|
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يُضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ( ) يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً ( ) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يُطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما ( .
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد e وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .
في هذه المجالس نتدارس إن شاءالله الفقه وهو من أهم العلوم وأفضلها ، فإن هذا العلم يتعرف به المسلم على كيفية عبادته لربه سبحانه ، يعبد الله على بصيرة من أمره لأن العمل لا يُقبل مع الإخلاص حتى يكون على السنة صواباً فوجب على المسلم أن يعبد الله على بصيرة من أمره بالتفقه في دين الله تعالى ، وبه يعرف المسلم ما أحله الله وما حرمه من البيوع والأنكحة وغير ذلك ، وبه يتعلم الحدود والجنايات ونحو ذلك من الأحكام الشرعية التكليفية التي كلف الله بها عباده وقننها لهم سبحانه وتعالى .
وإن من الطرق التي يُتدارس بها الفقه أن يُتعلم من خلال أحد الكتب الفقهية المذهبية فإن ذلك من الطرق الصحيحة السليمة في تعلم الفقه ، وليس المقصود من ذلك أن يتلقى ما فيها من صواب وخطأ بل يتدارس ويتحاكم إلى كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام فيما وقع بين أهل العلم من الخلاف فإن ما يذكره صاحب المؤلف الذي نتدارسه أو غيره من المؤلفين بالفقه ليس كله صواباً وليس كله مجمعاً عليه بل قد وقع الخلاف بين أهل العلم في مسائل كثيرة منه.
إلا أن هذه الطريقة في التدارس وهي التلقي عن بعض الكتب الفقهية المذهبية لها فوائد كثيرة ؛ فمن ذلك :
أولاً : أنه أسهل ترتيباً من التلقي عن طريق الكتب التي جمع فيها مؤلفوها الأحاديث النبوية المشتملة على المسائل الشرعية فإن هذا ولا شك أسهل ترتيباً وأوضح ، بل إن أصحاب الكتب المؤلفة الحديثية كصاحب بلوغ المرام ، والمنتقى من أخبار المصطفى وغير ذلك ألفوا كتبهم على ترتيب هذه الكتب الفقهية .
ثانياً : أنه أبعد عن تشتت ذهن الطالب فإنه من المعلوم أن الكتب التي جمعت الأحاديث النبوية في الأحكام ليست جامعة للأحكام كلها إذ الأحكام الشرعية مستفادة من الأحاديث النبوية ومن غيرها فإنها تستفاد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والإجماع والقياس وأقوال الصحابة وغير ذلك من أصول الأدلة .
وكتب الحديث الفقهية إنما تجمع الأحاديث التي قالها النبي e في مسائل الأحكام التكليفية فلا شك أنه – حينئذ – يكون أبعد للتشتيت فإن الطالب عندما يقرأ الكتاب الفقهي يجد فيه جميع المسائل العلمية التي استفادها العلماء من القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها من الأحكام الشرعية ، فيكون أبعد عن تشتيت ذهنه بأن تجمع له المسائل في الكتاب الذي يتدارسه.
ثالثاُ : أن الفقهاء يذكرون في المتون الفقهية شروطاً و قيوداً و ضوابط بحيث يصح تصور المسألة و - أن [الحكم على الشيء فرع عن تصوره ].
فإذن الدراسة من الكتب الفقهية ليست منكراً – كما ينكره بعض الناس – هذا أمر ليس بصحيح بل يعتبر ذلك من الطرق السليمة التي ما زال عليها أهل العلم ، فإن شيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك ابن القيم وغيرهم وغيرهم من أهل العلم قد تلقوا الفقه من مثل هذه الطريقة .
لكنهم لم يكتفوا كما اكتفى كثير من الناس من المقلدين بما فيها وتلقوا العلم من هذه الكتب ثم اكتفوا بذلك ولم يحرروا ولم يبحثوا عن الحق ، فهذا ليس مشروعاً وهذا هو التقليد المذموم .
لكن كون المسلم يتعلم فيها ويتفقه ثم يبحث عن الحق بدليله فإن هذا أمر سائغ جائز ما زال عليه أهل العلم.
والذم إنما يقع في الصورة المتقدمة بأن يتلقى فيها العلم مجرداً عن دليله ، فيأخذ المسائل مقلداً لغيره من غير أن يبحث عن الحق بدليله بل لو عُرضَ له الحق بدليله أو هو قادر على أن يجد الحق بدليله لكنه يُعرِض عن ذلك ويكتفي بما تقدم .
بخلاف العاجز عن البحث والنظر فإنه يجوز له التقليد ويسوغ فإن العامي الذي لا نظر له في المسائل العلمية يسوغ له أن يقلد أحداً من أهل العلم من غير أن يحدد ذلك بصاحب مذهب ولا غيره بل كل أهل العلم يقلدون كما قال تعالى : ) فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( .
قوله : [ بسم الله الرحمن الرحيم ]
ومؤلف الكتاب هو شرف الدين أبو النجا موسى بن أحمد المقدسي المتوفى سنة 960 هـ وهو حنبلي المذهب وله مؤلفات نافعة في المذهب الحنبلي منها هذا الكتاب " زاد المستقنع " .
ومنها كذلك : " كتاب الإقناع " .
وقام بشرحهما البهوتي المتوفى سنة 1146 هـ شرح " زاد المستقنع " بكتاب أسماه : " الروض المربع " .
وشرح الإقناع بكتاب أسماه : " كشاف القناع عن متن الإقناع " ، وشَرَح منتهى الإرادات .
فإذن المؤلف مؤلف مشهور من مشايخ المذهب الحنبلي ، وقد شرع المؤلف بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز.
واقتداءً بالنبي e في رسائله وكتبه فإنه كان يفتتحها بالبسملة كما ثبت ذلك في الصحيحين من كتاب رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى هرقل عظيم الروم فإنه كتب فيه : ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبدالله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ) فشرع النبي e بالبسملة فيه .
وقد قال تعالى عن ملكة سبأ : ) قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم ، إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ( .
فهي من سنن أنبياء الله عليهم صلاة الله وسلامه ، وأما ما رواه الخطيب والحافظ الرهاوي في أربعينه أن النبي e قال : ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع ) فهذا الحديث فيه ابن الجُندي وهو متهم ، فالحديث ضعيف جداً لا يثبت عن النبي e .
" بسم الله " : هنا الباء للاستعانة و التبرك ، و" اسم " مجرور بحرف الجر ، و " الله " مضاف إلى اسم ، وهما متعلقان بمحذوف هو فعل متأخر مناسب تقديره هنا : " بسم الله أؤلف " ، وعندما تتوضأ تقديره : " بسم الله أتوضأ"، وعندما تقرأ تقديره : " بسم الله أقرأ " فهو فعل متأخر عن الجار والمجرور يناسب المقام .
" بسم الله " : أي أستعين بالله في قراءتي وأستعين به في وضوئي ، و أتبرك بالبداءة باسمه سبحانه وتعالى في تأليفي وفي وضوئي ، وفي قراءتي وغيرها .
" والله " : هو العلم الأعظم لله عز وجل فهو اسم الله سبحانه وتعالى الذي هو علم من أعلامه .
وأصله من الإله وهو المعبود ، وهو يطلق على المعبود سواء كانت عبادته حقاً أو كانت باطلاً كما قال تعالى : ) وأنه لا إله إلا أنا ( وقوله : ) أم اتخذوا من دونه آلهة ( فهي آلهة لكنها آلهة باطلة ، ولذا يُقال : " لا إله " أي لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى .
فإذن : " الله " مشتق من الإله وهو المعبود ، والله هوالأسم الأعظم لله وهو علم عليه .
" الرحمن " : أيضاًُ اسم من أسمائه تعالى متضمن لصفة الرحمة التي هي صفة من صفاته تعالى .
" الرحيم " : كذلك اسم من أسمائه متضمن لصفة الرحمة أيضاً .
إلا أن الرحمة في الرحمن صفة متعلقة بذاته سبحانه ، أي ذو الرحمة الواسعة الشاملة .
وأما الرحيم فهي صفة متعلقة بفعله سبحانه أي ذو الرحمة الواصلة إلى من يشاء من خلقه سبحانه .
فالرحمن بالنظر إلى صفته الذاتية والرحيم بالنظر إلى صفته سبحانه وتعالى الفعلية.
قوله رحمه الله : [ الحمد لله حمدا لا ينفد ]
هنا شرع المؤلف بالحمد كما ورد في سنن أبي داود وابن ماجه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ( كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أقطع ) أي ذاهب البركة فلا بركة فيه . وهذا الحديث رواه الحفاظ عن الزهري مرسلاً.
ورواه قرة بن عبدالرحمن وهو ضعيف رواه عنه موصولاً بذكر أبي هريرة ، والصواب ترجيح رواية من أرسله قال الدارقطني فالحديث الصواب أنه مرسل ، فعلى ذلك الحديث ضعيف و لكن كان النبي e يفتتح كلامه بالحمد والثناء على الله .
وكذلك اقتداءً بالكتاب العزيز ، فإن فيه : ) بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ( فالحمد يُشرع للمسلم أن يفتتح كلامه به ، أما هذا الحديث الوارد فهو حديث ضعيف مرسل لا يثبت عن النبي e ، وقد حسنه بعض العلماء كالنووي وابن الصلاح وغيرهما .
والصواب : أنه ضعيف مرسل من مراسيل الزهري وهي من ضعاف المراسيل .
والحمد هو : " ذكر محاسن المحمود محبة له وإجلالاً "
" ذكر محاسن المحمود " : فضائله أي ما عنده من الصفات الحميدة والأفعال الطيبة ، هذا كله يسمى حمداً.
" محبة وإجلالاً " : فليس مقابل النعمة فحسب بخلاف الشكر فإن الشكر أخص منه من هذه الحيثية فإنه إنما يكون – أي الشكر – مقابل النعمة أما الحمد فإنه سواء كان من هذا المحمود نعمة قد أسديت إليك أو لم يكن منه ذلك ، فإنك تحمده ، فإنك تحمد فلاناً على شجاعته وقوله الحق وصلاحه ونحو ذلك وإن كان لا يصل إليك منه شيء ، وكذلك إن أسدى إليك معروفاً فكذلك يسمى حمداً .
أما الشكر فهو أخص منه فالشكر لا يكون إلا مقابل النعمة ، فالله عز وجل يحمد على كل حال ، ولا يُحمد على كل حال سواه سبحانه وتعالى .
وقد ثبت في ابن ماجه بإسناد صحيح أن النبي e : ( كان إذا رأى ما يحب قال : الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وإذا رأى ما يكره قال : الحمد لله على كل حال ) .
إذن : الحمد هو ذكر محاسن محمود سواء كان مقابل النعمة أو لم يكن مقابلها .
فالله يحمد على حياته ويحمد على غيرها من صفاته سواء كانت الصفات اللازمة أو الصفات المتعدية .
إذن : الحمد هو ذكر محاسن المحمود محبة له وإجلالاً .
( حمداً لا ينفد ) : أي نفس الحمد لا ينفد .
أما قول الحامد فإنه ينقطع حمده لكن هذه المحاسن وهذه الفضائل هذه الصفات التي يتصف الله بها لا تنفد ، فهي صفات لا تنفد فالله عز وجل لا يزال متصفاً بصفات الكمال ولن يزال على ذلك .
كما أنه سبحانه لا يزال محموداً من خلقه : ) و إن من شيء إلا يسبح بحمده (.
أما من حيث الأفراد فإن من مات منهم أو شغل بأمر من الأمور فإن حمده يقف وينقطع .
لكن الله عز وجل لا يزال محموداً من خلقه من حيث العموم ، كما إنه سبحانه لا يزال متصفاً بصفات الحمد .
" لا ينفد " : أي لا ينقطع .
قوله : [ أفضل ما ينبغي أن يحمد ]
فهو أهل الثناء والمجد – سبحانه – ولا يحصي أحداً الثناء عليه.
