله : ما ثبت أن النبي e كان له خاتم ونقشه محمد رسول الله ، ولم يصح أنه كان يضعه إذا دخل الخلاء ، ولو كان ثابتاً لنقل نقلاً صحيحاً .
فعلى ذلك لا كراهية في ذلك .
ومثل ذلك الدراهم التي فيها ذكر اسم من أسماء البشر فيها ذكر الله .
أما إذا كان فيه لفظة " لا إله إلا الله " فإنه يدخل في الباب المتقدم .
* وعن الإمام أحمد في كراهية الدراهم التي فيها ذكر الله عنه قولان : الكراهية وعدمها والمذهب الكراهية وهو الأظهر لكن مع الحاجة تزول الكراهية .
أما إذا كان فيها لفظة " عبد الله " ونحو ذلك ؛ فإنه لا يكره لمجرد هذا اللفظ الذي لا يقصد منه ذكر الله .
والحاجة في الدخول بالدراهم إلى بيوت الخلاء ترفع كراهية ذلك .
قوله : [ ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض ]
يكره له أن يرفع ثوبه قبل دنوه من الأرض اتفاقاً هذا إذا أراد أن يبول قاعداً .
والدليل على ذلك :-
ما روى ابن عمر أن النبي e : ( كان إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض ) رواه أبو داود والترمذي من حديث الأعمش عن رجل عن ابن عمر ، وهذا الرجل مبهم وفي البيهقي أنه القاسم بن محمد ، فعلى ذلك الحديث صحيح .
فإن كان هناك ناظر حرم فقد قال e : ( احفظ عورتك إلا من زوجك وما ملكت يمينك ) فقيل يا رسول الله : ( أرأيت الرجل يكون في الخلاء فقال النبي e : ( الله أحق أن يستحي منه ) .
أما ما رواه الترمذي أن النبي e قال : ( إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وعندما يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوهم وأكرموهم ) فإن الحديث فيه ليث بن أبي سُليم وهو ضعيف .
مسألة : حكم البول قائماً :
ثبت في الصحيحين عن حذيفة أن النبي e : ( 1- أتى سُباطة " أي زبالة " قوم فبال قائماً ) وهذا هو شأن العرب ، كما قال ذلك أحمد بن عبد الرحمن كما في سنن البيهقي : ( كان من شأن العرب البول قائماً ) وثبت في سنن النسائي من حديث عبد الرحمن بن حسنة أن النبي e : ( 2- بال قاعداً فقال بعض القوم انظروا يبول كما تبول النساء ) ولعل القائلين كفار أو لعلهم مسلمون لم يذكروه على سبيل السخرية بل أرادوا الإخبار فهذه الأحاديث تدل على جواز ذلك .
وقال بعض أهل العلم إن النبي e : بال قائماً لجرح كان في مأبضه " أي باطن ركبته " ، وقد روى ذلك الحاكم أن النبي e : ( بال قائماً لجرح كان في مأبضه ) لكن إسناده ضعيف .
فعلى ذلك لا بأس به ولا حرج ولا كراهية في ذلك .
فإن قيل : قد ثبت عن عائشة – كما روى ذلك الترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم – أنها قالت : ( من حدثكم أن رسول الله e كان يبول قائماً فلا تصدقوه ما كان يبول إلا قاعداً ) .
فالجواب : أنها حدثت بما علمت ورأت ، وأخبر حذيفة بما رأى وعلم .
ومن حديث عائشة يعلم أن الغالب من حاله أنه كان يبول قاعداً لذا استنكرت ذلك أم المؤمنين عائشة وكانت من أعلم الناس بحاله e .
فإن قيل : قد روى ابن ماجه أن النبي e قال لعمر : ( يا عمر لا تبل قائماً ) .
وقد روى ابن ماجه من حديث جابر أن النبي e : ( نهى أن يبول الرجل قائماً ) .
فالجواب : هذان حديثان ضعيفان لا يثبتان عن النبي e وقد قال ابن القيم : ( لم يثبت عن النبي e حديث) أي في النهي عن ذلك .
وهذا هو المذهب أي عدم كراهية ذلك إلا إذا خاف تلوثاً أو خاف ناظراً فإنه يكره ذلك .
كما أنه يستدل على جواز البول قائماً 3- بالأصل ، فإن الأصل في الأشياء الإباحة ، فالأصل في العادات الإباحة – ما لم يأت دليل على التحريم أو الكراهية .
قوله : [ وكلامه فيه ]
أي يكره أن يتكلم في الخلاء .