قوله : [ وصلى الله وسلم على أفضل المصطفين محمد ]
" صلى الله " : أي أثنى .
فالصلاة من الله عز وجل هي الثناء كما قال ذلك أبو العالية.
وقيل : هي الرحمة وهو ضعيف .
والصواب أن الصلاة من الله هي الثناء لأن الله عز وجل قد عطف أحدهما على الآخر فقال : ) عليهم صلوات من ربهم ورحمة ( فدل على إنهما متغايران إذ الأصل في التعاطف أنه للتغاير.
كما أن الرحمة عامة ، وأما الصلاة فهي خاصة فناسب ألا تفسر الصلاة بها .
إذن الصلاة من الله عز وجل هي الثناء.
( اللهم صل على محمد ) أي بمعنى : اللهم أثنِ على محمد ، أثنِ عليه عند ملائكتك المقربين.
وعندما يدعو لإنسان بالصلاة عليه فالمراد من ذلك أنه يدعو له بأن يثني الله عز وجل عليه.
إذن الصلاة من الله هي الثناء.
" وسلم " السلام من السلامة ، وهي البراءة من النقائص والعيوب والآفات .
أي يدعو الله أن يسلمه من كل نقص وعيب لا يليق به – أي الآدمي – ومن كل آفة فإذن النبي e يجمع له بين الصلاة والسلام.
الصلاة بأن يثني الله عليه وهذا جلب خير والسلام أن يدعو الله بأن يسلم عليه أي أن يلقي عليه السلامة من الآفات والعيوب فيجمع بين جلب الخير و دفع الضر .
" على أفضل المصطفين " : المصطفين : جمع مصطفى وهو المختار ، من الصفوة وهي خلاصة الشيء فالمصطفون هم المختارون من الله سبحانه الذين اختارهم الله على خلقه لأنهم خلاصة خلقه .
وهم الأنبياء والرسل ، وهو – عليه الصلاة والسلام – أفضل هؤلاء ، فهو أفضل رسل الله عليهم صلاة الله وسلامه جميعاً ويدخل في ذلك أولو العزم كإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام وغيرهم من أنبياء الله فهو سيدهم وأفضلهم فهو سيد البشر كما صح ذلك عنه في الحديث المتفق عليه .
قوله : [ وعلى آله وصحبه ومن تعبد ]
" آله " : من آل يؤول إذا رجع .
وقيل بمعنى أهل وهو ضعيف ، ضعفه ابن القيم في كتاب الصلاة على النبي e ، من عدة أوجه.
" وآله " : أصلها من آل يؤول إذا رجع ، فآل الرجل هم الراجعون إليه المنضمون إليه المنتسبون إليه.
و آل النبي e لهم إطلاقان : إطلاق خاص و إطلاق عام .
أما الإطلاق الخاص : فهم قرابته وزوجاته و بناته فزوجه وسائر قرابته هم آله وقد قال e كما في الصحيحين : ( أما علمت أن آل محمد لا تحل لهم الصدقة ) فالمراد من " آل محمد " هم أقاربه من بني هاشم و أولاده عليه الصلاة والسلام من فاطمة رضي الله عنها وزوجاته كذلك.
وقوله : عليه الصلاة والسلام أيضاً : ( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً ) وهنا زوجاته وأهل بيته خاصة فهم آله هنا ، وهذا أخص من الإطلاق السابق أيضاً .
وأما الإطلاق العام : فهم أتباعه عامة من قرابته المؤمنين ومن ذريته ومن زوجاته ومن سائر أتباعه من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وقد قال تعالى : ) أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ( فهنا لا شك أن آل فرعون ليس أهله خاصة وإنما أهله ومن اتبعه على باطله فهم آل فرعون .
كما أنه يدخل فيه وهذا أخص إطلاقات " آل " يدخل فيه الشخص نفسه .
فالشخص نفسه – عندما يقال آل فلان – يدخل فيه الشخص نفسه ما لم تكن هناك قرينة تمنع من دخوله ومنه قول النبي e في الصحيحين : ( اللهم صل على آل أبي أوفى ) فإن هذا المتصدق المزكي وهو أبو أوفى أحق الناس بالدخول في هذه الجملة : ( اللهم صل على آل أبي أوفى ) أي عليه وعلى آله كما أن قوله تعالى:) أدخلوا آل فرعون أشد العذاب( يدخل فيهم فرعون ولا شك .
وقد تبين من هذا أن " آل " يدخل فيها الشخص نفسه ويدخل فيها زوجاته وذريته ويدخل فيها سائر قرابته ويدخل فيها على وجه العموم أتباعه والسياق يحكم فالسياق هو الحاكم .
فمثلاً : قوله e : ( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً ) هنا : النبي e إنما يدعو بهذا الدعاء لأهله خاصة بأن لا يكون عندهم شيء زائد – وإنما يكون عندهم الكفاية ومثل هذا الدعاء اللائق أن يكون للشخص نفسه وأهله خاصة و لا يتعدى هذا إلى سائر قرابته ممن قد لا يكون متحملاً لمثل هذه المعيشة بأن يكون قوتاً ، وممن قد يكون محباً للغنى ونحو ذلك .
لذا كان أزواج النبي e عليهن رضوان الله بعد وفاة النبي e معيشتهن قوتاً وما فضل عنهن يتصدقن به .
وأما آله من قرابته من بني هاشم فإنه كان فيهم الأغنياء وكان فيهم الفقراء .
" محمد " : هو اسمه الذي هو أعظم أسمائه عليه الصلاة والسلام وهو اسم مفعول على وزن مفعَّل نحو معظم ومقدم ومبجل.
وهذا الوزن يراد منه تكرار حدوث الفعل الذي اشتق منه هذا الاسم فيكون المعنى من لا يزال يحمد ، فهو لا يزال يحمد حمداً بعد حمداً من الله عز وجل وملائكته و الناس أي لا يزال يثنى عليه ويذكر بمحاسن أفعاله وفضائله عليه الصلاة والسلام من الله والملائكة ومن المؤمنين .
بل يحمد من الناس عامة كما يكون هذا يوم يكون المقام المحمود .
حتى من كذب به وأنكر نبوته فإنه يحمده على ما يتصف به من الصفات الحميدة.
وهذا الاسم " محمد " هو اسمه في التوراة .
ومن أسمائه ( أحمد ) وهو اسمه في الإنجيل كما قال تعالى : ) ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ( .
واسم أحمد : فيه مزيد معنى على المعنى المتقدم وهو أنه أحمد لله عز وجل من غيره أي أكثر حمداً لله سبحانه وتعالى و أفضل حمداً لله من غيره فهو أفضل الحامدين لربه.
و هو كذلك أحمد أي أحمد من غيره عند الله وعند ملائكته فهو محمود حمداً أفضل وأكثر ، أكثر كمية وأفضل كيفية من حمد غيره عليه الصلاة والسلام فهو أكثر الناس حمداً وأعظم الحامدين لله .
" وآله " : وآله هنا هم قرابته وزوجاته وذريته للعطف ، فإنه عطف الصحابة عليهم.
" وأصحابه " : جمع صحب ، وصحب جمع صاحب وهو من لقي النبي e مؤمناً به ومات على ذلك فعلى ذلك لو أن رجلاً لقي النبي e مؤمناً لكنه ارتد ثم رجع إلى الإسلام فهو صحابي لأن هذا الوصف ثابت فقد لقي النبي e وهو مؤمن به ، وإن طرأ على ذلك ردة – وعليه – أيضاً – من لقي النبي e وجالسه لكنه لم يكن مؤمناً به ثم آمن بعد ذلك لكنه لم يسعد برؤيته فإنه لا يكون صحابياً وإنما يكون تابعياً .
فالصحابي هو من رأى النبي e حال كونه مؤمناً بالله عز وجل .
" ومن تعبد " : أي تعبد لله و تذلل له و أطاعه .
والعبادة – كما قال شيخ الإسلام – اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة .
قوله : [ أما بعد ]
" أما " : أي : " مهما يكن من شيء " فأما هنا تنوب عن أداة الشرط وعن فعله .
و " بعد " : هنا ظرف زمان مبني على الضم في محل نصب لكون المضاف إليه محذوفاً و نوي معناه " والأصل : بعد ذلك " مهما يكن من شيء بعد ذلك ، و يؤتى بها عند الدخول في الموضوع الذي يقصد.
قوله : [ فهذا مختصر في الفقه ]
المختصر : اسم مفعول من الاختصار .
والاختصار في الكلام : هو أن تقل الألفاظ وتكثر المعاني .
وهذا ممدوح لأنه أسهل للحفظ وأجمع للأحكام ولكن بشرط ألا يكون ذلك فيه غموض بحيث يحتاج إلى مشقة وتعب لفهمه.
" الفقه " : الفقه لغة : الفهم و منه قوله تعالى : ) واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ( أي يفهموه .
اصطلاحاً : معرفة الأحكام الشرعية التكليفية العمليه من أدلتها التفصيلية .
" معرفة " : سواء كان هذا علماً يقينياً جازماً أو كان ظنياً غالباً لأن العلم لا يدرك باليقين كله بل منه ما يكون ظناً غالباً ليس من الظن المذموم الظن المرجوح أو الظن السيء . وإنما المراد به أن يغلب على ظنه فيكون احتمال الصواب أكثر من احتمال الخطأ فإنه ليست المسائل الشرعية كلها بل ولا أكثرها يُدرك باليقين بل الكثير والأكثر إنما يُدرك بالظن الغالب .
لذا يقال : " الراجح من القولين " أي المحتملين للصواب أي هذا هو القول الراجح الذي احتمال الصواب فيه أكثر من احتمال الخطأ .
" الأحكام الشرعية " : ليست أحكاماً عقلية ولا عادية ، وإنما هي أحكام شرعية أي منسوبة إلى الشرع .
" التكليفية " : أي يُكلف بها العباد .
" العملية " : تخرج بذلك الاعتقادية ، فهي ليست داخلة فيها ، فليس البحث هنا في باب التوحيد ولا الأسماء والصفات ولا اليوم الآخر و هذا محل بحثه كتب العقائد وكتب التوحيد إنما هنا في الأحكام العملية من صلاة وصوم وطلاق وبيوع ونحو ذلك .
" بأدلتها " : لابد أن يكون ذلك مع الدليل وإلا لم يكن فقهاً ، فإن الرجل إذا عرف مسألة من المسائل الشرعية لكنه لا يعرف دليلها فليس بفقيه فيها .
وكذلك لو كان عالماً بكتاب من كتب الفقهاء مطلعاً عليه عارف بمعانيه لكن ليس عنده أدلة شرعية تدل على هذه المسائل فهو ليس بفقيه .
فالفقيه من جمع بين فهم المسألة ومعرفة دليلها لذا أجمع العلماء – حكى ذلك ابن عبد البر – على أن المقلد ليس بعالم .
" التفصيلية " : ضد الإجمالية ، فالإجمالية هي الأصول العامة كالقياس والإجماع والسنة والكتاب . هذه تسمى أدلة إجماليه لكن الأدلة التفصيلية هي ما تضمنه باب القياس في مسألة معينة الأحاديث النبوية بأفرادها تسمى أدلة تفصيلية لكن السنة من حيث العموم دليل إجمالي.
قوله : [ من مقنع الإمام الموفق أبي محمد ]
المقنع : هو كتاب ألفه الشيخ : موفق الدين أبو محمد عبدالله بن أحمد بن محمد المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي رحمه الله تعالى المتوفي سنة 620 هـ ، وهو شيخ المذهب وإمام الحنابلة رحمه الله تعالى مع علمه بالسنة والعقيدة فهو من أهل العلم المشهورين .
وله هذا المؤلف وهو " المقنع " ، هذا المؤلَّف : جمع فيه المسائل الفقهية في المذهب الحنبلي لكنه لم يكتف بقول واحد في المسألة بل يذكر في المسألة روايتين أو وجهين أو احتمالين وهذه كلها داخلة في المذهب يعني : المذهب الحنبلي نفسه فيه مسائل خلافية وكذلك غيره من المذاهب.