والكلام منه ما يكون كلاماً فيه ذكر الله عز وجل ، ومنه ما ليس كذلك .
أما إذا كان الكلام ذكراًلله تعالى فإنه مكروه كما ذكر المؤلف يدل على ذلك ما ثبت في مسلم من حديث ابن عمر : (أن رجلاً سلم على النبي e وهو يبول فلم يرد عليه ) وفي ابن ماجه بإسناد ضعيف : ( فتيمم ثم رد عليه ) .
وقد ثبت في سنن أبي داود وغيره بإسناد صحيح من حديث المهاجربن قنفذة رضي الله عنه : (أنه أتى النبي e وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه وقال : ( إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) .
فهذه الأحاديث تدل على كراهية ذكر الله ، والسلام من ذكر الله . ، فإن الله هو السلام ومنه السلام .
فإن قيل : فإذا عطس أو سمع الأذان فماذا يفعل ؟
فالجواب أن في ذلك قولين لأهل العلم – هما روايتان عن الإمام أحمد :-
1-القول الأول : أنه يذكر الله في قلبه
2- القول الثاني : أنه يذكر الله مُخافَتَةً ، كقراءته في الصلاة .
بمعنى يذكر الله بقلبه وبلسانه لكنه لا يرفع صوته بالذكر ، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ،
والأول أظهر، لأن مالا يدرك كله لايترك كله
وأما القول الثاني ففيه نظر لأنه ذكر وإن كان مخافتة فدخل في النهي .
أما الكلام بشيء آخر غير ذكر الله عز وجل فلا يثبت حديث عن النبي e في النهي عنه .
وأما ما روى أبو داود من حديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير إلى عن هلال بن عياض قال : حدثني أبي سعيد الخدري أن النبي e قال : ( لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك ) .
فالحديث رواه عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير موصولاً ورواه الأوزاعي وغيره عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً،وروايةعكرمةبن عمارعن يحيى بن أبي كثير فيها ضعف كما قال ذلك الإمام أحمد وابن المديني والبخاري .
فعلى ذلك رواية الأوزاعي هي الصحيحة وقد رواه مرسلاً بغير ذكر الصحابي ، فعلى ذلك الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي e .
وفيه ذكر كشف العورة وهي محرمة فالحديث لا يدل على كراهية الحديث منفرداً .
ولكن مع ذلك فإنه غير لائق وينافي كمال المروءه .
أما إذا احتاج إليه فإنه لا كراهية ؛ لأن الحاجة تزول بها الكراهية .
وأما الكلام وقت الاستنجاء فلا يكره كما قال الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد الرحمن بن سعدي قالوا : وإنما يكره وقت قضاء الحاجة .
قوله : [ وبوله في شق ونحوه ]
الشق هو الفتحة في الأرض . الكراهية متفق عليها كما قال النووي .
وقوله : " ونحوه " : كسِرب وهو ما تكون فيه الدواب وهو المستطيل وكذا فم بالوعة ونحوها .
وذكر بعض أهل التاريخ أن سعد بن عبادة بال في جحر وخر ميتاً فسمعوا قائلاً يقول :
نحن قتلنا سيد الـخزرج سعد بن عبادة رميناه بسهمين فلم نحطىء فؤاده
وهؤلاء – على هذه الرواية – الجن ،لكن هذه الرواية ضعيفة لا تصح .
ومستند من كره ذلك : ما رواه أبو داود والنسائي وأحمد بإسناد صحيح – كما قال ذلك النووي من حديث قتادة عن عبد الله بن سَرْجِس أن النبي e : ( نهى أن يبول الرجل في الجحر ) فقيل لقتاده : ما يكره من البول في الجحر فقال : إنها مساكن الجن .
وقد ذكر حرب عن أحمد أن قتادة لم يسمع من عبد الله بن سرجِس فعلى ذلك يكون الحديث منقطع الإسناد .
وقد أثبت سماع قتادة من عبد الله بن سرجس، علي بن المديني ومن علم حجة على من لم يعلم .
فعلى ذلك قد ثبت سماعه كما ذكر ذلك ابن المديني .
وكراهية ذلك متفق عليها عند أهل العلم – كما حكى ذلك النووي .
قوله: [ ومس فرجه بيمينه ]
هذامن المكروهات باتفاق العلماء ، يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي e قال : ( لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه ولا يتنفس في الإناء ) .
والشاهد قوله : ( لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ) .
لكن المؤلف هنا قد أطلق فذكر أنه يكره أن يمس فرجه بيمينه ، فظاهره أنه يكره له ذلك مطلقاً سواء كان في حال بوله أو بعدها أو قبلها – وهوالمذهب كمافي المنتهى.
قالوا : إذا كان النبي e قد نهى عن مس الذكر في حال البول مع كونه يحتاج إلى ذلك ، فأولى من ذلك بعد البول مع عدم الحاجة .
والأظهرأن يقال:إنما يكره ذلك– أي مس الفرج باليمين ـ عندالبول فقط ،للتقيدالذي تقدم وقدذكرشارح المقنع
(ابن مفلح) أن هذاهوظاهرالحديث ،وحكىعن بعض أهل العلم أن صاحب المقنع إنماترك التقييد بقوله: (وهو يبول) لوضوحه
فعلى ذلك مس الذكر باليمين لا كراهية فيه إلا إذا كان في حال البول .
وذهب الظاهرية إلى تحريمه ، وجمهور الفقهاء على كراهيته .
قوله:( ومس فرجه ) هذاعام ، فيدخل فيه القبل والدبر فكل ذلك مكروه
قال المصنف رحمه الله تعالى : [ واستنجاؤه واستجماره بها ]
أي باليمين ، فيكره له أن يستنجي أو يستجمر بيمينه ، ويدل عليه الحديث المتقدم من حديث أبي قتادة وفيه : ( ولا يتمسح من الخلاء بيمينه ) وبذلك قال جمهور الفقهاء ، فكرهوا أن يستنجي بيمينه .
فإذن : يكره أن يمس ذكره بيمينه وهو يبول ، وكذلك يكره أن يستنجي بيمينه .
قوله : [ واستقبال النيرين ]
وهما الشمس والقمر – أي يكره استقبال الشمس أو القمر عند قضاء الحاجة ، والدليل على ذلك :
قالوا : إن فيهما نور الله الذي يستضئ به الخلق. فنقول : لازمه أيضاً أن يُنهى كذلك عن استقبال النجوم ،وعليه: لا يجوز له أن يقضي حاجته إلا في بيت خلاء ، فهي علة ضعيفة .
وقالوا : فيها أسماء الله مكتوبة عليها .
والجواب : أنه لا دليل على ذلك ، كيف والنبي e قال لأهل المدينة : ( لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط أو بول ولكن شرقوا أو غربوا ) . متفق عليه بهذا اللفظ من حديث أبي يوب .
أما ما رواه الحكيم الترمذي أن النبي e نهى عن ذلك ،فقال فيه النووي : ( باطل ولا أصل له ) وهو كما قال فلا يثبت عن النبي e في هذا الباب شيء . قال ابن القيم : ( ليس لهذه المسألة أصل )
قوله : [ ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان ]
يحرم على المسلم أن يستقبل القبلة أو يستدبرها بغائط أو بول ويستثنى من ذلك : البنيان ، فإذا كان في كنيف أو مرحاض أو نحو ذلك من البيوت المبنية فإنه لا يحرم ذلك هذا هو مذهب جمهور الفقهاء
والمذهب أنه يكفي حائل،ولوكمؤخرةالرحل أودابةأوشجرة،بل يكفي ارخاء ذيله،ولايعتبرقربه من الجدارإن كان في بيت .
واستدلوا – أولاً – على تحريم استقبال القبلة واستدبارها عند الغائط أو البول – بحديث أبي أيوب الأنصاري أن النبي e قال : ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ، ولكن شرقوا أو غربوا ) .
وبما ثبت في مسلم عن سلمان الفارسي قال : ( نهانا النبي e أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ) ونحوه من حديث أبي هريرة في مسلم .
فهذه الأحاديث تدل على تحريم استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول .
أما استثناء البنيان : فدليله ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال : ( رقيت على بيت حفصة فرأيت النبي e على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة ) .
وقد كان في بنيان ، كما في رواية ابن خزيمة : ( محجوباً بِلَبِن ) وروى الحكيم الترمذي وقال الحافظ إسناده صحيح : ( أنه كان في كنيف ) وهذا هو المعهود عن النبي e ، فإنه كان يستتر غاية الاستتار ، فدل على أنه كان في بنيان .
وقد ثبت عند الخمسة إلا النسائي بإسناد جيد وهو من حديث محمد بن إسحاق وهو مدلس لكنه صرح بالتحديث في بعض روايات هذا الحديث – عن جابر قال : ( نهانا النبي e أن نستقبل القبلة أو نستدبرها بفروجنا إذا نحن أهرقنا الماء ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة ) والحديث إسناده جيد ، وقد حسنه الترمذي وصححه البخاري وابن خزيمة والحاكم وابن السكن فالحديث حسن وهو حجة .