والفرق بين الرواية والوجه والاحتمال :
فالرواية هي : ما قاله الإمام نفسه .
فإذا قيل : " وفي هذه المسألة عن الإمام أحمد روايتان " أي قولان منسوبان إليه نفسه .
و معلوم أن الإمام مهما علا قدره وكثر علمه قد يرجع عن قول فيقول قولاً وبعد فترة من الزمن يقول قولاً آخر لأنه تبين له أن ذاك الدليل الذي استدل به مثلاً ضعيف أو لا وجه له أو نحو ذلك أو أنه منسوخ أو غير ذلك فينتقل إلى قول آخر أو بلغه دليل لم يكن قد بلغه فحينئذٍِ ينتقل إلى قول آخر .
أما الوجه فهو ما أضيف إلى أصحابه – أي أصحاب الإمام أحمد – من العلماء الذين تقعدوا وتأصلوا بأصوله وانتسبوا إلى مذهبه فخرجوا على مذهبه وفرعوا المسائل لأن ما نقل عن الإمام أحمد لا يحيط بالمسائل الفقهية.
فليست كل مسألة من المسائل في الفقه الحنفي أو المالكي أو الشافعي أو الحنبلي مضافة إلى الإمام نفسه الذي ينتسب إليه ليس كذلك ، وإنما هي مضافة إما إليه نفسه ، وإما إلى أصحابه الذين تقعدوا بقواعده .
وهذا تخريج على نفس القواعد فليست خارجة عن قواعد الإمام لكنهم اختلفوا فبعضهم رأى هذا القول وبعضهم رأى القول الآخر فيُقال في المسألة وجهان .
أما الاحتمال : فهو ما يصح أن يكون وجهاً في المذهب فهو صالح لأن يكون وجهاً من غير أن يجزم بالفتيا به.
وحينئذٍ يتبين لنا : أن العارف بقواعد أحمد وأصوله يمكنه أن يختار القول الراجح من هذين القولين لذا المذهب فيه راجح ومرجوح.
و الرجح في المذهب عند المتقدمين ما اختاره أكثر الأصحاب ثم ما اختاره القاضي و الشيخان – المجد و الموفق – ثم ما اختاره الشيخان ، و عند المتأخرين ما في المنتهى و الإقناع هو المذهب فإن اختلفا في المذهب فما في المنتهى.
فمثلاً : ألف صاحب الإنصاف كتابه في الراجح من مسائل الخلاف أي في مذهب أحمد ، وكذلك صاحب الفروع يرجح ، وكذلك الموفق وغيره .
وعندما يُقال : " ظاهرالمذهب " :أي الراجح منه .
" والمشهور في المذهب " : أي الراجح في المذهب .
فأتى هذا المؤلف واختار من الروايتين رواية واختار من كل وجهين وجهاً هو الظاهر والمذهب والمشهور فيه عنده وإلا فقد يختار ما ليس بمشهور في المذهب ويكون المشهور في المذهب بخلاف ما اختاره .
والمقنع : لم يذكر فيه الأدلة والتعليلات للاختصار .
والموفق له أربع مؤلفات في الفقه جعلها مرتبة :
1- كتاب العمدة : وهذا المؤلف لا يذكر فيه الخلافات في المذهب وإنما يكتفي بقول واحد وربما ذكر الدليل أحياناً ليتمرس الطالب على معرفة الأدلة الشرعية .
2- ثم يترقى فيه إلى كتاب المقنع وقد تقدمت صفته .
3- ثم يترقى إلى كتاب الكافي : وهو على طريقة المقنع لكن فيه زيادة أدلة وتعليلات ، فيضيف الأدلة والتعليلات التي تركها في كتاب المقنع .
4- ثم يأتي بعد ذلك كتاب المغني في الفقه المقارن يذكر أقوال الحنابلة ويذكر أقوال الشافعية وغير ذلك من أقوال أهل العلم فهو في الفقه المقارن ، ويذكر أدلة هؤلاء وهؤلاء ويستدل للحنابلة فهو كتاب واسع .
قال بعضهم جامعاً :
كفى الخلقَ بالكافي و أقنع طالباً
بمُقنِع فقه عن كتاب مُطوَّلِ
وأغنى بمغني الفقه مَن كان باحثاً
وعمدتُه مَن يعتمدْها يُحصلِ
ولا شك أن كتبه واختياراته ومؤلفاته رحمه الله تعالى من أنفع المؤلفات في الفقه الحنبلي وأكثرها بركة ونفعاً فرحمه الله تعالى .
قوله : [ وربما حذفت منه مسائل نادرة الوقوع وزدت ما على مثله ويعتمد ]
ففيه مسائل قد حذفها من المقنع لا لشيء إلا لندرة وقوعها ، فهي مسائل يندر وقوعها فلم يحتج إلى ذكرها لأن الحاجة إليها ضعيفة .
" وزدت ما على ما مثله يعتمد " : فهو قد زاد على المقنع زيادات رأى أنها مهمة فزادها .
قوله : [ إذا همم قد قصرت والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت ]
هذا تعليل للاختصار ولحذف المسائل النادرة الوقوع .
" والأسباب المثبطة عن نيل المراد " : ومن أعظمها المعاصي.
قوله : [ ومع صغر حجمه حوى ما يغني عن التطويل ]
حوى : أي جمع ، فهو كتاب مع صغر حجمه كما قال قد حوى مسائل كثيرة يغني عن التطويل الموجود في غيره من الكتب.
قوله : [ ولا حول ولا قوة إلا بالله ]
" لا حول " : أي لا تحول لنا من حال إلى حال ، لا يمكننا أن نتحول من فقر إلى غنى ، من جهل إلى علم ، من شرك إلى توحيد ، من معصية إلى طاعة لا حول لنا إلا بالله سبحانه وتعالى .
أي لا تحول لأحد من حال إلى حال من حال سيئة إلى حسنة إلا بالله سبحانه وتعالى .
" ولا قوة " : كذلك لا قوة يُستعان بها إلا قوة الله عز وجل .
قوله : [ وهو حسبنا ]
حسبنا : أي كافينا ، فالحسب هو الكافي : ) يا أيها النبي حسبك الله ( أي كافيك الله .
قوله : [ ونعم الوكيل ]
أي نعم الوكيل اللهُ سبحانه وتعالى .
أي نعم المتوكَّلُ عليه الذي تفوض الأمور إليه دون ما سواه فيدفع الضر ويجلب النفع.
قوله : [ كتاب الطهارة ]
بدأ الفقهاء بالطهارة لأنها مفتاح الصلاة و شرطها ، و الصلاة آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين.
الكتاب : مصدر كتب يكتب كتبا وكتاباً وكتابة ، وهو بمعنى مكتوب .
والكَتبُ في اللغة : الجمع ، فيُقال : " تَكَتبَ بنو فلان " أي اجتمعوا ، فيكون المعنى هنا : الجامع لأحكام الطهارة .
فهذا الكتاب هنا قد جمع فيه المؤلف ما يحتاج إليه من مسائل الطهارة .
أما الطهارة في اللغة فهي : النظافة والنزاهة عن الأقذار سواء كانت هذه الأقذار حسية أو معنوية .
فإذا أزال القذر الثابت على بدنه أو على ثوبه أو على بقعته فإن هذا طهارة .
وإذا أزال القذر المعنوي كالشرك بالله والمعاصي فهذه طهارة أيضاً .
ومنه سمي المشركون نجساً لما هم عليه من القذر المعنوي وإن كانوا طاهرين طهارة حسية .
فإن الكافر إذا صافح مسلماً أو جلس على بقعة فلا تتنجس اليد ولا البقعة لأن نجاسته نجاسة معنوية.
والذي يهمنا هو تعريفها اصطلاحاً ، وقد عرفها المؤلف هنا بقوله :
قوله : [ وهي ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث ]
فهذه هي الطهارة الشرعية الفقهية .
" ارتفاع الحدث " : الحدث هو : وصف " أي معنى من المعاني فهو ليس حسياً " يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط فيه الطهارة كمس المصحف والطواف عند جمهور أهل العلم ونحوه مما تشترط فيه الطهارة فهو إذن – أي الحدث – ليس شيئاً محسوساً – وإنما هو شيء معنوي.
إذن الطهارة : هي ارتفاع الحدث فلا يبقى قائماً بالبدن بل يرتفع.
" وما في معناه " : كذلك ما في معنى ارتفاع الحدث يسمى طهارة.
إذن يدخل فيه صورتان :-
1- الصورة الأولى : أن يكون الحدث ليس بمرتفع بل هو باق ومع ذلك يسمى طهارة .
2- ألا يكون محدثاً لكنه أتى بالطهارة .
أما الصورة الأولى : فمثالها من به سلس بول والمرأة المستحاضة ونحو ذلك ، فإنهم عندما يتوضأون الوضوء الشرعي حدثهم باق غير ذاهب لأن الحدث عندهم متجدد ولكنهم قد تطهروا طهارة شرعية صحيحة ، ولكن مع ذلك الحدث باق ، فهذه تسمى طهارة شرعية لكنها ليست ارتفاعاً للحدث ، فالحدث باق وإنما هي في معنى ارتفاع الحدث .
وأما إذا كان الحدث غير موجود فمثال ذلك : الوضوء المستحب أو الغسل المستحب كغسل الجمعة فإنه يسمى طهارة ، والشخص عندما يغتسل غسل الجمعة ليس عليه حدث فهو في معنى ارتفاع الحدث لأنه شابهه في الصورة فغسل الجمعة كغسل الجنابة وكذلك : الوضوء المستحب وهو تجديد الوضوء فعندما يجدد وضوءه فإنه عليه طهارة وليس بمحدث ومع هذا فإن هذا الفعل يسمى تطهراً وما فعله فهو طهارة .
كذلك الغسلات التي بعد الغسلة الأولى ، فإن الواجب عليه أن يغسل كل عضو مرة مرة.
إذن : ما يكون في معنى ارتفاع الحدث يسمى طهارة فمن به سلس بول أو نحوه من الأحداث المتجددة فوضوءه أو غسله يسمى طهارة .
والغسل المستحب كغسل الجمعة أو على القول بوجوبه أيضاً فهو لا يرد على حدث حتى على القول بوجوبه ويسمى طهارة .
وكذلك غسل الميت يسمى طهارة وكذلك الوضوء المستحب يسمى طهارة ، وسائر الأغسال المستحبة تسمى كذلك طهارة.
و في المنتهى ( و ما في معناهما ) أي ما في معنى ارتفاع الحدث و ما في معنى زوال الخبث و مثال الثاني الاستجمار لأنه لا يزيل أثر الخبث.
" وزوال الخبث " : الخبث : المراد به هنا : النجاسة الحسية ، لأن الفقهاء ليس مبحثهم في الخبث المعنوي كالشرك وإنما مبحثهم في الخبث الحسي وهي النجاسة التي حكم الشارع بنجاستها وسيأتي البحث في هذا فإن المؤلف قد بوب باباً في النجاسة وإزالتها ، فالنجاسة الحسية كالبول والعذرة ونحو ذلك زوالها عن البدن أو البقعة أو الثوب يسمى طهارة ، فعندما يزول الخبث الواقع الطارئ على الثوب فينظف بالماء أو يزول بغير ذلك فإن هذا يسمى طهارة .
وقال هنا : " زوال الخبث ولم يقل " إزالة الخبث " لأن النية لا تشترط في إزالة النجاسة .
فلو أن رجلاً علق ثوباً فنزل عليه مطر وفيه نجاسة فالثوب قد طهر بزوال نجاسته بسبب نزول المطر عليه لا بفعل المكلف.
ولو غسل ثياباً فيها نجاسة وهو لا يعلم بوجود هذه النجاسة وغسل ثيابه لإزالة ما فيها من الأوساخ الأخرى ولا يعلم أن فيها نجاسة فهو لم ينو إزالة النجاسة طهرت الثياب لأن النجاسة من باب التروك وليست من باب الأفعال فالمقصود هو زوالها سواء زالت بفعل المكلف ونيته أو بفعله بدون نيته أو زالت بغير فعله و لا نيته.