قالوا : فهذان الحديثان يدلان على أن النبي e قد قضى حاجته مستقبل القبلة ومستدبرها وذلك إنما كان في البنيان وقد روى مروان بن الأصفر عن ابن عمر : ( أنه أناخ راحلته قِبَل الكعبة فجعل يبول ، فقيل له : أليس قد نُهي عن ذلك ؟ فقال : إنما نُهي عن ذلك إذا كنت في فضاء أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء فلا بأس ) رواه أبو داود .
فهذه أدلة الجمهور على جوازذلك وهو اختيار الإمام البخاري كما في صحيحه .
والقول الثاني:وهوروايةعن الإمام أحمد،وذهب إليه بعض الفقهاءكداود: أن ذلك جائز مطلقاً في البنيان وغير البنيان .
ودليل ذلك حديث ابن عمر وأنه يدل على النسخ .
لكن هذا القول قول ضعيف لأن القول بالنسخ لايصارإليه مع إمكان الجمع .
والقول الثالث: وهورواية عن الإمام أحمد وذهب إليه بعض الفقهاء : جواز استدبار الكعبة دون استقبالها .
وهؤلاء قد أخذوا بحديث ابن عمر في رؤيته النبي e وهو مستدبر الكعبة ، ولم يأخذوا بحديث جابر لكونهم يضعفونه ، ولكن تقدم تصحيح هذا الحديث .
والقول الرابع : ذهب إليه أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد ذهبوا إلى أن ذلك محرم على الإطلاق – أي في البنيان وغيره – وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وابن العربي وأبي ثور ومحمد بن إبراهيم .
واستدلوا : بعمومات الأحاديث التي تقدم ذكرها كحديث أبي أيوب وأبي هريرة وسلمان رضي الله عنهم ، فهي أحاديث عامة في البنيان وغيره .
وهذا هو قول أبي أيوب الأنصاري ، فقد قال بعد ما روى الحديث : ( فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قِبَل الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله ) .
فهذا هو مذهب أبي أيوب الأنصاري ، فعلى ذلك مذهب ابن عمر مخالف لقول أبي أيوب .
وما هو جوابهم على الأحاديث الفعلية المتقدمة ؟
قالوا : أما فعل النبي e في رؤيةابن عمرله ،ورؤية جابر فإن هذا الفعل الذي فعله النبي e إنما يحكي حاله تلك فإن الفعل لا عموم له ولا صفة له ،وإنما هو حكاية حال فقط لذا يحتمل فيه الخصوصية والنسيان وغير ذلك .
وإن كان على القول الصحيح أن احتمال الخصوصية هنا ضعيف ؛لأن الأصل عدمها ،وكذلك النسيان فإن الأصل عدمه هذا في معارضة الفعل القول ، فإنه يجب الجمع بين أفعال النبي e وأقواله – هذا في الأصل –
أما هنافي هذه المسألة فإن أفعال النبي e التي تقدم ذكرها قد حدثت منه في غير محل التشريع وليست أفعالاً ظاهرة أمام الصحابةوإنما فعلها في محلٍ الأصلُ أنه لا يُرى فيه ، فهو ليس محل تشريع والنبي e يجوز عليه النسيان في مثل ذلك
ويدل على صحة هذا القول وأن هذه أفعال من النبي e في غير محل التشريع وأنها قد حدثت منه على سبيل النسيان: أن النهي إنما هو لإكرام القبلة ،ومن يقضي حاجته في فضاء فإن بينه وبين القبلة جبال وأشجار وغيرها مما تكون حائلة بينه وبين القبلة ،فلافرق بين البنيان وغيره في هذا.
وقد قال النبي e - كما روى ذلك أبو داود وابن خزيمة وصححه والحديث صحيح أن النبي e قال : ( من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة تفله بين عينيه ) فإذا كان هذا في التفل تجاه القبلة فأولى منه في الغائط والبول ، ولم يفرق النبي e بين بنيان وغيره في حديث : ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا )
فهذا القول هو القول الراجح ، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو قول ابن العربي من المالكية وأبي ثور من الشافعية ، وذهب إليه الشيخ محمد بن إبراهيم من المتأخرين
والمشهور عند الحنابلة:أنه يكفي الانحراف اليسير وذهب بعض الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنه لا يكفي الانحراف اليسير؛ لقول النبي e : ( ولكن شرقوا أو غربوا ) ،ولأن الانحراف اليسيرلايضرفي الصلاة ، وهوالراجح
وهل يجوز استقبال القبلةحال الاستنجاء أو الاستجمار ؟
1- المشهور في مذهب الحنابلة أن ذلك مكروه،ولايكره استدبارها.