قوله : [ المياه ثلاثة ]
" المياه ": جمع كثرة لماء ، وأصله موْه ، و جمع القلة منه : " أمواه " وجمع الكثرة منه : " مياه ".
" ثلاثة " : أي شرعاً ؛ هي :
1- الطهور : أي المطهر .
2- والطاهر : وهو الطاهر بنفسه غير المطهر لغيره .
3- و النجس .
هذا مذهب الجمهور ، و هو المشهور في مذهب الحنابلة و أن المياه تنقسم إلى ثلاثة .
و القول الثاني في المسألة : وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية و الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب و الشيخ ابن سعدي و الشيخ محمد بن إبراهيم أن المياه إنما تنقسم إلى قسمين اثنين : ماء طاهر وماء نجس .
فالطاهر هو الطهور المطهر ، والقسم الثاني هو الماء النجس .
قال شيخ الإسلام - رحمه الله - : " وإثبات ماء طاهر غير مطهر لا أصل له في الكتاب والسنة " ، وسيأتي البحث في هذا عند الكلام في القسم الثاني من أقسام المياه .
قوله : [ طهور لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره ]
هذا القسم الأول وهو الطهور : فهو طاهر بنفسه مطهر لغيره .
بل لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره .
النجس الطارئ : يخرج بذلك النجس غير الطارئ الذي هو أصلي في العين .
و النجس الطارئ : هو الموقع أو المحل الذي وردت عليه النجاسة ، فهو في أصله طاهر لكن وردت عليه نجاسة، فهو يسمى النجس حكماً ، والنجاسة هنا طارئة عليه ، فهذا يطهر بالتطهير.
وأما النجس عيناً فهو الذي قد خلقه الله نجساً فهذا لا يطهر أبداً.
مثال ذلك : البول أو العذرة أو الكلب أو الخنزير أو نحو ذلك فهذه نجاستها نجاسة عينية.
إذن : الكلام إنما هو على المحل الذي ترد عليه النجاسة فهذا هو النجس حكماً لأنه طاهر في الأصل فالنجاسة طرأت عليه.
" ولا يزيل النجس الطارئ غيره " : إذن يقرر المؤلف : أن هذا النوع من المياه لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره .
أما كونه لا يرفع الحدث غيره فسيأتي البحث في باب التيمم ، عن التيمم أهو رافع أم مبيح ؟
وفقهاء الحنابلة يرون أنه مبيح لذا هذا التعريف يجري على قاعدتهم ، وسيأتي البحث في هذا .
وقوله هنا كذلك : " لا يزل النجس الطارئ غيره " : يدل على أنه لو كانت هناك نجاسة فصُب عليها شيء آخر من المواد الكيمائية مثلاً ، أو أزيل بتراب أو نحو ذلك فإن النجاسة تبقى ولا تزول.
قالوا : لا تزول إلا بالماء ، وهذا هو مذهب الحنابلة .
فعلى ذلك إذا أزيل بحكه مثلاً وكان مما يقبل الحك ، أو أزيل بأي طريق أخر ، بمواد كيمائية أو نحو ذلك أو بتراب فإنه عندهم لا يطهر.
واستدلوا : بقول النبي e - في دم الحيض يصيب الثوب - : ( تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه ) متفق عليه .
قالوا : فقد خصص النبي e الماء بالذكر واستدلوا كذلك بالحديث المتفق عليه: ( في أمر النبي e أن يهراق على بول الأعرابي ذنوباً من ماء ) متفق عليه ، قالوا : فخصص النبي e كذلك الماء بالذكر .
وذهب الأحناف إلى أن الماء ليس فقط هو المزيل للنجاسة بل أي شيء تزول به النجاسة فإن المحل يطهر ، كأن تزول بالتراب أو بالريح أو بالشمس وغير ذلك ، فمتى زالت النجاسة ولم يبق لها أثر يمكن إزالته طهر المحل هذا هو القول الراجح .
ودليله : قول النبي e الثابت في سنن أبي داود : ( إذا وطئ أحدكم الأذى بنعليه فإن التراب لها طهور ) ، فجعل النبي e التراب طهوراً للنعل إذا أصابها الأذى .
ومثل ذلك ما ثبت في أبي داود أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإذا رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحهما ثم ليصل فيهما ) ، فهذا الحديث يدل على أن المسح كافٍ في إزالة الأذى في النعلين.
ثم إن النجاسة هي علة التنجس ، فإذا زالت هذه النجاسة بأي طريق فإنه فلا نجاسة لأن [ الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً ] و هي قاعدة معروفه ، إذا ثبتت العلة ثبت الحكم وإذا انتفت العلة انتفى الحكم .
قوله : [ وهو الباقي على خلقته ]
هذا هو الماء الطهور ، وهو الباقي على خلقته التي خلقها الله عليها . من مياه الأنهار ومياه البحار ومياه الآبار ومياه الأمطار ونحو ذلك . فالباقي على خلقته هو الطهور ، ويدخل في ذلك البرد والثلج .
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد ) .
لكن المراد هنا الذائب منه لأن الغُسل لا يثبت حتى يجري على الأعضاء لأن حقيقة الغُسل جريان الماء على أعضاء المغتسل أو المتوضئ ، فغسل الأعضاء حقيقة جريان الماء عليها .
فإذا كان البرد أو الثلج خفيفاً يجري الماء عند إدارته على الأعضاء فيصح الوضوء أو الغسل كما قرر صاحب المغني و النووي و غيرهما ، فإذا ماع فتوضأ أو اغتسل فإنه حينئذٍ يجزئه ذلك.
وهل يستثنى من الماء شيء ؟
ذهب بعض السلف إلى أن مياه البحار ليست بطهورة ، و جماهير الفقهاء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم على أن ماء البحر طهور .
وهذا هو الحق وقد دل عليه الحديث الذي رواه الأربعة وغيرهم وصححه البخاري أن النبي e قيل له : يا رسول الله : إنا نركب البحر ونحمل معنا قليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماءالبحر فقال : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ).
واستثني بالنصوص الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام :
أولاً:آبار ثمود سوى بئر الناقة :
فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر قال : ( نزل الناس مع النبي e على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم النبي e أن يهرقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة ) ، فهذا يدل على أنه لا يجوز للمسلم أن يتطهر بمياه آبار ثمود سوى بئر الناقة و لا يصح الوضوء بها سوى بئر الناقة و هو المذهب.
ثانياً : بئر بَرَهوت :
فقد كره الفقهاء أن يتوضأ منها أو يغتسل وهي بئر بحضرموت ، وقد روى الطبراني في الكبير ، و رواه الضياء في المختارة عنه أي من طريق الطبراني في الكبير أن النبي e قال : ( شر ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت ) وهو حديث حسن وهي بئر معروفة في حضرموت ، فهذا الحديث يدل على كراهية الغسل أو الوضوء منها كما قال ذلك الفقهاء .
مسألة :
ماء زمزم هل يكره أن يتوضأ وأن يغتسل وأن يزيل الخبث منه أم لا يكره ؟
أما الوضوء منه ، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن ذلك لا يكره.
واستدلوا بما رواه الإمام عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على مسند أبيه فهو في المسند من زوائد عبد الله بن الإمام أحمد : أن النبي e - من حديث علي بن أبي طالب – : ( دعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ ) هذا الحديث يدل على جواز الوضوء من ماء زمزم وأنه لا حرج في ذلك ولا بأس .
وعن الإمام أحمد خلاف المشهور في المذهب كراهية ذلك .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : بكراهية الاغتسال دون الوضوء وأن الغسل مكروه دون الوضوء .
أما القول بأن الوضوء مكروه فإنه لا دليل عليه والحديث النبوي الذي تقدم ذكره يرده .
وأما الغسل منه فليس في الحديث أن النبي e اغتسل .
وهل هناك ما يمنع من الاغتسال أم يقال أن الاغتسال مثل الوضوء ؟
روى الفاكهي في أخبار مكة – وهو من علماء القرن الثالث – بإسناده الصحيح عن العباس بن عبد المطلب وابنه : والعباس هو ساقي الناس من ماء زمزم فكان على سقاية زمزم رضي الله عنه قالا : ( لا أحله لمغتسل وهو لمتوضئ وشارب حلٌّ وبلٌّ ) أي برؤ من الأمراض .
فهنا قال هذان الصحابيان من أصحاب النبي e ورضي الله عنهما قالا : ( لا أحله لمغتسل ) ولم يصب النووي عندما قال فيه : " أنه لم يصح ما ذكروه عن العباس" بل قد صح ذلك بإسنادين أحدهما إسناد حسن والاخر إسناد صحيح ، وقد احتج بهذا الأثر الإمام أحمد – رحمه الله تعالى - .
وهذا الأثر عن العباس وابنه يدل على النهي عن الاغتسال من ماء زمزم وأن ذلك منهي عنه وقد كرهه كما تقدم شيخ الإسلام ابن تيمية وحكى ذلك عن طائفة من العلماء ، ولم أر أحداً من أهل العلم صرح بتحريمه .
ثم أن هناك فارقاً بين الغسل والوضوء ، فإن إزالة الجنابة أشد من إزالة الحدث الأصغر ، فإن إزالة الحدث الأكبر أشد من إزالة الحدث الأصغر لذا لا تزال ألا بتعميم الماء في البدن كله ، بخلاف الحدث الأصغر فإنه يزول بغسل بعض الأعضاء التي أمر الله عز وجل بغسلها .
فما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله قوي في النظر وهو كراهية الاغتسال من ماء زمزم ، وأما الوضوء منه فلا حرج فيه.
وأعظم من الاغتسال أن يزيل به النجس فإن كراهيته أشد – كما نص على ذلك فقهاء الحنابلة - لأن هذا الماء ماء مبارك ، وقد قال فيه النبي e كما في مسلم ( أنها مباركة ، إنها طعام طعم ) وزاد الطالسي بإسناد صحيح : ( وشفاء سقم ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( ماء زمزم لما شرب له ) فهو ماء مبارك فلا ينبغي أن يزيل الخبث به ، فإزالة الخبث مكروهة وقد نص على ذلك فقهاء الحنابلة وغيرهم .
قوله رحمه الله : [ فإن تغير بغير ممازج كقطع كافور أو دهن أو بملح مائي أو سخن بنجس كره ، وإن تغير بمكثه أو بما يشق صوب الماء عنه من نابت فيه وورق شجر أو بمجاورة ميتة أو سخن بالشمس أو بطاهر لم يكره ، وإن استعمل في طهارة مستحبة – كتجديد وضوء وغسل جمعة وغسلة ثانية وثالثة كره ]
" فإن تغير " : أي هذا الماء الطهور، تغير لونه أو ريحه أو طعمه
" بغير ممازج " : يعني : لا يمازجه ولا يخالطه بل يحدث التغير بغير ممازجة ، يعني : يقع في الماء هذا الشيء ولا يخالطه مخالطة الممازج وإنما يخالطه مخالطة غير الممازج ، فهذا المخالط ما زال باقياً على حاله ومع ذلك أحدث ذلك التأثير .
" كقطع كافور " : والكافور طيب معروف وإنما ذكر القطع لأنه إذا دق فإنه يمازج ويخالط .
" أو دهن " : دهن من الأدهان سواء كان من الأدهان الحيوانية أو النباتية فإذا وقع هذا الدهن في الماء أو قطع الكافور نحو العود القَماري ومثله الشمع أو القطران والزفت ، فكل هذه الأشياء إذا وقع شيء منها في الماء فإنه يؤثر فيه ولايمازجه .
وفيه ثلاثة أقوال في مذهب الحنابلة وغيرهم :-
1- القول الأول : ما ذكره المؤلف هنا ، حيث قال بعد ذلك : " كره " .
إذن هو طهور تصح الطهارة به ، فيصح أن يتوضأ به أو يغتسل به وتزال به النجاسة لكنه مكروه .