2- وقيل – أي في المذهب – : أنه لا يكره .
وقال صاحب الإنصاف وهو من الحنابلة : ( ويتوجه التحريم )وفيه قوة؛إكراماًللقبلة،ولأنه لايسلم غالباًمن خروج شيء .
مسألة :
حكم استقبال بيت المقدس واستدباره في البول أو الغائط هل يحرم ذلك أم لا ؟
روى أبو داود في سننه أن النبي e : ( نهى عن استقبال بيت المقدس بغائط أو بول ) والحديث في سنده جهالة،فلايصح.
فلا يكره ولا يحرم فعل ذلك،وهوالمذهب.
قوله : [ ولبثه فوق حاجته ]
أي لا يحل له أن يلبث فوق حاجته .
ودليل ذلك ما تقدم من النهي عن كشف العورة إلا لحاجة وأن ذلك محرم .
وقد تقدم ترجيح كراهية ذلك وأنه مكروه ليس بمحرم وقد قال e : ( الله أحق أن يُستحيى منه ) .
فالأرجح أنه لا يحرم له كشف عورته ولكنه يكره إلا إذا كان هناك ناظر فإنه يحرم عليه كما تقدم .
وقالوا : إنه يورث بعض المرض .
والجواب على هذا أنه إن ثبت ذلك فنعم ، فقد قال e : ( لا ضرر ولا ضرار ) ومرجع ذلك إلى الطب فإن ثبت في ذلك ضرر فإنه يحرم .
إذن : الراجح في هذه المسألة الكراهية لكونه كشف عورته من غير حاجة ، وأما التحريم فلا ، إلا أن يثبت ضرر طبي ، في ذلك فإنه يحرم لذلك .
قوله: [ وبوله في ظل طريق ونافع وتحت شجرة عليها ثمرة ]
لقوله e - كما في مسلم - : ( اتقوا اللاعنين قالوا : وما اللاعنان ؟ قال : ( الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم ) .
فهذا الحديث يدل على تحريم التخلي في طريق الناس أو ظلهم ،والمرادبالطريق : قارعة الطريق التي يطرقها الناس ويطؤونها بأقدامهم ، أما الطرق المهجورة فلابأس.
كما أن المراد بالظل ، الظل الذي يُنتفع به بالجلوس فيه وإلا فقد ثبت أن النبي e كان يقضي حاجته في حائش النخل وهو ذو ظل ،ومثله مُتَـشَمَّس الناس
وقد روى أبو داود – والحديث حسن – أن النبي e قال : ( اتقوا الملاعن الثلاثة : البراز في الموارد " أي التي يرد إليها الناس للشرب والسقي " وقارعة الطريق والظل )
وأما قوله : " وتحت شجرة عليها ثمرة " : فذلك لاحتياج الناس لهذه الثمرةالمقصودة،فقدتصيب النجاسةأقدامهم عندصعودهذه الشجرة ، وقد تسقط الثمرة فتتنجس فيحرم ذلك ،وفي الحديث : ( لا ضرر ولا ضرار) وقال تعالى : ) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً ( .
وقد ورد هذا عند الطبراني أن النبي e : ( نهى عن قضاء الحاجة تحت شجرة فيها ثمرة ) لكن الحديث إسناده ضعيف جداً ، ولكن دليله ما تقدم من ثبوت الضرر في ذلك والأذية .
وقد ثبت عند الطبراني في الكبير بإسناد حسن أن النبي e قال : ( من آذى المسلمين في طرقهم فقد وجبت عليه لعنتهم ) .
فالملاعن لكونها سبباً لدعاءالناس عليهم باللعنة،وقبول الله ذلك الدعاء.
قوله: [ ويستجمر بحجر ثم يستنجي بالماء ]
أي أن يجمع بين الاستجمار بالحجارة ونحوها وبين الاستنجاء بالماء وهذه إحدى صور إزالة الخبث وهي أفضلها بإجماع أهل العلم كما حكى ذلك العيني؛وذلك لأنها تجمع بين إزالة النجس عيناً بالحجارة وبين إزالته أثراً بالماء ، من غير أن يباشر الخبث بيده ، فإن الحجارة إنما تزيل عين النجاسة ولا تزيل أثرها .