قالوا : هو طهور لأن هذا التغير لم يكن عن ممازجة وإنما كان عن مجاورة وهو مكروه قالوا : خروجاً من الخلاف ، هذا هو المشهور في المذهب.
2- القول الثاني : قالوا : هو طاهر مسلوب الطهورية فهو طاهر بنفسه لكنه لا يطهر غيره .
قالوا : و ما ذكرتموه من التفريق بين المجاورة والممازجة فارق ليس بمؤثر .
وهذا القول أصح من الذي قبله ، لأن ذلك ليس بمؤثر يعني : هذا التفريق ليس بمؤثر لأن الماء قد تغير سواء كان هذا التغير بممازجة أو بغير ممازجة .
3- القول الثالث : وهو القول الراجح وهو قول الجمهور .
قالوا : الماء طهور وليس بمكروه .
لأنه يسمى ماءً وتغيره هذا لا يخرجه عن مسمى الماء ، وقد قال تعالى : ) فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً ( هذا هو دليلنا ، بخلاف ما إذا وقع فيه ما يغيرمسماه فأصبح شاياً أو قهوة أو غير ذلك ، فلا يسمى ماء .
أما الجمهور فاستدلوا بالدليل الذي تقدم وهو التفريق بين المجاورة وبين الممازجة.
والتعليل بالخلاف ضعيف ، فكثير من المسائل الفقهية وقع فيها الخلاف بين أهل العلم ، فهل نقول بكراهيته هذه المسائل التي وجدنا الأدلة الشرعية أو القواعد العامة الشرعية أيضاً التي تدل على جوازها وإباحتها فنقول بكراهيتها لوجود هذا الخلاف – هذا ليس بصحيح ؛ لأن الكراهية حكم شرعي .
نعم : إذا كان الخلاف معتبراً قوياً فإننا نجتنب ونكره ما وقع فيه الخلاف القوي الذي تحتمله الأدلة بين أهل العلم لقول النبي e : ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) رواه أحمد والنسائي وغيرهما .
قوله : [ أو بملح مائي ............ كره ]
هنا أعاد حرف الجر لأن الملح المائي ليس من المخالط غير الممازج بل هو مخالط ممازج.
الملح المائي هو الذي يوضع في الأطعمة وهو المستخرج من الماء .
وقيده بالمائي : احترازاً من الملح المعدني وهو ما يستخرج من باطن الأرض فهذا يسمى ملحاً معدنياً ، والملح المعدني في المذهب إذا خالط الماء فإنه ينتقل الماء إلى الطاهرية ، فيكون مسلوب الطهورية ، وسيأتي . فإذا خالط الملح المائي الماء فغيره فأوجد فيه ملوحة بعد عذوبة فإن الماء يبقى طهوراً ، لكن قالوا : يكره ، لأن بعض أهل العلم ذهب إلى أن الماء يكون طاهراً .
وهذا تعليل بالخلاف وهو ضعيف كما تقدم بل هو ماء طهور ولا كراهية في استعماله .
إذن : إذا وضع في الماء ملح مائي فغيره فهو كماء البحر الذي قال فيه النبي e : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته)
قوله : [ أو سخن بنجس كره ]
الماء المسخن بالنجس كروث حمار ونحوه يكره سواء ظن وصول النجاسة إليه أو احتمل أو لا ، حصيناً كان الحائل أو غير حصين ، هذا هو المذهب .
قالوا : إن لم يحتج إليه فإن احتيج إليه زالت الكراهية .
وقال الجمهور وهو رواية عن الإمام أحمد : إنه لايكره وهو الراجح فإن كان حصيناً فلا وجه للكراهية ، وأما إن كان غير حصين فللكراهية وجه لأن الدخان يدخله ويؤثر فيه ؛ لكن هذا ينبني على أن الاستحالة لاتطهر والراجح أن الاستحالة تجعل النجس طاهراً فالدخان طاهر وعلى ذلك فالمسخن بالنجس غير مكروه .
والمذهب أنه إن عُلم وصول النجاسة وكان يسيراً نجس .
قوله : [ وإن تغير بمكثه ...... لم يكره ]
إن تغير بمكثه : بمعنى : أي بطول الإقامة فإن الأرض تؤثر في الماء بسبب طول الإقامة لكنه مازال يسمى ماءً ولم يغير هذا المكث مسماه ، بل مازال يسمى ماءً .
فحينئذ : هو طهور وليس بمكروه أيضاً – وهذا مما اتفق عليه أهل العلم .
إذن الماء إذا تغير بسبب طول مكثه فهو ماء طهور ليس بمكروه وهو ما يسمى بالماء الآجن أي المتغير بسبب طول المكث .
قوله : [ أو بما يشق صون الماء عنه من نابت فيه وورق شجر........... لم يكره ]
كذلك قد يتغير الماء في بركة بسبب تساقط أوراق الأشجار التي تحفه أو بسبب هبوب الرياح فتأتي بشيء من الأوراق أو نحو ذلك فتقع فيه أو بسبب ما ينبت فيه أو الطحالب أو نحو ذلك ، فإن الماء قد تغير لكن هذا التغير ليس بأمر يسهل الاحتراز منه بل هو بأمر يشق علينا الاحتراز منه – فهو باتفاق العلماء طهور وليس بمكروه لمشقة الاحتراز منه .
ومثله المتغير في آنية جلد ونحوذلك .
قوله : [ أو بمجاورة ميته ..... لم يكره ]
الميتة نجسة فإذا تغيرت رائحة الماء بسب مجاورة ميتة له لم يكره .
قال في المبدع وفي الشرح: " بغير خلاف نعلمه "
قالوا : لأن الرائحة أخف المتغيرات فعفي عنه مع المجاورة .
قوله : [ أو سخن بالشمس ..... لم يكره ]
إذا سخن الماء بالشمس قال : " لم يكره " وهو مذهب الجمهور .
وأما ما رواه الدار قطني من أن النبي e قال لعائشة – وقد سخنت الماء بالشمس فقال لها : ( يا حميراء " هو تصغير حمراء " لا تفعلي فإنه يورث البرص ) فهو حديث ضعيف جداً لا تصح نسبته إلى النبي e .
وروي عن عمر رضي الله عنه كما عند الدار قطني وفي إسناده جهالة .
وهذا مذهب جمهور الفقهاء وأن الماء إذا سخن بالشمس فإنه لا كراهية فيه – إلا أن يثبت الأطباء أن فيه ضرراً - و لا أعلم أن الأطباء ذكروا فيه ضرراً - كما قال الإمام الشافعي : " لا اكره الماء المشمس إلا أن يكره من جهة الطب " ، لحديث : ( لا ضرر ولا ضرار ).
قوله : [ أو بطاهر لم يكره ]
كالحطب و لا كراهية في استعماله ساخناً.
و في الدارقطني : ( أن عمر رضي الله عنه كان يُسخن له الماء في قُمْقُمٍ " الجرة " فيغتسل منه ) و إسناده صحيح.
وثبت عند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح : ( أن ابن عمر كان يغتسل بالحميم ).
لكن إن كان لا يسبغ معه الوضوء لشدة حرارته فيكره.
قوله : [ وإن استعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء ، وغُسل جمعة ، وغسلة ثانية وثالثة كُره ]
ما هو الماء المستعمل ؟
الجواب : الماء المستعمل هو الماء المتساقط من الأعضاء بمعنى : عندما يجري الماء على الأعضاء ويتساقط منها قد يجتمع فهذا المجتمع هو الماء المستعمل و ليس الماء المستعمل هو المغترف منه .
هذا الماء المستعمل وهو المتساقط من أعضاء المتوضئ أو المغتسل له ثلاثة أحوال :
1- الحال الأولى : أن يكون متساقطاً عن حدث سواء كان حدثاً أصغر أو حدثاً أكبر .
فالحنابلة يرون أن الماء يكون طاهراً ، فلا يصح التطهر به والصحيح أنه طهور وكراهيته فيه وسيأتي الكلام عليه.
2- الحال الثانية : وهي المذكورة هنا : وهي ألا يكون عن حدث لكنه عن طهارة مستحبة كتجديد وضوء أو غُسل جمعة أو غسل يوم عرفة أو غسلة ثانية أو ثالثة.
الجواب : قال : " كره " إذن هو مكروه في مذهب الحنابلة قالوا خروجاً من خلاف من سلبه الطهورية ، وقد تقدم أن هذا تعليل ضعيف.
فإن قيل : هل في المسألة خلاف ؟
فالجواب : قد ذهب بعض الحنابلة و هو رواية عن الإمام أحمد إلى أن الماء المتساقط من الغسل المستحب أو الوضوء المستحب مسلوب الطهورية.
والصواب : أن بينهما فرقاً ، فإن ذاك غسل أو وضوء عن حدث .
وهذا وضوء أو غسل من غير حدث ففرق بين الأمرين ، وسيأتي أن الصحيح أن كليهما طهور.
إذن : الحنابلة في المشهور عنهم أنه مكروه للخلاف فيه.
3- وهناك صورة ثالثة : اتفق العلماء على أن الماء المستعمل ليس بمكروه بل هو طهور لا كراهية فيه وهو : ما إذا تساقط منه عن غير حدث ، وعن غير طهارة مستحبة فيها عن تبريد ونحوه .
مثلاً : رجل اغتسل للتبريد ونحوه فتساقط الماء فهو ليس عن حدث ولا عن طهارة مستحبة بل للتبريد ، فإن الماء يكون طهوراً لا كراهية فيه باتفاق العلماء .
إذن : أصبح عندنا ثلاث صور الراجح فيها كلها أن الماء طهور لا كراهية فيه .
قوله : [ وإن بلغ قلتين وهو الكثير وهما خمسمائة رطل عراقي تقريباً ، فخالطته نجاسة غير بول آدمي أو عذرته المائعة فلم تغيره أوخالطه البول أو العذرة ويشق نزحه كمصانع طريق مكة فطهور ]
قُلتين : تثنية قُلة ، وهي مقدار معروف مشهور عند العرب وهي قلال هَجَر ، التي شبه النبي e نبِق سدرة المنتهى بقلالها و القلتان ذكر المؤلف أنهما تَسَعان 500 رطل عراقي وهذه ليست من المقاييس المشهورة عندنا .
وهذا يساوي ثلاثة وتسعين صاعاً نبوياً وثلاثة أرباع الصـاع (93.75 صاع نبوي ) .
وهو ما يساوي في المقاييس الحاضرة مائتين وسبعين لتراً ( 270 لتراً ) ، وهما أي القلتان تساويان خمس قرب .
و قوله تقريباً : أي لا تحديداً فلا يضر نقص يسير كرطلين.
ذكر المؤلف رحمه الله أن الماء ينقسم إلى قليل وكثير ، و ذكر حد الكثير ، وما نقص عن ذلك فهو القليل ، هذا هو أصل المسألة .
· ثم ذكر : أن الماء الكثير البالغ قلتين إذا وقعت فيه نجاسة ولم تكن بول آدمي أو عذرته المائعه فإن الماء إذا لم يتغير فهو طهور ، أما إن خالطه البول أو العذرة من الآدمي فهو نجس وإن لم يتغير .
1- قاعدة المشقة تجلب التيسير .
وإن ما خالطاه و كان يشق نزحه فهو طهور لأن المشقة تجلب التيسير .
أي يشق إستخراجه حتى ينفذ أو ينفذ كمصانع طريق مكة وهي المجابي التي توضع في أفواه الشعاب.
أما القليل : فإنه ينجس عندهم بمجرد الملاقاة سواء تغير أو لم يتغير. والتفريق بين نجاسة الآدمي من بول أو عذرة وبين نجاسة غيره هو مذهب المتقدمين من الحنابلة .
2- و المشهور عند المتأخرين من الحنابلة كما في " المنتهى " و غيره أنه لا فرق بين بول الآدمي وعذرته ، وبين سائر النجاسات ، و المؤلف مشى على مذهب متقدمي الحنابله.
_ و دليلهم على التفريق بين بول الآدمي وعذرته وبين غيرها من النجاسات ما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه ) وفي لفظ لمسلم " منه " .
قالوا : فهنا قاعدة قاعدة أصولية أطلق النهي في الماء الذي لا يجري ، فيدخل في ذلك الماء الكثير والماء القليل ، فدل ذلك على أن البول إذا وقع في الماء الدائم الذي لا يجري سواء كان كثيراً أو قليلاً فإنه ينجس ، سواءً تغير أو لم يتغير
و الجواب أن هذا الحديث ليس فيه أن الماء ينجس بذلك بل قد نهى النبي e عن هذا لأمرين اثنين :
الأول : أن ذلك ذريعة لتنجيسه ، فإن الماء الدائم الذي لا يجري ، إذا وقعت فيه النجاسة اليسيرة التي لا تغيره فتكرر ذلك فإنه يؤول إلى تنجس هذا الماء ، وهو ماء دائم لا يجري ليس كالأنهار أو كالبحار التي تجري وهي كثيرة فلا يؤثر فيها .
أما الأمر الآخر : فهو قبح الجمع بين الأمرين ؛ بين أن يبول فيه وبين أن يغتسل منه أو فيه ، وذلك كقول النبي e في المتفق عليه : ( لا يجلد أحدكم امراته ثم يجامعها ) فالجمع بين الأمرين قبيح .
وكذلك الجمع بين البول فيه والتطهر منه أمر قبيح وليس فيه أن النبي e حكم على هذا الماء بالتنجس .
و عليه فلا فرق بين بول الآدمي وعذرته وبين غيرهما من النجاسات .
ثم إن قولهم يلزم منه أن يكون بول الكلب أو الخنزير أخف وهذا باطل .
فإذن الراجح أنه لا فرق بين الأمرين وهذا هو المشهور عند المتأخرين .
* تقدم التفريق بين القليل والكثير وأن ضابطه أن الكثير ما بلغ قلتين فأكثر ، والقليل ما دون ذلك . والدليل على هذا : ما رواه الخمسة بإسناد صحيح أن النبي e قال : ( إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث ) وهذا الحديث صحيح ، صححه الجمهور 1- كيحيى بن معين 2- والدارقطني 3- والطحاوي 4- والبيهقي ، 5- والحاكم 6- والذهبي ، 7- والنووي 8- وابن حجر 9- وابن منده وغيرهم من أهل العلم.
وذهب بعض الحفاظ إلى تضعيفه 1- كابن عبدالبر وأعله 2- المزي 3- وابن تيمية بالوقف ، وأعله 4- ابن القيم بعدم شهرته عند اهل العلم مع أن الحاجة داعية إلى اشتهاره.
إذن : استدلوا بهذا الحديث ورأوا صحته ، وقد صححه – كما تقدم – جماهير أهل العلم ، وهو الراجح فإنه صحيح والطعن فيه ضعيف .
فهذا الحديث يدل على أن الماء إذا بلغ قلتين فإنه لا يحمل الخبث .
قالوا : ومفهومه أنه إذا كان دون القلتين فإنه يحمل النجاسات والأخباث فيكون نجساً 1- هذا هو مذهب الحنابلة والشافعية .
2- و القول الثاني : وهو مذهب مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من المحققين ، وهو مذهب بعض الحنابلة كابن عقيل .
قالوا : لا فرق بين قليل الماء وكثيره ، بمعنى : أن الماء لا ينجس إلا بالتغير قليلاً كان أو كثيراً .
فإذا وقعت النجاسة في الماء فإننا ننظر فإن حملها وتنجس بها وظهرت رائحة النجاسة فيه أو طعمها أو لونها فإن الماء يكون نجساً وإلا فهو طاهر لا فرق بين قليل أو كثير بلغ القلتين أو لم يبلغهما .
واستدلوا :بالحديث الذي رواه الثلاثة – أبو داود والترمذي والنسائي – وصححه الإمام أحمد أن النبي e سئل عن بئر بُضاعة وهي بئر تلقي فيها الحِيض ولحوم الكلاب والَنَتْن فقال النبي e : ( إن الماء طهور لا ينجسه شيء ) لو قال قائل : إن ماء البئر يغلب عليه الظن أنه كثير .
فهنا النبي e قد أثبت للماء الطهورية وأنه لا ينجسه شيء أي إلا ما غيره ، وجعل الماء متصفاً بهذه الصفة ملازماً لها لا ينجسه شيء .
* قالوا : والحديث الذي استدللتم به حديث ضعيف ، فقد رواه مجاهد عن ابن عمر موقوفاً من قوله .
وهذا الحديث لم يشتهر عن غير ابن عمر وهو أمر حاجة العامة تدعو إليه فمثله يشتهر كالتحديد في الزكاة ونحوها.
ولكن الراجح أن هذا الحديث صحيح ، وأما تعليلهم بالوقف له فهو ضعيف لأنه رواه عنه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف .
وأما التعليل بعدم الشهرة ، فنقول : هذا حديث ثابت صحيح رواه كثير من الأئمة في كتبهم وصححه جمع كثير من أهل العلم فمثله تثبت به السنن و لا يشترط قدر زائد على ذلك.
لكن الجواب أن يقال : 1- إن هذا الحديث ليس فيه أن الماء إذا كان دون القلتين فإنه ينجس وإنما فيه إثبات أن الماء إذا بلغ القلتين فإنه لا يحمل الخبث لكثرته وقوته ، وأنه إذا كان دون القلتين فإنه قد يحمل الخبث لضعفه .
إذن هذا الحديث فيه إخبار من النبي e أن الماء الكثير لكثرته لا يحمل الخبث ، فليس فيه أن الماء القليل يحمل الخبث بل فيه أنه لقلته قد يحمل الخبث فعليك أن تنظر فيه وأن تتحرز من تغيير النجاسة له .
2- ثم إن دلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم ، لأن قوله : ( إن الماء طهور لا ينجسه شيء ) منطوقه أنه سواء كان قليلاً أو كثيراً فإنه لا ينجس إلا بالتغير ، فهذه الدلالة منطوق بها .
وأما حديث : ( إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث ) فإن دلالته دلالة مفهوم على القول بذلك.
3- ثم إن قول النبي e : ( لم يحمل الخبث ) يدل على أن مناط الحكم هو حمل الخبث ، وهذا يدل على - الشرعية: ( الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً ) فعلى ذلك إذا استهلك الخبث في القليل فإنه لا ينجس وإذا حمله القليل فإنه ينجس . قاعدة أصولية .
إذن القول الراجح عدم التفريق بين قليل الماء وكثيره .
فالماء إذا كان قليلاً أو كان كثيراً فوقعت فيه نجاسة فإننا – حينئذ – ننظر هل غيرته أم لا ؟
فإن غيرته فهو نجس ، وإن لم تغيره فهو طهور هذا هو الراجح وهو مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ، فلا فرق بين قليل الماء وكثيره .
وقد روى ابن ماجة من حديث رشدين بن سعد وهو ضعيف أن النبي e قال : ( إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه و طعمه و لونه ) والحديث ضعفه أبو حاتم لكن الإجماع عليه ، فالإجماع على إن الماء إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بالنجاسة فهو ماء نجس .
أما إذا لم يتغير ففيه الخلاف الذي تقدم والراجح أنه إذا لم يتغير فإنه لا ينجس سواء كان قليلاً أو كثيراً .
قوله : [ كمصانع طريق مكة ] :
جمع مصنع والمراد بها أحواض المياه التي كانت موضوعة في طريق مكة من العراق ، يردها الحجاج وهي مياه كثيرة يشق نزحها .
قوله : [ ولا يرفع حدث رجل طهور يسير خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث ]
هذه مسألة ذات قيود كثيرة :-
" ولا يرفع حدث رجل " : لكن يزيل الخبث عنه و تصح به الطهارة المستحبة كغسل الجمعة وتجديد وضوء لكنه لا يرفع حدثه الأكبر أو الأصغر .
" رجل " : قالوا : ويلحق به الخنثى ، فحكمه حكم الرجل.
ويخرج من ذلك المرأة والصبي فإنه يرفع حدثهما .
" طهور يسير " : أي دون القلتين تقريباً.
" خلت به امرأة " : مكلفة و تزول الخلوة بمشاهدة رجل أو أمراة أو مميز.
" لطهارة كاملة " : كذلك أن يكون هذا لطهارة كاملة فلو كان لبعض طهارة كأن تكون غسلت وجهها ويديها وبقي غسل الرجلين فلا تدخل في هذه المسألة .
" عن حدث " : فلو خلت به لإزالة نجاسة أو لغسل جمعة أو غيره من الأغسال المستحبة فإنه لا يدخل في ذلك
فهذه مسألة ذات قيود كثيرة.
ودليلهم : ما ثبت في سنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح عن رجل من أصحاب النبي e قال : نهى رسول الله e : (أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعاً ) .
و روى الخمسة بإسناد صحيح من حديث الحكم بن عمرو أن النبي e : ( نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة ) .
2- وذهب جمهور الفقهاء وهو قول في المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام إلى أنه يتطهر بما خلت به المرأة لطهارة كاملة عن حدث.
واستدلوا بحديثين صحيحين :
1- ما ثبت في مسلم أن النبي e كان يغتسل بفضل ميمونة رضي الله عنها .
2- وأصرح منه ما ثبت عند الأربعة بإسناد صحيح عن ابن عباس قال : ( اغتسل بعض أزواج النبي e في جفنة فجاء يغتسل منها فقالت : إني كنت جنباً فقال : إن الماء لا يَجنُب ) .
* ثم إن الحديث الذي استدللتم به يدل كذلك على النهي عن اغتسال المرأة من فضل الرجل : ( وليغترفا جميعاً ) و الإجماع على جوازه يقوي ما ذهب إليه الجمهور من أن النهي في هذا الحديث لا يدل على التحريم ، وإنما يدل على الأولوية أي : الأولى للرجل أن يغتسل بماء جديد غير فضل المرأة والأولى للمرأة أن تغتسل بماء جديد غير فضل الرجل وإن احتاجا إلى شيء من ذلك فليغترفا جميعاً و لم تقولوا به .
وقول الحنابلة فيه شيء من النظر القوي ؛ ذلك : لأن نهي النبي e الرجل أن يغتسل بفضل المرأة ورد في السنة ما يعارضه وهو ما تقدم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما .
وأما نهي النبي e عن اغتسال المرأة بفضل الرجل فلم يرد في السنة ما يدل على جوازه فهو أعظم إحكاماً من ذلك ، لكن الإجماع على جوازه.
فإذن : الراجح ما ذهب إليه الجمهور وهو اختيار غير واحد من المحقيقين كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره أن الماء إذا خلت به المرأة لطهارة كاملة فإن الرجل يجوز له أن يتطهر به والأولى له أن يتطهر بماء غير فضلها .
وكذلك المرأة فالمستحب لها والمشروع أن تتوضأ وتغتسل بغير فضل الرجل ولكن إن اغتسلت به فلا حرج ولا بأس .
قال رحمه الله : [ وإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه بطبخ أو ساقط فيه ...... فطاهر ]
" وإن تغير " : الضمير يعود إلى الماء الطهور .
" بطبخ " : أي طبخ فيه شيء طاهر كلحم أو أرز و نحو ذلك.
" أو ساقط فيه " : كأن تسقط فيه ثمرة أو ورق أو نحو ذلك.
لكن يستثنى ما تقدم 1- مما يشق صون الماء عنه . 2- وكذا ما تغير في محل التطهير ما وجه ذلك ؟ صورة ذلك : لو غسل أول يده ثم تغير هذا الماء وهو يغسل يده فهذا تغير في محل التطهير " المشقة تجلب التيسير " كما لو كان في يده زعفران أو نحوه.
قال المصنف : " فطاهر " : أي طاهر غير مطهر ، فهو طاهر في نفسه ليس بنجس لكنه ليس بمطهر ، وهذا هو المذهب وهو 1- مذهب جمهور أهل العلم .