أما الاستنجاءبالماءفإنه يزيل النجاسة عيناً وأثراً ، لكن ذلك يكون بمباشرة اليد للخبث ، فإذا اجتمعا- أي الاستجمار بالحجارة والاستنجاء بالماء – كانت هي الصفة الفضلى .
وهناك أدلة يستدل بها الفقهاء على هذه الصورة،سوىالتعليل المتقدم..
منها ما روى سعيد بن منصور – كما في المغني – عن عائشة قالت : ( مُرْن أزواجكنَّ أن يُتبعوا الحجارةَ بالماء من أثر الغائط والبول،فإني أستحييهم،كان النبي e يفعله ) واحتج به الإمام أحمد .
ولكن سنن سعيد بن منصور ليست كلها مطبوعة ولا كلها موجودة ، فمنها ما هو مفقود،ومماهومفقود جزالطهارة ، وهذا الحديث ثابت في مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي بإسناد صحيح من غير ذكر الحجارة ، وإنما فيه :( مرن أزواجكن أن يَستطيبوا " أي يستنجوا " بالماء ، فإن النبي e كان يفعله ) .
فهذا الحديث ليس فيه ذِكْر الجمع بينهما ، وإنمافيه ذِكْر الاستنجاء بالماء دون ذِكْر الاستجمار بالحجارة .
ومنها:ما رواه البزار بإسناد ضعيف جداً : ( نزلت : ) فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ( في طائفة من الأنصار كانوا يُتْبِعون الحجارةَ بالماء .. والحديث إسناده ضعيف جداً .
وعند الخمسة إلا النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعاً : ( أنها نزلت : ) فيه رجال يحبون أن يتطهروا ( في أهل قباء كانوا يستنجون بالماء ) . وهذا الحديث إسناده صحيح .
فإذن : نزلت في أهل قباء لكونهم يتطهرون بالاستنجاء بالماء وليس فيه ذكرالحجارة .
ثم بعد ذلك في المرتبة:الاستنجاء بالماءفقط وهي أفضل من الاستجمار بالحجارة باتفاق أهل العلم
وقد كرهه – أي الاستنجاء بالماء – طائفة من الصحابة والتابعين ولكن السنة حجة عليهم .
فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال : كان النبي e : ( يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلامٌ نحوي إِدَاوةً من ماء وعَنَزَةً فيستنجي بالماء ) .
وقد تقدم حديث عائشةوحديث أبي هريرةفي نزول الآية:) فيه رجال يحبون أن يتطهروا ( وهودليل على الجواز،
وهذه الحال فيها إزالة الأثر والعين جميعاً .
وقد قال الترمذي : ( وعليه العمل عندأهل العلم :يختارون الاستنجاء بالماء،وإن كان الاستنجاءبالحجارة يجزئ عندهم ،فإنهم استحبواالاستنجاء بالماء ورَأَوْهُ أفضل ) .
الحال الثالثة : هي الاكتفاءبالاستجمار بالحجارة ونحوها ، وهذه ثابتة صحيحة من فعل النبي e وقوله وسيأتي أدلة ذلك عند ذكر بعض المسائل إن شاء الله – وقد أجمع أهل العلم على جوازها .
قوله: [ ويجزئه الاستجمار إن لم يَعْدُالخارج مَوضعَ العادة ]
إذن : تقدم أن الاستجمار يجزئ لكن بقيد وهو ألا يتعدى – أي لا يتجاوز- ذلك موضع العادة ،أي الموضع الذي العادة أن تصل إليه النجاسةمن بول،أوغائط في العادة ، وهو المخرج .
فإذا تجاوز موضع العادة – أي موضع الأذى – فإنه لا يجزئه أن يكتفي بالاستجمار بالحجارة ، بل لابد أن يغسل هذا الزائد بالماء؛وذلك لأن الشارع إنما عفى عن بقاء الأثر مادام في موضع العادة ، فإذا تعدى موضع العادة فإنه لابد من الاستنجاء بالماء إذ لا مشقة في ذلك – هذا هو المشهور في المذهب .
وذهب بعض أهل العلم من الحنابلة – وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: إلى أنه يجزئه الاستجمار بالحجارة وإن تعدى ذلك موضع العادة ، لأنه لم ينقل عن النبي e في ذلك تقدير،أي مادام على الحَشَفة في البول ، على الصَفْحَتين في الغائط . وهو مذهب الشافعية ، وهو الظاهر ، والحاجة داعية إليه .