فالماء إن وقع فيه شيء من الطاهرات فغير رائحته أو طعمه أو لونه فإنه يكون طاهراً وليس بطهور ، فهو طاهر في نفسه وليس بمطهر لغيره فعلى ذلك – على المذهب – لا يزيل النجس ولا يرفع الحدث .
قالوا : لأن الماء ليس بماء مطلق بل هو ماء أضيف إليه شيء فهو ليس ماء مطلقاً.
2- والقول الثاني : أنه طهور مادام باقياً على مسماه وهو مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد بل قال شيخ الإسلام : ( إن أكثر نصوص أحمد على هذا ) أي على القول بأنه طهور ، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام و تلميذه ابن القيم و الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
قالوا : الماء طهور ، فكما أنه طاهر في نفسه فهو مطهر لغيره مادام باقياً على مسماه .
وليتضح قولنا : " مادام باقياً على مسماه " نضرب مثالين :
المثال الأول : وهو ما كان فيه الماء باقياً على مسماه ، كأن يسقط فيه شيء من أوراق الشاي أو شيء من الطعام فيتغير لونه فيأخذ من لون هذا الشيء الواقع فيه لكن لا يزال يسمى ماءً .
المثال الثاني : وهو ما تغير فيه مسمى الماء ، كأن يوضع في إناء شيء من أوراق الشاي ثم يطبخ على النار ، فإنه يسمى شاياً فهو لم يبق على مسماه.
أما هذه الحال الثانية : فالراجح أنه ليس بماء فلا يحل لأحد أن يتطهر به ، والشارع عين الماء للطهارة عند وجوده فقال تعالى ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ وهذا ليس بماء .
أما الحال الأولى : فهي المختلف فيها وهي ما إذا كان الماء قد تغير بهذا الشيء الطاهر لكنه لم يتغير مسماه بل بقي الماء على مسماه .
فالراجح أنه طهور ويدل على ذلك :
1- قوله تعالى : ) فلم تجدوا ماء فتيمموا ( ولفظة " ماء " نكرة في سياق النفي و- الأصولية أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم قاعدة أصولية ، فهذا يعم كل ماء .
فكل ماء يتطهر به قبل التيمم بالتراب فإذا وقع فيه شيء من الورق أو شيء من الثمر أو نحو ذلك فتغيرت رائحته أو طعمه أو لونه مع بقائه على مسماه ، فهو ماء فيدخل في عموم الآية : ) فلم تجدوا ماءً ( .
2-الدليل الثاني : ما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال للنساء المغسلات لابنته : ( اغسلنها بماء وسدر ) وقال e في المتفق عليه فيمن وقصته راحلته فمات : ( اغسلوه بماء وسدر ) .
ومعلوم أن السدر يغير الماء. سـ: لو قيل : إن غسل الميت لا يفيده طهارة وإنما للتنظيف ، فلا يصح الاستدلال بهذين الحديثين ؟
3- الدليل الثالث : ما روى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح أن أم هانئ قالت : ( اغتسل النبي e وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر عجين ) .
والشاهد قوله : " في قصعة فيها أثر عجين " ومعلوم أن العجين يغير الماء.
4- الدليل الرابع : الأصل ، فالأصل في الماء أنه طهور ، وقد أنزله الله من السماء ماء طهوراً لنتطهر به ، فالأصل في الماء الطهورية ما لم يدل دليل على نقله إلى الطاهرية أو غيرها ، وليس هناك دليل يدل على ذلك بل الشريعة تدل على خلاف ذلك .
* و أما الماء المستخرج بعلاج كماء ورد أو نبات و نحو ذلك من المياه المعتصره من الأشجار فالصواب أنه لا يتطهر به لأنه ليس بماء مطلق فلم يدخل في عموم الآية خلافاً لمن ذهب إلى جواز التطهر به من أهل العلم . كما هو ظاهر اختيار شيخ الإسلام وعامة العلماء على خلافه وأنه ليس له أن يتطهر به .
قوله : [ أو رفع بقليله حدث ....... فطاهر ]
تقدم تعريف القليل عندهم وهم ما دون القلتين .
" أو رفع بقليله حدث " أي استعمل في رفع حدث أكبر أو أصغر .
مثاله :
رجل توضأ فتساقط الماء من أعضائه فاجتمع في إناء ، فهذا هو الماء المستعمل في رفع حدث سواء كان الحدث أصغر أو أكبر ، فهل هو طهور أم طاهر ؟
قال المصنف : " فطاهر " فهو لا يرفع الحدث ، بل هو طاهر وليس بطهور .
واستدلوا : بما ثبت في مسلم أن النبي e قال : ( لا يغتسلْ أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ) .
قالوا : فهذا يدل على أنه لا يجوز للمسلم أن يغتسل في الماء الدائم وهو جنب ليرفع حدثه ، وذلك لكون الماء المغتسل فيه عن حدث يتأثر بهذا الغسل أو " بالاغتسال " فيه وينتقل من الطهورية إلى غيرها .
قالوا : ولا ينتقل إلى النجاسة لما ثبت في الصحيحين أن النبي e : ( صب على جابر من وَضوئه ) ولكن هذا الماء ليس مستعملاً وإنما هو فضل طهور ولو كان نجساً لما صب عليه منه ، قالوا : فهو ماء طاهر .
ولو أن رجلاً مسح رأسه بفضل يديه فهل يجزئ أم لا ؟
فالجواب : 1- لا يجزئ ذلك لأن الماء طاهر وليس بطهور هذا هو مذهب الحنابلة .
2- وعن الإمام أحمد وهو قول ابن المنذر واختيار شيخ الإسلام وغير واحد من المحققين أن الماء طهور و هو الراجح .
واستدلوا : 1- بما روى أبو داود وأحمد بإسناد جيد أن النبي e : ( مسح رأسه بفضل ماء في يديه )() فهذا الماء الذي في يديه ماء مستعمل ، وقد مسح به رأسه .
واستدلوا : 2- بالأصل ، فالأصل أن هذا الماء طهور يتطهر به وهو ماء داخل في عموم قوله تعالى : ) فلم تجدوا ماءً ( .
ـ وأما الحديث الذي استدل به أهل القول الأول فأجابوا عليه بجواب صحيح وهو : أن الحديث إنما فيه نهي المسلم أن يغتسل في الماء الدائم وهو جنب وليس فيه أن الماء ينتقل إلى الطاهرية فهذه مسألة أخرى .
بل العلة الصحيحة في ذلك – للأدلة المتقدمة – أن ذلك ذريعة إلى تقذيره وإفساده فإن الماء إذا اغتسل فيه من الجنابة ومن الأحداث ونحوها فإن ذلك يؤدي إلى تقذيره ، لأنه ماء دائم.
وأما أن نحكم على الماء بأنه ينتقل عن الطهورية فليس في الحديث ما يدل على ذلك ، بل الأدلة تدل على خلاف ذلك.
قوله : [ أو غمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض لوضوء ...... فطاهر ]
أي إذا أدخل المكلف المستيقظ من نوم ليل ناقض للوضوء إذا أدخل يده أي كفه اتفاقاً في الإناء فإن هذا الماء ينتقل من الطهورية إلى الطاهرية ، وأما الصبي فلا في المذهب وهو ظاهر الحديث ، وقال شيخ الإسلام : يكره استعمال الماء الذي غمس يده فيه.
واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة : أن النبي e قال : ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده ) .
1- المسألة الأولى: أن هذا الحديث يدل على وجوب غسل اليدين لمن استيقظ من نوم الليل 1- وهذا هو مذهب الحنابلة.
لأمر النبي e والأمر يدل على الوجوب .
2-وقال الجمهور للاستحباب لقوله : ( فإنه لا يدري أين باتت يده ) وهذا شك فلا ينقل الماء عن الطهورية بالشك.
وهذا فيه نظر ، فإن هذا الشك إنما هو بالنسبة إلى المكلف فإنه لا يدري أين وقعت يده لجهله بالغيب.
فهذا واقع على المكلف وأما الشارع فقد أمر بغسل يديه إذا استيقظ من نومه .
فالأرجح مذهب الحنابلة وهو وجوب ذلك أي وجوب غسل اليدين ثلاثاً لمن استيقظ من النوم.
2- المسألة الثانية : هل هذا خاص بنوم الليل ، أم فيه وفي نوم النهار ؟
1- المذهب أنه إنما هو خاص في نوم الليل ، ولم أر أحداً من المذاهب المتبوعة يخالف ذلك ، ويدل على هذا وجهان :
الوجه الأول : ما في رواية أبي داود : ( إذا استيقظ أحدكم من نوم الليل )
الوجه الثاني : قوله : ( باتت ) : والأصل في البيتوته أن تكون ليلاً .
2- وذهب الحسن البصري إلى أنه عام في نوم الليل والنهار وأن حكمهما واحد .
و استدلوا له بعموم قوله : ( من نومه ) .
ولكن هذا الاستدلال فيه ضعف لما تقدم من الوجهين السابقين .
ـ فإن قيل : ألا يقاس نوم النهار على نوم الليل ؟
فالجواب : أن القياس ضعيف من وجهين :-
الوجه الأول : أن إلحاق نوم النهار بنوم الليل إلحاق مع الفارق ، فإن الليل هو محل النوم ، والأصل فيه أن يستغرق في نومه وتطول مدة النوم بخلاف نوم النهار فليس في الأصل محلاً للنوم والأصل فيه ألا يكون طويل المدة .
الوجه الثاني : وهو أقوى أن العلة غائبة عن المكلف غير مدركة له.
لذا قال أهل العلم : لو أن رجلاً وضع يده في قفازين أو نحو ذلك ، فإنه يجب عليه أن يغسل يديه ، لأن العلة تعبدية وقد قال e : ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاثاً فإن الشيطان يبيت على خيشومه ) متفق عليه ، وليس في الحديث أن الماء ينتقل عن الطهورية إلى غيرها ، ولذا فالراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ورواية عن أحمد أن الماء طهور ، وهذا هو الأصل .
قوله : [ أو كان آخر غسلة زالت النجاسة بها فطاهر ]
1- المشهور في المذهب أن النجاسة يجب أن تغسل سبع مرات إن كانت في ثوب أو نحوه كما سيأتي.
وعندهم أن الماء المنفصل من الغسلات الست نجس لأنه ماء لاقى النجاسة ، وما لاقى النجاسة و هو يسير فهو نجس .
وأما الغسلة السابعة التي زالت بها النجاسة فقالوا : هذا الماء طاهر وليس بطهور لأنه قد انفصل عن محل طاهر فكان كالماء الذي رُفِعَ به الحدث .
وأما الست فقد انفصلت عن محل نجس.
2- واختار شيخ الإسلام ابن تيمية و هو قول في المذهب أن الماء طهور وهو الراجح لأنه ماء لم يتغير بالنجاسة وهو ماء كذلك باق على أصله من الطهورية فأي دليل ينقله من الطهور إلى الطاهر.
قوله: [ والنجس : ما تغير بنجاسة أو لاقاها وهو يسير ]
هذا هو القسم الثالث من أقسام المياه .
وهو : ( ما تغير بنجاسة ) أي بمخالطة شيء من الأنجاس من بول أو عذرة أو نحوهما ، فتغير بهذه النجاسة ريحه أو طعمه أو لونه ، وهذا باجماع أهل العلم.
قوله : " أو لاقاها وهو يسير " : هذا هو النوع الثاني من أنواع الماء النجس .
" وهو يسير " : اليسير – عندهم – هو ما دون القلتين فهذا ينجس بمجرد الملاقاة وإن لم يتغير ، وهو 1- مذهب الجمهور .
2- وذهب الإمام مالك - كما تقدم - إلى إن الماء طهور ، وهذا القول هو الراجح وهو قول بعض الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم كما تقدم.
مسألة :
إذا كان الماء جارياً فيعتبر المجموع كما هو المشهور في المذهب لا كل جرية بمفردها ، وهي ما أحاط بالماء و فوقه وتحته ويمنةً ويسره سوى ما وراءها لأنه لم يصل إليها وسوى ما أمامها لأنها لم تصل إليه.
قوله : [ أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها ]
إذا انفصل عن محل النجاسة قبل أن تزول فالماء المنفصل عنها ماء نجس لأنه ماء قليل – وهذا هو الأصل ـ فهو ماء قليل قد لاقى نجاسة فيكون نجساً .
وكذلك الغسلات الست ، فقد تقدم أن الغسلة السابعة الماء المستعمل فيها ماء طاهر .
أما الغسلات الست الأولى فإن الماء فيها نجس و تقدم.
أما على القول الراجح : فنحن باقون على - المتقدمة وهي أنه إن تغير بالنجاسة فهو نجس وإلا فهو طهور .
قوله : [ فإن أضيف إلى الماء النجس طهور كثير غير تراب ونحوه أو زال تغير النجس الكثير بنفسه أو نزح منه فبقي بعده كثير غير متغير طهر ]
سـ : هل المذهب يقولون بإجزاء غير الماء الطهور في التطهير إذا كان غير التراب وإلا فما معنى قول المؤلف : " غير تراب ؟
هذه مسألة : في طريقة إزالة النجاسة من الماء وتحويل الماء من نجس إلى طهور ؟
ذكر المؤلف هنا ثلاث طرق:
الطريقة الأولى : أن يضاف إلى النجس طهور كثير والكثير عندهم – قلتان – فما فوق .
وقالوا : " كثير " : لأن الماء القليل ينجس بمجرد الملاقاة.
وإن كان الماء متغيراً بالنجاسة فلابد أن يزول التغير بإضافة هذا الماء الكثير إليه.
قوله : " غير تراب أو نحوه " : 1- كمسك لأنه ربما ستر التغير الحادث من النجاسة فيظن أنه قد زال و لم يزل.
2-وذهب بعض الحنابلة إلى أنه يطهر بذلك وهذا هو القول الراجح ، لأن علة النجاسة زالت وهي التغير والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً .
فبأي طريقة زالت النجاسة فإن الماء يصبح طهوراً ، لأن الخبث الذي نقل الماء من الطهورية إلى النجاسة قد زال قاعدة أصولية .
إذن التراب أو غيره – على القول الراجح – يعتبر مطهراً بل لو أضيف إليه شيء من المواد الكيميائية أو بعض الطرق الحديثة فزالت النجاسة فإنه يصبح ماءً طهوراً .
الطريقة الثانية :
قوله : [ أو زال تغير النجس الكثير بنفسه ]
فالطريقة الأولى : طريقة لتطهير الماء القليل ، والماء الكثير جميعاً .
لكن هذه الطريقة لتطهير الماء الكثير فقط .
فإذا كان الماء كثيراً فزالت عنه النجاسة بنفسه فإنه يصبح طهوراً ، أما الماء لو كان قليلاً فلا يطهر – على المذهب – لأن الماء القليل نجس بمجرد الملاقاة.
فإذن : الماء الكثير إذا تغير بالنجاسة ثم ذهبت عنه بنفسه فإنه ماء طهور ، قالوا : لأنه مطهر لغيره فهو كذلك مطهر لنفسه.
وعلى القول الراجح كذلك الماء القليل المتغير بالنجاسة إذا زالت عنه النجاسة بنفسه فإنه يطهر و يصبح طهوراً.
الطريقة الثالثة :
قوله : [ أو نزح منه فبقي بعده كثيرٌ غير متغير طهر ]
ما تقدم إضافة ، وهذه نزح .
مثال ذلك :
رجل عنده بركة فيها ماء فوقع في طرفها نجاسة فأخذ ينزح من الماء ويخرج حتى لم يبق أثر للنجاسة في هذه البركة فحينئذٍ يصبح الماء طهوراً لأنه بهذا النزح أصبح الماء المتبقي طهوراً إن كان كثيراً على المذهب.
فإن كان الماء قليلاً فما الحكم ؟
فالجواب : ما تقدم من أنه ينجس بمجرد الملاقاة على المذهب .
وعلى القول الراجح لا حاجة إلى هذه الطرق بل - : أنه متى ما زالت النجاسة فإن الماء يطهر فيصبح طهوراً على أصله " قاعدة " ، قال تعالى : ) وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً ( فمتى زالت النجاسة فإن الماء يعود إلى أصله من الطهورية .
قوله : [ وإن شك في نجاسة ماء أو غيره أو طهارته بنى على اليقين ]
هذا داخل في - الشرعية العامة : " اليقين لا يزول بالشك " .
وقد ثبت في الصحيحين عن عبدالله بن زيد أنه شكى إلى رسول الله e الرجل الذي يُخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة أو " يخيل إليه الشيء يجده في الصلاة " فقال : ( لا ينتقل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ) .
فإذا تيقنا أن الماء طهور ثم شككنا فيه هل وقعت فيه نجاسة أو لا ؟
أو وقع فيه شيء ونحن لا ندري هل هذا الشيء نجس أم لا ؟
أو هو ماء كثير فوقعت فيه نجاسة ثم شككنا هل غيرته أم لا ؟
وعلى الراجح إذا كان ماء قليلاً فوقعت فيه نجاسة ثم شككنا هل غيرته أم لا ؟
فحكم الماء أنه يبقى على أصله وهو أنه ماء طهور ، فاليقين لا يزول بالشك فنجاسته مشكوك فيها و طهارته متيقنة.
والع-كذلك : فإن كان الماء نجساً وقد تغير شيء من أوصافه بالنجاسة ثم شككنا هل زال هذا التغير أم لا ؟
فاليقين أنه نجس ، واليقين لا يزول بالشك.
مسألة :
إن أخبره 1- مسلم 2- مكلف 3- مستور الحال بأن هذا الماء نجس وعين سبب النجاسة لزمه قبول خبره قال تعالى : ) يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة ( 1- وهذا هو المشهور في المذهب .
2- قال في " المنتهى " : ويتجه كذلك إذا لم يكن عدلاً واعتقد صدقه كما قرر هذا ابن القيم لأن الله لم يأمر برد خبر الفاسق و إنما أمر بالتثبت فإذا ظهر ما يدل على صدق خبره وجب قبوله.
و إذا لم يعين له السبب لم يلزم قبول خبره لاختلاف الناس في سبب نجاسة الماء ولأنه أيضاً قد يكون على سبيل التوهم .
مسألة :
وإن أصابه ماء ميزاب أو ماء مجتمع في طريق وليس هناك أمارة على نجاسته كره السؤال ، وفي موطأ مالك أن عُمر رضي الله عنه قال لصاحب الحوض وقد سأل عمرو بن العاص : هل ترد السباع عليه فقال عمر " يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع و ترد علينا ".
· المسألة الأخيرة بعبارة أخرى " وهي عبارة الشيخ أثناء إلقاء هذا الدرس بتاريخ 4/1/1423 هـ " : أنه يكره كما نص عليه أحمد وشيخ الإسلام – السؤال عن الماء هل أصابته نجاسة أولاً ، إلا أن تكون هناك أمارة على تنجسه كأن تكون هناك رائحة بحيث يحتمل أن يكون من " البيارات " أو يكون قريباً من دورات المياه ، بحيث يكون هناك شك فلا بأس بالسؤال حينئذ " يدل عليه " : ما رواه مالك والبيهقي : أن عمرو بن العاص رضي الله عنه سأل رجلاً صاحب حوض : هل ترد السباع على حوضك ؟ فقال عمر رضي الله عنه : يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد السباع علينا .
قوله : [ وإن اشتبه طهور بنجس حرم استعمالهما ولم يتحر ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما ]
اشتبه على المسلم ماء طهور وماء نجس لا يدري أيهما الطهور من النجس .
الحكم : قال هنا : " حرم استعمالهما " لأن استعمال الماء النجس محرم من أي جهة تحريمه؟ واستعماله لهما كليهما متضمن لاستعمال الماء النجس.
وهل يتحرى أم لا ؟
1- قال هنا : " ولم يتحر " : أي ليس له أن يتحرى ، بمعنى : ليس له أن ينظر إلى القرائن التي تقوى أن يكون أحدهما هو الطهور فيستعمله ويدع الآخر ؟
2- وقال الشافعية بل يتحرى الطهور منهما فيستعمله .
كما أن الرجل إذا اشتبهت عليه القبلة وغلب على ظنه إحدى الجهتين استقبلها لأنه قد تعذر اليقين فنرجع إلى غلبة الظن كما في السهو في الصلاة في حديث : ( فليتحر الصواب ثم ليبن عليه ) .
وقد ذكر شيخ الإسلام القولين ولم يرجح .
والأقوى ما ذهب إليه الحنابلة لعدم الضرورة الداعية إلى التحري واستعمال أحد الماءين مع احتمال أن يكون هو النجس المحرم استعماله ، وعلى ذلك فيتيمم.
1- قوله : " ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما "
لأن العاجز عن استعمال الماء كالعادم له .
2- و القول الثاني في المذهب : أنه يشترط ليكون عادماً للماء والراجح ما تقدم.
قوله : [ وإن اشتبه بطاهر توضأ منهما وضوءاً واحداً من هذا غَرْفة ومن هذا غَرْفة ، وصلى صلاة واحدة]
هذه المسألة مبنية على القول المرجوح الذي تقدم وهو تقسيم الماء إلى طاهر وطهور ونجس وعلى هذا القول تتفرع هذه المسألة :-
فإذا اشتبه عليه ماءان أحدهما طاهر والآخر طهور ولا يدري إيهما الطاهر من الطهور ؟
فالحكم كما قال هنا : " يتوضأ منهما وضوءاً واحداً من هذا غرفة ومن هذا غرفة وصلى صلاة واحدة "
فإذن : يتوضأ منهما وضوءاً واحداً ، ولكن يغسل العضو مرتين مرة بالماء الطهور ومرة بالماء الطاهر ليحصل باجتماعهما اليقين .
فإن توضأ من هذا وضوءاً ومن هذا وضوءاً ؟
لم يجزئه على المشهور في المذهب لأنه يكون غير جازم في كل وضوء بأنه يستعمل الماء المطهر.
قوله : [ وإن اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أو بمحرمة صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس وزاد صلاة ]
رجل عنده ثياب قد أصابت بعضها نجاسة وهو لا يعرف الثياب النجسة بعينها و ليس عنده ثوب غير مشتبه بطهارته.
قالوا :1- يصلي بعدد الثياب النجسة ويزيد صلاة واحدة .
مثال : رجل عنده عشرة ثياب يعرف أن ثمانةً (8) منها نجسة ولكن لا يدري ما هي بعينها ، فيقال له : صل ثماني صلوات ثم زد صلاة تاسعة فيكون قد صلى تسع صلوات ويكون بذلك قد تيقن أنه صلى بثوب طاهر.
قالوا : هذا إذا علم عدد ثياب النجسة ، أما إذا لم يعلم قالوا : يصلي في كل ثوب منها صلاةً ولو كثرت لأنه بذلك يتيقن صحتها .
2- وذهب الشافعية والأحناف إلى القول بالتحري وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهذا هو القول الراجح.
لأن الله عز وجل قال : ) فاتقوا الله ما استطعتم ( 2- ولأن الله رفع الحرج عن هذه الأمة وفي فعل ذلك حرج ، فكونه يصلي هذه الصلوات الكثيرة فيه حرج . قاعدة رفع الحرج .
3- كما أن الصلاة لا تصلى أكثر من مرة إلا إذا ثبت فيها خلل فإنها تعاد ، أما إذا لم يثبت فيها خلل فإنه ليس له أن يعيدها كما نهى عن ذلك النبي e .
و كذا إذا اشتبهت عليه ثياب محرمة كالمغصوبة بثياب مباحة صلى بعدد الثياب المحرمة وزاد صلاةً على المذهب و الأرجح أنه يتحرى .( على القول بأن الصلاة بالثوب المحرم لا تصح ) .
|