قوله: [ ويُشترط للاستجمار بأحجار ونحوِها أن يكون طاهراً مُنْقِياً غيرَ عظم وروث وطعام ومُحْترَم ومُتصلٍ بحيوان ، ويُشترط ثلاث مَسَحَاتٍ مُنْقِيةٍ فأكثر ولو بحَجر ذي شُعَبٍ ]
هذه شروط ما يستنجى به .
إذن : يجوز أن يستنجي بغير الحجارة ، فليس الاستجمار خاصاً بالأحجار ، فلو استجمر بما يزيل الأذى عيناً أي جُرماً وإن لم يزله أثراً ، كالأوراق وال-ونحوها فإنه يجزئ ، وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة ، بل هو مذهب أكثر أهل العلم .
وذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلىأنه لا يجزئ إلا الحجارة ، لأن الشارع خصص الحكم بذلك فلم يجزئ غيره
والراجح مذهب جمهور أهل العلم لأن هذا من باب القياس ، بل الأدلة الشرعية فيها إشارة إلى جوازه فمن ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي e : ( نهى أن يستنجى برجيع أو عظم ) .
فدل على جوازسواه من الأحجاروالتراب والخَشَب والأوراق والخِرَق وغيرها .
قوله : ( أن يكون طاهراً ) إذن : النجس لا يحل أن يُستنجى به ويدل على ذلك ما ثبت في البخاري عن ابن مسعود قال : ( أتى النبيَّ e الغائط فأمرني أن آتِيَهُ بثلاثة أحجار فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده ، فوجدت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال هذا رِكْسٌ ) وفي رواية ابن ماجه : ( هذا رِجْسٌ ) وفي الترمذي : ( يعني نجساً ) وقال النسائي : ( رِكْس أي طعام الجن ) واستغربه الحافظ ابن حجر وهو كما قال فإن لفظة " ر-" معناها نجس .
وقوله : " مُنْقِياً " : فإن كان فيه رطوبة أو كان أملسَ كالزجاج فلا يجزىء الاستجمار به لأنه لا يُزيل الخبث .
وقوله : " غير عظم وروث " .
فالعظم والروث لا يجوز له أن يستجمر بهما .
ودليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن سلمان قال : ( لقد نهانا النبي e أن نستنجيَ باليمين أو أن نستجمرَ بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستجمرَ برجيع أو عظم ) .
وثبت في مسلم أن النبي e قال للجن : ( لكم كل عظم ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أَوفَر ما يكون لحماً ، وكل بَعْرة " أي روثه " علف لدوابكم ثم قال النبي e : ( فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم ) .
وفي حديث رويفع أن النبي e قال له : ( أخبر الناس.... ) الحديث . وفيه : (أواستنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمداً بريء منه ) والحديث رواه أبو داود وغيره .
فهذه أحاديث تدل على تحريم الاستنجاء بالعظم والروث .
ـ فإذا استجمر بعظم أو روث فهل يجزئه ذلك ؟
المشهور في مذهب الحنابلة :أنه لا يجزئه ذلك .
واستدلوا بما روى الدارقطني وقال : إسناده صحيح أن النبي e : ( نهىأن يستنجى بروث أوعظم وقال : ( إنهما لا تُطهران ) .
واختار شيخ الإسلام الإجزاء، وإن كان الفعل محرماً لأن الخبث قد زال ،قال الزركشي : ( وهذا جيد لولا حديث الدار قطني ) والصواب:أنه لايجزيءلأنه محل عفو لبقاء أثر النجاسة فلم يصح إلا بما أذن به من حجر ونحوه ، وأما إذا زالت النجاسة أثراً وعيناً فيقوى ما قاله شيخ الإسلام لزوال الخبث والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً .
وقوله : " وطعام " .
وهذا من باب القياس ، قالوا : فإذا كان طعام الجن ودوابهم يحرم الاستنجاء به ، فأولى منه طعام الإنس وطعام دوابهم فهو أولى منه بهذاالمنع..
وقوله : ( ومُحْتَرَم ) مثل كتب العلم ، فإذا كان الشيء محترماً فلا يجوز الاستنجاء به وهذا من تعظيم شعائر الله : ) ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ( ففيه هتك للشريعة،واستخفاف بحرمتها.
قوله: ( ومُتصلٍ بحيوان )
كيده ، وجلده ، وصوفه . فالاستنجاء به محرم ، هذا هو المشهور في المذهب ، وهو مذهب الشافعية .
وذهب بعض أهل العلم كالأزجي من الحنابلة إلى أنه لا بأس بالاستنجاء به ، وهو أظهر؛ لعدم الدليل الذي يمنع منه
وقوله : ( ويُشترط ثلاث مسحات مُنْقِيٍة فأكثر ولو بحجر ذي شعب ) يشترط أن يكون استنجاؤه بثلاث مسحات فإن كان بمسحتين أو بمسحة فلا يجزئه .
لحديث سلمان وفيه : ( أوأن نستنجيَ بأقل من ثلاثة أحجار ) وهذا هو مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية ، وهذا الذي يدل عليه هذا الحديث .
وكذلك يدل عليه ما ثبت في سنن أبي داود أن النبي e قال : ( من ذهب إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها تجزئه ) ومفهومه أنهاإن قَلَّت فإنها لا تجزئه .
وذهب المالكية إلى جواز ذلك إذاأَنْقَتْ ، فإذا أنقت ولو كان ذلك بحجر واحدٍ فإنها تجزئه .
واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( من استجمر فليوتر ) والوتر يطلق على الواحد .
وكذلك بما ثبت في البخاري من حديث ابن مسعود في إتيانه النبي e بحجرين وليس فيه أنه أتاه بحجرثالث.
والاستدلال بهذين الحديثين على هذه المسألة ضعيفٌ .
أما الحديث الأول : فإن لفظة الوترعامة هنا ، وقد أتانا حديث سلمان فخصصه بإيجاب ثلاثة أحجار.
وأما حديث ابن مسعود،فنقول:الأمر مازال متعلقاً بذمته فهو لا يزال مطالباً بإحضار ثالثة .
والراجح هو القول بوجوب الاستنجاء بثلاثة أحجار فأكثر وهو مذهب الشافعية والحنابلة .
ـ وهل يشترط أن يكون كل حجر يَعُمُّ المحل كله ؟
ظاهر الحديث أنه لا يشترط ذلك وهو قول في مذهب الحنابلة ،. لكن يشترط الانقاء،بأن يبقى مالايزيله إلاَّالماء.
والمشهور في المذهب أنه يشترط أن يُعَمِّم المحل بكل حجر .
وفي سنن الدار قطني وقال : إسناده حسن أن النبي e قال : (أَوَلا يجد أحدكم ثلاثة أحجار حجرين للصَفْحَتين وحجراً للمَسْربَة ) وهي محل الأذى . لكن الحديث فيه أَبًِيّ() بن العباس وهو ضعيف .
وقوله : ( ولو بحجر ذي شعب )فإذااستنجى بحجر ذي ثلاث شعب فإنه يجزئه ذلك ، فكل شُعبة تقوم مقام حجر وهذا قياس واضح صحيح .
وقال هنا : " ولو " إشارة إلى خلاف في المذهب فهناك رواية عن الإمام أحمد: أنه لا يجزئ ذلك بل لابد من ثلاثة أحجار،والصحيح الأول.
قوله : [ ويسن قَطعه على وتر ]
لقوله e في الحديث المتقدم : ( ومن استجمر فليوتر ) .
قوله: [ ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الريح ]
يجب الاستنجاء لكل خارج عيني إلا الريح ، قال الإمام أحمد : ( الاستنجاء من الريح ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة وإنما فيه الوضوء ) .
وأما ما رواه الطبراني أن النبي e قال : ( من استنجى من الريح فليس منا ) فالحديث إسناده ضعيف جداً .
قوله: [ ولا يصح قبله وضوء ولا تيمم ]
هذه المسألة : فيها أنه لا يصح أن يتوضأ أو يتيمم ثم يستنجي .
واستدلوا بقول النبي e فيمن أصابه المذي : ( يغسل ذكره ويتوضأ ) رواه مسلم .
وفي رواية النسائي : ( ثم يتوضأ ) لكن هذه اللفظة إسنادها منقطع .
فإن قيل : ألا يستدل بالرواية المتقدمة ؟
فالجواب : لا يستدل بها لأن ( الواو ) لا تفيد إلا الاشتراك : ( يغسل ذكره ويتوضأ ) بل قد ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( توضأ وانضح فرجك ) فقدم الوضوء هنا .
فإن قيل : المشهور من فعله e أنه كان يستنجي ثم يتوضأ ؟
فالجواب :هذا فعل ، والفعل لا يدل على الوجوب
والقول الثاني وهورواية عن الإمام أحمد :أنه يصح الوضوء قبله وهوأظهر؛لأن إزالةالنجاسة ليست من شروط صحة الوضوء ، فلو أن رجلاً أصاب شيئاًمن بدنه نجاسة في غير محل الأذى فتوضأ ثم أزالها فوضوءه صحيح .
فكذلك هنا .
|